|
|
نشأة وتطور الحزب الشيوعي السوري /5 - 5/
عبدالله تركماني
الحوار المتمدن-العدد: 8861 - 2026 / 10 / 17 - 21:07
المحور:
اليسار , الديمقراطية والعلمانية في المشرق العربي
مراحل نشوء وتطور الحزب الشيوعي السوري /5 – 5/ ملخص مكثف لجزء من أطروحة الدكتوراه " الأحزاب الشيوعية في المشرق العربي والمسألة القومية من العشرينات إلى حرب الخليج الثانية " ملاحظات عامة نقدية إنّ جهدي المتواصل وعملي الدؤوب وتراكم خبراتي العملية ومعارفي النظرية، هي وراء إنجازي لأطروحة الدكتوراه بدرجة مشرف جداً من كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية في الجامعة التونسية عام 2001، وبالتالي لكتاب الأطروحة في دار نشر " الآن " في بيروت عام 2002، ولم أتلقَ أي دعم - مادي أو معنوي - من أية مؤسسة حكومية أو حزبية، بل أني أعتقد أنّ أي دعم كان سيؤثر سلبياً على العمل. فمنذ وقوع هزيمة حزيران/يونيو 1967، وعلى ضوء متابعتي لدور الشيوعيين الفيتناميين في معركة التحرر الوطني لشعبهم بدأت تخامرني فكرة دراسة تطور مواقف الأحزاب الشيوعية العربية عامة، والحزب الشيوعي السوري بوجه خاص. وعليه، فإنّ الأطروحة جاءت ثمرة لتوثيق ومتابعة استمرا طوال عقدي الثمانينات والتسعينات من القرن العشرين، استجابة لدافع بحثي تولّد لديَّ بعد إنجاز أطروحتي الجامعية الأولى حول " الوحدة المصرية - السورية عام 1958 وموقف الحزب الشيوعي السوري منها " في العام 1983 في جامعة الجزائر. وقد أنجزت الأطروحة خلال ظروف صعبة، حيث نقلت وثائقها ومسوداتها بين بلدان عديدة. وطوال العقدين كنت لا أترك فرصة إلا وأستغلها للحصول على وثائق وكتب تخدم البحث، بما فيها أرشيف الحزبين الشيوعيين الفرنسي واللبناني. ولا شك أنّ العديد من الأصدقاء في أغلب الدول العربية، قد وفّروا لي فرصاً للحصول على المصادر والمعلومات، وأخص بالذكر المرحوم ميشيل كيلو. إنّ الأطروحة محاولة لقراءة تجليات المسألة القومية في تاريخ المشرق العربي المعاصر من خلال منظور تحليلي لوثائق ومواقف الأحزاب الشيوعية في البلدين العربيين المشرقيين الرئيسيين (العراق وسورية). مع إدراكي أنّ المشرق العربي، باعتباره منطقة تلاقٍ وتفارقٍ بين الحضارات والأديان والثقافات والمصالح، لا يمكن معرفته بسهولة. فالغاية – حينئذ - أن أرى القادة والمفكرين السياسيين، خاصة الشيوعيين منهم، من منظور تاريخي نقدي. حيث تصدر أهمية دراسة هذه الأحزاب عن السياق التاريخي الذي نشأت وتطورت فيه أكثر مما تصدر عن إمكانياتها الفكرية والسياسية. فبعد حوالي ثمانين سنة على بداية الحركة الشيوعية في المشرق العربي وبعد انهيار الاتحاد السوفياتي تزداد التساؤلات حول ماضيها وآفاق مستقبلها: ماهي حصيلة هذه التجربة؟ وكيف مارست أحزاب هذه الحركة وروّادها العلاقة ما بين القومي والأممي؟ وما هو موقعها في صيرورة التغيّرات العميقة التي شهدتها المنطقة؟ وهل امتلك الشيوعيون مشروعاً مستقلاً للتعاطي مع قضايا المسألة القومية العربية؟ وما هو موقفهم من قضيتي الوحدة العربية وفلسطين؟ وما هو مصير هذه الأحزاب بعد أن فقدت سندها الدولي (المعسكر الإشتراكي) الذي كان يدعمها ويوفّر لها الغطاء اللازم كي تستمر في أداء دورها؟ وهكذا، فإنّ اختياري لموضوع البحث جاء تحت تأثير هاجسين أساسيين هما: 1- هاجس ذاتي: معايشتي العضوية لجزء من تاريخ الحركة، مما يجعل شيئاً من ذاتي في هذا العمل دوماً، ولكن على أساس أن يكون هذا البحث علمياً قدر الإمكان، عملاً بما ذكره الفيلسوف الفرنسي المعاصر بول ريكور(P.Ricoeur) في كتابه " تاريخ وحقيقة "، حيث قال " ننتظر من المؤرخ ذاتية معينة، لكنها ليست من أي نوع، وإنما ذاتية مقيَّدة بالموضوعية المنشودة، القائمة على إعمال الفكر". 