أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الحسان عشاق - الحاج بوعديس شيخ الموائد المجانية















المزيد.....

الحاج بوعديس شيخ الموائد المجانية


الحسان عشاق
روائي وكاتب صحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8820 - 2026 / 9 / 6 - 04:54
المحور: الادب والفن
    


حين تقترب الظهيرة، لا ألتفت إلى وجهة الريح، ولا يعنيني إن كانت بوصلة البلاد تترنح يمينا أو تميل يسارا. تسيرني بوصلة أصدق وأعرق؛ رائحة الشواء المتصاعدة من قاعات المؤتمرات، أو نداء قاعات الاستقبال المترفة حيث تعقد ندوات الفكر والسياسة. بالنسبة لي، الأحزاب ليست سوى لافتات باهتة على طريق معبد بأطباق اللحم المشوي، وأكوام المعجنات الفاخرة، وقوارير العصير التي ترتجف طمعا. تجدني هناك، في الصف الأول دائما، لا لأسمع بيان الحزب الختامي، بل لأترصد اللحظة المقدسة حين يعلن الكاتب العام انتهاء الجلسة وافتتاح حفل الشاي.
لم تكن غزواتي وليدة صدفة، كانت نتاج عقود من التمرس في فنون الانحناء الحريري. تعلمت مبكرا أن الوصول إلى جوهر الطبق يمر حتما عبر مجاملة الأعناق. في مطلع أي لقاء، تجدني أتحول إلى خيميائي بارع في توزيع الابتسامات الصفراء، يمينيا مع اليمينيين، يساريا مع اليساريين، وليبراليا إن تطلب الأمر ابتسامة واسعة تليق بطاولة الحلويات. كنت أجيد التملق ببراعة موسيقية فريدة، فأميل برأسي نحو فلان كمن يستمع لآية من الحكمة المنزلة، وفي الحقيقة لا أترصد سوى حركة اليد التي ستشير نحو قاعة الاستقبال. وإن مر علان، زعيم الكتلة المعارضة أو الحاكم، انحنيت انحناءة صوفي خاشع، لا تقديرا للزعيم، بل تقديرا لما يحمله السجل والمنابر خلفه من أطباق فاخرة.
كنت أتقن تقبيل الأكتاف التي توزع الدعوات، وأجيد التذلل على صراط الموائد، أدرك بيقين الجياع أن الانحناء الطفيف اليوم، الطوب الذي تبنى به تخمة الغد، حتى صرت رمزا حيا للقاعدة التي تقول:
- أن تنحني قليلا اليوم، يعني أن تمتلئ كثيرا غدا.
حين تضج القاعة بالتصفيق، أكون قد سحبت هاتفي الذكي بحركات جراحية دقيقة. لا تهزني خطابات الحماس ولا وعود التنمية والرفاه، ما يحركني الإضاءة المثالية فوق طبق الشواء وقصاعي الكسكس المزدهرة بالخضر ولحم البقر أو هندسة المعجنات المتراصة بانتظام عسكري. لم يكن هاتفي مجرد أداة لالتقاط الصور، إنما أرشيفا وطنيا موازيا ومتحفا افتراضيا لتاريخ البلاد الحديث.. من منظور السعرات الحرارية. فحين تفتح صفحتي الرقمية، لا تجد بيانا سياسيا، تجد شريطا ناطقا بالدهون والسكريات، صورة لقمة دسمة تليها لقطة مقربة لطبق فاخر، وكأنني أتوثق التصالح التاريخي العظيم بين الطبقات فوق طاولة البوفيه المفتوح. كنت أكتب تحت كل صورة تعليقات فلسفية تزلزل عرش اليقين:
-من لا يفرق بين طعم اللحم المشوي في مؤتمر الأحرار، وطعم المكسرات في ندوة الاستقلال، وطعم الكفتة ولحم البقر في حزب الأصالة، فهو خاسر لا محالة في معركة الوجود.
