أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حمزة الكرعاوي - الديمقراطية العراقية بعد عام 2003: الاحتلال، وحاكمية الإنسان، وتدخل رجال الدين في السياسة















المزيد.....

الديمقراطية العراقية بعد عام 2003: الاحتلال، وحاكمية الإنسان، وتدخل رجال الدين في السياسة


حمزة الكرعاوي

الحوار المتمدن-العدد: 8856 - 2026 / 10 / 12 - 11:27
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


كيف يمكن الحديث عن ديمقراطية حقيقية في بلد دخلته القوات الأجنبية وأسقطت نظامه السياسي، ثم تولت سلطة الاحتلال إدارة شؤونه، بينما كان المجتمع يحاول إعادة بناء مؤسساته وتحديد مستقبله؟ وهل تكفي الانتخابات وحدها لمنح النظام السياسي شرعية ديمقراطية كاملة، إذا كانت السيادة الوطنية منقوصة، والمؤسسات لم تستكمل استقلالها، والقوى الدينية والحزبية تتنافس على توجيه المجتمع؟

هذه الأسئلة تقع في قلب التجربة العراقية التي بدأت بعد عام 2003، وهي تفرض علينا التمييز بين إجراء الانتخابات وبين بناء دولة ديمقراطية مستقلة، وبين حرية الإنسان في اختيار ممثليه وبين خضوع قراره السياسي لنفوذ ديني أو حزبي أو خارجي.

**أولًا: الديمقراطية في ظل الاحتلال وفقدان السيادة**

في عام 2003، دخلت القوات الأمريكية والبريطانية العراق، وسقط نظام صدام حسين، ثم تولت سلطة الائتلاف المؤقتة، برئاسة بول بريمر، إدارة البلاد. وفي تلك المرحلة، لم يكن العراقيون يديرون جميع شؤون دولتهم من خلال مؤسسات منتخبة ذات سيادة كاملة، بل كانت السلطة الانتقالية الأجنبية تؤدي دورًا مركزيًا في إدارة المرحلة وإعادة تشكيل مؤسسات الدولة.

وفي 8 حزيران 2004، تبنى مجلس الأمن الدولي القرار 1546، الذي أيد تشكيل حكومة عراقية مؤقتة، وحدد مسار الانتقال السياسي، ورحب بانتهاء الاحتلال بحلول 30 حزيران 2004. وتولت الحكومة العراقية المؤقتة السلطة في 28 حزيران من ذلك العام، ثم جرت انتخابات الجمعية الوطنية الانتقالية في 30 كانون الثاني 2005.

**إحالة مرجعية:** مجلس الأمن الدولي، القرار 1546 لعام 2004، بشأن الانتقال السياسي في العراق وتشكيل الحكومة المؤقتة والانتخابات. كما يمكن الرجوع إلى تقرير مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي الصادر في 7 أيلول 2005، بشأن المساعدات الأمريكية للانتخابات العراقية.

وهنا يجب التمييز بين الوقائع القانونية والسياسية: الانتخابات الأولى جرت بعد انتهاء الاحتلال رسميًا، لكنها جرت في ظل وجود عسكري أجنبي وبيئة أمنية وسياسية شديدة التعقيد. لذلك، فإن وصفها بأنها انتخابات جرت في ظل الاحتلال يحتاج إلى تحديد المرحلة المقصودة، ولا يصح تجاهل الفرق بين الإدارة المباشرة لسلطة الائتلاف وبين المرحلة الانتقالية التي تلتها.

لكن السؤال الأوسع يبقى مشروعًا: هل يكفي أن تنتقل إدارة الدولة إلى حكومة عراقية وأن تُجرى انتخابات حتى تتحقق السيادة الديمقراطية؟ بالتأكيد، لا تكفي هذه الخطوات وحدها. فالديمقراطية تحتاج إلى مؤسسات مستقلة، وقدرة وطنية على اتخاذ القرار، وخضوع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية للقانون، وحرية المواطنين في اختيار ممثليهم ومحاسبتهم.

لقد كان من الممكن أن تمثل الانتخابات بداية لبناء دولة عراقية جديدة، لكن نجاح هذا المسار كان يتطلب أكثر من تنظيم الاقتراع؛ كان يتطلب تأسيس مؤسسات لا تتحكم فيها المصالح الخارجية أو الولاءات الحزبية، وإعادة بناء الدولة على أساس المواطنة والكفاءة والمساءلة.

