أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الحسان عشاق - سمفونية الفناء: ترنيمة السقوط الأخير















المزيد.....

سمفونية الفناء: ترنيمة السقوط الأخير


الحسان عشاق
روائي وكاتب صحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8759 - 2026 / 7 / 7 - 15:02
المحور: الادب والفن
    


تنساب سيارتي السوداء، قطعة من ليل مصقول تمخر عباب الإسفلت، وفي جوفها أقبع. أصابعي تداعب المقود الجلدي ببرود قناص لا يبتغي دماء، يترصد شقوقا في جدران الروح. خلف الزجاج المظلل، يغدو العالم لوحة بالأبيض والأسود، لا يستهويني وضوح الشمس، تفتنني الهالات التي تحيط بنساء أثقلهن العهد والروتين. أراقبهن عند أبواب المدارس، أقرأ في عيونهن المنهكة قصصا لم ترو، وأقتات على نظرة حيرة تباغتهن حين يلمحن طيف سيارتي.
لا أبحث عن حب، أفتش عن ثقب في نسيج الحياة الهادئة. أريد أن أرى في تلك العيون بريق
- ماذا لو أن أزلزل سكينة الحصون العائلية بمرور طيفي..؟
في أعماقي ثمة غرفة لا تزال تفوح بياسمين مشبوه ووقاحة غدر، شريط سينمائي أبدي يعيد مشهدا طفولي ،باب موارب، ظلال متراقصة، وضحكة ككسر الزجاج تحت القدم. في تلك اللحظة المجمدة، التقت عيناي بعيني أمي، ونطقت بنصل لم يندمل جرحه ابدجاا
-أرجوك، لا تخبر أحدا
. تلك الجملة صارت رفيقتي. مات الطهر في ذاكرتي، وتضخم الحجر في جوفي، فبت أرى في كل وجه نسائي قناعا يستر غرفا مواربة. زيجاتي التي تهاوت ما كانت إلا صدى لتلك الليلة، فكل خيانة تعرضت لها كانت تؤكد لي بوجع أنني لست وحدي من سكنتني الخديعة. اليوم لا أطارد النساء، أطارد الحقيقة المفقودة، أريد أن أنتزع من أفواههن اعترافا، أن تتهدم قدسيتهن ويهمسن في أذني بالرجاء ذاته:
-أرجوك، لا تخبر أحدا.
لا أريد إفسادهن، أريد إثبات أن العالم بأسره مسرح للخيانات الصامتة، وأنني في سيارتي الفارهة لست سوى رجل يحاول أن يشارك العالم صدعه الأبدي، عسى أن أجد في انكسار الأخريات خلاصا لم يأت، أو مرآة تعكس قبح تلك الليلة القديمة في عيونهن.
أربع مرات أعيش العرس بدون فرحة، مجرد طقس جنائزي لروح يرفضها جسدها. أربع نساء، أربع زيجات، وأربع خسارات مريرة. في كل مرة أضع خاتمي في إصبع لا يرتجف، أنتظر احتراقا لا يجيء. زوجاتي يطالبن بالدفء، بالكلمة، بالحب، بينما كنت أبحث عن الهاوية. أراهن كأصنام من رخام، باردات، منيعات، لا يملكن تلك الشقوق التي تسمح للوحش بالعبور. الزواج بالنسبة لي لم يكن ميثاقاً، انما سجنا ذو صمت خانق يطاردني فيه طيف تلك الغرفة المواربة من طفولتي. أنفر من قدسيتهن، من نقائهن الزائف الذي يلفني ككفن.
حتى جاءت نادية في العام الاول الى العمارة، سكنت في الطابق الثالث ،العمارة التي اشتريت فيها صمتا إضافيا. زوجها غائب، مغيب في بلاد تبتلع الرجال، تاركا خلفه امرأة اية في الحسن والجمال بطفلين وعينين ليست للسكينة. كلما التقينا في المصعد، نظراتها تعبث بحواسي. لم تكن نظرات استراق، اعترافا متبادلا برغبة ممنوعة. في ظهيرة يوم صامت، طرقت بابي. لم تكن تبحث عن سكر أو ملح ،عن مصباح كهربائي تالف.
-سي شادي المصباح معطل
رايت في الامر مبررا واهيا كخيوط العنكبوت. دخلت خلفها إلى شقتها، مملكة الهدوء التي يغلفها غياب الزوج. رائحة المنزل تشبه رائحة سر مدفون تحت طبقات من البخور الرخيص. بينما كنت أصعد على السلم لأصل إلى السقف، تتقصى حركاتي من الأسفل. لم تعد المسافة بيننا مكانا، أصبحت مساحة للتوتر الكهربائي، تضيق شيئا فشيئا . لم أعد أرى فيها جارية أو أم لولد وبنت، رأيت في انحناءتها، في ضيق فستانها المنزلي، وفي صدرها النافر، في ارتعاش أصابعها التي تمسك السلم، لوحة من الشهوة العارية التي تطلب التحرر. لأول مرة أشعر بالمتعة، إحساس عميق افتقدته في الزيجات الأربع. وسط هدوء بيت الزوجية حيث إطارات الصور العائلية تراقب صمتنا، انهار كل شيء دفعة واحدة. لم تكن رغبة، كان انفجارا حقيقيا . لم تكن حاجة، كانت محاولة لتدنيس الطهر الذي طالما كرهته. تركت يدي تلمس السلك، ليس لإصلاح الضوء، لقطع خيط الحياء الذي يربطها بهويتها. في تلك اللحظة، لم تعد المرأة المحصنة، ولم أعد الجار العابر الذي يحترم الجار ، صرنا كيانين يقتاتان على الخراب، يمزقان نسيج الهدوء العائلي بمخالب لا ترح.، حين هممت بالرحيل ترجتني أن أزورها كل مرة، أردفت أنها تشعر بالوحدة.