2- التأصيل النظري النقدي لتجربة أحد التيارات الفكرية - السياسية في المنطقة العربية، ومن خلال ذلك إعادة النظر في تاريخنا المعاصر، حيث أصبح من الضروري إعادة تحليل هذا التاريخ، وفهم قوانين حركته وتطوره الدولية والعربية. وتكمن الأهمية العلمية لموضوع البحث في محاولة الإجابة عن التساؤل الجوهري التالي: لماذا لم تتمكن الأحزاب الشيوعية في المشرق العربي، بالفكر الماركسي - اللينيني - الستاليني الذي حملته، والذي هو وليد البنية الاقتصادية - الاجتماعية الأوروبية المتقدمة والروسية المتأخرة، من التأثير في عمق المسألة القومية العربية؟ ولأنه لا يمكن دراسة الأحزاب الشيوعية في المشرق العربي والمسألة القومية العربية، بشكل علمي، إلا انطلاقاً من التعرف على مراحل نشوء وتطور هذه الأحزاب، وكذلك تأصيل البعد النظري لدراسة مواقفها، فإنني كرّستُ الباب الأول للإطار النظري والتاريخي. حيث وصّفتُ في الفصل الأول " المكان العربي وتفاعلاته " و" أصول التجزؤ العربي ". وتناولتُ في الفصل الثاني مجموعة تعاريف ومصطلحات ضرورية (الأمة، القومية، الدولة القومية، التنوير، الحداثة والعقلانية، الليبرالية والديمقراطية، العلمانية، الماركسية)، بهدف إجراء المقارنات اللازمة للبحث، حيث حلّلتُ مجموعة القضايا التي يثيرها الموضوع حول المسألة القومية العربية، التي هي التعبير عن مشروع النهضة العربية التي تتداخل فيها مهمات التحديث الفكري والسياسي والثقافي مع مهمات النهوض الاقتصادي والاجتماعي، وذلك بتجسيد وحدة المصير العربي كمنطلق للنهوض الحضاري. وفي الفصل الثالث، تناولتُ مراحل نشوء وتطور الحزبين الشيوعيين المشرقيين الرئيسيين في سورية والعراق، وأهم القضايا الفكرية والتنظيمية التي ميّزت الحزبين، كما تناولت المحطات الهامة في تاريخ الأحزاب الشيوعية في لبنان والأردن وفلسطين والسودان. وفي الباب الثاني، تناولتُ المسألة القومية في العالم وكيف طرحتها الماركسية. وقد وزّعتُه على ثلاثة فصول: أولها، المسألة القومية في العالم خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، بما في ذلك أهم الأفكار والتجارب القومية (النمط البريطاني - الفرنسي، النمط الألماني - الإيطالي، النمط الأميركي، النمط الياباني، النمط السوفياتي)، إضافة إلى أهم الاتجاهات والمواقف الماركسية تجاه المسألة القومية. وثانيها، مسيرة تكوّن الحركة القومية العربية وتطورها، وأهم مفكريها وقضاياها. وثالثها، الماركسيون العرب والمسألة القومية العربية (ياسين الحافظ، الياس مرقص، سمير أمين)، إضافة إلى مساهمات مغاربية (هشام جعيّط، عبدالله العروي، محمد عابد الجابري). وفي الباب الثالث، تناولتُ مواقف الأحزاب الشيوعية في المشرق العربي من قضايا المسألة القومية، خاصة الحزبين السوري والعراقي. وقد وزّعتُه على ثلاثة فصول: أولها، في مرحلة ما بين الحربين (مرحلة الكفاح من أجل الاستقلال الوطني 1920-1948). حيث تناولتْ مواقف وكتابات الحزبين الشيوعيين السوري والعراقي خلال هذه المرحلة بعض قضايا المسألة القومية العربية: الاستقلال الوطني، والتقدم الاجتماعي، والأمة والقومية والوحدة العربية، والقضية الفلسطينية. لقد وضع الحزب الشيوعي السوري في مقدمة أهدافه، خلال هذه المرحلة، النضال من اجل الاستقلال الوطني، ولم يتعرض لأية شبهة على هذا الصعيد، فيما عدا ملابسات قضية لواء الإسكندرون. كما أنّ الحزب الشيوعي العراقي كان موقفه من المسألة الوطنية واضحاً منذ تأسيسه في العام 1934، إذ كان هدفه الرئيسي هو تحقيق الاستقلال الوطني والسيادة الوطنية وإلغاء الامتيازات الاستعمارية البريطانية العسكرية والاقتصادية، التي منحتها المعاهدة العراقية ـ البريطانية في العام 1930 للاستعمار البريطاني. أما بالنسبة لقضية الوحدة العربية، فقد اتسمت مساهمة الحزبين بالتقطع، وعدم الثبات، إذ كان تكتيك الأممية الشيوعية هو المقرِّرُ الرئيسي لموقفهما من قضية التوحيد القومي العربي. بينما أدرك الحزب الشيوعي السوري الجوهر الرجعي العميق للفكرة الصهيونية، فقبيل صدور قرار تقسيم فلسطين من قبل هيئة الأمم المتحدة في 29 نوفمبر 1947، أبدى الحزب اعتقاده بأنّ حلَّ قضية فلسطين هو في الجلاء والاستقلال وإلغاء الانتداب ورفض مشروع