|
|
ترامب وروسيا وأوكرانيا والحوثيون: هل يعاد رسم النظام الدولي على حساب الحلفاء؟
حمزة الكرعاوي
الحوار المتمدن-العدد: 8854 - 2026 / 10 / 10 - 23:47
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
يشهد العالم تحولات سياسية وأمنية متسارعة تثير تساؤلات جوهرية بشأن مستقبل التحالفات الدولية، وحدود الالتزام الأميركي تجاه الحلفاء، ومدى قدرة الدول على حماية سيادتها في عالم تتداخل فيه المصالح الاقتصادية مع الحسابات العسكرية والسياسية.
ففي الوقت الذي تتواصل فيه الحرب الروسية الأوكرانية، يعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تفاهمات مع موسكو بشأن إمدادات الديزل، ويمارس ضغوطًا على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لوقف استهداف المصافي الروسية، ويتحدث عن ضرورة تغيير القيادة الأوكرانية. وفي منطقة الخليج، يتصاعد الصراع مع الحوثيين، الذين شنوا هجمات على منشآت ومرافق مدنية في السعودية، وسط اتساع دائرة المواجهة الإقليمية.
هذه التطورات، على الرغم من اختلاف ساحاتها، تطرح سؤالًا واحدًا: هل تدخل السياسة الدولية مرحلة جديدة تتقدم فيها الصفقات والمصالح المباشرة على التحالفات التقليدية، حتى عندما يكون الثمن تغيير موازين القوة على حساب دول حليفة؟
أولًا. ترامب وموسكو: عندما تتقدم المصالح الاقتصادية على حسابات الحرب
منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022، فرضت الولايات المتحدة ودول غربية عقوبات اقتصادية على روسيا، بهدف تقليص قدرتها على تمويل الحرب وإضعاف مواردها الاستراتيجية. وشكلت صادرات الطاقة الروسية أحد أهم ميادين المواجهة الاقتصادية بين الطرفين.
لكن التطورات الأخيرة أثارت جدلًا واسعًا بعد إعلان ترامب، في أكتوبر 2026، التوصل إلى تفاهم مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشأن توفير كميات كبيرة من الديزل للأسواق الأميركية والعالمية، في محاولة لتخفيف أزمة الوقود وارتفاع الأسعار.
وبحسب تقارير صحفية نُشرت في 9 و10 أكتوبر، يتضمن الإعلان إمدادات أولية تبلغ نحو 300 ألف طن من الديزل، مع خطط لتوفير كميات أكبر لاحقًا. وقد أثار هذا التوجه انتقادات أوكرانية وأوروبية، بسبب ما قد يمثله من تخفيف للضغط الاقتصادي على موسكو بينما تستمر الحرب.
المشكلة السياسية هنا لا تتعلق بشراء الوقود وحده، بل بالتناقض المحتمل بين سياسة الضغط على روسيا وبين عقد ترتيبات اقتصادية معها تخدم المصالح الأميركية الداخلية.
فإذا كانت واشنطن تطالب حلفاءها بتحمل تكاليف العقوبات ومواجهة التوسع الروسي، ثم تسعى إلى الاستفادة من الإمدادات الروسية عندما ترتفع أسعار الطاقة، فإن ذلك يثير سؤالًا مشروعًا حول مدى ثبات السياسة الأميركية في دعم أوكرانيا.
هل أصبحت المصالح الاقتصادية الداخلية أولوية تتقدم على أهداف السياسة الخارجية؟ وهل يمكن لدولة أن تطالب حلفاءها بالتضحية من أجل استراتيجية مشتركة، ثم تعيد ترتيب أولوياتها عندما تتغير الظروف الاقتصادية؟
هذه الأسئلة لا تعني أن كل اتفاق اقتصادي مع دولة معادية يمثل بالضرورة تنازلًا استراتيجيًا، لكنها تفرض ضرورة تقييم الاتفاقات وفق نتائجها الفعلية، ولا سيما تأثيرها في تمويل الحرب وموازين القوة.
ثانيًا. المصافي الروسية: لماذا يضغط ترامب على زيلينسكي؟
من أبرز جوانب التطورات الأخيرة الضغط الأميركي على كييف لوقف الهجمات التي تستهدف مصافي النفط الروسية.
