حمزة الكرعاوي
الحوار المتمدن-العدد: 8856 - 2026 / 10 / 12 - 22:08
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ليس السؤال الذي ينبغي أن يطرحه العراقيون اليوم هو مَن يحكم العراق، بل: هل الذي يحكم العراق دولة بمؤسساتها وقوانينها ومصالحها الوطنية، أم منظومة سياسية تتداخل فيها المذاهب والأحزاب والميليشيات والولاءات العابرة للحدود؟
منذ عام 2003، دخل العراق مرحلة سياسية جديدة رُفعت فيها شعارات الديمقراطية والحرية والتعددية، لكن بناء الدولة لم يكتمل بالصورة التي انتظرها العراقيون. فقد نشأ نظام سياسي يقوم عمليًا على تقاسم النفوذ بين قوى حزبية وسياسية، وأصبحت المحاصصة الطائفية إحدى أبرز سماته. وبدل أن تكون المواطنة أساس توزيع الحقوق والواجبات، تحولت الهوية الطائفية في كثير من الأحيان إلى وسيلة للحصول على المنصب والسلطة والموارد العامة.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: عندما يصبح الانتماء المذهبي معيارًا للولاء السياسي، تتراجع فكرة الدولة الجامعة، ويصبح المواطن مضطرًا إلى البحث عن حماية حزبية أو طائفية بدلًا من اللجوء إلى مؤسسات وطنية مستقلة.
الدولة ليست مذهبًا، والمذهب ليس دولة.
من حق العراقي أن يكون شيعيًا أو سنيًا أو مسيحيًا أو إيزيديًا أو صابئيًا، ومن حقه أن يمارس معتقداته بحرية كاملة. لكن ليس من حق أي حزب أو جماعة أن تحتكر تمثيل طائفة، أو أن تجعل معتقداتها الدينية مصدرًا لسلطة سياسية فوق الدستور والقانون.
المشكلة ليست في وجود الشيعة أو السنة، ولا في الدين نفسه، بل في تحويل الانتماءات الدينية إلى أدوات للسيطرة على مؤسسات الدولة، وفي استخدام المخاوف الطائفية لتعبئة الجمهور وضمان استمرار النفوذ السياسي.
عندما يصبح الوزير ممثلًا لحزب أكثر مما يكون مسؤولًا أمام الشعب، وعندما تتوزع المؤسسات الأمنية والإدارية وفق موازين القوى الحزبية، وعندما يُنظر إلى الوظيفة العامة باعتبارها حصة سياسية، فإن الدولة تفقد تدريجيًا قدرتها على العمل بوصفها مؤسسة محايدة تخدم الجميع.
من بغداد تُدار الدولة، أم تُدار المصالح العابرة للحدود؟
هذا السؤال يكتسب أهمية خاصة عندما يتعلق الأمر بعلاقة بعض القوى السياسية العراقية بإيران. فمنذ سقوط النظام السابق، توسعت العلاقات الإيرانية العراقية في مجالات السياسة والاقتصاد والأمن والدين، وأصبحت إيران لاعبًا مؤثرًا في الشأن العراقي.
لكن العلاقات مع إيران ليست المشكلة في حد ذاتها؛ فالعراق يحتاج إلى علاقات متوازنة مع جميع جيرانه، بما في ذلك إيران وتركيا والسعودية والكويت والأردن. المشكلة تبدأ عندما تتعارض مصالح دولة أجنبية مع المصالح العراقية، ثم تجد تلك الدولة داخل العراق قوى سياسية أو مسلحة تعمل على حماية نفوذها أو تفضيل حساباتها الإقليمية على متطلبات السيادة الوطنية.
وهنا ينبغي التمييز بين التعاون المشروع بين دولتين مستقلتين، وبين أي ارتباط سياسي أو عسكري يجعل القرار العراقي خاضعًا لتأثير خارجي لا يستطيع المواطن محاسبته عبر المؤسسات الدستورية.
فالعراق ليس ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات بين طهران وواشنطن، ولا ينبغي أن يكون امتدادًا استراتيجيًا لأي دولة أخرى. إنه بلد يمتلك تاريخه وشعبه وثرواته ومصالحه الخاصة.
الميليشيات واختبار سيادة الدولة
لا تستطيع الدولة أن تحتكر القرار الأمني بصورة حقيقية إذا كانت هناك قوى مسلحة تمتلك ولاءات سياسية أو ارتباطات خارج مؤسساتها، أو إذا كان تطبيق القانون يتأثر بميزان القوة الحزبية.
إن وجود تشكيلات مسلحة ضمن الأطر القانونية الرسمية لا يحسم وحده مسألة السيادة؛ فالمعيار هو خضوعها الفعلي للدستور، وللقيادة العامة، ولسلسلة قيادة وطنية واضحة، ولمحاسبة قانونية قابلة للتطبيق على الجميع.
ولا يجوز اتهام كل جماعة أو حزب بالعمالة لدولة أجنبية من دون أدلة محددة. لكن من حق العراقيين، بل من واجب المؤسسات الرقابية، أن يسألوا عن مصادر التمويل والتسليح، وعن سلسلة إصدار الأوامر، وعن مدى استقلال القرار الأمني العراقي.
فلا يمكن بناء دولة قوية إذا كانت هيبة القانون تختلف باختلاف الجهة التي يقف خلفها المتهم، أو إذا شعر المواطن بأن بعض القوى أكبر من قدرة القضاء على مساءلتها.