التقسيم، وأنّ من الممكن أن يعيش العرب واليهود في دولة ديمقراطية مستقلة واحدة. لكنّ تأييد الاتحاد السوفياتي لتقسيم فلسطين، وصمت الحزب عن هذا الموقف، قد سببا له ضرراً كبيراً، إذ أوقعاه في حالة اللاشرعية. أما الحزب الشيوعي العراقي، فقد وقف موقفاً مبدئياً واضحاً ضد الصهيونية، واحتلت القضية الفلسطينية مكاناً بارزاً في نشاطاته. وقد تميّز موقفه من قرار التقسيم في أنه رفض، في البداية، التمشّي مع الموقف السوفياتي، باعتبار أنّ تقسيم فلسطين " عبارة عن مشروع إمبريالي قديم "، وأنه سيؤدي إلى " إخضاع الأكثرية العربية للأقلية الصهيونية ". ولكنّ الموقف قد تغير في يوم 24 مايو 1948، حين جرى الحديث عن " التصلب السياسي " في الموقف العربي خلال حرب 1948، وفي 6 يوليو 1948 سارت قيادة الحزب في خط السياسة السوفياتية. وثانيها، مرحلة المشروع القومي العربي والدولة الشمولية (1948-1967)، فبالرغم من تمايز فترات هذه المرحلة في تاريخ البلدين والحزبين، فإنّ قضايا المسألة القومية العربية خلالها كانت متقاربة: الانقلابات العسكرية، والنضال ضد الأحلاف الاستعمارية، وقيام الجبهات الوطنية، والتمهيد لقيام الوحدة المصرية ـ السورية. وفي إطار هذه المرحلة تناولت أهم الاستنتاجات تبعاً لثلاث فترات: (1) ـ الفترة الاولى (1948 ـ 1958) شهدت سورية، خلال هذه الفترة، أربعة انقلابات عسكرية، وقف الحزب الشيوعي السوري منها موقفاً مناهضاً. وقد ركّز الحزب نشاطه السياسي ضد مشروع " الدفاع المشترك " ومشروعي " سورية الكبرى " و" الهلال الخصيب "، وكذلك ضد المساعدات الأميركية التي اتخذت تسمية " النقطة الرابعة ". لقد تميّز انقلاب 25 فبراير 1954 عن الانقلابات العسكرية السابقة في كونه تم تحت إشراف الأحزاب السياسية، ونتيجة ذلك شهدت سورية، على مدى أربع سنوات، حكماً برلمانياً. وقد تميّزت سياسة الحزب آنذاك بالتحالف مع ممثلي " البورجوازية الوطنية "، وموقفه الحازم من " حلف بغداد ". وفي الانتخابات البرلمانية، التي جرت في العام نفسه، انتُخب الأمين العام للحزب خالد بكداش عضواً في البرلمان السوري، كأول شيوعي في العالم العربي. أما الحزب الشيوعي العراقي، فقد تميّزت السنوات الأولى من هذه الفترة بعدم اكتراثه بقضايا المسألة القومية العربية، وبتوجهه نحو الوضع العراقي الداخلي، حيث ساهم في بلورة تحالفات بين مختلف المجموعات السياسية العراقية أثناء تحضير الانتخابات البرلمانية في العام 1954، كما ساهم مساهمة فعالة في تشكيل جبهة " الاتحاد الوطني " في العام 1957، وقد شكلت الجبهة تغييراً نوعياً في الوضع السياسي العراقي، مما مهّد لإسقاط النظام الملكي على يد الجنرال عبد الكريم قاسم في 14 يوليو 1958، وإعلان الجمهورية. (2) ـ الفترة الثانية (1958 ـ 1963) تميّزت هذه الفترة بقيام الجمهورية العربية المتحدة وسقوطها، ولم يستطع الحزب الشيوعي السوري أن يوفِّقَ بين معالجته للقضايا السورية، بغض النظر عن كيفية هذه المعالجة، وفيما فرضته الحياة السياسية من ضرورة المعالجة ليس فقط في الإطارالسوري بل في الإطار العربي الأوسع، وهنا يكمن سبب تغيير مواقفه، وتميّزه بعدم الثبات. وهكذا، لم يوجّه الحزب انتباهه إلا إلى النتائج السلبية التي ولّدتها التدابير السياسية والاقتصادية التي اتخذتها حكومة الوحدة، ولم يسعَ لتفسير هذه التدابير بشكل موضوعي. أما الحزب الشيوعي العراقي فقد عاش أزهى فترات تاريخه في ظل نظام عبد الكريم قاسم، خاصة في السنوات الثلاث الأولى. فقد فتح النظام الجمهوري عهداً جديداً في تاريخ العراق السياسي، أدخل الحزب في جو من النشوة بالنصر، وانتقل إلى النشاط العلني، فقاد جميع المنظمات الجماهيرية التي كانت تضم نحو مليون من العمال والفلاحين والطلبة والمثقفين والنساء، وفي هذا السياق طالب الحزب بالمشاركة في السلطة. وفي هذا الجو من النشوة والانتصارات المتلاحقة انتشرت نزعات الغرور والرضا عن النفس، التي دفع الحزب ثمنها لاحقاً بمزيد من الانقسامات في صفوفه .