فالمصافي ليست مجرد منشآت تجارية، بل جزء من البنية الاقتصادية التي توفر الوقود والموارد اللازمة لاستمرار النشاط العسكري الروسي. ولذلك استهدفت أوكرانيا منشآت طاقة روسية في إطار محاولاتها تقليص القدرات الاقتصادية والعسكرية لموسكو.
وبحسب تقرير لصحيفة «فاينانشال تايمز» في 10 أكتوبر 2026، حذرت واشنطن كييف من أن استمرار ضرب المصافي الروسية قد يهدد التعاون الاستخباراتي الأميركي معها. كما نقلت تقارير عن مسؤولين أن ارتفاع أسعار الوقود كان أحد الاعتبارات التي دفعت ترامب إلى اتخاذ موقف أكثر تشددًا تجاه تلك الهجمات.
في المقابل، ترى كييف أن ضرب البنية النفطية الروسية وسيلة للضغط على موسكو، خصوصًا مع استمرار الهجمات الروسية على المدن والمنشآت الأوكرانية.
وهنا تظهر معضلة استراتيجية: هل يجوز مطالبة أوكرانيا بتقييد عملياتها العسكرية لحماية أسواق الطاقة، في وقت لا تزال فيه روسيا تشن هجمات على أراضيها؟
قد تكون لدى واشنطن حسابات تتعلق بالأسعار والتفاوض ومنع التصعيد، لكن نجاح أي سياسة لوقف الحرب يتطلب معالجة المخاطر التي تواجه الطرفين، بدلًا من مطالبة أحدهما بتقديم تنازلات من دون ضمانات متبادلة.
والسؤال الذي ينبغي أن يطرح نفسه هو: هل تسعى الولايات المتحدة إلى خفض التصعيد تمهيدًا لاتفاق متوازن، أم أن حماية مصالحها الاقتصادية باتت تؤثر في حسابات الدعم العسكري والسياسي لأوكرانيا بصورة تهدد ثقة كييف بحليفها الأميركي؟
ثالثًا. ترامب يطالب بتغيير القيادة الأوكرانية
في 10 أكتوبر 2026، نقلت وكالة أسوشيتد برس عن ترامب تصريحات دعا فيها إلى وجود قيادة جديدة في أوكرانيا، منتقدًا زيلينسكي ومحمّلًا إياه مسؤولية الإخفاق في التوصل إلى تسوية مع روسيا.
وتكتسب هذه التصريحات أهمية خاصة لأنها جاءت في أعقاب الإعلان عن تفاهمات الديزل مع موسكو والضغوط المتعلقة بالهجمات على المصافي الروسية.
فبدلًا من أن يقتصر الخلاف على شروط وقف الحرب، امتد النقاش إلى مستقبل القيادة السياسية الأوكرانية نفسها.
وهنا ينبغي التمييز بين انتقاد رئيس دولة وبين التدخل في حق شعبها في اختيار قيادته. فمن حق الحكومات الأجنبية أن تنتقد سياسات حلفائها أو أن تعيد النظر في حجم مساعداتها، لكن تحديد مستقبل القيادة الأوكرانية يجب أن يتم وفق الدستور الأوكراني والإجراءات القانونية وإرادة المواطنين.
إن استخدام المساعدات العسكرية أو الاقتصادية أداة لفرض تغييرات سياسية داخلية، إذا ثبت حدوثه، يفتح الباب أمام سابقة خطيرة في العلاقات الدولية؛ إذ قد تتحول الدول التي تعتمد على الدعم الخارجي إلى أطراف لا تملك حرية كاملة في تحديد خياراتها.
ومع ذلك، لا يكفي صدور تصريحات تنتقد زيلينسكي لإثبات وجود خطة مكتملة لتغيير النظام السياسي في كييف. المطلوب هو فحص التصريحات الأصلية، والاتصالات الرسمية، والشروط الفعلية التي تُربط بالمساعدات والتفاوض.