صارت تعليقاتي تحصد مئات الإعجابات من جائعين افتراضيين وسياسيين تائهين، لأؤكد أن الحياة لا زالت بخير مادامت الموائد الدسمة تتكاثر في أرض الأحزاب. في البدء، كنت وحيدا كراهب في صومعة النهم. أرتاد القاعات فردا بخجل وخوف شديد، أتسلل بخفة قط، أقتحم الحصون الحزبية بمعطفي الواسع وجيبي الذي يتسع لكل أنواع الفطائر، محتالا على البروتوكولات بخطة قوامها الثقة الزائفة ووجه لا يعرف الخجل. لكن السنين حين تمر، لا تترك الأساطير وحيدة. لاحظ الشبان والمهمشون من رواد الحلقات تلك الرشاقة العجيبة التي أتحرك بها وسط الزحام، وتلك القدرة الخارقة على استنشاق رائحة الشواء من خلف جدران الإسمنت. بدأ أحدهم يتبعني خلسة، ثم انضم إليه ثان وثالث، حتى تشكلت حولي حاشية من المريدين.
تحولت من مقاتل منفرد إلى أستاذ كبير في أكاديمية الشره السياسي. صرت أجلس في مقهى الحومة أقدم دورات تكوينية لتلامذتي:
• كيف تمرر هاتفك لالتقاط زاوية مثالية لطبق الدجاج المحمر دون أن تلحظك عيون الحراس.
• كيف تبتسم بوجه زعيم الحزب الذي شتمته بالأمس، طمعاً في دعوة عشاء الغد.
• وكيف تقسم الخطوات بين قاعات المؤتمر لتظفر بطبق الحلوى قبل أن ينقض عليه صقور الشبيبة.
وبات التلامذة يقلدون مشيتي، ويحملون هواتفهم تيمنا بي، وقد لاحظت بعد حين أنهم أصبحوا أكثر تمرسا وخبرة يجمعون الطعام في أكياس بلاستيكية. حين تفرغ قاعات المؤتمرات ويحل هدوء الموائد، لا أقعد في بيتي مرتاحا، أنقل معركتي البقائية إلى جبهة أشد وعورة، ردهات الإدارات العمومية. هناك، تحولت من فيلسوف للموائد إلى سمسار ماهر يتقن فك طلاسم الأختام وإنجاز المعاملات العالقة. لم أكن أملك شركة ولا منصبا، ولكني أملك ما هو أثمن، شبكة من العلاقات المنسوجة بخيوط النفاق المتين. تجدني أرتدي بذلتي البائسة ذاتها، حاملا ملفات الغرباء وتحت إبطي طلبات المواطنين الحائرين. أدخل المكاتب بخطوات واثقة، أبتسم للموظف المتجهم ابتسامة مفعمة بالتبجيل، أهمس في أذنه بعبارات المديح الرخيص، وأذكره بنجاحات القطاع وكفاءته الفذة.
وفي كواليس الإدارة، أتحول إلى وسيط لا يرد لي طلب، رخصة هنا، شهادة إدارية هناك، وتسريع معاملة متعثرة مقابل قهوة أو خدمة مؤجلة. كنت أعلم تماما كيف أوظف هيبة حضوري القديم في قاعات الأحزاب ليهابني الموظفون الصغار، محولا بؤس المواطنين إلى سلعة مربحة تضمن لي بقائي في دائرة الضوء والمنفعة.
لكن السمسرة وحدها لم تكن تكفي لتغطية نفقات طقوسي اليومية وصيانة سيارتي المتهالكة التي كانت رفيقتي في غزواتي الحزبية. من هنا، بدأت مرحلة الطواف بأبواب الأعيان. كنت أقف أمام أبواب رجال الأعمال والمنتخبين الكبار، لا لأطلب وجبة، لأطلب وقودا أغذي به تنك سيارتي المتهالكة، أو مساهمة خيرية لدفع أقساط التأمين الإجباري للسيارة التي تقلني وتلامذتي النجباء نحو الولائم المقبلة. أطرق الباب بخضوع مسرحي مدروس، فإن فتح لي الباب، انحنيت حتى كادت جبهتي تلامس الأرض، مسبغا على المحسن الكريم من ألقاب الكرم والجود ما يجعل هارون الرشيد يبدو بخيلا مقارنة بي:
-يا سي الحاج، السيارة صمام أمان لدعواتنا، ولولاها لانقطعت أخبار الخير عن محبيكم.. وقفة عز معكم اليوم تعني بقاء راية السخاء خفاقة!
