|
|
عَبرات فوق قبر أمي
الحسان عشاق
روائي وكاتب صحفي
الحوار المتمدن-العدد: 8764 - 2026 / 7 / 12 - 23:05
المحور:
الادب والفن
الهواء ساكن والطريق خالية من الاشجار ، يلفح وجهي بحرارة لاهبة، وكأن الشمس في هذه الظهيرة صبت كل غضبها على الطريق المتربة التي أخذت أخطوها ببطء وتثاقل. غبار الطريق يكسو حذاءي، وصوت خطواتي يختفي في صمت المكان الموحش، إلا من أنين الرياح الخفيفة. من بعيد، بدأت ملامح المقبرة تتضح؛ مساحة شاسعة تزدحم بمئات القبور المتراصة، تتوسطها قبة مقام "ولي الله محمد الكامل" بهيبتها التي تكسر رتابة الأفق. وعلى مقربة من القبر الذي قصدته، انتصبت شجرة زيتون عتيقة، ضخمة الجذع، تفرش رداء أخضرا كثيفا يمنح المكان ظلا وارفا. لم تكن تحيط بالمكان أشجار وارفة، كانت نباتات الصبار الملولب الحارس الشائك لهذا المدى. كانت رؤوسها قاسية، مكدسة بالأشواك الحادة التي تتحدى كل من يقترب، وفي زواياها سر دفين؛ فكلما لامستها يدي أو سقط جزء منها، سال من قلبها ذلك اللعاب اللزج، شفاف كالغراء، يلتصق بيدي كما تلتصق الذكريات بروحي. اقتربت من قبر أمي. التربة فوقه جافة، وضعت يدي على الشاهد الحجري الذي كاد يختفي تحت أوراق الزيتون المتساقطة. في تلك اللحظة، لم تعد الحرارة ولا الغبار يهمني ، ولا قسوة الصبار الشائك الذي يحوط المكان، فثمة برودة غريبة تسللت إلى قلبي حين قرأت الفاتحة. جلست هناك، بعيدا عن صخب الحياة، في حضرة الصمت، أحكي لها بصوت خافت ما لم تسعه الأيام، و خيوط الشمس تتسلل عبر أغصان الزيتون، ترسم ظلالا راقصة على تراب القبر، وكأنها رسائل ترحيب من عالم آخر. جلست هناك في هدوء قوي، ثمة راعي يرعى أغناما في الجهة الأخرى من المقبرة، عيني معلقتان بتلك النبتة الشائكة. تشبه في تكوينها القاسي قلبي في تلك اللحظة، كلما حاولت لمس ذكرياتي مع أمي، أو الاقتراب من جرح الفقد الغائر، اصطدمت بهذه الأشواك التي تمنعني من الاقتراب أكثر مما ينبغي، وكأن الحزن نفسه يضع حول قبرها سياجا من المنع. نظرت إلى ذلك السائل اللزج، ذلك "الغراء" الشفاف الذي يقطر من ساق الصبار المقطوع، وفكرت: أليس الفراق كذلك؟ مادة لزجة لا تغادر الروح، تلتصق بالذاكرة، وتجعل كل ما ألمسه بعده يحمل أثرها. إنه ليس جرحا يندمل ويجف، انه السائل الذي يظل رطبا ومستعصيا على المحو، يربطني بتلك التربة الجافة مهما طال الزمن. كانت قسوة الصبار، بشوكه وصلابته، انعكاسا لواقعي المر، فالفراق شوكة في حلقي لا تنزعها الكلمات، وشوكة في عيني تحجب رؤية العالم كما كان. وبينما كنت أراقب الصبار يتحدى حرارة الشمس دون أن يذبل، أدركت أنني أيضا مضطر للتعايش مع الشوكة في قلبي، تماما كما يتعايش المكان مع النبات القاسي الذي لا يطلب ماء ولا رحمة، يكتفي بالبقاء واقفا على حافة الغياب، صامتا، وشوكيا، وممتلئا بكل ذلك الحزن الذي لا يراه الآخرون. كانت تلك اللحظة مزيجا من الانكسار والاعتراف؛ اعتراف بأنني سأظل أحمل الغراء في