**ثانيًا: حاكمية الإنسان وحاكمية الله؛ أين تقع المشكلة؟**

تقوم الديمقراطية الحديثة على مبدأ أن المواطنين هم مصدر الشرعية السياسية، وأن من يتولى الحكم يستمد سلطته من الدستور وإرادة الشعب، ويخضع للمحاسبة ويمكن استبداله وفق الإجراءات القانونية.

أما مفهوم حاكمية الله، فيرتبط في الفكر الديني بمرجعية الله في العقيدة والتشريع والقيم. وقد اختلفت المدارس الدينية والفلسفية في تفسير كيفية ترجمة هذه المرجعية إلى نظام سياسي، وفي تحديد دور العلماء والمؤسسات الدينية وحدود سلطة الحاكم.

لذلك، فإن وضع المفهومين في مواجهة مباشرة يحتاج إلى توضيح. فهناك أنظمة دستورية تسمح للمواطنين المتدينين بالمشاركة في الديمقراطية، وتتيح لهم الاسترشاد بمعتقداتهم، من دون أن تمنح رجال الدين سلطة سياسية مطلقة على المجتمع. وفي المقابل، تظهر الإشكالية عندما يدّعي شخص أو مؤسسة امتلاك حق احتكار تفسير الإرادة الإلهية، ثم يستخدم هذا الادعاء لمنح سلطة سياسية معينة شرعية لا يجوز للمواطن الاعتراض عليها.

في الدولة الديمقراطية، لا ينبغي أن يصبح رأي رجل الدين بديلًا عن إرادة الناخب، ولا أن تتحول الفتوى إلى وسيلة لإلغاء حق المواطن في الاختيار والمساءلة. ومن حق المتدين أن يختار مرشحه وفق قناعاته الدينية والأخلاقية، كما أن من حق المواطن الآخر أن يختار وفق رؤيته السياسية والاجتماعية، ما دام كلاهما يمارس حقه في إطار القانون.

إن المشكلة ليست في إيمان الإنسان، بل في تحويل الإيمان إلى أداة لفرض الولاء السياسي، أو في تصوير الاختلاف الانتخابي على أنه مخالفة دينية تستوجب الإدانة. فالدولة التي تحترم مواطنيها يجب أن تضمن لهم حرية الضمير، وأن تمنع احتكار القرار السياسي باسم الدين أو الحزب أو الطائفة.

**ثالثًا: تدخل رجال الدين في السياسة العراقية بعد عام 2003**

بعد سقوط النظام السابق، اتسع حضور القوى الدينية والأحزاب ذات المرجعيات الإسلامية في الحياة السياسية العراقية. وقد تفاوتت مواقف المرجعيات الدينية والأحزاب والشخصيات الدينية؛ فمنها ما دعا إلى المشاركة في الانتخابات وبناء المؤسسات الدستورية، ومنها ما ارتبط مباشرة بالمنافسة الحزبية أو بتوجيهات سياسية محددة.

ولا يمكن إنكار أن المرجعية الدينية في النجف أسهمت في محطات مهمة من الانتقال السياسي، ومنها الدعوة إلى الانتخابات. لكن الدعوة إلى المشاركة لا تعني بالضرورة تأييد حزب بعينه، كما أن المواقف الدينية لم تكن جميعها متطابقة.

وتبدأ المشكلة عندما يُستخدم النفوذ الديني لتوجيه الناخبين نحو مرشحين أو قوائم بعينها بطريقة تحدّ من حرية الاختيار، أو عندما يُقدَّم انتخاب جهة سياسية باعتباره واجبًا دينيًا، بينما يُصوَّر التصويت لجهة أخرى باعتباره مخالفة للعقيدة أو للمصلحة الدينية.

وفي مجتمع خرج من عقود من الاستبداد والحروب، ويعاني تفاوتًا في فرص التعليم والوصول إلى المعلومات، يمكن للنفوذ الديني والاجتماعي أن يؤدي دورًا كبيرًا في تحديد المواقف السياسية. وإذا اجتمع هذا النفوذ مع شبكات حزبية ومصالح اقتصادية، فقد تصبح المنافسة الانتخابية أقل ارتباطًا ببرامج الحكم وأكثر ارتباطًا بالولاءات والهوية.