كنت أستعطفهم بدموع كاذبة وكلمات معسولة، فيخرج الأعيان محافظهم إتقانا للتخلص من إلحاحي أو رغبة في شراء مديحي. أعود إلى سيارتي، أملأ خزانها ببنزين المنة والمن، وأدفع تأمين حركتي، مشتريا بتذلل ساعات إضافية من الاستمرار في ملاحقة الموائد، وكأن لسان حالي يقول:
-لا عار في الانحناء، طالما أن الانحناء يملأ الخزان ويفتح الأبواب...
لم تعد عجلات سيارتي المتهالكة تكتفي برائحة الاحتراق، ولا بطون تلامذتي تشبعها فتات المؤتمرات. لقد تضخم الشره حتى صار وحشا يلتهم الآفاق. في ركن مقهى الحومة، وحين كنت أنفث دخان سجارتي، بدت لي تلك البقعة من أملاك الدولة المركونة على تخوم النسيان، كأنها قصعة كبرى لم تمتد إليها أيدي الجياع بعد. لم يكن الأمر تزويرا مجردا، كان استحقاقا تاريخيا لشيخ أنهكه الانحناء، خططت بيدي المرتجفة عقود الوهم، مستغلا علاقتي القوية بممثل الساكنة في الغرفة التشريعية، وأقنعت الطامعين بأنني مفوض من البرلماني لتفويت هواء الأرض بثمن بخس يغني من لا يملك.
باسم الاستثمار الوهمي والشراكة الاستراتيجية، التقيت برجال أعمال طامعين في الريع، وأقنعتهم بصفقة العمر. تهافت الطامعون ووقعوا في شباكي، متناسين أن أملاك الدولة ليست سهلة المنال، وسقطت الملايين في جيبي، لأظن لفترة قصيرة أني عبرت إلى ضفة الأثرياء الحقيقيين، وأن عصور ملاحقة الموائد والمشي على حافة الجوع قد وليت بلا رجعة. لم انم تلك الليلة وتساءلت في قرار النفس الإمارة بالسوء كيف فعلت ذلك ومن نفخ في رئتي الشجاعة والقوة، لأكثر من ليلة تطاردني الكوابيس وارى رجالا مدججين بالأسلحة يطاردونني، استفيق مذعورا وافرغ نصف زجاجة من الماء البارد في جوفي.
دوام الحال من المحال، وحين تشرق شمس الحقيقة، تتهاوى قلاع الوهم كحبات رمل. انكشف سر الأرض الملعونة، وعلم الضحايا أنهم وقعوا ضحية عملية نصب محبوكة ببرود أعصاب خبير. في ليلة حالكة، لم تنفعني حيل المديح ولا ابتساماتي الصفراء، ولم تفتح لي أبواب الأعيان، حاصرني الغاضبون في عقر داري. علت أصواتهم في الأزقة، وانهالت القبضات ركل على باب بيتي المتهالك، فامتلأ المكان بالرعب والتهديد باقتحام الحصون. أدركت بذكائي الشيطاني أن الملاعق الفضية وتاريخ الولائم لن ينجياني هذه المرة من بطش من نهبت أموالهم.
مرتجفا، عيناي زائغتان وقلبي يرتجف خوفا من الفضيحة والسجن، لم أجد وسيلة للنجاة سوى استخراج دفتر شيكاتي المهترئ. أسرعت بخط مضطرب نحو طاولة مهشمة، وخططت بيدي المرتجفة توقيعا ملزما بالمبلغ كاملا، لألقي به من خلف الباب الموصد كفدية لروحي وكرامتي المهدرة. انسحب المهاجمون شاهرين صك الخلاص، وتركت وحدي في عتمة بيتي، أتمسح عرقي البارد، مترحما على أيام كان فيها أكبر همي كيف ألتقط صورة لطبق مرق ساخن، لا كيف أنجو بجلدي من شيك بلا رصيد وقبضة لا ترحم.