روحي، وسأظل أحذر من وخزات الذكريات التي تباغتني كشوك الصبار كلما اقتربت من طيف أمي. انتقلت بصيرتي من جفاف المقبرة وحرارة شمسها إلى برودة غرفتنا القديمة، حيث كان الضوء يتسلل عبر النافذة ليضيء ورقة مبعثرة أمامي. عادت إلي صورتي؛ ذاك الطفل المشاكس الذي يعشق المستحيل، بيدي الصغيرة المرتجفة التي تخط الحروف بغير انتظام، محاولا رسم ملامح اسمي ببطء وتلعثم. في تلك اللحظة، وسط صمت المقبرة، سمعت صدى صوتها وكأنه يخرج من بين أغصان الزيتون، طريا ودافئا يكسر وحشة المكان: -لا تستعجل... عليك الإمساك بالقلم، لا تدعه يفلت من أصابعك. لم تكن كلماتها حينها درسا في الخط، كانت درسا في الحياة. وكأنني الآن، وأنا أقف أمام قبرها، أفهم المعنى الذي غاب عني وأنا طفل لا يرى في القلم إلا أداة للشغب والخربشات. كانت تعلمني كيف أتمسك بالمعنى، كيف لا أفلت من بين يدي ما هو ثمين، وكيف أوازن بين صراعي مع الحروف ومع الحياة. يا له من تضاد موجع، القلم الذي كان يرتجف في يدي خوفا من أن يفلت، هو نفسه الذي أكتب به اليوم رثائي لها، واكتب به حكايتها كي تظل خالدة في الأذهان. لقد أفلت القلم من أصابعي حين غابت، لكن صوتها ظل حبرا لا يجف في ذاكرتي. اليوم، أدركت أنني لم أكن أتعلم كتابة اسمي فقط، كنت أتعلم كيف أثبت وجودي في عالم يغيب فيه الأحبة، تماما كما كانت تطلب مني أن أثبت القلم .وكأن الصبار الشائك الذي يحيط بالمكان اليوم، انه ذاك "القلم" القاسي الذي أرغمتني الأيام على الإمساك به، لا لأكتب، انما لأصمد وارسم به طريقي. كان وجود بعض الفقهاء في الأفق يمثل ضجيجا خارجيا لا يمت بصلة لحوار الصمت الذي أخوضه معها. لم أكن بحاجة لوسيط بيني وبينها، لا أريد كلمات ملقنة، أريد أن تظل يدي متمسكة ببرودة الشاهد الحجري، أتحسس الحروف البارزة لاسمها وتواريخها، محاولا استنطاق الحجر ليخبرني شيئا عن سنواتها التي انطوت باكرا. خمسون عاما... خمسة عقود مرت كأنها ومضة برق، لأجد نفسي أمام حقيقة رحيلها في ريعان ما تبقى من عمرها. وبينما أضغط بأصابعي على الشاهد، بدأت تفاصيل أخرى تتداعى إلى ذهني، ليست هذه المرة عن القلم، انما عن خيوط الصوف الملونة. استحضرت صوتها الشجي، ذلك اللحن الأمازيغي الذي كان يرافق حركة يديها وهي تنسج الزرابي. أتذكر كيف تتحرك أصابعها بمهارة عجيبة، كأنها تعزف على آلة موسيقية لا يراها غيري. لم أكن يوما أفهم سر تلك النقوش والرموز التي تغزلها؛ كيف كانت تحفظها في ذاكرتها دون تخطيط مسبق...؟ كيف كانت تخرج تلك الأشكال الهندسية المعقدة من لا شيء، وكأنها كانت تحيك أسرارا من زمن بعيد في خيوط الصوف...؟ كانت الزرابي بالنسبة لها أكثر من مجرد هواية، لغة لا يفقهها إلا من تأمل دقة تعاشق الألوان والخطوط. والآن، أجلس أمام قبرها، شعرت أنني بصدد حياكة ذكرياتي عنها، الصور البعيدة والمضببة تتداخل، والكلمات تتشابك كما كانت خيوطها، أحاول أن أتقن نقش صورتها في ذاكرتي كي لا تبهت، تماما كما تتقن هي نقوش زرابيها. أدركت حينها أن صمتها الآن ليس فراغا، انه امتداد لذلك الصمت الخاشع الذي كان يلفها وهي تعمل وتستكمل هندسة لوحتها الفنية، تلك الحالة من الاهتمام الكلي التي كانت تجعلها تغيب عن العالم لتتحد بما تصنعه يداها. عادت عيناي لتمسح تلك الزوايا القصية من المقبرة، وجود "فقهاء القبور" يفسد علي صمتي ويحيل تأملاتي إلى غضب مكتوم. أراقبهم يتحلقون حول القبور، بجلابي بيضاء أشبه بطيور البقر يتبعون الجرار اثناء الحرث لالتقاط الديدان ، أصواتهم ترتفع بكلمات الكتاب المقدس، ليست طلبا للسكينة أو ترحما صادقا، إنما إيقاعا رتيبا يتقاضون عليه أجرا. أراهم يمدون أيديهم للمال قبل أن ينهوا آخر آية، وكأنهم يبيعون الغفران بالتقسيط، أو يوزعون رحمة الله بأسعار تنافسية. لطالما دخلت معهم في نقاشات حادة، فكم كانت تعتصرني المرارة ،أرى هؤلاء الذين يتصدرون المشهد الديني، يكرعون كؤوس الخمر في خفايا أزقة المدينة، ويرتكبون من الكبائر ما يندى له الجبين، ثم يأتون في الصباح يرتدون عباءات التقوى ليتاجروا بدموع الفاقدين. بصفتي خريج جامعة، وبحكم تكويني الفكري، أرى في المشهد تجارة فجة لا تمت بصلة لقدسية الكتب السماوية. ألمي يزداد حين أسمع ضحكاتهم الصاخبة التي تخرق جدار الحرمة؛ يبتسمون لبعضهم، يتبادلون النكات المبتذلة، أو يتشاجرون على زبون قادم، في استهتار تام بجلال الموت وبحزن الزوار. أواجههم أحيانا بأسئلتي القاسية: -كيف تجرؤون على تلاوة كلام الله وألسنتكم لم تجف بعد من خمر ليلة البارحة...؟ إجاباتهم غالبا ما تكون مزيجا من اللامبالاة والتسخيف، ينظرون إلي بعيون زائغة، وكأنهم لا يرون في القبر إلا موردا للرزق، ولا في النص المقدس إلا وسيلة لملء الجيوب. المقبرة في عيني ساحة صراع بين "الوفاء" و"الاستغلال". أحاول استحضار روح أمي، وهم يحاولون تحويل اللحظة إلى صفقة. مفارقة موجعة أن تكون قدسية المكان في كفة، وتجارة هؤلاء في كفة أخرى، مما جعلني أدرك يقينا أن حرمة الموت لا يحميها من يتاجر بها، يحميها من يحملها في قلبه وفي أفعاله، لا من يلوك حروفها بلسان لا يعرف معنى الصدق. ابتعدت عنهم بخطوات سريعة، تاركا إياهم يواصلون مسرحيتهم الهزيلة، موقنا أن الصلة بيني وبين أمي لا تحتاج إلى وسيط مأجور، تحتاج إلى طهارة الروح، وصدق الكلمة، وفاء لذكرى لا تشترى ولا تباع. قرأت الاسم المنقوش على الشاهد وكأنني أتهجاه للمرة الأولى في حياتي، لا كما يقرأ المرء اسما مألوفا، كما يقرأ العارف سرا مكنونا. الاسم الذي كان يذوب في لساني كقطعة سكر مريرة، حمل في طياته كل تلك الجينات المتمردة. فجأة وبدون سابق إنذار انجلت الغشاوة، أدركت أن تلك الساعات الطوال التي كانت تقضيها في حياكة الزرابي، وسط انهماكها التام، لم تكن مجرد عمل يدوي، كانت استحضارا لروح والدها، جدي الذي أفنى عمره مطاردا في الجبال، يراوغ المستعمر الفرنسي في دروب الوعر، حتى صار اسمه "أغواغ" علما على التحدي والجسارة. تذكرت الأحاديث