ولا يعني ذلك أن العراقيين جميعًا يفتقرون إلى الوعي، أو أن المتدينين غير قادرين على الاختيار المستقل. بل يعني أن الديمقراطية تحتاج إلى بيئة تتيح للإنسان أن يسأل ويناقش ويغيّر رأيه، من دون أن يخشى اتهامه في دينه أو انتمائه.

**رابعًا: هل رجال الدين الذين دخلوا السياسة يمثلون العراق أم مرجعيات عابرة للحدود؟**

من القضايا التي تستحق البحث في التجربة العراقية العلاقة بين المرجعيات الدينية العابرة للحدود وبين الدولة الوطنية. فبعض المؤسسات الدينية والشبكات الحوزوية تمتد علاقاتها عبر دول متعددة، كما أن بعض الأحزاب العراقية أقامت علاقات سياسية أو تنظيمية مع جهات خارج العراق.

لكن يجب التمييز بين هذه الوقائع وبين القول إن غالبية رجال الدين العاملين في السياسة العراقية غير عراقيين؛ فهذا تعميم يحتاج إلى بيانات موثقة، ولا يصح اعتماده من دون أدلة.

المشكلة الأساسية ليست جنسية رجل الدين وحدها، بل طبيعة العلاقة بين المرجعية الدينية والدولة، ومدى استقلال القرار السياسي العراقي عن أي جهة خارجية. فقد يكون رجل الدين عراقيًا، ومع ذلك يتبنى مواقف تخدم مصالح خارجية؛ وقد تكون له علاقات دينية عابرة للحدود من دون أن يعني ذلك بالضرورة خضوعه السياسي لدولة أخرى.

إن الدولة الوطنية الديمقراطية تقوم على أن القرارات العامة المتعلقة بالأمن والاقتصاد والسياسة الخارجية تُتخذ من خلال مؤسساتها الدستورية، وتخضع للمساءلة أمام مواطنيها. ولا يجوز لأي جهة، دينية كانت أو حزبية أو أجنبية، أن تحل محل هذه المؤسسات أو أن تفرض عليها قراراتها خارج القانون.

ومن حق العراقيين أن يسألوا الأحزاب التي تتولى الحكم عن مصادر تمويلها، وعلاقاتها الخارجية، ومواقفها من استقلال القرار الوطني، وأن يطالبوا بالشفافية في كل ما يتعلق بالأمن والمال العام والسياسة الخارجية.

**خامسًا: الولايات المتحدة وصعود القوى الدينية والسياسية بعد 2003**

كانت الولايات المتحدة القوة الرئيسية في إسقاط النظام السابق، كما أدارت سلطة الائتلاف المؤقتة المرحلة الأولى من الانتقال السياسي، وقدمت دعمًا ماليًا وفنيًا للانتخابات وتطوير المؤسسات السياسية. وأعلنت الإدارة الأمريكية أن بناء نظام ديمقراطي في العراق كان أحد أهداف سياستها بعد الحرب.

**إحالة مرجعية:** مكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي، تقرير «إعادة بناء العراق: المساعدة الأمريكية لانتخابات كانون الثاني 2005»، الصادر في 7 أيلول 2005؛ والوثائق الرسمية الأمريكية المتعلقة بالانتقال السياسي في العراق بعد سقوط النظام السابق.

لكن النتائج السياسية لم تتطابق بالضرورة مع جميع التوقعات الأمريكية. فقد شاركت في النظام الجديد قوى دينية وأحزاب ذات توجهات مختلفة، وبعضها أقام علاقات مع إيران أو اتخذ مواقف معارضة للوجود الأمريكي. كما تطورت العلاقة بين الولايات المتحدة وعدد من القوى العراقية عبر مراحل متعددة، بين التعاون والصراع والتنافس على النفوذ.

ومن الضروري هنا التمييز بين الوقائع الموثقة والاستنتاجات السياسية. فمن الصحيح أن الولايات المتحدة دعمت إنشاء المؤسسات الانتخابية ومشاركة الأحزاب في العملية السياسية، لكن القول إنها تعمدت تمكين جميع القوى الدينية أو أنها كانت تتوقع سلوكها اللاحق يحتاج إلى تحليل أكثر تفصيلًا للأدلة والقرارات والسياسات المتعاقبة.