لكن السؤال الأساسي يبقى: هل ينبغي أن تُقاس شرعية القيادة الأوكرانية برضا واشنطن عنها، أم بإرادة الأوكرانيين وإجراءاتهم الدستورية؟
رابعًا. ترامب يقول إن أوكرانيا خسرت 30% من أراضيها
من التصريحات التي أثارت اهتمامًا واسعًا قول ترامب إن أوكرانيا خسرت 30% من أراضيها لصالح روسيا، مستخدمًا الخسائر الإقليمية والعسكرية في انتقاد القيادة الأوكرانية.
غير أن الدقة تقتضي التعامل مع نسبة 30% بوصفها رقمًا ورد في تصريح ترامب، لا حقيقة جغرافية محسومة. فتقديرات السيطرة الروسية على الأراضي الأوكرانية تختلف بحسب احتساب شبه جزيرة القرم، والمناطق التي سيطرت عليها روسيا قبل الغزو الشامل عام 2022، والتغيرات اللاحقة على خطوط القتال. وتشير تقديرات مستقلة متداولة إلى سيطرة روسيا على نحو خُمس الأراضي الأوكرانية، مع اختلاف الأرقام وفق التاريخ والمنهجية المستخدمة.
لكن أهمية التصريح لا تقتصر على دقة النسبة. فالأراضي التي فقدت أوكرانيا السيطرة عليها أصبحت جزءًا من معادلة التفاوض، وقد تتحول الخسائر الميدانية إلى وسيلة للضغط على كييف لقبول تسوية لا تحقق جميع أهدافها المعلنة.
إذا كانت واشنطن تسعى إلى إنهاء الحرب، فإن السؤال ليس فقط كم كيلومترًا مربعًا خسرته أوكرانيا، بل ما الذي ستضمنه أي تسوية مستقبلية لمنع تجدد الحرب.
فقد تتوقف العمليات العسكرية مؤقتًا، لكن من دون ضمانات أمنية موثوقة، يمكن أن تتحول التسوية إلى استراحة بين جولتين من الصراع.
وفي المقابل، فإن استمرار الحرب من دون أفق سياسي واضح يعني مزيدًا من الخسائر البشرية والاقتصادية، وتدمير البنية التحتية، وتفاقم معاناة المدنيين.
إن إنهاء الحرب هدف مهم، لكن نجاحه لا يقاس بسرعة توقيع الاتفاق، بل بقدرته على توفير سلام مستدام يحترم السيادة ويمنع استخدام القوة لتغيير الحدود بصورة مفروضة.
خامسًا. الحوثيون والسعودية: التصعيد ينتقل إلى المنشآت الحيوية
في الشرق الأوسط، يتزامن هذا الاضطراب الدولي مع تصعيد أمني خطير في شبه الجزيرة العربية.
ففي 7 أكتوبر 2026، أفادت وكالة أسوشيتد برس بأن الحوثيين أعلنوا مسؤوليتهم عن هجمات استهدفت مطاري أبها والملك خالد الدولي في الرياض، وأدت إلى سقوط قتلى وجرحى. كما أفادت تقارير رويترز في 9 أكتوبر بمقتل ثلاثة سعوديين في هجمات استهدفت مطار الرياض، فضلًا عن إصابات وأضرار مادية.
وفي 10 أكتوبر، نقلت رويترز وقوع هجوم جديد على مطار الملك خالد الدولي أدى إلى إصابة أشخاص وتعليق العمليات مؤقتًا، من دون إعلان فوري عن الجهة المسؤولة عن ذلك الهجوم تحديدًا.
هذه التطورات تكشف خطورة انتقال المواجهة إلى مرافق مدنية حيوية، وما يترتب على ذلك من مخاطر على سلامة المسافرين وحركة الطيران والتجارة والاستثمار.
ولا ينبغي التعامل مع استهداف المطارات والمنشآت المدنية باعتباره مجرد ورقة ضغط عسكرية؛ إذ إن المدنيين هم أول من يتحمل عواقب هذه الهجمات، كما يمكن أن تؤدي إلى توسيع الحرب وزيادة احتمالات الردود العسكرية المتبادلة.
وتأتي هذه الأحداث في سياق صراع يمني متجدد، وتنافس إقليمي يتداخل فيه دور إيران مع مصالح السعودية والقوى المحلية اليمنية، فضلًا عن التوترات الأوسع التي تشهدها المنطقة.