الطويلة والمشوقة عن جدي الذي رفض الذل والانحناء ، عاد الملك من المنفى ولم يمد يده لقطف ثمار نضاله، لم يقف في طوابير الباحثين عن المقابل، ظل شامخا كأشجار الصنوبر أو ربما كالصبار الشائك الذي يحيط بقبر ابنته الآن صامتا، صامدا، ولا يرضى بالفتات. وصلني السر أخيرا، العزة التي كانت تملأ كيانها، الصبر الذي جعلها تحول خيوط الصوف إلى لوحات تحكي قصصا من الأجداد، والأنفة التي كانت تمنعها من الشكوى مهما قست الظروف، كل ذلك لم يأت من فراغ. كان دما يسري في عروقها، كان إرث "أغواغ" الذي لم يتركه في مخازن الأموال، بل تركه في صلب شخصيتها، في دقة أناملها، وفي قدرتها على الصمود أمام "نول" الحياة بكل تعقيداته. الآن في لحظة الهدوء والسكينة، أتحسس الشاهد، لا ألمس مجرد حجر يحمل تاريخ ميلاد ووفاة، ألمس ذروة جبل شامخ انحدر من سلالة المقاومين. كل عقدة في زربيتها طلقة في معركة خفية، وكل نقش فخر لا يدركه إلا من عرف عظمة ذلك الرجل الذي أبت ابنته إلا أن تشبهه في الصبر والترفع. لقد بدأت أفهم لماذا كانت تقول لي: -لا تدع القلم يفلت كانت توصيني بأن أظل على العهد، أن أحمل هذا الإرث من العزة، وألا أسمح ليد الزمن أن ترتجف حين تكتب تاريخنا. توالت المشاهد في مخيلتي كشريط سينمائي لا يتوقف؛ لم تكن مجرد ذكرى عابرة، استعادة لحياة كاملة عاشتها تلك المرأة الاستثنائية. رأيتها في تقلباتها الإنسانية: ضحكاتها التي كانت تملأ البيت، نوبات خصامها التي كانت تنتهي دائما بحكمة، رائحة وجباتها التي لا تزال عالقة في ذاكرة حواسي، ثم دمعتها الحارة على رحيل جدتي، ومرارة صوتها حين تستحضر قسوة من استغل ضعفها وسلبها أملاكها. تلك القصص والخرافات التي تسردها على مسامعنا ونحن نتحلق حولها الأميرة "هاينة"، والغول الذي يتربص بالصغار، وأساطير العفاريت ،لم تكن مجرد حكايات للتسلية، كانت "شيفرة" ثقافية وروحية تعلمتها من رحم المعاناة. تساءلت طويلا: - كيف كانت تحفظ كل تلك التفاصيل وسط قسوة العيش؟ أقف أمام قبرها، أدركت السر ،كانت تقتات على الحكايات لتصمد، تبني عالما خياليا موازيا لتحمي به نفسها وعائلتها من قبح الواقع. كانت تمتلك ذاكرة لا تقهر، تماما كما كان والدها "أغواغ" يمتلك إرادة لا تنحني. تنهدت تنهيدة عميقة أفرغت فيها ما تبقى من ثقل في صدري، فخرجت مني وكأنها صرخة اعتراف متأخرة. اتضح لي الأمر أخيرا، لست مجرد ابن يزور قبرا، أنني امتداد لسلالة نادرة. تلك الجينات التي تسري في عروقي، والتي جعلتني أكتب وأتأمل وأبحث عن المعنى في تفاصيل الأشياء، ليست صدفة. إنها دماء المقاومين التي ترفض الفناء، والتي تحول الألم إلى إبداع، والذكرى إلى نص مخلد. أمي لم تكن فقط تحيك الزرابي، كانت تحافظ على جذورها وهويتها وانتمائها الأمازيغي ، الأمازيغ يحافظون على التراث جيلا بعد جيل، تحكي لنا قصصا لكي ننام، أنها تحيك صمودنا وتثري عقولنا. واليوم، أحمل الإرث، أشعر بمسؤولية جديدة تجاه اسمي وقلمي الذي نبهتني ألا