|
|
المستشار زوفيل نجم التيك توك
الحسان عشاق
روائي وكاتب صحفي
الحوار المتمدن-العدد: 8849 - 2026 / 10 / 5 - 19:35
المحور:
الادب والفن
لم يكن صمت زوفيل في قاعة المجلس البلدي ناتجا عن وقار السياسة أو حكمة رجل يعرف قيمة الدوات ودوره الحقيقي في التوليفة السياسية وعليه ان يزن الكلمات في ميزان الذهب، انه صمت عن رهبة مسمومة تعصر أحشاءه كلما امتدت يده المرتجفة نحو الميكروفون الفضي المثبت أمامه على الطاولة الخشبية الباردة. لم يطأ زوفيل جمر القاع يوما، ولم تلوح بشرته سموم الأسواق، فقد نشأ في حجر النعمة والترف، سليل عائلة جرفت الشوارع والصفقات ثروتها إلى خزائنها جرفا. كان عمه الحاج إدريس شيخا مخضرما في تدنيس البيادق، تسلم زمام الجماعة الترابية لسنوات طوال، امتص فيها ميزانيات التعبيد والنور، وحول دفتر الديون إلى قلاع وخزائن مغلقة بالتزوير. وعندما بدأت رياح التقارير الرقابية تهب محملة برائحة الدفاتر القديمة، خشي الشيخ على تركته المنهوبة من أن تقلب صفحاتها، فقرر أن يرمي بابن أخيه زوفيل العابث الشارد في ليالي اللذة والرخاء إلى أتون المعارك السياسية، ليجعله درعا يحمي الخزائن الحصينة، ووريتا شكليا يضمن إغلاق الملفات بأقفال صامتة. كان زوفيل يمارس طقوسا يومية معقدة وشاعرية في حجرته المغلقة، يطيل الوقوف أمام المرآة الذهبية المؤطرة بضوء ناعم، يمسك بمرود الكحل بمهارة طقسية ليرسم كحلا دقيقا يزيد من اتساع عينيه الخائفتين، وينثر بفرشاة مخملية بودرة دقيقة على بشرته ليتوارى شحوب وجهه خلف طبقة بيضاء ناعمة، ثم يرش العطر الفاخر في الهواء ويتقدم نحوه ليتشرب جسده أريجا يسبقه إلى أي مكان. يغير المقاهي باستمرار، وحين يستقر في زاوية فخمة، يحيط نفسه بدائرة عريضة من عشرات العاهرات اللائي جلبتهن أمواله ودسائس عمه، يجلس بينهن كملك تحيط به خيالات أنثوية صاخبة، لكن اللغز المحير الذي أثار شكوك الجميع لم يشاهد يوما برفقة فتاة واحدة على انفراد، ولم يسبق أن ربط علاقة غرامية أو عاطفية مع إحداهن، يحيط نفسه بهالة نسائية كثيفة ليداري جفافا عاطفيا وغامضا أثار خلفه ألف سؤال وسؤال. كان الحاج إدريس خبيرا بعقليات الساكنة المكلومة، يعلم أين تختبئ جراح المدينة المنسية وما الذي يحرك النفوس المنكسرة. لم يوجه زوفيل نحو النخب ليتعلم فن الحوار وأدبيات النقاش، فتح له أبواب القاع المظلم، ووظف ثروته المعتمة ليجمع حول ابن أخيه أطياف الهامش، العاهرات اللائي أنهكهن ليل المدينة، والفقراء الذين يطاردون رغيف الخبز في العتمة، والمنبوذين المشردين على أطراف العمران. رسم لهم زوفيل صورا من الخلاص الموهوم، واشترى حماسهم بعطايا عابرة ووعود بالسلطة والحماية. وبحشد من هؤلاء المنسيين الذين أتقنوا الصراخ في زوايا الاقتراع، دخل