عمارة عتيقة في طابقها العلوي شقة ابتلعتها العتمة. هنا لا تتبع الجدران هندسة معمارية، هندسة للغواية، جدران وصمت لتكون مخزنا لشهوات بلا اسم. لا أبحث عن الجسد، أبحث عن النسيان. الثروة التي ورثتها ليست سوى جدار عازل بيني وبين العالم، ولدت في زواياها المترفة لأتجرع شبعا مسموما لا يرتوي. كل زيجة سابقة محاولة فاشلة و عقيمة لترويض الوحش الذي يسكنني، ذاك الذي لا يقتات إلا على الممنوع، على ما يملكه الآخرون. في الغرفة، لا يقطع الضوء الخافت سوى حركاتي البطيئة. لا أطارد الجمال، أطارد الانهيار. أريد تلك المرأة التي كانت قبل ساعات تنسق ألعاب طفلها، أن أراها تخلع قدسية الحياة الزوجية في غرفتي قطعة قطعة. الجنس المعتاد عندي رتابة لا تليق بمرضي، أبحث عن الزوايا الحادة، عن الطرق التي تجبر الروح على الانسلاخ من حيائها.
حين تصطدم اللحظة بجدار التردد، ويصرخ في الداخل الضمير، وحين تلمع في عيون إحداهن شرارة الفطرة التي تنتفض للهروب، لا أصرخ ولا أتوسل. أتحرك بهدوء تقشعر له الأبدان نحو القمطر الخشبي، بأصابع كأنها مقتطعة من رفات الموتى، أستل رزمة الأوراق الزرقاء، ليست مجرد نقد، إنها صكوك لبيع الندم. رائحة الحبر هنا أقوى من أي عطر فرنسي. صمت يطبق على المكان، وتنهيدة عميقة من المرأة تعلن سقوطها الأخير تحت وطأة الاحتياج أو سطوة الخوف من افتضاح سر صغير. تتحول الأوراق إلى خيط مشدود في عنق التردد، فيذبل الخجل في العيون التي قاومت منذ لحظات. أقف في الوسط، أراقب الانكسار. لا أراقب الجسد، أراقب كيف يغتال المال كبرياء الإنسان. لا أفرغ كبتي فحسب، أمارس طقسا انتقاميا من الحياة التي صبت في حجري كل شيء، فجعلتني أرى في الروح البشرية مجرد بضاعة تقبل المقايضة. في صدري فراغ هائل، ثقب أسود لا يملؤه إلا مشهد الآخر يسقط، ويسقط معه كل ما يظنه يوما مقدسا.
لم أعد أكتفي بالترصد العابر. صرت مهووسا بامرأة بعينها اقطع الكيلومترات لأراها، سلمى تشبه عارضات الأزياء، تظهر كل صباح أمام المدرسة بوقار يستفز كبريائي. أراقبها توزع قبلاتها على طفلها، أرى الاستقرار حصنا أشتهي اختراقه. لم أدرك أن عيني سلمى، حين التفتت إلى سيارتي، لم تكن تحمل إعجابا أو حيرة، تقيس المسافة بين غطرستي وبين الفخ الذي بدأت تغزله. في ذلك الصباح، ألقيت بورقتي المعتادة بجانب قدميها. انحنت سلمى، التقطتها، لكنها لم تبتعد مشدوهة كما كنت أتوقع. نظرت إلى السيارة، ثم إلى هاتفها، وأرسلت رسالة قصيرة. لم ألحظ ذلك، كنت مشغولا بابتسامة النصر في مرآتي، غافلا عن أن الورقة التي ألقيتها لم تكن سوى دليل إدانة سقط في يد من تعرف كيف تحوله إلى سلاح.
لم أدرك إطلاقا أن العالم بدأ يضيق. في الأيام التالية، صرت ألمح سلمى في أماكن لم تكن تعتادها، المقهى الملاصق لعملي، الرصيف الذي أقطع فيه طريقي إلى منزلي. أشعر ببرود يلف المكان، وكأن المدينة أصبحت تراقبني. في أعماقي تحول الصيد إلى توجس. بينما كنت أقف على الشاطئ أتأمل البحر كما اعتدت، اتصل بي رقم غريب. كان صوت سلمى هادئا، باردا، خاليا من أي رعشة:
-لقد سمعت الشريط الصوتي الذي أرسلته عبر تقنيات التواصل الفوري، وكذا الشريط الإباحي، زوجي سمعه أيضا. ننتظرك عند حديقة المنارة في الغروب لنناقش تفاصيل التحرش.