أدعه يفلت. القبر أمام عيني ليس نهاية، انه المنبع الذي أستمد منه الوقود لأكمل الطريق بنفس الأنفة والشموخ الذي ورثته عنها وعن جدها "أغواغ". في هذه اللحظة، وسط المقبرة المتربة والشمس الحارقة، لم يعد الصبار الشائك يمثل قسوة، أصبح رمزا لتلك الطبيعة الصلبة التي نبتنا منها، نحن الذين لا نذبل أمام رياح النسيان. استحالت حرارة الجو برودة منعشة حين انهمرت قطرات الماء على التراب الجاف. رأيت الماء يتشرب في الأرض كأنه يروي عطشا قديما، وكأن القبر نفسه يتنفس الصعداء. حين سحبت يدي على الشاهد الحجري بعد غسله، انزاح الغبار الذي غطي الاسم والتاريخ، فبدا الحجر أكثر لمعانا ووضوحا، وكأنني، بالفعل البسيط، أزلت ركام السنين عن ذاكرتي وعن حقيقتها التي بدأت تتجلى لي بوضوح. مشهد الطفل يهرولا محملا بصفائح الماء أعادني للحظة إلى الوراء، إلى ذلك الصغير الذي كان يحاول كتابة اسمه على الورق، لقد دارت الدائرة، واليوم أوجه الخطى، وأقرر كيف يعتنى بالمكان. فكرة غرس شجيرة في المرة القادمة راودتني بقوة، كانت أشبه بعهد أقطعه على نفسي. ليست مجرد شجرة، إنما حياة جديدة أضعها في قلب المدى الشائك، شجرة ستكبر يوما بعد يوم، تمد ظلها لتربتها، تماما كما كانت أمي تمد ظلال رعايتها وحكاياتها علينا. ستكون تلك الشجيرة توقيعي الخاص على المكان، وستكون امتدادا لذكراها التي أبت إلا أن تورق وتزهر رغم كل شيء. غسلت الشاهد وفركته براحة يدي، شعرت ببرد الماء على يدي، غادرني ذلك الإحساس بالوحشة. لم أعد أقف أمام قبر، أقف أمام جذور. القسوة التي أراها في الصبار الشائك استقرت في أعماقي لتصير ثباتا، والشعور بالفقد تحول إلى نوع من الامتلاء السري. طفت في أرجاء المقبرة ، بدأت اهمس بكلمات غير مفهومة، تركت خلفي وعدا أخضر ينمو مع الأيام، وأخذت معي روح "أغواغ" وعزة أمي، وأيقنت أن القلم لن يفلت من يدي ما دمت أحمل في قلبي الحكايات والأمانة الثقيلة. أزلت بيدي بعض الحشائش المحيطة، جلست ثانية على حافة القبر كان قوة خفي تشدني بقوة، أصبحت يدي أكثر ثباتا، كأنني لم أعد أحدث رميما، إنما أحدث الأصل الذي تفرعت منه الحياة. خفضت صوتي أكثر، حتى كاد يختلط بحفيف نبات الصبار، وبدأت أقص عليها أخبار الغابة التي صارتها عائلتها. -أمي.. همست، وتدفقت الكلمات من قلبي إلى ثراها: -هل ترين؟ لقد كبرت وتفرعت حتى صرنا غابة من البشر. نحن لسنا أفرادا مبعثرين، نحن امتداد لنبضك. إخوتي الذين أخبرتك عنهم، يواصلون المسير، كل في دربه، يحملون ملامحك في وجوههم، وفي تلك الأناة التي ورثوها منك عند مواجهة الصعاب. لا يزالون يذكرون دفء يديك، وكأن تلك الزرابي التي كنت تحيكينها قد صارت خيوطا غير مرئية تربط قلوبنا ببعضها، مهما باعدت بيننا المسافات. صمتت للحظة، استنشقت هواء الظهيرة الحار، ثم أكملت بصوت يملؤه الفخر: -والأحفاد يا أمي.. هؤلاء الذين لم يدرك بعضهم وجهك، لكنهم يعرفون روحك جيدا. منهم من لا يزال يغرس قدميه في تراب