زوفيل انتخابات الجماعة الترابية مستقلا بلا لون حزبي ولا عقيدة، ملتحفا عباءة ابن الحي الذي يعيد البسمة للمحرومين. وعندما انشطر التحالف المحلي في ليلة فرز الأصوات بسبب خلاف حاد على تفويض التعمير، وجد زوفيل نفسه فجأة يجلس على كرسي من الجلد الأسود، بحوزته صوت ترجيحي لم يكن يحلم به. في السنة الأولى من ولايته، يحضر الاجتماعات ببذل فاخرة زاهية الألوان يستعرض بها ثراءه وسط القاعة، مستعرضا ساعته وعطره وطقوس أنقته الناصعة أمام نظرات العوز. واستغلالا لحاجة التحالف الحاكم لصوته الترجيحي وبتخطيط خفي من عمه، استطاع زوفيل أن يضع يده بثبات على قسم التعمير الحساس. هناك، عقد نسجا شيطانيا وتحالفا مع الفساد الإداري داخل أروقة المقر. تحول زوفيل إلى الرقم الأهم في معادلة الرخص، أصبحت عمليات البناء غير الترخيص والترخيص العشوائي وتغيير معالم التصاميم تمر عبر مكتبه وتحت ظله، وأصبح يتوصل بنصيبه المالي الكثيف من هذه العمليات القذرة، فتضاعفت ثروته وتحول إلى شريك فعلي في نسيج الفساد الإداري. غير أن المال القذر لم يمنحه الرضا؛ فقد كان يفتقد الهيبة والهالة الشعبية التي يصنعها الشارع الرقمي. وفي مساء أحد أيام الثلاثاء، وهو يجلس في زاوية بمقهى فخم محاطا بقهقهات العاهرات ومتعطرا بالمسك والبودرة، يمسح شاشة هاتفه الذكي بحنق، التقت عيناه بعيني الحجامي ياسين. كان ياسين يضع كوب الشاي المنعنع بجانب ركام من أوراق التحضير لمباراة التعليم التي جرى تأجيلها للمرة الثالثة. ثقوب سترة ياسين تنطق بفقر ،خريج فلسفة حاقد على أسر الأعيان التي تحتكر المقاعد والمال. اقترب منه زوفيل ببذلته الفاخرة وعينيه الملتفتين المرتجفتين خلف الكحل، لا بدافع التقدير العلمي، لشعوره بالضعة والعجز أمام هيبة الشارع الافتراضي، وقال بصوت خفيض: — يا ياسين... القوم في المجلس ينظرون إلي كأني مجرد صندوق مال أو حجر شطرنج يحركونه. عمي يريدني واجهة صامتة، وهم يضحكون في سري رغم ما أملكه في قسم التعمير. نظر إليه ياسين بنظرة يختلط فيها الازدراء الشديد لـابن الثري المستبد المتجمل بالبودرة والكحل، بالرغبة الدفينة في الانتقام الطبقي والسياسي من عائلة زوفيل ورئاسة المجلس معا، وقال بنبرة حازمة: — تريد أن تجعلهم يصمتون وتكسر سلطة رئيس المجلس وعمك معا...؟ لا تحدثهم في الميزانية، فالأرقام يملكها محاسب الجماعة وسيصرعونك بالتقارير. حدثهم فيما لا يفهمون... حدثهم بالكلمات التي ترعبهم وتجعلهم يخشون أن يظهروا بمظهر الجهلة أمام الناس في المنصات. في حجرة نومه الفاخرة، وأمام المرآة التي شهدت طقوس تكحيله ونثر البودرة على وجهه، وتحت ضوء مصباح دائر اشتراه خصيصا للتصوير، كان زوفيل يعرق بغزارة محاولا نطق عبارة دونها له ياسين على ظهر علبة سجائر فارغة.
