أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حمزة الكرعاوي - انتظار البرابرة















المزيد.....

انتظار البرابرة


حمزة الكرعاوي

الحوار المتمدن-العدد: 8857 - 2026 / 10 / 13 - 19:34
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


حين يصبح انتظار المنقذ بديلًا عن صناعة

ثمة قصائد لا تنتهي عند آخر أبياتها، بل تبدأ بعدها رحلة أخرى في ضمير القارئ؛ تتحول الكلمات إلى مرآة يرى فيها حاضره، ويكتشف من خلالها أن التاريخ، وإن غيّر أسماء أبطاله، كثيرًا ما يعيد إنتاج المأساة ذاتها.

ومن بين هذه القصائد تبرز قصيدة الشاعر اليوناني قسطنطين كافافي «في انتظار البرابرة»، التي رسم فيها مشهد مدينة بأكملها تستعد لقدوم البرابرة. الإمبراطور ينتظر، وأصحاب المناصب ينتظرون، والناس ينتظرون، وكأن الحياة السياسية والاجتماعية قد توقفت إلى أن يصل القادمون من وراء الحدود.

لكن البرابرة لا يأتون.

وهنا تقع المفارقة الكبرى: ماذا ستفعل المدينة بعدما بنت يومها ومستقبلها على انتظار من ظنت أن مجيئه سيحسم كل شيء؟

إنها ليست مجرد حكاية شعرية عن مدينة قديمة، بل سؤال فلسفي وسياسي يتجاوز الزمان والمكان: ماذا يحدث للأمم حين تفقد الثقة بقدرتها على صناعة مستقبلها، فتتعلق بمنقذ خارجي، أو تستسلم لقوة غامضة تتخيل أنها تملك مفاتيح خلاصها؟

العراق الذي ينتظر

حين ننظر إلى العراق، بما يمتلكه من تاريخ عريق وثروات هائلة وطاقات بشرية وكفاءات علمية وثقافية، يصعب ألا نتساءل: كيف وصل بلد بهذه الإمكانات إلى مرحلة صار فيها سؤال الخلاص حاضرًا بقوة في الوعي العام؟

العراق ليس بلدًا فقيرًا بالموارد، ولا شعبًا فقيرًا بالعقول، ولا أمةً تفتقر إلى التاريخ. لكنه، منذ عقود طويلة، عاش الحروب والاستبداد والحصار والانهيارات السياسية، ثم دخل بعد عام 2003 مرحلة جديدة من الصراع على السلطة وبناء النظام السياسي، في ظل أزمات تتعلق بالفساد وضعف المؤسسات وتعدد مراكز النفوذ والسلاح خارج السيطرة الفعلية للدولة.

وفي خضم هذه الأزمات، تتكرر الأسئلة ذاتها: هل يأتي الحل من واشنطن؟ هل يتغير الواقع بتدخل إيراني أو بتراجع النفوذ الإيراني؟ هل تنتظر البلاد تسوية دولية، أو تفاهمًا إقليميًا، أو زعيمًا استثنائيًا يظهر فجأة فينهي كل شيء؟

قد يكون للمجتمع الدولي دور مهم في دعم الاستقرار وحماية الحقوق ومساندة الإصلاح، وقد تؤثر التوازنات الخارجية فعلًا في مستقبل العراق. لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه التأثيرات إلى بديل عن الإرادة الوطنية، وحين يصبح مستقبل البلد رهينة لما تقرره العواصم الأخرى.

فالدول لا تُبنى بمجرد انتظار تغيّر موازين القوى، والشعوب لا تستعيد حريتها لمجرد أن قوة خارجية قررت إعادة ترتيب مصالحها.

من هم البرابرة في حكايتنا العراقية؟

ليس المقصود بالبرابرة هنا شعبًا بعينه، ولا قومية أو دينًا أو دولةً بأكملها. فاستعارة كافافي أعمق من أن تُختزل في هوية عدو محدد.

إن البرابرة، في قراءتنا السياسية، قد يكونون صورةً لكل ما نعلّق عليه عجزنا عن التغيير، ولكل قوة نتخيل أن وصولها أو رحيلها سيعفينا من مسؤولية بناء الدولة.

وقد يكونون أيضًا رمزًا للخوف الذي يسكن المجتمع، وللأزمات التي تتضخم حتى تصبح شماعةً تُعلَّق عليها كل الإخفاقات، بينما تبقى الأسئلة الأساسية بلا إجابة.

من المسؤول عن ضعف المؤسسات؟ لماذا لا يكون القانون فوق الجميع؟ كيف يمكن بناء قضاء مستقل لا يخضع للنفوذ السياسي؟ لماذا لا تحتكر الدولة السلاح؟ وكيف تتحول الثروة النفطية إلى تعليم وصحة وفرص عمل وخدمات عامة، بدلًا من أن تصبح موضوعًا دائمًا للصراع على السلطة؟

هذه الأسئلة لا يجيب عنها رحيل طرف خارجي وحده، ولا وصول طرف آخر. إنها تحتاج إلى دولة مؤسسات، ومواطنة متساوية، ومحاسبة حقيقية، وإرادة وطنية تتجاوز الولاءات الضيقة.

