أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - المقبرة : عظام تطحن واسرار ابدية السر














المزيد.....

المقبرة : عظام تطحن واسرار ابدية السر


كاظم حسن سعيد
اديب وصحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8853 - 2026 / 10 / 9 - 13:46
المحور: الادب والفن
    


المقبرة : عظام تطحن واسرار ابدية السر.

هذه النصوص للكاتب العراقي رؤوف علوان اخترتها من كتابه‏( مباهج الموت‏).. الذي اتوقع ان يرى النور قريبا.


١
‏( كنت اقف عند نزلة شارع الطوسي متباعدآ عن ضجة الزوار والباعة الصغار واصوات التهليل المتتالي من حاملي الجنائز ورقابهم الراقصة.
فاطل الى المقبرة التي تمتد حتى بحر النجف. كانت الدروب الضيقة تموج برميم الاموات.. وتغرق القبور في سكون عدمي، وهي تكتم اسرارها. والسراديب افواه الحيات. تنفث روائح الموت ورطوبة العفن. وفي قعرها تطحن العظام.
راحت الشمس تغطس بالتدريج في سرداب الغروب. فقد انهت الاحتفاء بضيوف النهار الجدد.‏).


....يعتمد هذا المشهد الجنائزي على تصوير سينمائي قاتم يحفر في العتمات بؤرا تجسد العدم..
اولا دعنا نجرد المفردات عن سياقاتها الدلالية ونحصيها ونصنفها معجميا :
‏(القعر، تموج، رميم، بحر، القبور، تغرق، سكون، عدمي، تكتم، أسرارها، السراديب، أفواه، الحيات، تنفث، روائح، الموت، رطوبة، العفن، تطحن، العظام، تغطس، سرداب، الغروب، احتفاء، ضيوف، الرقاب، الراقصة، التهليل، ضجة، الدروب، ضيقة‏).
١ – معجم المدى والابتلاع

استخدم الكاتب مفردات توحي بالابتلاع، العمق، واللاإنتهاء، لتجسيد فكرة الخلود مقابل الفناء:

​البحر / بحر النجف: توظيف الأفق المائي المفتوح مع المقبرة لإعطاء شعور بالاتساع الذي لا نهاية له.

​القعر: النزول إلى القاع السفلي، حيث تنتهي الحياة ويبدأ التفكك.

​تغرق: استخدام الحركة المائية للتراب والقبور لبيان كثافة الموت وغمرته.

​تموج: إضفاء حركة موجية على «الرميم»، وكأن الموت بحرٌ آخر يتحرك تحت الأقدام.

٢– معجم الفناء والتفكك الجسدي

​تتناول هذه المفردات تحول الجسد البشري من الحالة الحية إلى عناصر الطبيعة الأولى:


​رميم / العظام / تطحن: مفردات تضرب على وتر التلاشي الصلب والميكانيكي للجسد، فالقعر ليس مكاناً للراحة بل "مطحنة" زمنية.

​رطوبة العفن / روائح الموت: استدعاء حاسة الشم لتجسيد الواقعية المادية للمقبرة والتحلل.
ويمكن ان نجد تصنيفات معجمية اخرى ..
ولم يستخدم الكاتب سوى فعلين يحددان موقعه وحاله ‏( اقف ..متباعدا واطل الى‏) , ثم يبدأ التصوير الجنائزي.
في العراق وبسبب الاوبئة التي حصدت الالوف والحروب والاحتلالات المتتالية والانقلابات الفاتكة نرى في الفقد والموت فاجعة تزلزل الارواح.. لسنا مثلهم يأتون المقابر متأنقين وربما تفلت دمعات شحيحة يحملون باقة ورد... نحن ننصهر جزعا , بعض النساء تجز شعورهن واخريات لا يتخلين عن الرداء الاسود طيلة العمر ..نهيل التراب على الرؤوس ونشقق الجيوب .
وبعد كلّ إطلالةٍ على المقبرة، نرتدُّ محملين بجبالٍ من الأسى .. وقد ننسى او نتناسى وتمضي الحياة بدونهم , لكن كل حلم يذكر او ذكرى خاطفة او كلمة مقترنة نستعيد الفوران.
يحتل البحر ومشتقات مفرداته مساحة واسعة في النص :
يظهر البحر / بحر النجف/ رقعة واقعية وجغرافية حقيقية ..بعدها تنهال الانزياحات المعجمية : ‏( الدروب الضيقة تموج... والقبور تغرق ... والقعر مطحنة العظام ... والشمس تغطس ‏).
وفي قعرها تطحن العظام :

قد تُحيل هذه الصورةُ القارئَ إلى مشهدٍ ميكانيكيّ متجسّدٍ بآلات الطحن (كالمطاحن الحجرية، والأسطوانية، والمطارق، والكروية، والاهتزازية)؛ غير أن الكاتب لا يقصد الفعل الآلي الآدمي، بل يتجاوزه إلى التلاشي التجريدي، وسحق الجمال البشري ومسخه.»



. قد تحيلك هذه الصورة لمشهد آلي متجسدا بالمطاحن.