الوطن، يواجه الحياة بعنادك الجميل، ومنهم من عبر البحار، طاروا إلى أصقاع بعيدة، لكنهم يحملون في حقائبهم حكاياتك عن (الأميرة هاينة) وعن شجاعة جدي (أغواغ). صاروا يكتبون قصصهم بلغات غريبة، لكن جوهرها هو ذاته.. ذاك الصبر الأمازيغي النبيل الذي علمتنا إياه. غصت حنجرتي، لكنني لم أمنع الدمع هذه المرة، تركته ينساب على وجهي، وأكملت: -نحن هنا يا أمي، متفرقون في الأجساد، لكننا في الروح نلتئم حولك في كل ليلة، حين نتحلق حول حكاياتك التي لا تزال تروى. كل نجاح يحققه حفيد من أحفادك نصر يضاف لتاريخك، وكل طفل جديد يحمل اسمك أو يشبهك في نظرة عينيه، هو فصل جديد في حكاية أبت أن تنتهي ،وضعت يدي على الشاهد المغسول بالماء، وشعرت وكأن القبر يبتسم لي في صمت، وكأن أرواح من رحلوا قبلها من الأجداد، وأرواح من سيأتون بعدنا من الأحفاد، سيلتقون جميعا هنا، تحت ظلال الشجرة التي سأغرسها قريبا. -أمي.. نحن عائلتك التي أينعت، نحن زرابيك التي امتدت لتغطي مساحات واسعة من الأرض. نامي مطمئنة، فخيوطك التي علمتنا كيف نغزلها، لا تزال متماسكة.. قوية كالصبار، شامخة كجدي، ودافئة كحكاياتك التي لا تزال تسري في عروقنا، جيلاً بعد جيل. تمشيت قليلا بين القبور، أدقق في أسماء أفراد من عائلتي غيبهم الزمن، بعض القبور استوت مع الارض، جلست على حافة القبر المبلل مرة أخرى، ورائحة التراب الندي تمتزج بلفح الهواء الجاف، لتعطي المكان طابعا من القداسة والسكينة. بدأت أحكي، لا بصوت مرتفع كمن يلقي خطبة، بهمس يخرج من أغوار الروح، لأخبرها عن إخوتي واحدا واحدا. سردت لها حكايات كفاحهم، كيف شقوا صخور الحياة بأظافرهم، وكيف أزهرت دروبهم رغم قسوة الشوك الذي أحاط بنا، تماما كما أخبرها جدي "أغواغ" بوجوب الصمود. في كل اسم كنت أنطقه، كنت أشعر بأنني أضع قطعة من حقيقتنا على صدر ذلك القبر، كأنني أطمئنها أن الزرابي التي كانت تحيكها بحب، أصبحت منهجنا في مواجهة الزمن. تلك الدموع التي اندفعت من عيني لتخط مجاريها على خدي، لم تكن دموع انكسار، كانت اعترافا بالبقاء. إحساس غريب وموجع في آن معا؛ أن أكون مدركا تماما بحقائق الغيب واليقين، بأن روحها قد عرجت إلى السماء منذ سنوات، وأن الحجر الملموس ليس لجسد الذي ضمني يوما، ومع ذلك، قلبي يرفض إلا أن يفيض بكل الحنين، وكأن التواصل الروحي لا يعترف بالزمن ولا بالمسافات. كان حوارا مع "العدم" الذي يمتلئ بكل الوجود. جلست هناك، مستسلما لنزول الدمع، ليس حزنا على ما فات، إنما إجلالا لما تركته فينا من قوة تجعلنا نتجاوز المحن. شعرت حينها أن الدموع هي الماء الحقيقي الذي يروي جذور علاقتنا، اللغة الوحيدة التي تتجاوز الحروف والمفردات، لتصل مباشرة إلى حيث هي الآن. أستعد للرحيل وفي القلب غصة عميقة، لكنني أدركت أن المقبرة لم تعد مكانا للموت، أصبحت مدرسة للوفاء، حيث لا يزال صوتها يتردد في داخلي يوصيني: -لا تفلت القلم لقد أمسكت بالقلم جيدا، وأمسكت بذكرى وجودها، وسأحملها معي في كل خطوة