كما أن بعض القوى التي شاركت في النظام السياسي بعد 2003 اتخذت لاحقًا مواقف معارضة للوجود العسكري الأمريكي، ووصلت المواجهات بين القوات الأمريكية وجماعات مسلحة إلى مستويات خطيرة. غير أن هذه الجماعات لم تكن جميعها متطابقة في أهدافها أو علاقاتها الخارجية، ولا يصح وضعها جميعًا في فئة واحدة.

وهنا تظهر مفارقة سياسية تستحق الدراسة: إن تدخل قوة أجنبية لإعادة تشكيل نظام سياسي لا يضمن أن القوى التي تصعد في النظام الجديد ستبقى متوافقة مع مصالح تلك القوة. فقد تتغير التحالفات، وتتصادم المصالح، وتصبح المؤسسات التي أُنشئت في مرحلة الانتقال ساحة لصراع بين قوى داخلية وخارجية.

والدرس الأهم هو أن بناء الديمقراطية لا يمكن أن يعتمد على قوة أجنبية بوصفها بديلًا عن الإرادة الوطنية والمؤسسات المستقلة. فالدعم الخارجي قد يساعد في تنظيم الانتخابات أو التدريب أو إعادة الإعمار، لكنه لا يستطيع وحده أن يصنع ثقافة ديمقراطية أو يضمن استقلال الدولة.

**سادسًا: من الأزمة السياسية إلى الأزمة الاقتصادية**

لا يمكن القول إن تدخل رجال الدين وحده أدى إلى الأزمات الاقتصادية في العراق، كما لا يمكن رد جميع المشكلات المالية إلى الاحتلال أو إلى الأحزاب الدينية فقط. فالأزمة العراقية نتاج عوامل متشابكة، تشمل ضعف الإدارة العامة، والفساد، والاعتماد الكبير على النفط، وتضخم الإنفاق الحكومي، ومحدودية تنويع الاقتصاد، والصراعات الأمنية والسياسية.

لكن من المشروع طرح سؤال عن أثر نظام المحاصصة وتوزيع المناصب وفق التفاهمات الحزبية في كفاءة إدارة المال العام، وفي قدرة الدولة على مراقبة الإنفاق ومحاسبة المسؤولين. فعندما تتوزع مؤسسات الدولة بين قوى سياسية، قد تضعف المساءلة إذا تحولت الحماية الحزبية إلى عائق أمام التحقيق والمحاسبة.

وفي تقريره بشأن العراق الصادر في آذار 2024، حذر صندوق النقد الدولي من تصاعد مواطن الضعف المالية المرتبطة بتقلب أسعار النفط، ومن ضرورة ضبط الإنفاق العام وتعزيز الإيرادات غير النفطية وتنويع الاقتصاد وتحسين الحوكمة ومكافحة الفساد. وفي تقرير لاحق عن مشاورات عام 2025، أشار الصندوق إلى اتساع العجز المالي في عام 2024 مقارنة بعام 2023، وإلى الضغوط الناجمة عن ارتفاع الإنفاق الجاري والاعتماد على الإيرادات النفطية.

**إحالة مرجعية:** صندوق النقد الدولي، البيان الختامي لبعثة مشاورات المادة الرابعة مع العراق، 3 آذار 2024؛ وبيان البعثة الختامي لعام 2025.

هذه المؤشرات لا تثبت أن جهة واحدة مسؤولة عن الأزمة، لكنها تؤكد أن إدارة الدولة تحتاج إلى إصلاحات مالية ومؤسسية لا يمكن الاستعاضة عنها بالشعارات الدينية أو السياسية. فالمواطن لا يقيس نجاح النظام بما يرفعه المسؤولون من عناوين، بل بقدرته على توفير الخدمات والفرص وحماية المال العام وتحقيق الاستقرار الاقتصادي.

**الخاتمة: الديمقراطية لا تعني استبدال سلطة بأخرى**

إن التجربة العراقية بعد عام 2003 تطرح سؤالًا أساسيًا: هل تحقق الديمقراطية بمجرد سقوط نظام استبدادي وإجراء الانتخابات، أم أنها تحتاج إلى بناء دولة مستقلة تحترم حرية الإنسان وتخضع فيها جميع القوى للقانون؟

إن الانتخابات خطوة ضرورية، لكنها ليست نهاية الطريق. ولا تكتمل الديمقراطية إذا ظل القرار الوطني معرضًا للتدخل الخارجي، أو إذا تحولت المؤسسات إلى حصص حزبية، أو إذا استُخدم الدين لتقييد حرية المواطن في الاختيار، أو إذا بقيت المساءلة ضعيفة أمام أصحاب النفوذ.