— الـ... الأنـ... الأنطولوجيا... يمسح زوفيل جبهته بظهر يده فتتلطخ البودرة بعرقه، وينظر إلى ياسين الجالس على طرف السرير يتأمل الموقف بمرارة ساخرة. — يا ياسين، ألا توجد كلمة أسهل...؟ الساكنة تريد حل مشكلة أكياس الأزبال وتسرب المياه، ما دخل هذا الكلام الفلسفي...؟ سيتندر علي مستشارو الأغلبية وعمي إذا تلعثمت... رد ياسين دون أن يرفع عينيه عن هاتفه: — بالعكس... التلعثم يخدمك. الساكنة في البث المباشر لا تريد أستاذ فلسفة يعطي دروسا؛ تريد شابا غنيا يتكحل ويكتسي البذل الأنيقة ويتظاهر بأنه يشعر بألمها، يتلعثم وهو يحاول أن يقول كلاما كبيرا. اتلها كما هي، والموسيقى الملحمية في الخلفية والتفاعل ستتكفل بالباقي. في دورة أكتوبر، لم يدخل زوفيل ومعه برنامج تنموي، دخل ببذلته الإيطالية ومعه حامل الهاتف الثلاثي وميكروفون صغير مثبت على لياقة سترته بدقة، ورائحة عطره تملأ المكان. عند نقطة الصرف الصحي لحي البرغوث، وقف ورئيس المجلس يحاول كتم تثاؤبه وعمه يراقب من البعيد بوجوم. نظر زوفيل إلى عدسة هاتفه، وتذكر نبرة الاستخفاف التي يعامله بها الجميع، فامتزج حس العظمة الهش بالنص المحفوظ، ونزلت كلماته كالسيل: — إن مشكلة المجاري في الحي ليست مجرد أنبوب مكسور... إنها تجسيد صارخ لما يسميه علماء الاجتماع بتهميش الذوات! أن تشعل شمعة في تيك توك وتطالب بالضوء، خير من أن تنتظر شفقة هذا المجلس... توقفت همسات المستشارين. صمت الباشا لملاحظة التفاعل العارم والآلاف من القلوب الحمراء التي بدأت تتقاطر على البث المباشر. لم يفهم أحد المعنى الدقيق للكلمات في ملف تقني، لكن نبرة التحدي في عيني زوفيل المكحلتين جعلت رئيس المجلس وعمه يتحاشيان النظر إليه، خشية أن يقتطع مقطع صغير ويصبح عنوانا لحملة تشهير رقمية. لم يكن رئيس المجلس شخصية ضعيفة، كان تاجر مواد بناء حذرا يسير الجماعة بمنطق أقل الخسائر. يعلم أن مواجهة زوفيل علنا ستصنع منه بطلا ورقيا. عقد الرئيس اجتماعا مغلقا مع نائبه والمستشار سليمان المهندس الزراعي الهادئ الذي يرى الجماعة مجرد أرقام ومخططات هيكلية:
— سليمان... هذا الفتى الثري الطائش المتجمّل بالبودرة بدأ يربك حساباتنا مع السلطة الإقليمية. الباشا يسألني كل يوم عن الفيديوهات التي تنتشر كالنار في الهشيم. قال سليمان وهو يقلب صفحات ملف التعمير بنفاذ صبر: — يا سيادة الرئيس، إنه هواء فاسد. زوفيل لا يفهم في المساطر ولا في قوانين الجماعات شيئا، وعمه استخدمه مجرد غطاء. لقد أطلقنا يده في قسم التعمير وصار يتلقى نصيبه من العمليات القذرة؛ دعوه يغرق في خروقاته والتراخيص العشوائية، وسيرسخ هو بنفسه خروقاته التي ستسقطه وتورط عائلته قانونيا يوم نحتاجه.