أخطوها، فهي التي علمتني أن الأبطال لا يرحلون حقا طالما بقيت حكاياتهم تسري في عروق أحفادهم. غادرت المقبرة، لكن خطاي كانت أثقل بالمعنى، وأخف بالهم. لم أعد ذلك الشخص الذي دخل المكان حاملا ثقل التساؤلات وشوك الحزن في قلبه، تركت خلفي ذاك الصراع مع الغياب، ووضعت بدلا منه بذرة عهد ستنبت قريبا شجيرة للظل، كأنها امتداد ليد أمي التي كانت تظللنا دائما. أحمل الآن خفة اليقين، يقين أنني لست يتيما من الأثر، وأن الدماء التي في عروقي، دماء "أغواغ" وعنفوان أمي، بوصلتي التي تمنعني من الضياع. لم يعد الفراق شوكة في حلقي، صار مدادا أكتب به سيرة صمودنا. أغلقت باب القبر خلفي، لا لأنسى، لأتجاوز الألم إلى الحضور، أدركت أن أصدق رثاء لأمي ليس البكاء عند شاهد قبرها، أن أمسك القلم الذي أوصتني به، وألا أسمح له بأن يفلت من بين أصابعي، لأكتب حكايتنا، وأنسج بها زرابي من الكلمات، تخلد ذكرى تلك المرأة التي كانت الوطن الأول، والمقاومة الأولى، والحكاية التي لا تنتهي.أمضي في الطريق ، ليس كمن يبتعد عن الراحلين، كمن يحملهم معه في كل خطوة، ليراهم يحيون من جديد في تفاصيل حياته. حين نهضت عن حافة القبر، نفضت عن كفي غبار السنين، لكنني حملت في جوفي دفئا لا تطفئه شمس يوليو اللاهبة. حين التفت نحو القبور المتراصة، لم أعد أرى حجارة صامتة، رأيت حكايات نائمة بانتظار من يقرؤها، ورأيت في "أغواغ" جدي وجها مألوفا يبتسم من خلف غيابه، مطمئنا أن دماءه لم تجف، وأن نول أمي لا يزال يحيك في روحي خيوط العزة. لم تكن زيارة لقبر، كانت رجعة إلى الرحم الأول. وبينما كنت أبتعد، كانت رياح العصر تعبث بأغصان الزيتون، فخيل في لحظة استرجاع أن حفيفها صوت أمي، يهمس في أذني بما لم تقله يوما: -أحكم قبضتك على القلم، ولا تخف من وخز الصبار، فمن عرف كيف يغزل الصبر من صوف الحزن، لن تضيع منه بوصلة الحياة. تركت خلفي الماء يروي عطش التربة، والاسم يلمع تحت شمس الغروب، وأخذت معي وعدا بأنني سأعود محملا بشجيرة صغيرة؛ ستكبر يوما، وتصير ظلا لكل من يمر من المقبرة للترحم على الموتى، وستنشر ظلالها على قبر أمي، لتكون اليد التي تربت على كتفها نيابة عني، حين يغلبني المساء وتأخذني دروب الحياة بعيدا. خرجت من باب المقبرة المسورة بالأسلاك وقطع الخشب، الشمس تميل نحو المغيب، كأنها أيضا تحني رأسها إجلالا لتلك الحكايات التي لم تندثر. نظرت إلى يدي، كانت لا تزال تحمل أثر الغبار والماء، وأيقنت أنني، مهما ابتعدت، سأظل ذلك الطفل المشاكس الذي لا يزال يتهجى اسم أمي في كل سطر أكتبه، مدركا أن الموت ليس النهاية، انه الحبر الذي لا يجف، حين تبدأ القلوب بكتابة خلود من أحبت. بينما كنت أغادر بدأت احدث نفسي كان أمي تقف أمامي مباشرة ، لم أكن أفكر في حياتنا، كنت أشعر بثقل القلم الذي وضعته في يدي. لقد تفرقنا يا أمي؛ إخوتي في أصقاع الأرض، يغالبون الحياة بقوة عزم تشبه عنادك، ويخوضون غمار أيامهم بوقار يفوح منه صمتك القديم. لكنهم، مثلما