لكن فهم التصعيد يتطلب الفصل بين الوقائع المؤكدة بشأن كل هجوم، وإعلانات المسؤولية، والتفسيرات المتعلقة بالأهداف السياسية والعسكرية لكل طرف.
والسؤال الذي يواجه السعودية ودول الخليج هو: كيف يمكن حماية المنشآت الحيوية والملاحة الجوية والبحرية من دون الانجرار إلى حرب إقليمية مفتوحة تزيد المخاطر على الجميع؟
سادسًا. هل توجد علاقة مباشرة بين التفاهم الأميركي الروسي والهجمات الحوثية؟
من الضروري عدم الخلط بين تزامن الأحداث وبين إثبات وجود علاقة مباشرة بينها.
فلا تتوافر أدلة كافية للجزم بأن التفاهم الأميركي الروسي بشأن الديزل مرتبط باتفاق معين يسمح للحوثيين بتصعيد هجماتهم على السعودية، أو أن جميع هذه التطورات جزء من خطة موحدة.
ومع ذلك، فإن جمع هذه الملفات في قراءة سياسية واحدة يتيح فهم البيئة الدولية التي تتحرك فيها القوى الكبرى والإقليمية.
في أوكرانيا، تتداخل حسابات الحرب مع أسعار الوقود والمفاوضات والعقوبات. وفي الخليج، تتداخل المواجهة اليمنية مع أمن الطاقة والملاحة والتنافس الإقليمي. وفي الحالتين، تجد الدول المعنية نفسها أمام معادلة معقدة بين حماية مصالحها المباشرة وتجنب التصعيد الواسع.
قد تسعى واشنطن إلى تخفيف أسعار الوقود عبر تفاهمات مع موسكو، بينما تسعى إلى إنهاء الحرب الأوكرانية بشروط تراها قابلة للتطبيق. وفي الوقت نفسه، تواجه تحديات أمنية مرتبطة بتصاعد الهجمات على السعودية والتهديدات التي تطال طرق التجارة والطاقة.
لكن نجاح هذه السياسات يتوقف على مدى اتساقها. فإذا كانت التسويات الاقتصادية تخفف الضغط على طرف عسكري، بينما يُطلب من الطرف الآخر تقليص قدراته على الرد من دون ضمانات مقابلة، فقد يؤدي ذلك إلى إضعاف الثقة بين الحلفاء.
وفي المقابل، فإن رفض أي تفاوض أو تسوية لمجرد أن الطرف المقابل خصم سياسي قد يؤدي إلى استمرار الحروب من دون نهاية واضحة.
المطلوب إذن ليس افتراض وجود مؤامرة واحدة، بل فحص المصالح والقرارات والنتائج، ومعرفة من يستفيد ومن يتحمل التكاليف.
سابعًا. من يدفع ثمن الصفقات والحروب؟
غالبًا ما تتحمل الدول الواقعة على خطوط المواجهة الجزء الأكبر من تكاليف القرارات التي تتخذها القوى الكبرى.
أوكرانيا تتحمل خسائر بشرية ومادية وإقليمية هائلة. وروسيا تواجه عقوبات وضغوطًا اقتصادية وعسكرية. والسعودية تواجه مخاطر استهداف منشآتها الحيوية وتعطيل مرافق النقل والطاقة. أما اليمنيون، فيدفعون ثمن حرب طويلة أضعفت مؤسسات الدولة وفاقمت الأوضاع الإنسانية.
وفي مثل هذه الظروف، لا يكفي تقييم السياسة الدولية وفق حجم الصفقات أو المكاسب الاقتصادية قصيرة الأجل. بل ينبغي النظر إلى ما إذا كانت تلك الصفقات تخفف الحروب فعلًا، أم تنقل مخاطرها من ساحة إلى أخرى.
إن التحالفات الدولية لا يمكن أن تكون ضمانة مطلقة، لكنها تفقد جزءًا كبيرًا من قيمتها عندما تصبح الالتزامات الأمنية عرضة للتغيير السريع من دون وضوح في الأهداف والضمانات.