لم تشبع تجربة الأرض المستباحة ولا لسعات الشيكات المرتجفة غرائزي، زادتني شراسة في البحث عن رعاة جدد يمولون غروري. وفي موسم انتخابي عاصف، وجدت ضالتي المنشودة في شخص برلماني مشبوه السمعة، تحوم حوله شبهات الفساد وتفوح من ملفاته روائح الصفقات المشهورة، لكنه كان يملك ما أعشقه، ميزانية مفتوحة وولائم دائمة. لم أتردد لحظة واحدة، فتحت مطبخي الإعلامي الخاص وأطلقت العنان لقلمي المرن. نشرت على شبكاتي الرقمية مقالات ومدائح نارية امجد فيها الزعيم الهمام والنائب المحبوب، واصفا إياه بنصير الفقراء وباني مجد المنطقة، متناسيا أن التاريخ القصير لا يحتاج سوى لأيام قليلة لينفض غبار النفاق. كنت ألوح بصوري إلى جانب البرلماني في كل محفل، محولا صفحاتي إلى منبر لتلميع وجه مشوه أصلا.
ولأن دوام الحال محال، سقط البرلماني في شباك العدالة، وانكشفت ملفاته الثقيلة للعلن، لتتحول مدائحي إلى طوق نجاة غارق جلبته معي إلى قاع الفضيحة. هبت ريح الغضب الشعبي والمؤسساتي، ولم يجد المجلس الجماعي بدا من حماية ما تبقى من كرامته، فصدر في حقي قرار صارم وقاطع، منع تام من دخول مقر الجماعة الترابية أو حضور أي من جلساتها وأنشطتها. هكذا، وجدت نفسي مطرودا من جنتي المفضلة، محروما من رائحة الشواء وقاعات الاستقبال التي اعتدت تسلق أسوارها. جلست في مقهاي القديم أجرع مرارة الخيبة، هاتفي خاو من الإشعارات، ودفتر ذكرياتي مطرزا بختم أسود عريض:
-ممنوع من الدخول.. لا موائد لمن باع صوته بالولائم.
لم تقتصر عقوبتي على أسوار الجماعة الترابية الموصدة، فالعالم الرقمي الذي طالما اتخذته مسرحا لغزواتي الشرهة، وانبريت فيه أوزع صور الأطباق وابتسامات التملق، تحول بين عشية وضحاها إلى ساحة إعدام افتراضية لا ترحم. ما إن سقط البرلماني المشبوه وتناثرت فضائح صكوك الأرض المنهوبة، حتى هبت عاصفة من السخط العارم على صفحات التواصل الاجتماعي. انطلقت كتائب الساخرين والمنتقمين تلاحق أثري الرقمي خطوة بخطوة. نبش أرشيفي الحافل بصور الولائم، وأُعيد نشر تدويناتي القديمة التي تفوح بنرجسية النفاق، لكنها ألبست هذه المرة حلة من التهكم الساخر واللاذع. تحولت في تعليقات الرواد المتداولة إلى مجرد خرقة بالية مرمية أمام ماخور في حي شعبي، يمسح بها الجميع بلا هوادة عار المشهد المشحون والريعي.
في عتمة غرفتي، وبدلا من أن أنام، وجدت نفسي مشدودا بقوة مغناطيسية سوداء إلى هاتفي المكسور. فتحت معرض الصور المخصص لغزواتي ولانتصاراتي الكبرى على الموائد الدسمة. راحت أقلب الصور صورة تلو الأخرى، هنا وجه البرلماني الساقط وبجوار طبق الخروف المشوي المتبل، وهناك صورة لطبق الفواكه.. لم تعد تلك الصور توثق السعرات الحرارية أو ملذات الولائم، بل تحولت إلى أرواح صغيرة وساخرة تحوم حولي، تخرج من الشاشة لتسألني بصوت خافت:
-أهذا كل ما بقي منك...؟ مجرد انعكاس شاحب لطبق مأكول...؟
ألقيت الهاتف من يدي بفزع، وأغمضت عيني بقوة. في اليوم التالي لصدور قرار طردي، وتحت وطأة الصمت المطبق الذي غلف هاتفي، جلست على طاولة مقهاي المعتاد، ووضعت تحت فنجان القهوة رسالة كتبتها بمداد الخيبة لمريدي الأفاضل:
-يا من أخذت بأيديكم إلى تخوم التخمة، اختلفوا عني ولا تكرروا خطيئتي. اعلموا أن الملعقة الفضية التي تخطفونها من فوق الموائد، ليست سوى نصل بارد يتربص بظهوركم في عتمة الليل. إن الانحناء المفرط لا يمنحك سوى تقوس الظهر، وإن طعم الشواء المغموس بماء الذل لا يمرر بسهولة في حلوق الكرامة. لقد فتحت لكم باب المطبخ الحزبي، وها أنا أقف وحيدا أتلحف عراء العدم. أغلقوا هواتفكم، واتركوا لحم الخصوم للكلاب، وابحثوا عن أعمدة أخرى تقفون عليها.. فليس أقسى من أن يتحول المرء إلى مجرد سعرات حرارية تلوكها ألسنة الساخرين.