(3) ـ الفترة الثالثة (1963 ـ 1967) وقد عرفت الأحزاب الشيوعية في الأقطار العربية تحولات عميقة في استراتيجيتها وتكتيكاتها، على ضوء التحول في السياسة الخارجية السوفياتية، حيث انتشر مفهوم " التطور اللارأسمالي " الذي يقتضي من الشيوعيين أن يدعموا الأنظمة العسكرية التي تجري إصلاحات زراعية وتأميمات، وتقيم علاقات وطيدة مع الاتحاد السوفياتي. لذلك فإنّ الأحزاب الشيوعية العربية بدأت تتحدث عن " الوحدة العربية "، حيث اعتبرت أنّ طموح الشعوب العربية نحو الوحدة هو طموح " مشروع "، منبثق عن واقع " وجود أمة عربية مجزأة تواجه عدواً واحداً ". لقد وصّف الحزب الشيوعي السوري نظام حكم حزب البعث العربي الاشتراكي بأنه " وطني وتقدمي موجّه ضد حكم كبار الملاكين الإقطاعيين والبورجوازية الكبرى ". ولعلَّ الأخطاء التي ارتكبها الحزب قد تقاسمها مع التيار القومي، حيث أنهما لم يريا معا طبيعة التحدي التاريخي أمام العرب، وهو " التآخر العربي ". كما أنّ الحزب قد وجد ركيزته الاجتماعية في نفس الفئات البينية، من البورجوازية الصغيرة والمتوسطة، التي أنتجت وساندت مشروع الانقلابات العسكرية، وبذلك ساهم الحزب في فشل المشروع القومي العربي. لقد سلك الحزب الشيوعي العراقي، خلال هذه الفترة، السلوك نفسه الذي اتخذه شقيقه السوري، فبالرغم من مقاومته لسلطة انقلاب حزب البعث في 8 فبراير 1963، فإنه رحّب بانقلاب عبد السلام عارف في 18 نوفمبر. وثالثها، مرحلة تراجع المشروع القومي العربي (1967-1991)، فإذا كان وصول العسكريتاريا، في العديد من الأقطار العربية، إلى السلطة في المرحلة السابقة قد شكّل منعطفاً في التطور العربي المعاصر، فإنّ صراع القوى الاجتماعية والسياسية في تلك المرحلة قد مهّد الطريق أمام الهزيمة الكبرى للعرب في 5 يونيو 1967. بحيث يمكن القول: إنّ تاريخ العالم العربي المعاصر عامة، والمشرق العربي بوجه خاص، هو سلسلة من الأحداث التي تشكلت وانتظمت باعتبارها نتائج هذه الهزيمة . وقد شهد الحزب الشيوعي السوري خلال هذه المرحلة انشقاقين كبيرين: أولهما، بقيادة رياض الترك في العام 1973. وثانيهما، بقيادة يوسف الفيصل في العام 1986. لذلك استخلصتُ من كتابات ومواقف الأجنحة الثلاثة، كل على انفراد، وفي السياق الزمني المناسب، أهم ما يتعلق بالمسألة القومية العربية، بما فيها مسألة السلطة والتحولات الاجتماعية في سورية، وكذلك ما يتعلق بالحزب الشيوعي العراقي. وفي إطار هذا التقديم تناولت أهم الاستنتاجات تبعا لفترتين : (1) ـ الفترة الأولى (1967 ـ 1980) لم يرَ الحزب الشيوعي السوري (جناح خالد بكداش) عمق التحولات، الموصوفة أعلاه، بل استمر في رؤيته "الاقتصادوية" و"الطبقوية" السابقة. كما لم يرَ تسلُّطَ الدولة على المجتمع، بل رأى فيها السير على طريق "التقدم الاجتماعي" و"التطور اللارأسمالي " و"معاداة الامبريالية" و"الصداقة مع الاتحاد السوفياتي". فبالرغم من هزيمة 1967، وما نتج عنها من توسّعٍ إسرائيلي في الأراضي العربية فقد كان يقول "إنّ العدوان لم يحقق أهدافه" لأنه لم يستطع "أن يسقط النظامين التقدميين في مصر وسورية"، كما جرى الحديث عن أنّ حركة التحرر الوطني العربية قد تمكنت من تحقيق انتصارات سياسية واجتماعية كبرى يمكن أن تكون أساسا للانتقال بهذه البلدان إلى الاشتراكية! وفي هذا السياق شكّل الموقف من القضية الفلسطينية والعمل الفدائي أحد محاور الخلاف في الحزب الشيوعي السوري، وقد ظهر ذلك جلياً في المجلس الوطني الذي عقده الحزب في نوفمبر 1971 لمناقشة "مشروع البرنامج السياسي للحزب" و"آراء العلماء والساسة السوفييت". لقد أثّرت حرب اكتوبر 1973 على مجمل قضايا المسألة القومية العربية خلال هذه الفترة، فطغت إفرازاتها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على كتابات ومواقف الحزب الشيوعي. حيث انطلقت تحليلات الحزب من أنّ حركة التحرر الوطني العربية تجري وتتقدم في ظروف "نهوض قوى الاشتراكية والسلام في العالم"، وأنها حققت "منجزات كبرى " ضد الامبريالية والاستعمار والرجعية والصهيونية، ومن أجل الاستقلال الوطني و"الديمقراطية الشعبية"، وتعمق محتواها "التقدمي الاجتماعي بشكل واضح". وعلى صعيد التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في سورية، فقد بدأ الحزب يتحدث، باحتشام، عن "البورجوازية الطفيلية " التي ترعرعت في ظل "قطاع الدولة"، وفي الآن نفسه الدفاع عنه لـ"السير نحو آفاق الاشتراكية"! وفي الحقيقة، فإنّ أهمية "مشروع البرنامج السياسي للحزب الشيوعي السوري" في أواخر العام 1970 تكمن فيما ورد فيه من تطور