أنا، يحملون في صدورهم غصة لا يجبر كسرها كل الصخب الذي نحدثه في العالم. إن نجاحاتنا التي يراها الناس بياضا ساطعا، ليست في حقيقتها إلا خيوطا نحاول بها رتق الفراغ الذي تركته. كل خطوة يخطوها أحدنا في معاركه اليومية، في جوهرها محاولة يائسة لإثبات أنك لم ترحلي تماما، أنك لا تزالين تتنفسين في دقة أيديهم وفي شرود ذهنهم. أدركت أخيرا أننا لسنا سوى امتداد لمأساة جميلة ، علمتنا أن نحيك الحياة، فصرنا نحيكها بمهارة مؤلمة، نتقن كل تفصيل في مهامنا، لكننا ننسى وسط اهتمامنا أننا نبحث في كل زاوية عن نظرة رضا منك، عن لمسة على الكتف تبارك هذا السعي. القلم في يدي اليوم ليس سلاحا للفخر، شاهد عيان على أننا كبرنا بما يكفي لنرى العالم على حقيقته، وبما يكفي أيضا لنعرف أن كل العالم لا يساوي في ميزان قلوبنا لحظة واحدة من تلك التي كنا نلتف فيها حولك. نحن اليوم نملأ الأماكن، ننجز ونحلم، لكننا في أعماقنا لا نزال أطفالك الذين يخشون أن يفلت منهم الخيط الذي يربطهم بأصلهم. غادرت المقبرة، لا لأمضي في طريقي، إنما لأحمل القبر معي في كل مكان، فكل ما نحققه اليوم، ليس إلا اعترافا متأخرا بفضلك، ومحاولة خرقاء لنكون جديرين بتلك الحكاية التي أودعتها فينا قبل أن تغيبي.
#الحسان_عشاق (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
المكي بولهموز يطارد السراب
-
زوجة على وشك السقوط
-
حارسة المرمى وحارسة الذاكرة
-
سمفونية الفناء: ترنيمة السقوط الأخير
-
ابن تاشفين تراتيل الذاكرة ومقبرة الحنين
-
ارتجاف المطرقة في فراغ الروح
-
ضفائر الطين وكحل الغياب
-
الدكتور ضريسة: ارشيف الدموع المكتومة
-
سكاكين في ميزان الضمير
-
خوارزمية الجشع في سيرة معلم
-
البغلماني طيف غريب في معبد السلطة
-
مجنون طائر الحسون
-
عرش من زجاج تحت أقدام الظل
-
أرواح في مهب الحياد
-
في قوقعة الصمت يطبخ الثأر
-
حكاية العائلة التي هزت عرش المصحة
-
صرخة في وجه المستحيل
-
ولائم الموت البارد في الظلام
-
بائع الوجبات وانكسار الصمت
-
الهارب من المدينة إلى المغارة
المزيد.....
-
-يوم الكشف-.. هل نجح الفيلم في استعادة سحر الخيال العلمي؟
-
الثقافة الإيطالية تنتقد خطة الاتحاد الأوروبي لوقف تمويل بينا
...
-
معارض إيطالي: نية المفوضية الأوروبية وقف تمويل بينالي البندق
...
-
المسرح المغربي يودع محمد الزيات بعد مسيرة امتدت لأكثر من 4 ع
...
-
الطب الشرعي يكشف سبب وفاة الممثلة التركية إيجي أرتيم ويحسم ل
...
-
مجلس الشعب السوري يعقد أولى جلساته بعد سقوط الأسد، والشرع يد
...
-
اللواء رضائي: إذا نجح الأعداء في ترسيخ ثقافة اغتيال القادة ف
...
-
المفوضية الأوروبية توصي بوقف تمويل بينالي البندقية بسبب مشار
...
-
سوق السلاح في عمّان.. إرث الفروسية تحرسه القوانين
-
المتحف الروسي في بطرسبورغ يفتح أبوابه مجانا للمشاركين في ال
...
المزيد.....
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
المزيد.....
|