وهذا لا يعني أن على الدول قطع علاقاتها بالقوى الكبرى، بل يعني أن عليها بناء سياسات واقعية تحمي مصالحها الوطنية، وتنويع علاقاتها، وتعزيز قدراتها الدفاعية والدبلوماسية، مع تجنب الدخول في مواجهات لا تستطيع تحمل تكاليفها.
ثامنًا. ماذا تعني هذه التحولات للعراق؟
العراق ليس بعيدًا عن هذه التطورات، بل يقع في قلب منطقة تتقاطع فيها المصالح الأميركية والإيرانية والخليجية والتركية، فضلًا عن المصالح الروسية والأوروبية.
ويعتمد الاقتصاد العراقي بدرجة كبيرة على إيرادات النفط، ولذلك فإن اضطراب أسواق الطاقة والملاحة قد ينعكس مباشرة على الموازنة العامة والاستثمار والأسعار والاستقرار الاقتصادي.
كما أن أي تصعيد بين الولايات المتحدة وإيران أو بين القوى الإقليمية وحلفائها قد يضع العراق أمام ضغوط متعارضة، خصوصًا إذا تحولت أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات أو استهداف المصالح الأجنبية.
ومن هنا تبرز أهمية بناء دولة عراقية قادرة على اتخاذ قراراتها بصورة مستقلة، وضبط السلاح تحت سلطة المؤسسات الدستورية، ومنع استخدام الأراضي العراقية لشن هجمات على دول الجوار، وإقامة علاقات متوازنة مع الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج وإيران وغيرها.
فالعراق لا يستطيع حماية مصالحه من خلال الارتهان لمحور واحد، كما لا يستطيع تحقيق الاستقرار عبر سياسة ردود الأفعال المؤقتة. إن المصلحة الوطنية تقتضي سياسة خارجية واضحة، تستند إلى احترام السيادة وعدم التدخل في شؤون الدول، وتقديم مصالح المواطنين على حسابات الأحزاب والقوى المسلحة.
كما أن التجارب الدولية الحالية تذكّر العراقيين بأن الاعتماد على الوعود الخارجية وحدها لا يكفي لحماية الدولة. فالضمانات الحقيقية تبدأ من مؤسسات قوية، واقتصاد أقل هشاشة، وقرار أمني موحد، وعلاقات خارجية تستند إلى المصالح المتبادلة.
تاسعًا. هل يتجه العالم نحو نظام دولي جديد؟
إن التطورات في أوكرانيا وروسيا والسعودية واليمن تعكس حجم التحولات التي تضغط على النظام الدولي، لكنها لا تثبت وحدها أن نظامًا عالميًا جديدًا قد اكتمل أو أن التحالفات التقليدية انتهت.
ما نشهده هو اختبار متزايد لقدرة الدول على التوفيق بين المصالح الاقتصادية والالتزامات الأمنية. فالولايات المتحدة تسعى إلى حماية مصالحها الاقتصادية والأمنية، وروسيا تحاول الحفاظ على مكاسبها ونفوذها، وأوكرانيا تسعى إلى الدفاع عن أراضيها، بينما تحاول السعودية حماية أمنها ومرافقها الحيوية في بيئة إقليمية شديدة الاضطراب.
وفي هذه المعادلة، قد تتحول الطاقة إلى أداة ضغط سياسي، وقد تصبح المساعدات العسكرية وسيلة تفاوض، وقد تتحول الخسائر الميدانية إلى أوراق تُستخدم لتغيير شروط التسوية.
لكن لا ينبغي أن يصبح ذلك مبررًا لتجاهل سيادة الدول أو حق الشعوب في اختيار قياداتها أو حماية المدنيين من آثار الحروب.
إن النظام الدولي الأكثر استقرارًا هو الذي تُبنى فيه التسويات على قواعد واضحة، وضمانات قابلة للتنفيذ، واحترام متبادل للمصالح والسيادة، لا على تفاهمات مؤقتة تترك أسباب الصراع قائمة.
الخاتمة: السيادة ليست بندًا في صفقة
إن إعلان ترامب عن تفاهمات لتوفير الديزل الروسي، وضغوطه على زيلينسكي بشأن استهداف المصافي، وتصريحاته عن خسارة أوكرانيا 30% من أراضيها والدعوة إلى تغيير قيادتها، إلى جانب التصعيد الحوثي ضد السعودية، كلها تطورات تستحق دراسة سياسية جادة.