ملحوظ في تناول المسألتين القوميتين الرئيسيتين: الوحدة العربية، والقضية الفلسطينية. وبشكل عام، فإنّ الأحزاب الشيوعية المشرقية دعت خلال هذه الفترة إلى التضامن والتعاون بين الأنظمة "التقدمية" العربية، وإلى دعم "جبهة الصمود والتصدي"، وإلى "منع محاولة إعادة مصر إلى الصف العربي". أما الحزب الشيوعي السوري (جناح رياض الترك)، فقد ساهم مساهمة كبيرة في توضيح قضايا المسألة القومية العربية، ليس على صعيد قضية الوحدة العربية وقضية فلسطين فحسب، بل أيضا على صعيد السياسات الداخلية للأقطار العربية بشكل عام، ولسورية بشكل خاص، انطلاقا من قناعاته بأنّ الامبريالية ليست عاملا خارجيا فحسب، بل هي جزء لا يتجزأ من المكوّنات البنيوية الداخلية في الأقطار العربية. اما التسوية العربية -الإسرائيلية، بشكل عام، فقد رآها الحزب بأنها تهدف إلى :"ترتيب أوضاع المنطقة العربية، عن طريق إحداث تغيّرات في الواقع السياسي وفي البنى الاجتماعية والاقتصادية للأقطار العربية، تؤمّن قطف ثمار عدوان 1967، فيما يخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية". أما عن التحولات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في سورية، فقد تحدّث الحزب في أوائل العام 1979 عن أنّ ما يميّز الأوضاع السورية هو "اشتداد وتعمّق الأزمة العامة بنواحيها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، كنتيجة منطقية للنهج الذي سار عليه النظام". وقد طالب بـ"بناء الحركة الشعبية المستندة إلى وعي اجتماعي متقدم كطريق لإجراء التغيير الجوهري للأوضاع في سورية". أما الحزب الشيوعي العراقي، فقد ساهم من خلال كتاباته ومواقفه في بعض قضايا المسألة القومية العربية، خلال هذه الفترة. فقد شكّلت مسألة الجبهة الوطنية أحد أركان العمل السياسي للحزب منذ تأسيسه في العام 1934، ومرورا بتجربة "جبهة الاتحاد الوطني" في العام 1957، ووصولا إلى "الجبهة الوطنية والقومية التقدمية" في العام 1973. ومن المفارقات التي لفتت نظري، أنه بقدر إشادة الحزب بتجربة "الجبهة الوطنية والقومية التقدمية "، في الفترة ما بين 1973 ـ 1978، فإنّ تاريخه اللاحق في هذه المرحلة تميّز بالنقد الجارح لهذه التجربة. بحيث يمكن القول بأنّ تجربة الجبهة هي التي طبعت، إيجابيا وسلبيا، سلوك الحزب خلال هذه الفترة. أما بالنسبة لحركة التحرر الوطني والوحدة العربية، والقضية الفلسطينية، والتسوية العربية - الإسرائيلية فقد كانت مساهمة الحزب فيها محدودة، إذ ركّز جهوده على الوضع الداخلي العراقي. مع العلم أنّ الحزب، تحت ضغط هزيمة 1967 ومشاكله الداخلية، عرف انشقاقا قاده عزيز الحاج تحت اسم "الحزب الشيوعي العراقي ـ القيادة المركزية"، التي تميّزت بموجة الحوارات الفكرية والسياسية التي أطلقتها حول قضايا التغيير في العراق ، وواقع حركة التحرر الوطني العربية، ومسائل النضال القومي العربي، وخاصة قضيتي الوحدة العربية وفلسطين، ولكنَّ انهيار قائدها أمام السلطة العراقية واعترافاته المتلفزة قد ساهمت في إجهاض هذه التجربة . لقد عرف الحزب فترته الذهبية في العراق، خلال السنوات 1975 الى 1978، حيث كانت جريدته ومجلاته الثقافية وكتبه علنية. ولكنّ تجربة الجبهة قد انتهت بخروج قيادة الحزب بعيدا عن وطنها الذي شهد حربين مدمِّرتين في الفترة (1980 ـ 1991).
(2) ـ الفترة الثانية (1980 ـ 1991) شهدت هذه الفترة "تصدّعا" جديدا في الحزب الشيوعي السوري، وبذلك وُجدت ثلاثة أحزاب شيوعية في سورية، سوف أثبّت أهم الاستنتاجات التي استخلصتها من مواقفها وكتاباتها خلال هذه الفترة، التي تميّزت بالحرب العراقية ـ الإيرانية، وبالاجتياح الإسرائيلي للبنان في صيف العام 1982، وانتهت باجتياح الجيش العراقي للكويت في 2 آب 1990 وحرب الخليج الثانية في يناير 1991. فبعد التغيّرات العاصفة التي شهدها الاتحاد السوفياتي ودول "المنظومة الاشتراكية" الأخرى، ازداد نقد الحزب الشيوعي السوري (جناح خالد بكداش) لنظام الحكم، وطالب بتوسيع القاعدة الديمقراطية للأحزاب المشاركة في الجبهة، ورفع الاحكام العرفية وتحقيق السيادة للقانون، بل وصل به الأمر إلى المطالبة بـ"إصلاح النظام السياسي". وعن تأثيرات "البيروسترويكا" على الأحزاب الشيوعية، فقد قال بكداش "لن نغيّرَ اسم حزبنا، ولن نتخلى عن المركزية الديمقراطية في تنظيمنا ونؤكد تمسّكنا الكامل بمبادئ الماركسية - اللينينية والأممية البروليتارية". أما الحزب الشيوعي السوري (جناح رياض الترك)، فقد شهد، خلال هذه الفترة، تراجعا نسبيا في كتاباته ومتابعاته حول المسألة القومية العربية، حيث