وتغرق القبور في سكون عدمي، وهي تكتم اسرارها ..نحن امام ذهن تساؤلي يستنطق المجهول..:

«فأولئك الذين غيّبهم العدم، أيَّ أسرارٍ يحملون؟ وأيَّ مباهجَ أُطفِئت، وكوارثَ جُمِّدت، وآمالٍ تحقّقت أو قُبرت معهم؟»

......
٢
هذا المقطع لوحة تهكمية وسريالية عن الموت لكنها سريالية واقعية :
‏(وملت يمينا. اساير سور المقبرة وانا اتذكر حكايا الموت التي تعكر المزاج, فقيل ان فلانا احترق في لحده لانه كان رفيقا حزبيا، وتابوت سقط من اعلى السيارة فقفزت منه كلبة تجري خلفهم مسرعة. فقد تجسدت صورة الفقيدة الباطنة اذ كانت ساحرة كما اعترف ابناؤها. وقد تنقل الملائكة روحها الى حضرموت.
ولكن الموت يبدو لصيقا بشغف الحياة.د فقد كان جارنا الطاعن في السن يتغرغر بلعومه، فاستقدمت بناته وكناته الدلالة، وطلبن منها في الفور ملابس داخلية جديدة. واخترن اللون الوردي والاحمر والحني. وبعد ساعة صرخن عاليا عند الباب وشققن ثيابهن لموته.
فيما وضع الرجل المولع بالخمرة والقمار الصوندة في است والد زوجته المسجى حتى انتفخت بطنه ثم سحب الصوندة فخرج منها الخراء.
وهو يضحك وزوجته تبكي لابيها المهان.

وحين وصلت بوابة مقابل گراج الاحياء لاحت المقبرة القديمة وانا امضي لزيارة قبر ابي وافكر ان ارسم وجه الموت بالكلمات الفضية وانقش على الشواهد المندثرة خارطة السير الى الغامض البعيد . لعلي اجد ظلي في المدافن وفي زحام الاسواق موتتي. اذ كانت حياتي تارجح بين خيال الموت ورحى الواقع.‏).


تجسد حادثة الجار الميت ومشتريات الملابس الداخلية ذات الألوان الصاخبة (الوردي والاحمر والحني) ذروة التهكم الأدبي؛ حيث تلتهم غريزة الاستمرار والزينة هيبة الموت قبل أن يجفّ رمق الميت، ليتحول الصراخ وتشقيق الثياب إلى مجرد "طقس مسرحي" مُعدّ سلفاً.

تدل حادثة الصوندة وما رافقها من ضحك وجنون على هتك مجازي لهيبة الاحتضار، وإشارة قاسية إلى ضراوة الواقع العراقي الذي ألِفَ الموت حتى أفقده قدسيته، وجعله مسرحاً للسخرية السوداء.

الصياد
٩ ايلول
٢٠٢٦



#كاظم_حسن_سعيد (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حجم ولون وحركة الصدور في التراث العربي
- الخصيان وعملية صنعهم: بحث معمق للجاحظ وشولتز
- ( مقابلة اخرى مع البريكان في الكويت
- جمال وعيوب القافية
- مراقبة...قصيدة
- الفعلان (طَقَّ) و(طَگ) عراقياً وتطورهما المجازي
- اضاءة على النص التراثي ...كتاب كامل
- أصناف النظرات في التراث العربي
- طرديات أبي نواس
- من السحر إلى الضبط: التشريع ملاذاً من الجفاف الأدبي بالفترة ...
- سيكولوجية رفض العشيقات للشعراء: ولّادة بنت المستكفي أنموذجاً
- الوشاء في كتابه الموشى يصف جمال الفارسيات
- قصة الشاعر الحلي وأبيات أبي الشيص
- أشهر شاعرتين من الخوارج: قراءة في سيكولوجية الدم والجمال
- الذكاء الاصطناعي يطيح برواية «كان ذلك أو الموت» من قائمة جائ ...
- الشاعر القطامي والتشبيه المتكلف.ج٢
- الشاعر القطامي والتشبيه المتكلف
- ظلال المفردات في النص التراثي
- في جماليات النص التراثي قراءات في التشكيل والرؤية .. كتاب كا ...
- ازهار الجوز كتاب كامل


المزيد.....




- فوز فيليب جاينادا بجائزة غونكور 2026.. انتصار البحث الأرشيفي ...
- -إلى من يشبهونني في الحطام-… مرح دلول تكتب الصمت والنجاة في ...
- باتمان: نايت فول.. قراءة سينمائية في الاحتراق النفسي وهشاشة ...
- وثائقي جديد يعيد فتح ملف مأساة فيلم «راست» ومحاكمة أليك بالد ...
- رحيل الفنان الكويتي كاظم الزامل بعد مسيرة حافلة في الإبداع و ...
- بعد توقف قلبه.. نجل الفنان محمد الحلو يكشف تطورات حالته الصح ...
- وفاة الفنان الكويتي كاظم الزامل بعد سنوات من الغياب وفقدان ا ...
- باربيس- حي ينبض بالموسيقى
- ميلوني تدعو لتوحيد التمثيل الأوروبي في مفاوضات السلام الأوكر ...
- مليون كتاب للبنان .. استعادة المكتبات من ركام الحرب


المزيد.....

- الدومري لا يطفئ عينيه / د. خالد زغريت
- رواية صرخات وهمسات- محمد الفقي / محمد الفقي
- الاصدق لهجة- الاجيب حميج الحريزي / حميد الحريزي
- رواية البركان - حميد الحريزي / حميد الحريزي
- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - كاظم حسن سعيد - المقبرة : عظام تطحن واسرار ابدية السر