لم تكن صدمات الشيكات وقسوة السخرية الرقمية سوى مقدمات لعاصفة جسدية كبرى هجمت على كياني المتهالك. فبينما كنت أجتر خيباتي على رصيف المقهى المهمل، سرى في عظامي برد قارس يشبه صقيع الأقبية المظلمة، وارتفعت حرارتي حتى كادت تذيب ما تبقى من شحمي الضئيل. سقطت مغشيا علي بين أزقة الحومة، لأصحو فجأة محاطاً بجدران صبغت ببياض ثلجي فاقع، رائحتها مطرزة بلسع المعقمات الحادة ومضخات الأكسجين. نقلت على عجالة إلى ردهة المستشفى العمومي، حيث أودعت سريرا حديديا باردا يشبه طاولة تشريح منسية.
هناك، في تلك العزلة البيضاء، تعرضت لأزمة نفسية حادة ومخاض هذيان مرير اختلط فيه الواقع بالموت. تحولت الغرفة البيضاء إلى مطبخ جهنمي، لم تكن صفارات الإنذار سوى أزيز السكاكين تقطع لحم الضأن فوق طاولات مؤتمرات الوهم. كانت قنينة المصل المعلقة فوق رأسي تقطر ببطء مرير، كأنها قطرات من مرق دسم يروي جوفي المشتعل. وكلما اقترب مني الممرض ببذلته البيضاء وكمامته الجراحية، كنت أراه شيفا أسطوريا يحمل طبقا ملكيا من حديد، فأمد يدي المرتجفة متوسلا أن يترك لي رشفة من البياض المطلق. أجهزة تخطيط القلب بأسلاكها المتشابكة لم تكن سوى شرائح لحم مشوية على جمر خفي، وأنا... أنا ألتهم الهواء المعقم أمعاء خاوية تبحث عن آخر بوفيه في هذه الدنيا.
حين تماثلت للشفاء الخادع وخرجت من جحيم المستشفى الأبيض أجر خطاي المنهكة، لم تمض سوى أسابيع قليلة على ليلة الوصية الباردة وترك فنجان قهوتي المكسور على رصيف خذلان، حتى أدرك تلامذتي النجباء أن الفراغ الذي خلفته لا يترك للطبيعة مكانا. علمتهم بدقة متناهية زوايا التصوير، وفنون الانحناء، ودروس التذلل الحريري، لكن الزمن الجديد لا يحتمل رومانسية الابتسامات الصفراء وبطء الهواتف القديمة.
تزعم التلاميذ الشاب المكي ، شخصية تجر ورائها تاريخا من النصب والاحتيال لكنه النابغة الجديد في أكاديمية الشره، جيل فتي لا يكتفي بالتسلل خلسة كما فعل أستاذهم العجوز، يقتحم قاعات المؤتمرات ببدلات عصرية مشدودة على أجساد جائعة، وبكاميرات هواتف متطورة تبث الولائم مباشرة (لايف) لتجتذب آلاف المتابعين من المتخمين افتراضيا، لا يعرون اهتماما للسباب والشتائم. في أول اجتماع سري لنا خلف مقهى الحومة، ألقى المكي خطاب التأسيس الجديد قائلا بصوت يملؤه اليقين:
-لقد ولى زمن الاستعطاف والدموع الكاذبة أمام أبواب الأعيان، أستاذنا الحاج بوعديس كان يحارب بسلاح الشفقة، أما نحن فنحارب بسلاح الخوارزميات والابتزاز المنظم. لا تقبلوا بصفيحة بنزين واحدة، ولا ترضوا بأكياس البلاستيك العادية، الشركات الراعية لمؤتمرات اليوم تدفع بسخاء لمن يلمع صورتها قبل وبعد الوليمة. البوفيه المفتوح ليس غاية، إنما منصة إطلاق نحو صفقات الكواليس.