أنّ صحيفته "نضال الشعب" أصبحت تصدر في أوقات متباعدة، لذا ركّز في الحيّز المحدود لكتاباته على الوضع الداخلي، خاصة وأنّ حملات الاعتقال قد طالت بقايا إطاراته في هذه الفترة أيضا. أما ما يتعلق بالتحوّلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في سورية، فقد اعتبر الحزب الأزمة السورية العامة هي الحصيلة النهائية لسياسات النظام وبرامجه وخططه. وبعدما بدأت أنظمة الحكم "الاشتراكية" تتساقط تباعا في أوروبا الشرقية، تحدّث الحزب عن "رياح التغيير والانبعاث الوطني الديمقراطي" ودعا إلى إعادة بناء الأوضاع على أساس "الاقتراب من الديمقراطية وإعادة الاعتبار لكرامة الإنسان وحقوقه الطبيعية". أما الحزب الشيوعي السوري (جناح يوسف الفيصل)، فقد ظهر في النصف الثاني من هذه الفترة مستفيدا من جملة الأفكار والتحوّلات التي شهدها الحزب نفسه، وكذلك الأحزاب الشيوعية العربية، إضافة إلى خطاب "البيروسترويكا" و"الغلاسنوست" الغورباتشوفي. لذلك جاء بخطاب جديد متّزن، خاصة فيما يتعلق بحركة التحرر الوطني العربية وقضاياها، بينما حاول أن يسبق خالد بكداش في تقديم الولاء للسلطة. أما التحوّلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في سورية، فقد اعتبر الحزب أنّ ثمة قضيتين أساسيتين تشكّلان محور الوضع الداخلي في سورية، في العام 1991، هما: استئناف عملية التنمية، وتوسيع الديمقراطية وتطويرها. وفي هذا الإطار دعا الحزب إلى استكمال مقوّمات الدولة العصرية المتحضرة، القائمة على احترام حقوق الإنسان وترسيخ الحياة الدستورية، وإشاعة الديمقراطية على نطاق واسع في الدولة والمجتمع. أما الحزب الشيوعي العراقي، فقد عقد خلال هذه الفترة مؤتمره الوطني الرابع، في أواخر العام 1985، وقد اعتمدتُ على الوثائق الصادرة عن المؤتمر في محاولة متابعة مواقفه من قضايا المسألة القومية العربية: الحرب العراقية- الإيرانية، وحركة التحرر الوطني والوحدة العربية، والقضية الفلسطينية والتسوية العربية ـ الإسرائيلية، والتحوّلات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في العراق، ووسائل كفاح الحزب وتحالفاته، والمسألة القومية الكردية. وأخيرا، حوصلتُ البحث بخاتمة عامة، إضافة إلى مجموعة ملاحق وثائقية ذات صلة بموضوع البحث، وكشّافات الأعلام والأماكن التي تردد ذكرها، وفهرس الموضوعات . أهم الاستنتاجات بعد تتبعي لكتابات ومواقف الأحزاب الشيوعية في المشرق العربي، وخاصة الحزبين الشيوعيين السوري والعراقي، توصلت إلى مجموعة استنتاجات تفسّر، إلى حد ما، عدم تمكّن هذه الأحزاب من التأثير في عمق المسألة القومية العربية، ومن أهمها: (1)- تبعية الأحزاب الشيوعية إلى الموقف السوفياتي والأممية الشيوعية "الكومنترن"، إذ إنّ مراحل تطور هذه الأحزاب هي نفسها مراحل تطور السياسة الخارجية السوفياتية. وقد كان ذلك في خلفية تأرجح وعدم ثبات مواقف هذه الأحزاب من قضايا المسألة القومية العربية، بل ومعاداتها في بعض الأحيان. لقد عرفت الأحزاب الشيوعية في المشرق العربي من الماركسية طبعتها السوفياتية الرسمية، التي حملت منذ سنة 1924 اسم "الماركسية ـ اللينينية"، وتحولت في عهد ستالين، ومن جاؤوا بعده، إلى ايديولوجية رسمية سُخِّرَتْ ـ أساسا ـ لتبرير سياسات وممارسات الدولة السوفياتية. وهنا يبرز الدور الكابح الذي مارسه فكر "المركز" في فكر هذه الأحزاب، الذي استكان لاستخدام الأفكار الجاهزة كمرشد للعمل والسياسة. (2)-الفهم الاقتصادوي – الطبقوي - السياسوي لمسار حركة التحرر القومي العربية دون النظر إلى خصائص تكوينها. فلقد تمثلت النزعة الاقتصادوية التبسيطية لديها بالسيرورة التالية: التكنولوجي ـ الاقتصادي ـ الاجتماعي ـ الايديولوجي ـ السياسي. وواضح أنّ هذه الأطروحة تنكر التطور الثقافي ـ الاجتماعي ـ السياسي الذي سبق ومهد للثورة الصناعية في الغرب. وأنّ السيرورة التاريخية للتقدم ما تزال وستبقى هي نفسها: السياسي ـ التكنولوجي ـ الاقتصادي . وفي سياق هذه النزعة شكّل مفهوم طريق "التطور اللارأسمالي إلى الاشتراكية"، الذي قدّمه المنظّرون السوفييت وصفة لتبرير السياسة الخارجية السوفياتية تجاه الأنظمة المستبدة في بعض البلدان العربية، مصدرا كبيرا للسياسات الخاطئة التي سلكتها الأحزاب الشيوعية في المشرق العربي المعاصر، حين تجاوزت مفهوم "الطبيعة الطبقية للدولة ولوظيفتها"، وأخذت تبرّر سياسات الحكومات الديكتاتورية. لقد كانت سياسوية حين أغفلت الجانب القيمي والثقافي، وأكدت الجانب السياسي المباشر، حين تمحورت مواقفها وكتاباتها حول السلطات السياسية اعتمادا على