أخطر أشكال الانتظار

قد يكون الانتظار مفهومًا لدى شعب أنهكته الحروب، وخذلته النخب السياسية، وتراجعت ثقته بقدرة التغيير السلمي على تحقيق النتائج. فالناس حين تفقد الأمل بمؤسساتها، تبدأ بالبحث عن قوة أكبر منها، قادرة على فرض النظام وإنهاء الفوضى.

لكن الخطر أن يتحول الأمل إلى اتكالية، وأن تصبح السياسة مجرد مراقبة لما يجري خارج الحدود، وأن ينتظر المواطن سقوط هذا الطرف أو انتصار ذاك، بينما تستمر حياته في الدوران داخل الحلقة نفسها.

إن انتظار المنقذ قد يريح الإنسان مؤقتًا من عبء التفكير في الحلول، لكنه لا يبني مدرسة، ولا يصلح مستشفى، ولا يؤسس قضاءً مستقلًا، ولا يضمن حرية الصحافة، ولا يحمي امرأةً من العنف، ولا طفلًا من الاستغلال.

والأخطر من ذلك أن يتبدل المنقذ الموعود من زمن إلى آخر، بينما يبقى المواطن في مكانه، يتغير الخطاب وتبقى الأزمات، تتبدل الوجوه وتستمر بنية المصالح التي تعيق قيام الدولة.

وهكذا قد تصبح الأزمة أكبر من فساد مسؤول أو فشل حكومة؛ فقد تتحول إلى ثقافة سياسية تنتظر التغيير من الخارج أكثر مما تعمل على إنتاجه من الداخل.

ماذا لو لم يأتِ أحد؟

هذا هو السؤال الذي تتركه قصيدة كافافي معلقًا فوق المدينة، وهو السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا في العراق.

ماذا لو لم تأتِ القوة التي ينتظرها البعض؟ ماذا لو لم تتدخل دولة كبرى؟ ماذا لو تغيرت المصالح الدولية، وانشغلت القوى الإقليمية بصراعاتها الخاصة؟ ماذا لو اكتشف العراقيون أن كل طرف خارجي يتحرك، أولًا، وفق حساباته ومصالحه، لا وفق أحلامهم الوطنية؟

هل تتوقف البلاد عن الحياة؟ هل يظل مستقبل أجيالها معلقًا على قرار لم تشارك في صنعه؟

إن الإجابة لا ينبغي أن تكون دعوةً إلى العزلة عن العالم، ولا إنكارًا لحقيقة أن السياسة الدولية تؤثر في مصائر الدول. بل هي دعوة إلى فهم الفرق بين التعاون مع الخارج والارتهان له، وبين الاستفادة من التوازنات الدولية وتسليم الإرادة الوطنية إليها.

العراق يحتاج إلى علاقات دولية متوازنة، لا إلى تبعية جديدة. يحتاج إلى أصدقاء وشركاء، لا إلى أوصياء. ويحتاج قبل كل شيء إلى مؤسسات تستطيع حماية مصالحه، أيًا كان الطرف الذي يربح جولةً سياسية في الخارج.

الخلاص ليس شخصًا، بل نظامًا

ربما كان أحد أكبر الأخطاء السياسية أن نبحث عن رجل واحد ينقذ البلاد، أو حزب واحد يحتكر الحقيقة، أو مرجعية واحدة تختصر الدولة، أو قوة خارجية تملك وحدها مفاتيح المستقبل.

الدولة الحديثة لا تقوم على انتظار البطل، بل على بناء نظام لا يحتاج إلى بطل كي يعمل.

نحتاج إلى قضاء مستقل، ومؤسسات رقابية فاعلة، وانتخابات تحترم إرادة الناخبين، وإدارة عامة تقوم على الكفاءة، وقوانين تطبق على الجميع. ونحتاج إلى ضمان حقوق المرأة والطفل، وصون حرية التعبير والاعتقاد والنشر، وتجريم الفساد ومحاسبة مرتكبيه وفق القانون.

ونحتاج كذلك إلى هوية وطنية تتسع لجميع العراقيين، فلا يُختزل المواطن في مذهبه أو قوميته أو عشيرته، ولا تُقاس وطنيته بمدى قربه من حزب أو زعيم أو دولة أخرى.

العراق الذي نريده ليس نسخةً من بلد آخر، بل دولة تستفيد من تجارب العالم الناجحة، وتختار ما يناسب مجتمعها، وتبني مؤسساتها على أساس المواطنة والحرية والعدالة وسيادة القانون.