الثروة العراقية: أموال دولة أم حصص أحزاب؟
يمتلك العراق موارد نفطية كبيرة، ومع ذلك يعاني مواطنوه من مشكلات الكهرباء والمياه والخدمات والبطالة والفساد وضعف البنية التحتية. ولا يكفي تفسير هذه الأزمات بانخفاض أسعار النفط أو الظروف الدولية؛ إذ ينبغي أيضًا فحص كفاءة الإدارة العامة، وشفافية العقود، وآليات الإنفاق، واستقلال أجهزة الرقابة، ومدى محاسبة المسؤولين عن إهدار المال العام.
عندما تتوزع المناصب وفق المحاصصة، يمكن أن تتحول بعض الوزارات إلى مراكز نفوذ حزبي، وتصبح العقود والتعيينات والموارد موضوعًا للتفاوض بين القوى السياسية بدلًا من إخضاعها لمعايير الكفاءة والمصلحة العامة.
وهذا لا يعني أن كل مسؤول فاسد، أو أن كل مؤسسة عاجزة، بل يعني أن النظام الذي يضع الولاء السياسي فوق الكفاءة والمساءلة يخلق بيئة تساعد على الفساد وتضعف فرص الإصلاح.
أين تنتهي المرجعية الدينية وأين تبدأ الدولة؟
للمؤسسات الدينية حقها في التعبير عن آرائها الأخلاقية والاجتماعية، وللمواطنين حق الاستماع إليها أو الاختلاف معها. لكن إدارة الدولة تحتاج إلى دستور وقوانين ومؤسسات منتخبة وقضاء مستقل، لا إلى سلطة غير خاضعة للمحاسبة الدستورية.
إن احترام الدين لا يقتضي منح أي رجل دين أو مؤسسة دينية سلطة سياسية مطلقة، كما أن بناء الدولة المدنية لا يعني محاربة المتدينين أو الانتقاص من معتقداتهم.
الدولة العادلة هي التي تحمي حرية الاعتقاد، وتضمن المساواة أمام القانون، وتمنع احتكار السلطة باسم الدين أو الطائفة أو القومية. وعندما يختلف المواطن مع حزب ديني أو مرجعية سياسية، يجب أن يكون قادرًا على التعبير عن رأيه من دون خوف أو تهديد أو إقصاء.
هل يستطيع العراق استعادة دولته؟
نعم، لكن ذلك لا يتحقق بمجرد تغيير الوجوه أو استبدال حزب بآخر. إنه يحتاج إلى مشروع وطني يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والسلطة، ويجعل المؤسسات الدستورية أقوى من الولاءات الحزبية والمسلحة.
ويتطلب ذلك إصلاح النظام الانتخابي بما يعزز التمثيل الحقيقي، ومكافحة الفساد على أساس الأدلة، وحماية استقلال القضاء، وضمان حرية الإعلام، وإخضاع السلاح لسلطة الدولة، ومراجعة التعيينات العامة والعقود الحكومية وفق معايير معلنة، وبناء علاقات خارجية تقوم على المصالح العراقية المتوازنة.
كما يتطلب الاعتراف بحقيقة أساسية: لا يمكن إنهاء المحاصصة بإنشاء محاصصة مضادة، ولا يمكن معالجة هيمنة طائفة مفترضة بإقصاء طائفة أخرى. البديل هو المواطنة المتساوية، حيث لا تكون هوية الإنسان سببًا لمنحه امتيازًا أو حرمانه من حق.
الخاتمة: العراق وطن لا ممرّ للولاءات
السؤال الذي يواجه العراقيين اليوم ليس ما إذا كان العراق بلدًا شيعيًا أو سنيًا، ولا أي مذهب ينبغي أن تكون له الغلبة. السؤال هو ما إذا كان العراقيون يريدون دولة تحميهم جميعًا، أم نظامًا تبقى فيه السلطة موزعة بين قوى تتنافس على النفوذ باسم الهويات المختلفة.
إن المذهب، مهما اتسع أتباعه، لا يستطيع أن يحل محل الدولة. والروابط الدينية العابرة للحدود لا ينبغي أن تلغي الحدود السياسية والقانونية لدولة مستقلة. كما أن الصداقة مع أي دولة لا تبرر التنازل عن القرار الوطني، والاختلاف مع دولة أخرى لا يبرر تحويل العراق إلى ساحة حرب بالوكالة.
العراق ليس ملكًا لحزب، ولا لطائفة، ولا لمرجعية، ولا لميليشيا، ولا لدولة أجنبية. إنه وطن العراقيين جميعًا، وثروته ملك شعبه، وقراره يجب أن يصدر عن مؤسساته الدستورية، ومحاسبة حكامه حق أصيل لمواطنيه.
فإذا كانت الولاءات المذهبية والسياسية العابرة للحدود أقوى من الولاء للدستور، وإذا كانت القوى المسلحة أقدر من القانون على فرض إرادتها، وإذا أصبحت المناصب حصصًا بدلًا من أن تكون مسؤوليات، فكيف نستطيع أن نقول إننا بنينا دولة مكتملة السيادة؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن يبقى مفتوحًا أمام كل عراقي، بعيدًا عن التخندق الطائفي، وقريبًا من الحقيقة التي ينبغي أن تجمعنا: لا خلاص للعراق إلا بدولة مواطنة وقانون وسيادة، تتسع لجميع أبنائه ولا تخضع لإرادة أي طرف خارج مؤسساتها الشرعية.
#حمزة_الكرعاوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