معيار شكلي حدوده "التقدمية" و "الرجعية" و "معاداة الامبريالية". وكثيرا ما كانت تختصر هذه الحدود إلى عناصر "التأميم" و "قطاع الدولة" و "العلاقات مع الاتحاد السوفياتي". وبذلك تجاهلت جوهر المسألة السياسية، أي مسألة الديمقراطية، مسألة العلاقة بين الدولة والأفراد والطبقات، أساس كل ديمقراطية نسبية، وضمانة تكوين سلطة معبّرة عن مصالح الأغلبية وقادرة على تقديم بديل شرعي لها ضد فشلها أو تميّزها واستقلالها عن الشعب، وبالتالي الخروج من الحلقة المفرغة للانقلابات العسكرية وحل الصراعات الاجتماعية بالعنف والقهر. وفي هذا السياق اعتادت على تحميل الامبريالية والصهيونية كل بلايا التأخر العربي، وإطلاق العنان لديماغوجية رنانة تجعل من العداء لهما وسيلة للتنفيس عن الغضب، وصبّه على العامل الخارجي، لإعفاء العامل الداخلي، في أغلب الأحيان، من النقد. (3)-تأثير الستالينية في فكر وممارسة هذه الأحزاب، بما مثلته من تحول الوعي الماركسي إلى مستوى الجمود العقائدي، حين تم تحويل المنهج المادي التاريخي الماركسي إلى وصفة ايديولوجية مغلقة جاهزة. فقد خاضت معركة الماركسية السوفياتية ـ الستالينية ضد الليبرالية، دون أن تستوعب أنّ نقد الليبرالية من موقع متخلف عنها، من موقع المجتمع الذي لم يحقق منجزاتها، لن يكون نقدا اشتراكيا بل "تأخراكيا". إنها لم تتطلع إلى الكشف عن الأبعاد النهضوية (التقدم، والعقلانية، والديمقراطية، والعلمانية) التي كانت تنطوي عليها حركة النهضة العربية الحديثة. وقد جعلها انقطاعها عن تراث المفكرين النهضويين العرب، وانسلاخها عن مسار حركة التنوير العربي، مرتهنة لايديولوجيا الماركسية ـ اللينينية ـ السوفياتية، التي تماثلت مع جذرها الثقافي التقليدي، مما حال دون بروز إسهاماتها في إعادة إنتاج الماركسية عربيا. لكنها خاضت كفاحا متواصلا ضد السيطرة الاستعمارية المباشرة وضد القوى الرجعية، وعانى مناضلوها من أساليب التعذيب داخل السجون، وقدم بعضهم صور صمود رائعة. إنّ نضالاتها المتنوعة لم تجد ما يوازيها على صعيد الإنتاج النظري، الإنتاج في الفكر الماركسي، أي الدراسة الجدية لمجتمعاتنا العربية، لما هو خاص في هذه المجتمعات، وما هو عام/مشترك في حركة الكفاح الكوني على الصعيد العالمي. واستنادا إلى معطيات البحث فقد تناولتُ نقديا، بتركيز يتناسب مع هذا التقديم للبحث، أهم مفاهيم ومقولات هذه الأحزاب، وأخيرا أستخلصتُ الرؤية التي كوّنتها عن كيفيات إنجاز النهضة والتقدم في العالم العربي: (1)-من خلال دراستي للتجارب القومية في العالم، بدا واضحا لي أنّ الدولة القومية الحديثة تقوم على أسس ثلاثة: فصل السلطات، ورقابة المجتمع على سلطة الدولة، وخضوع سلطة الدولة نفسها للقوانين التي تسنّها. بحيث تصبح ممارسة السلطة في هذه الدولة تتم بالرضا الطوعي للمحكومين، على اعتبار أنّ الطبقة الحاكمة تمثل مصالح الأمة. وبحيث يُنظر إلى الدولة باعتبارها حقلا يعكس تناقضات البنية الاجتماعية وتوازنات القوى فيها، الأمر الذي قد يسمح بإعادة تمثّل مسائل جوهرية عديدة. وبالرغم من عجز العرب عن بناء الدولة القومية الموحَّدة الحديثة لأسباب عديدة، اقتصادية واجتماعية وثقافية، فإنّ الأسباب السياسية شكلت أحد أهم العوائق أمام إمكانية تطوير الأمة إلى كيان الدولة الموحَّدة. ولعل ذلك متأتٍ من صلابة وعراقة بعض الدول العربية، إضافة إلى مصالح الطبقات الحاكمة التي تحول دون الرغبة في التخلي عن بعض امتيازات السلطة. (2)- تُعتبر قضية سلطة الدولة وأشكالها أحد المعوّقات الهامة التي اعترضت النضال العربي المعاصر، وهي قضية ذات جانبين: أولهما، يتعلق بتركيبة السلطة الموروثة، بقسم منها، عن عهود ما قبل الرأسمالية، والتي تجددت بصيغ مختلفة، حتى في ظل التغيّرات والتحوّلات التي شهدتها بعض الأقطار العربية. وثانيهما، أنّ القوى القومية التقدمية التي وصلت إلى السلطة لم تتصدَّ بالقدر الكافي، وفي كل الظروف، لهذه القضية كمهمة أساسية مطروحة عليها بالرغم من أهميتها على صعيد تحقيق مهمات الثورة القومية الديمقراطية، بما فيها إنجاز مشاريع التنمية الشاملة، بل إنّ بعضها قد خضع للانقلابات العسكرية التي تحولت إلى أعمال مغامرة مناقضة للتقدم ومُجهضة للتطور. إنّ غياب الديمقراطية عن الحياة السياسية والاجتماعية العربية كان العثرة الكبرى أمام تحديث الدول العربية، والثغرة الأساسية في عدم تقدم الأمة ، وفي عدم تحقيق الاندماج الوطني لشعوبها وحريتها ووحدتها. ولعل مسألة الديمقراطية هي من أهم الدروس التي يمكن أن يستخلصها المؤرخ للعالم العربي المعاصر، فقد أدى إضعاف