بدأ زوفيل يلاحظ اللين في التعامل، صار غض الطرف عن البناء غير الترخيص لأنصاره والعمليات المشبوهة أمرا واقعا مقابل أن يوجه سهامه في اللايف نحو صغار الموظفين فقط. لكن زوفيل كان يشعر بفراغه الداخلي كلما انتهى البث المباشر وأطفأ الإضاءة؛ يسير في شارع الجماعة ليلا ببذلته الفاخرة وطبقة البودرة تتكسر على وجنتيه، فيرى النوافذ المغلقة ويخشى اليوم الذي يكتشف فيه المتابعون وعمه أنه لا يملك مفتاحا حقيقيا لشيء. في إحدى الليالي، جلس ياسين وزوفيل في السيارة الفارهة. قال ياسين بنبرة خافضة، فيها شيء من الندم: — زوفيل... الناس في الهامش يصوتون لك لأنهم يظنون أنك ستحضر لهم الماء والإنارة، وليس لأنك تتحدث عن أنطولوجيا الضوء. بدأت تأخذك الفيديوهات وتنسى المطالب الحقيقية. التفت إليه زوفيل بنظرة حادة، ظهر فيها تحول الشاب الذي تذوق طعم النفوذ والمال الحرام لأول مرة بعيدا عن جلباب عمه:
— أنت تتقاضى أجرك يا ياسين لصياغة الخطب، لا لإعطائي دروسا في السياسة. الناس يريدون فرجة، وأنا أعطيهم المسرح الذي يهربون إليه. اتركني أدر اللعبة كما أريد.
ولأول مرة، شعر ياسين ببرودة تسري في جسده، لم يخلق ثائرا ضد الفساد كما كان يتوهم، بل صنع كائنا هجينا بين سلطة المال القذر وفراغ التيك توك. لم تكن تحركات زوفيل خارج قاعة المجلس مجرد رغبة في الاستعراض، بل كانت خوفا من أن يصحو يوما فيجد الهاتف صامتا. وفي الأمسيات الخالية، كان يتردد على المقرات الحزبية حثا عن حماية أكبر، فيظهر في اجتماعات حزب التجمع الوطني للأحرار محاولا التودد لقياداته، ثم يطل بعد أسابيع في لقاءات حزب الأصالة والمعاصرة ملوحا بصفحته ومتابعيه ونفوذه في التعمير. غير أن هذا التردد والمناورة جعل الأحزاب تنظر إليه بحذر كعنصر هجين لا يؤمن جانبه. لم يتوقف طموحه عند ذاك؛ بل عمد إلى حشد أطياف الهامش والفتيات اللائي يلتففن حوله في المقاهي. وفي خافقات الليل، كان يرتدي بدلة رياضية زاهية ويقصد ملاعب القرب بضواحي المدينة؛ يركض خلف الكرة بلياقة متواضعة وعين تتابع مصور هاتفه المترصد خلف السياج. يوزع ميداليات ورخيصة الهدايا على أطفال الأحياء البائسة، مستجديا هتافات تصخب بها شاشته. وفي المقاهي المنزوية، كان يجلس وسط حشد من صغار المتملقين والمتسولين والعاهرات، محاولا تأمين حضورهم في قاعة المجلس أثناء الدورات ليصنعوا له هالة من الصراخ والتصفيق. ولأنه يدرك تعقيد المساطر الإدارية وعجزه عن فهم الوثائق، تقرب من أحد كبار موظفي الجماعة في قطاع التعمير. نسج زوفيل حوله شباك المداهنة بالمال والوعود ونسب العمولات القذرة، يجلس معه بالساعات في المقاهي الفاخرة، حتى تحول الموظف إلى أداة مطواعة لتسهيل الصفقات وتسريب كواليس القرارات وتفاصيل الملفات. وبتدبير من هذا الموظف، نظم زوفيل رحلة استجمامية لموظفي الصيانة والنظافة إلى الشاطئ القريب، مروجا لها كـ "مبادرة أخوية"، حيث تجرد من رسمياته وجلس معهم على الرمال يشاركهم صواني السمك المشوي أمام العدسة. سعى زوفيل لتأسيس إنزال سياسي يربك حسابات عمه ورئاسة المجلس معا، عبر التنسيق مع بعض المستشارين المترددين: مستشار غير لونه الحزبي أربع مرات بحثا عن تفويض النظافة، وآخر يبحث عن مظلة تمنع هدم بناء غير مرخص، وصاحب رخص استثنائية في التعمير. جمعهم في اجتماع مغلق بأحد المقاهي وقدم لهم نسب التفاعل في صفحته قائلا:
— الأحزاب المقيدة بالقوانين تحركها التعليمات، أما أنتم فمعي تملكون الشارع الافتراضي وعمق ثروة عائلتي ومفاتيح التعمير... اتحدوا معي لنفرض شروطنا. لكن التوافق لم يدم؛ فالأعضاء اكتشفوا أن زوفيل يسعى لاستثمار أصواتهم للضغط باتجاه الرئاسة لنفسه دون ضمانات مكتوبة. اندلعت حرب صامتة، وصاح به المستشار الباحث عن التفويض: - لا أقتات على اللايكات يا زوفيل...؟
تكسرت الكتلة وتشققت الوعود المتضاربة قبل خوض أي معركة رسمية. حين شعر زوفيل بأن أثره بدأ يتراجع، قرر تسخير ثروته وعائدات التعمير لشراء الدعم الرقمي المباشر. تواصل مع سمسار متخصص في إدارة الحسابات وصناع المحتوى في شقة بضواحي المدينة، ووضع أمامه دفعات مالية ضخمة لتقطيع مقاطعه وطبعها بموسيقى حماسية وشن حملات ضد خصومه. عاش زوفيل أسابيع تحت تأثير التفاعل المصنوع، يعيد قراءة التعليقات المشتراة ليداوي عزلة الواقع. غير أن إدارة الشبكات خضعت لمنطق مالي لا يرحم، وبدأ السمسار يطالبه بمبالغ إضافية باهظة مع بداية كل أسبوع. وعندما رفض عمه الحاج إدريس تغطية المصاريف الطائرة واكتشف عبثه، قطع عنه التمويل العائلي وحاصره في مداخيل التعمير. توقفت الفيديوهات الداعمة خلال أربع وعشرين ساعة، ونشرت بعض الصفحات تسريبات لمحادثات توضح أنه كان يدفع مقابل التلميع. انكشف الأمر أمام الرأي العام المحلي، ووجد زوفيل نفسه مكشوفا ومحاصرا بالديون والفضائح. حاول زوفيل الاحتماء بالسلطة الترابية، فكان يبدي طاعة مفرطة للباشا في الاجتماعات، متملقا كل ملاحظة يصدرها. وكانت السلطة تدرك دوافع زوفيل ومحدوديته، فتتركه أحيانا كعنصر توازن ضاغط على الرئاسة والحرس القديم. بلغت الأزمة مداها في دورة الاعتماد المالي للسنة الجديدة. تقدمت المعارضة والرئاسة بتدابير تقشفية لمعالجة عجز النظافة والإنارة. وقف زوفيل ببذلته الأنيقة وطبقة البودرة ومسحة الكحل في عينيه أمام العدسات، وبدأ يستعرض خطبة طويلة كان قد حفظ كلماتها بصعوبة من الورقة التي أعدها له ياسين، متحدثا عن أزمة الأخلاق والأنطولوجيا. أثناء كلمته، قاطعه المستشار سليمان بنبرة هادئة ومبتسمة، ممسكا بملف الميزانية:
— يا سيادة المستشار... هل لك أن تشرح لنا بالتدقيق كيف ترتبط الأنطولوجيا بالنقص الحاصل في السطر المالي المتعلق بشراء أكياس النظافة وقطع غيار شاحنات الأزبال...؟