ولا يمكن إصلاح العراق بإقصاء المتدينين أو التشكيك في نيات كل رجل دين، كما لا يمكن إصلاحه بمنح المؤسسات الدينية أو الأحزاب سلطة تتجاوز الدستور. المطلوب هو دولة تضمن حرية الاعتقاد، وتكفل حرية الاختيار السياسي، وتحمي حقوق جميع المواطنين، وتمنع احتكار السلطة والثروة والسلاح.

إن الديمقراطية التي يحتاجها العراق هي ديمقراطية تجعل الإنسان العراقي، لا الحزب ولا الطائفة ولا المرجعية ولا الدولة الأجنبية، محور الشرعية السياسية. وهي الديمقراطية التي تسمح للمواطن بأن يختار، وأن يخطئ ثم يصحح اختياره، وأن يحاسب من انتخبه، وأن يرفض أي سلطة تحاول أن تجعل نفسها فوق القانون.

فالعراق لا يحتاج إلى استبداد جديد يرتدي ثوبًا مختلفًا، بل إلى دولة وطنية مستقلة، ومؤسسات دستورية فعالة، ومواطن حر، وقضاء مستقل، ومحاسبة لا تستثني أحدًا.
مفهوم حاكمية الإنسان
يقصد بمفهوم حاكمية الإنسان أن الإنسان، بوصفه فردًا أو مجتمعًا سياسيًا، يمتلك الحق في اختيار من يحكمه، ووضع القوانين التي تنظّم شؤونه العامة، ومراقبة السلطة ومحاسبتها، وتغيير الحاكم بالوسائل الدستورية والسلمية. وفي النظام الديمقراطي الحديث، يستمد الحكم شرعيته من إرادة المواطنين، التي تُعبَّر عنها من خلال الانتخابات الحرة، والدستور، والمؤسسات المنتخبة، وسيادة القانون.
لكن حاكمية الإنسان لا تعني أن الحاكم يستطيع أن يفعل ما يشاء، أو أن الأغلبية تملك الحق في سلب حقوق الأقلية. فالسلطة الشعبية نفسها تخضع للدستور والقانون، وتُقيَّد بالحقوق والحريات الأساسية، واستقلال القضاء، والفصل بين السلطات.
ما الفرق بين حاكمية الإنسان وحاكمية الله؟
يظهر الفرق بوضوح عند التمييز بين مصدر القيم الدينية ومصدر السلطة السياسية وآلية التشريع.
1. حاكمية الله: مفهوم ديني يرى أن السيادة العليا والقيم الأخلاقية والتشريعية النهائية لله، وأن الإنسان مطالب بالاحتكام إلى الوحي والشريعة وفق تفسير ديني معين. لكن المسلمين يختلفون في كيفية تطبيق هذه المبادئ، وفي حدود دور رجال الدين في الدولة، وفي العلاقة بين الشريعة والمؤسسات المنتخبة.
2. حاكمية الإنسان: تقوم سياسيًا على أن المواطنين هم مصدر شرعية السلطة، وأنهم يختارون ممثليهم، ويشاركون في صنع القوانين، ويملكون حق مساءلة الحكام وتغييرهم. ولا يشترط هذا المفهوم أن يكون المجتمع ملحدًا أو معاديًا للدين؛ إذ يمكن لمجتمع متدين أن يتبنى نظامًا ديمقراطيًا يحترم الدين وحرية الاعتقاد معًا.
أين تكمن المشكلة عندما يتدخل رجال الدين في الانتخابات؟
المشكلة ليست في أن يعبّر رجل الدين عن رأيه السياسي، فحرية التعبير تشمل المتدين وغير المتدين، وإنما في أن تتحول المكانة الدينية إلى وسيلة لفرض الاختيار السياسي على المواطنين، كأن يُقال للناخب إن التصويت لمرشح بعينه واجب ديني، أو إن التصويت لخصمه مخالفة للدين، من دون إتاحة المجال للنقاش الحر والمساءلة.
في هذه الحالة، قد ينتقل القرار الانتخابي من تقييم برامج المرشحين وكفاءتهم ونزاهتهم إلى الخوف من مخالفة المرجعية الدينية أو الشعور بالذنب. ويزداد الخطر عندما تكون الثقافة السياسية محدودة، أو عندما تُستغل الثقة الدينية لتحقيق مصالح حزبية أو مالية.
ومع ذلك، لا يصح افتراض أن كل فتوى انتخابية تسلب حرية الناخب؛ فالأمر يتوقف على مضمونها، وطريقة تقديمها، ومدى حرية المواطن في قبولها أو رفضها.
ما علاقة هذا المفهوم بالتجربة العراقية بعد عام 2003؟
يمكن توظيف هذا المفهوم في نقد التجربة السياسية العراقية من خلال السؤال الآتي: هل مارس المواطن العراقي حقه في اختيار ممثليه بحرية واستقلال، أم أن قراره تأثر أحيانًا بالضغوط الطائفية، والتوجيهات الدينية، والولاءات الحزبية، ونفوذ الجماعات المسلحة والتدخلات الخارجية؟
إن جوهر الديمقراطية ليس مجرد وجود صندوق انتخابي، بل أن يكون المواطن حرًا في الاختيار، وأن تكون الدولة قادرة على تطبيق القانون على الجميع، وأن يخضع المسؤول للمحاسبة، وألا تتحول الهوية الدينية أو الطائفية إلى وسيلة لاحتكار السلطة أو توزيع ثروات الدولة.
الخلاصة: حاكمية الإنسان في النظام الديمقراطي تعني أن المواطن ليس تابعًا للحاكم أو الحزب أو رجل الدين، بل صاحب حق سياسي مستقل، يختار ويحاسب ويغيّر، ضمن دستور يحمي حقوق الجميع. ومن هنا، فإن معيار الديمقراطية ليس إقصاء الدين من المجتمع، بل منع احتكار القرار السياسي باسم الدين أو الطائفة، كما منع احتكاره باسم الحزب أو القوة المسلحة أو الدولة الأجنبية.