لكن القراءة الدقيقة تقتضي ألا نخلط بين الوقائع المثبتة والتفسيرات، وألا نفترض وجود علاقة مباشرة بين أحداث متزامنة من دون دليل. فالقوة الحقيقية للتحليل السياسي تكمن في كشف التناقضات والمصالح وتقييم النتائج، لا في إطلاق الاستنتاجات قبل اكتمال الأدلة.
ومع ذلك، فإن السؤال الذي تفرضه هذه التطورات يبقى واضحًا: هل ستؤدي الصفقات والتفاهمات الجديدة إلى تسويات تحمي الدول والشعوب وتضع حدًا للحروب، أم ستنتج ترتيبات مؤقتة تحقق مكاسب لبعض الأطراف وتترك الآخرين أمام مخاطر أكبر؟
إن إنهاء الحرب في أوكرانيا، وحماية السعودية من الهجمات، واستعادة الاستقرار في اليمن، ومنع اتساع الصراعات في الشرق الأوسط، أهداف لا تتحقق بالتصريحات وحدها، بل بضمانات عملية واحترام للقانون الدولي وسيادة الدول وحماية المدنيين.
أما بالنسبة إلى العراق والعالم العربي، فإن الدرس الأهم هو أن الأمن الوطني لا يُبنى على انتظار قرارات القوى الكبرى، ولا على الرهان الدائم على تبدل التحالفات. إنه يُبنى على دولة قوية، ومؤسسات خاضعة للقانون، واقتصاد قادر على مواجهة الصدمات، وسياسة خارجية مستقلة ومتوازنة.
ففي عالم تتغير فيه المصالح والتحالفات، تبقى سيادة الدول وكرامة شعوبها ومصالحها الوطنية هي المعيار الذي ينبغي أن تُقاس به قيمة أي اتفاق أو تسوية.
#حمزة_الكرعاوي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
لا سيادة بلا دولة
-
تشرين... يوم قال العراقيون: نريد السلام ونريد الوطن
-
السلاح خارج سيطرة الدولة العراقية
-
انسحاب أم هزيمة
-
إنتخابات المكونات برعاية نجمة داود
-
بدعة الفتوى
-
حوار في مطار بغداد بين عراقية ومستوطن فارسي
-
الطائفية وأمراضها
-
نهاية إحتكار الخطاب الديني والثقافي
-
الدور الإيراني في العراق
-
سياسة الركض خلف السراب
-
تقليد مراجع الشيعة وعد بلفور الأول
-
العتبات واجهات الحرس الثوري الإيراني في العراق
-
فرق الموت الإيرانية في العراق
-
ما بين اللمبجي والتمثال المقدس
-
زيارة مصطفى كازمي للبيت الابيض
-
المشروع الوطني العراقي
-
نسألكم الدعاء مولاي ودعاؤكم أحوج
-
التدخلات الامريكية في الشأن العراقي
-
للعراقيين فقط : سري للغاية
المزيد.....
-
حاكم فلوريدا عن نتائج انتخابات التجديد النصفي: -تهديد للوجود
...
-
متحدث خارجية إيران يعلق ويبيّن معنى نتائج الانتخابات النصفية
...
-
ترامب ينتقد مجلس الشيوخ لتأخيره إقرار إلغاء تغيير التوقيت
-
الشماتة الإيرانية قد تدفع ترامب لاستئناف الحرب
-
إعصار يضرب البرازيل ويتسبب بدمار هائل في مطار شابيكو
-
ترامب تحت الضغط لإطالة حصار إيران بحريا
-
موسكو تحذر أوروبا من إطلاق عمل عسكري في البحر الأسود
-
تقرير اتحاد شركات الطيران العربية يتوقع خسارة صافية بـ3.82 م
...
-
السيناتور مارك كيلي: هيغسيث -يجب أن يرحل-
-
لغز الألم.. ماذا يحدث في أجسامنا ولماذا نشعر بالمعاناة؟
المزيد.....
-
حين يصيح الولاء اقوى من الحقيقة
/ حسين محمود صالح
-
ضحايا صدام حسين
/ صباح يوسف ابراهيم
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
المزيد.....
|