تجمد زوفيل في مكانه. احمر وجهه تحت طبقة المساحيق، وتلفت في القاعة بحثا عن ياسين، لكن الشاب كان يجلس في أقصى المقاعد الخلفية مطرقا رأسه في الأرض رافضا التدخل. ولترقيع الموقف، خرج زوفيل عن النص المحفوظ وعاد إلى انفعاله؛ صاح بكلمات حادة متهما اللجنة بالسرقة، ومحول النقاش التقني إلى مشادات. وعلى إثر الفوضى وتعالي أصوات أتباعه الحاضرين في الخلفية، انسحبت المعارضة ورفضت الأغلبية التصويت، لُترفع الجلسة ويصدر الباشا تقريرا حادا يفيد بشلل المرفق العام. في دورة أكتوبر التالية، حاول زوفيل إعادة بناء حضوره عبر تركيز كاميرا هاتفه وإلقاء كلمة انفعالية جديدة. لكن المستشار سليمان استأذن في الكلمة، وفتح حاسوبه المحمول الموصول بشاشة العرض بالقاعة. قدم عرضا كشف فيه بالأدلة الدامغة كواليس قسم التعمير؛ عرض وثائق ورخصا غير قانونية وقعها واستصدرها زوفيل لمريديه مقابل مبالغ مالية وعمليات قذرة موثقة، معززا العرض بكشوفات وتحويلات مالية لصفحات الدعاية والذباب الرقمي. تهاوت الشعارات الفلسفية والمفردات المحفوظة أمام أرقام الحسابات والتاريخ الموثق. شعر زوفيل بالتعرية التامة وسقوط قناع النزاهة والبودرة عن وجهه. وفي لحظة انفعال وفقدان تام للسيطرة، تحرك من مقعده ببذلته باتجاه الشاشة والمستشار سليمان ليقطع العرض. حاول سحب الأسلاك وإبعاد الحاسوب بيده بقوة، فاحتدم الشجار واصطدمت يده بالمستشار سليمان الذي اختل توازنه وسقط أرضا وانكسرت نظارته، بينما وقف عمه الحاج إدريس في أقصى القاعة حاسرا رأسه من شدة الخزي والاندحار. توقف البث المباشر فوراً بعد أن قطع مساعده التصوير، وسادت القاعة حالة من الذهول والارتباك. لم يتوقف الأمر عند مشادة القاعة، لحق زوفيل بالمستشار سليمان إلى دورة المياه الملحقة بمقر الجماعة في لحظة طيش وفقدان تام للسيطرة، وانهال عليه بالضرب ووجه له صفعة قوية أطارت نظارته وتركته مضرجا بدمائه، يصيح بكلمات نابية أمام ذهول الموظفين الذين هرعوا لفض الاعتداء، نقل المستشار الجريح الى المستشفى. الواقعة داخل دورة المياه الخطأ الفادح الذي كشف حقيقة المستشار المتأنق، إذ تهاوت الهالة المزيفة للشاب الذي حرص دوما على لعب دور الفاهم والعارف والضليع في السياسة، ليتجلى أمام الساكنة والرأي العام كبلطجي استغلالي يتستر خلف الكحل والمساحيق. نقل المستشار سليمان إلى المستشفى الإقليمي إثر إصابته برضوض وارتجاج وحصوله على شهادة طبية تحدد مدة العجز. وتقدم بدعوى قضائية مباشرة بتهمة الاعتداء الجسدي والضرب والجرح وإحداث الفوضى داخل مؤسسة رسمية، إلى جانب فتح النيابة العامة تحقيقات في خروقات الفساد الإداري والتعمير. أدرك زوفيل حجم الهاوية التي يتجه إليها، ذعر ذعرا شديدا وسقطت عن وجهه كل مظاهر الكبرياء. وفي المحطة الأخير قبل المحاكمة، تجرد من غروره وشوهد في حي قريب من مسكنه يتسول الضحية المستشار سليمان في مكتب محاميه وفي زوايا بيته، يجثو على ركبتيه باكيا ومتوسلا التنازل عن الدعوى القضائية لإنقاذه من عتمة السجن. وقدم له مبلغا ماليا محترم يغطي كافة مصاريف العلاج وجبرا للضرر واتعاب المحامي مقابل صلح رسمي. قبل سليمان التنازل والصلح تحت ضغط الوساطات والمبلغ المالي المحترم لتفادي العقوبة السجنية النافذة، لكن الصلح لم ينقذ زوفيل من السقوط السياسي والإداري، وبعد اجتماعات مكثفة للمجلس تم التصويت بالإجماع بعزله من طابور الأغلبية ونفيه