#حمزة_الكرعاوي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق بين غياب الديمقراطية ونفوذ الميليشيات ورجال الدين وال ...
- رجال الدين والسلطة في العراق: من النفوذ الديني إلى السيطرة ع ...
- ترامب وروسيا وأوكرانيا والحوثيون: هل يعاد رسم النظام الدولي ...
- لا سيادة بلا دولة
- تشرين... يوم قال العراقيون: نريد السلام ونريد الوطن
- السلاح خارج سيطرة الدولة العراقية
- انسحاب أم هزيمة
- إنتخابات المكونات برعاية نجمة داود
- بدعة الفتوى
- حوار في مطار بغداد بين عراقية ومستوطن فارسي
- الطائفية وأمراضها
- نهاية إحتكار الخطاب الديني والثقافي
- الدور الإيراني في العراق
- سياسة الركض خلف السراب
- تقليد مراجع الشيعة وعد بلفور الأول
- العتبات واجهات الحرس الثوري الإيراني في العراق
- فرق الموت الإيرانية في العراق
- ما بين اللمبجي والتمثال المقدس
- زيارة مصطفى كازمي للبيت الابيض
- المشروع الوطني العراقي


المزيد.....




- مصر.. البرلمان يقر تمويل المرحلة الثانية من مشروع تعليم الفر ...
- حكيم جيفريز يعلن ترشحه لرئاسة مجلس النواب الأمريكي
- -فرصة لإزاحته-.. خصوم نتنياهو يستغلون فوز الديمقراطيين في ان ...
- البرلمان التركي يؤجل البت بـ-اتفاق مكة للدفاع المشترك- وسط م ...
- الديمقراطيون يفوزون بأغلبية الكونغرس
- ترامب والكونغرس.. مواجهة كسر العظام
- زيلينسكي يناقش مع ويتكوف وكوشنر الاستعدادات للمحادثات الثلاث ...
- إثيوبيا تطرد طاقم قنصلية سودانية في إقليم حدودي
- الردود على الانتخابات الأمريكية.. آمال أوروبية حذرة وموسكو ت ...
- خسر معركة الكونغرس.. كيف أطاحت ولاية تكساس بأموال ماسك؟


المزيد.....

- حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة / حسين محمود صالح
- ضحايا صدام حسين / صباح يوسف ابراهيم
- الزمن المقلوب / رائد الجحافي
- عيوب الذكاء الاصطناعي / رائد الجحافي
- عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي / رائد الجحافي
- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - حمزة الكرعاوي - الديمقراطية العراقية بعد عام 2003: الاحتلال، وحاكمية الإنسان، وتدخل رجال الدين في السياسة