وبالفعل، لم يعد تلامذتي ينتظرون حتى تنتهي كلمات الأحزاب الختامية. طوروا خططهم؛ صار أحدهم يشغل المنصة بمداخلة حماسية ممجدة لزعيم كرتوني، بينما يقوم الآخر بتفريغ أطباق الشواء والفواكه في علب حافظة للحرارة أعدت خصيصا لهذا الغرض. أتقنوا فنون القفز فوق طاولات الاستقبال، وصار اسم أكاديمية الشره علامة تجارية مسجلة، ولم يتركوا أفضالي عليهم، علمتهم كيف يفتحون باب المطبخ الحزبي، لكنهم أدركوا بذكاء الجريمة العصرية أن التلميذ الحقيقي من يلتهم معلمه، ويحول عرين الجوع إلى إمبراطورية قائمة على الريع الرقمي الواثق من نفسه.
بعد سنوات طويلة من العزلة الطوعية التي تشبه غيابا أبديا، وخروج مرهق من ليلة المستشفى والهلوستات، عدت خطوات إلى الوراء نحو مقهى الحي الشعبي القديم. كنت أظن أن اسم الحاج بوعديس قد ابتلعه الأرشيف الرقمي المكسور. العجيب أن المقاعد العتيقة تشهد تحولا غريبا، لم يكن أحد يذكرني بشخصي، إنما تحول اسمي إلى أسطورة شعبية يتردد صداها بين الجياع والعاطلين. كان شاب صغير، يرتدي معطفا واسعا ويحمل هاتفا محطم الشاشة، يقص على رفاقه بحماس قصة خرافية عن الشيخ بوعديس، أول من مشى على صراط الموائد حافيا.
قرب الباب المكسور، وقفت في العتمة أراقب انعكاسي الشاحب على زجاج النافذة المهشمة، لم أكن سوى طيف عابر يحمل ملامح جائع قديم. ابتسمت في سري لكوني تحولت إلى أيقونة يتبادلها الجياع والانتهازيون على موائد العبث. تثاءبت في وجه الريح الباردة، وفتحت كفي الخاوي، لم يتبق من حروب الأطباق سوى صدى لعنة قديمة، ورجل أحب طعم العالم لدرجة أنه نسي تماما كيف يكون إنسانا.



#الحسان_عشاق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- سمفونية النهيق في مواجهة عقم الكراسي
- رحلة عباس هاجوج الاخيرة
- شهرزاد لم تسكت عن الكلام المباح
- إمبراطورية باعقيلوش الكلامية
- مكتبة السندباد وشاشات الهاتف النقال
- طرقات على الجلد الميت
- أمير الدبابير وراعي الدودة
- دبيب النمل ووهج الصيف الحارق
- أنفاس الياسمين المتمردة
- حين تشترى الأصوات وتفقد الأوطان
- من وهج الشاشة الى مداد القلم
- عَبرات فوق قبر أمي
- المكي بولهموز يطارد السراب
- زوجة على وشك السقوط
- حارسة المرمى وحارسة الذاكرة
- سمفونية الفناء: ترنيمة السقوط الأخير
- ابن تاشفين تراتيل الذاكرة ومقبرة الحنين
- ارتجاف المطرقة في فراغ الروح
- ضفائر الطين وكحل الغياب
- الدكتور ضريسة: ارشيف الدموع المكتومة


المزيد.....




- -موريكس دور 2026-.. بيروت تحتفي بنجوم الفن العربي في ليلة حا ...
- -وفاة مشبوهة-.. العثور على الممثل التركي سرحات كليتش ميتا في ...
- نقل الفنان بهاء سلطان إلى المستشفى إثر انقلاب سيارته
- أسعار تذاكر حفل أصالة نصري تحلق في دمشق.. و-VVIP- خارج الحجز ...
- -رمسيس الثاني هو فرعون موسى-.. وزير آثار مصر الأسبق يتحدث عن ...
- باسم ياخور -تحت الضغط-.. سامر المصري لم يتخطه وباسل خياط -ور ...
- -العمر رقم-.. هذا ما تمنته الفنانة منة فضالي في عيد ميلادها ...
- رواية التوابيت لا تكفي
- -RT- تعرض النسخة الروسية من فيلم -أرض اللبان- في قازان
- “الزراعة” تنظم برنامجاً مكثفاً بسوهاج لنشر ثقافة “الزراعة ال ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الحسان عشاق - الحاج بوعديس شيخ الموائد المجانية