إلى المعارضة . بعد تسوية القضية وتفادي السجن، أصبح زوفيل نكرة ومنبوذا في المدينة بأكملها. سقطت عنه الهالة الرقمية، ولم يعد صوته مسموعا لا في أروقة المدينة ولا في المنصات الرقمية، فكلما حاول الخروج في بث مباشر ليبرر ما حدث، انهالت عليه التعليقات الساخرة ووصف بـمستشار دورة المياه. حاول مستميتا البقاء في المشهد السياسي، وأخذ ينتقل من حزب إلى آخر، يطرق أبواب المقرات مستجديا التزكية، غير أن الجميع أغلقوا الأبواب في وجهه بعدما أصبح ينتقل بين الأحزاب وبات يشكل عبئاً وسيرة ملوثة بالفضائح. وتفرق عنه المحيطون به، توارى الذباب الرقمي، واختفت الفتيات والطفيليون الذين كانوا يقتاتون على موائده، وحتى الشاب ياسين الحجامي جمع أوراقه وكتبه وغادر المدينة بلا رجعة. انتهى المطاف بنجم التيك توك مجرد شخص معزول، ببذلة مستهلكة ومظهر شاحب يخلو من الكحل والبودرة، ينتقل بين المقاهي الهامشية يقلب هاتفه بأصابع باردة ليجد شاشته صامتة تماماً، بعدما طواه النسيان وأصبح عبرة لكل من اتخذ السياسة مسرحاً للاستعراض والفساد.
#الحسان_عشاق (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
الحاج بوعديس نبيذ الذل في كؤوس الظلال
-
دقات الساعة لم تعد ذات قيمة
-
نبيل المنشار ومملكة الحواجب المعقودة
-
الحاج بوعديس شيخ الموائد المجانية
-
سمفونية النهيق في مواجهة عقم الكراسي
-
رحلة عباس هاجوج الاخيرة
-
شهرزاد لم تسكت عن الكلام المباح
-
إمبراطورية باعقيلوش الكلامية
-
مكتبة السندباد وشاشات الهاتف النقال
-
طرقات على الجلد الميت
-
أمير الدبابير وراعي الدودة
-
دبيب النمل ووهج الصيف الحارق
-
أنفاس الياسمين المتمردة
-
حين تشترى الأصوات وتفقد الأوطان
-
من وهج الشاشة الى مداد القلم
-
عَبرات فوق قبر أمي
-
المكي بولهموز يطارد السراب
-
زوجة على وشك السقوط
-
حارسة المرمى وحارسة الذاكرة
-
سمفونية الفناء: ترنيمة السقوط الأخير
المزيد.....
-
فيلم -Toy Story 5- مدبلجًا إلى اللهجة السعودية لأول مرة
-
من غزة إلى اليمن.. حكايات عربية عن الحرب والبقاء في مهرجان ل
...
-
مهرجان -أرابيسك-: ملتقى الموسيقى العربية في فرنسا
-
تعيينه أثار جدلا واسعا.. استقالة مستشار إعلامي لنقابة فناني
...
-
-المنتقمون: نهاية اللعبة- يستعيد صدارة شباك التذاكر العالمي
...
-
أسرار قرن ونصف تكشفها أعمال ترميم -ألفية روسيا- في كرملين نو
...
-
سبعة كتّاب عرب بينهم ثلاثة سوريين في بورصة التكهنات بنوبل لل
...
-
رصد 308.3 مليار روبل للثقافة والسينما في الموازنة الروسية 20
...
-
فيلم من ظلال زمن الأسد يتطلع إلى الأوسكار
-
فيلم -ملفات بيبي- يغزو البرلمان الأوروبي: وثائقي يكشف كواليس
...
المزيد.....
-
رأيت وردة الدبلان
/ د. خالد زغريت
-
شرنقة الاحتضار الأخير
/ رائد الجحافي
-
دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
رواية محاولة بقاء
/ الحسين افقير
-
رواية محلبة عم ابراهيم
/ الحسين افقير
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
المزيد.....
|