دور المواطن وتقليص المشاركة الحقيقية في العملية الإنمائية إلى ضعف الإنجازات التنموية الحقيقية، إذ إنّ التقدم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي لا يمكن تحقيقه واستمراره في ظل غياب الإصلاح السياسي، والاستناد إلى قاعدة ديمقراطية أوسع وتمتّعٍ فعّالٍ بالحريات السياسية والفكرية. إنّ مشروع النهضة العربية كان ولا يزال في حاجة إلى فكر الأنوار والحداثة، وكذلك استيعاب التحوّلات والتغيّرات التي تطرأ على الساحتين العربية والدولية. مما يستوجب الاعتراف بالخصوصيات الوطنية، في إطار التنوع ضمن العروبة الواحدة، مع إمكانية تحويل التنوّع إلى عنصر غنى للثوابت القومية الضرورية لتطور كل حركة قومية. ومن أجل ذلك، تبدو الديمقراطية في رأس أولويات التجديد العربي، فالمسألة القومية تستدعي مقولات جديدة: المجتمع المدني، الديمقراطية، الدولة الحديثة، المواطنة. وتبدو أهمية ذلك إذا أدركنا أنّ المشرق العربي المعاصر، بشكل عام، لا يملك لغة سياسية حديثة، منظمة وممأسسة، في بناه السياسية والثقافية، إذ بقي خارج تسلسل وتاريخ الأحداث، فالماضي مازال ملقى على هامش الحاضر، بل يهدد المستقبل. وفي هذا السياق تبدو الماركسية، باعتبارها منهج نقد وتحليل وليست مقولات جامدة، حاجة مهمة لتجديد المشروع العربي. وتبدو أهمية الماركسية حيّةً، لأن الرأسمالية، التي قامت الماركسية الكلاسيكية بتشخيصها أفضل تشخيص، مازالت ماثلة أمامنا بأبشع صورها. وبمعنى آخر، فإنّ الماركسية غير قابلة للتجاوز، لأنّ الظروف التي ولّدتها لم يتم تجاوزها بعد.
#عبدالله_تركماني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
مراحل نشوء وتطور الحزب الشيوعي السوري /4 - 5/
-
مخاطر غياب الحوكمة الرشيدة في سوريا الجديدة
-
مراحل نشوء وتطور الحزب الشيوعي السوري /3 - 5/
-
مراحل نشوء وتطور الحزب الشيوعي السوري /2 - 5/
-
التنشئة السياسية في سوريا الجديدة ودورها في تنمية المجتمع
-
مراحل نشوء وتطور الحزب الشيوعي السوري /1 - 5/
-
واقع التعليم في سوريا الجديدة وآفاقه المستقلية
-
محددات تحويل رفع سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب إلى فر
...
-
توصيفات الدول الفاشلة ومحاولة إسقاطها على الواقع السوري
-
إشكاليات الثقافة العربية في زمن متغيّر /2 - 2/
-
إشكاليات الثقافة العربية في زمن متغيّر /1 - 2/
-
حضور رقابة السلطة وغياب رقابة المجتمع في الدول العربية /*/ /
...
-
حضور رقابة السلطة وغياب رقابة المجتمع في الدول العربية /*/ /
...
-
إشكالية الدولة في الفكر السياسي الإسلامي المعاصر
-
حضور رقابة السلطة وغياب رقابة المجتمع في الدول العربية /1 -
...
-
مظاهر التنافس التركي - الإسرائيلي على سوريا ومآلاته /*/
-
الإسلام والحداثة السياسية في التجربة التركية /3 - 3/ /*/
-
الإسلام والحداثة السياسية في التجربة التركية /2 - 3/ /*/
-
ألم يكن من الأجدى جمعية تأسيسية توافقية؟ /*/
-
مخاطر التماهي بين الدولة والسلطة في سوريا /*/
المزيد.....
-
الحوثيون يعلنون إسقاط طائرة استطلاع سعودية من طراز -كاريال-
...
-
-عدوى فرنسية-.. أحداث شغب ونهب بمدينة ميلانو الإيطالية تسفر
...
-
الدفاعات الجوية الروسية تسقط 87 مسيرة كانت متجهة إلى موسكو م
...
-
روبيو يبرر تعليق العقوبات على روسيا: الديزل سيباع بطريقة أو
...
-
روبيو: لا علاقة للبيت الأبيض بتقييد عمل -ستارلينك- في أوكران
...
-
احتجاجات فرنسا: حريق يُدمر بلدية ليموج
-
تنظيم الدولة يعلن قتل 21 عسكريا بهجوم على قاعدة للجيش في نيج
...
-
بعد 65 عاما.. الشرطة الأمريكية تحل لغز جريمة قتل وهوية القات
...
-
معرض باريس للسيارات يشعل المشهد العالمي بموجة من الطرازات ال
...
-
عاجل | وزير الخارجية الأمريكي: طالبنا إسرائيل باتخاذ إجراءات
...
المزيد.....
-
خواطر في المسألة العربية
/ ياسين الحاج صالح
-
سبل تعاطي وتفاعل قوى اليسار في الوطن العربي مع الدين الإسلام
...
/ غازي الصوراني
-
المسألة الإسرائيلية كمسألة عربية
/ ياسين الحاج صالح
-
قيم الحرية والتعددية في الشرق العربي
/ رائد قاسم
-
اللّاحرّية: العرب كبروليتاريا سياسية مثلّثة التبعية
/ ياسين الحاج صالح
-
جدل ألوطنية والشيوعية في العراق
/ لبيب سلطان
-
حل الدولتين..بحث في القوى والمصالح المانعة والممانعة
/ لبيب سلطان
-
موقع الماركسية والماركسيين العرب اليوم حوار نقدي
/ لبيب سلطان
-
الاغتراب في الثقافة العربية المعاصرة : قراءة في المظاهر الثق
...
/ علي أسعد وطفة
-
في نقد العقلية العربية
/ علي أسعد وطفة
المزيد.....
|