إن الإصلاح ليس حدثًا سحريًا يقع في ليلة واحدة، بل عملية طويلة تبدأ بالوعي، وتتقدم بالتنظيم والعمل المدني والمحاسبة والمشاركة السياسية، وتحتاج إلى حماية الحقوق ورفض العنف والإيمان بأن التغيير الحقيقي لا يستقيم من دون مؤسسات مستقرة.

حين تنتهي القصيدة ويبدأ التاريخ

في قصيدة كافافي، لا يأتي البرابرة، فتجد المدينة نفسها أمام فراغ لم تكن مستعدة له. فقد اعتادت الانتظار إلى درجة أن غياب المنتظَر أصبح أزمةً بحد ذاته.

أما العراق، فلا ينبغي له أن ينتظر حتى يكتشف أن غياب المنقذ ليس نهاية التاريخ، وأن رحيل قوة أو صعود أخرى لا يعفيه من بناء دولته.

ليس المطلوب أن نغلق أبوابنا أمام العالم، بل أن نفتح أبواب الدولة أمام مواطنينا. وليس المطلوب أن ننكر أثر القوى الخارجية، بل أن نمنع هذا الأثر من أن يتحول إلى بديل عن القرار الوطني. وليس المطلوب أن نحمّل الشعب وحده مسؤولية ما صنعته الحروب والاستبداد والفساد، بل أن نستعيد له موقعه بوصفه صاحب الحق في اختيار حكامه ومحاسبتهم وتغييرهم بالوسائل الدستورية.

إن العراق لا يحتاج إلى برابرة يأتون لإنقاذه، ولا إلى أوصياء يقررون عنه، بل يحتاج إلى مواطنين أحرار، ومؤسسات قوية، وقانون عادل، ودولة لا تخضع إلا لدستورها وإرادة شعبها.

فالمأساة ليست أن ينتظر العراقيون طويلًا، بل أن يعتادوا الانتظار حتى ينسوا أنهم قادرون على صناعة البديل.

وربما كان السؤال الأهم الذي ينبغي أن يبقى مفتوحًا بعد قراءة كافافي ليس: متى يأتي البرابرة؟

بل:

متى يتوقف العراق عن انتظار الآخرين، ويبدأ ببناء الدولة التي يستحقها أبناؤه؟



#حمزة_الكرعاوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل نحن في العراق دولة أم مذهب عابر للحدود؟
- الديمقراطية: نشأتها، وفلسفتها، وشروط قيام الدولة الديمقراطية
- الديمقراطية العراقية بعد عام 2003: الاحتلال، وحاكمية الإنسان ...
- العراق بين غياب الديمقراطية ونفوذ الميليشيات ورجال الدين وال ...
- رجال الدين والسلطة في العراق: من النفوذ الديني إلى السيطرة ع ...
- ترامب وروسيا وأوكرانيا والحوثيون: هل يعاد رسم النظام الدولي ...
- لا سيادة بلا دولة
- تشرين... يوم قال العراقيون: نريد السلام ونريد الوطن
- السلاح خارج سيطرة الدولة العراقية
- انسحاب أم هزيمة
- إنتخابات المكونات برعاية نجمة داود
- بدعة الفتوى
- حوار في مطار بغداد بين عراقية ومستوطن فارسي
- الطائفية وأمراضها
- نهاية إحتكار الخطاب الديني والثقافي
- الدور الإيراني في العراق
- سياسة الركض خلف السراب
- تقليد مراجع الشيعة وعد بلفور الأول
- العتبات واجهات الحرس الثوري الإيراني في العراق
- فرق الموت الإيرانية في العراق


المزيد.....




- البيت الأبيض: إدارة ترامب كشفت عمليات احتيال بأكثر من 260 مل ...
- الجيش البريطاني يجري تدريبات على السيطرة على جزر فوكلاند
- سوريا.. وزارة الطاقة تكشف -خطأ تشغيليا- في قطاع البنزين ألحق ...
- وكالة: سماع دوي أصوات قوية قرب مقر -أرامكو- في مدينة الظهران ...
- لغز مقتل سائقين مصريين في الخرطوم.. رواية مثيرة وراء الجريمة ...
- السفارة الروسية في لندن: -التهديد الروسي- ذريعة لعسكرة بريطا ...
- باتروشيف ووانغ يي يبحثان في بكين ربط الممر القطبي بطريق الحر ...
- ترامب يتساءل عن تراجع إلهان عمر عن إفصاح بثروة 30 مليون دولا ...
- ملك إسبانيا يؤكد أن سبتة ومليلية -جزء لا يتجزأ- من بلاده.. - ...
- اطلاق الدليل الارشادي لمناهضة “تطبيب ختان الإناث” بالتعاون م ...


المزيد.....

- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حمزة الكرعاوي - انتظار البرابرة