لم تكن دعوة، كانت إعلانا بانتهاء دوري كصياد. حاولت التردد، لكن شيئا ما في نبرة صوتها، خليط من التحدي والشفقة، جعلني أذهب مدفوعا بفضول قاتل لرؤية كيف سيهدم هذا الزوج حصوني.
طوال أشهر، ظننت أنني المايسترو الذي يحرك خيوط اللعبة. استغل براءة الفتيات الصغيرات في الحي، امنحهن مبالغ مالية زهيدة ليصبحن أدوات سخرة في يدي، مراسيل الغرام، أرسلهن لطرق باب سلمى وتوصيل رسائل الغواية أو التهديد المبطن، مستغلا جهلهن بأبعاد مؤامرتي. أراقب من وراء زجاج سيارتي السوداء تلك المشاهد، منتشيا بقدرتي على التلاعب بالبشر من خلف ستار، ظانا أن مالي يجعلني غير مرئي، وأن استغلالي للصغيرات قمة الدهاء. لكن سلمى، التي بدت فريسة مرتبكة، كانت في الحقيقة مرآة عاكسة. تجمع تلك التفاصيل بعناية، تحفظ وجوه الفتيات، توثق المبالغ التي كنت ادفعها لهن، وتفهم طبيعة الدور الذي العبه من خلال الرسائل التي تصلها. كل مهمة اكلف بها تلك الفتيات تزيد من سجل إدانته.
بدأ عمر، زوجها الانخراط في اللعبة بهدوء تقني صاعق. لم ينتظر الصدفة، قام بتجهيز الفخ. حين كنت اغدق المال على الفتيات لخدمتي الشقية والبائسة، عمر يقوم بتصوير تلك اللقاءات وتوثيق توقيتات إرسالي لهن وجمع الشهادات. حصل عمر على رقم هاتفي ليس بمحض الصدفة، عبر طعم ذكي وضعه في إحدى الرسائل التي أعادتها سلمى مع إحدى الفتيات، فاستدرجني ليتصل، ومن هنا بدأت عملية الاختراق الرقمي التي جردتني من حصوني.
في يوم الغروب، لم تكن الحديقة مجرد مكان للقاء، كانت محكمة ميدانية. حين وصلت بزهوي المعتاد، لم أجد سلمى المكسورة، وجدتها تقف بجانب عمر بكل ثبات. لم يكتف عمر بعرض الصور،أخرج ملفا كاملا يحتوي على إقرارات موثقة للفتيات اللواتي استغللتهن، وأسمعني تسجيلا صوتيا وشريطا إباحيا أرستله للزوجة. قال عمر بصوت هز أركان ثقتي.
-لقد استغليت براءة الصغيرات لتنفيذ نزواتك، وظننت أن المال يشتري صمت الجميع، لكنك نسيت أن كل ورقة نقدية ألقيتها لتسخر هؤلاء الفتيات كانت خيطا يربط عنقك. لقد جمعنا كل شيء؛ من أول طرق لبابنا حتى آخر رسالة أرسلتها. أنت لست صيادا، أنت مجرد تاجر رخيص بأرواح الآخرين، والآن حان وقت الحساب
تلاشت كل ملامح الغطرسة عن وجهي. لم يكن الخوف من الضرب ما شل حركتي، إدراكي بأن أداة قوتي تحولت إلى دليل إدانة الأخلاقي والقانوني. سلمى التي ظننت أنني اشتري انكسارها، وقفت أمامي الآن كقاض لا يعرف الرحمة. غادرت الحديقة تاركا سيارتي السوداء التي لم تعد تبدو كقطعة من ليل، إنما كغرفة سجن متنقلة. لقد سقط القناع.
أمسح أثري من زجاج العالم يوميا. كل امرأة في حياتي ليست سوى وعاء أفرغ فيه ثقلي ثم أمحوه. أكسر شريحة هاتفي كقيد، ألقيها في سلة مهملات، وأشتري أخرى من أقرب دكان، كأنني أشتري صمتا جديدا. الأجساد عندي أوراق لعب، تستهلك ثم تطوى في النسيان. حين ينهشني الغثيان، أعود إلى فيلا العائلة. هناك يمتد الصمت كغبار على الأثاث الثمين. الوالدان والإخوة ظلال متحركة، غارقون في مراكمة المال، يعيشون تحت سقف واحد كغرباء، يتقاسمون الإرث والخواء.
في زوايا البيت تسكن الخادمات المسنات. أيديهن المتجعدة تملك سطوة لا تناقش. حتى المتغطرس الذي يكسر كبرياء النساء في شقته، ينحني أمام وقارهن الصامت. أختارهن بعناية القريبات إلى قلبي، أقلهن بسيارتي إلى شقتي. وسط بقايا نزواتي، أطلب منهن إعادة ترتيب الفوضى. أراقب أيديهن تطوي الملابس التي تساقطت عن أجساد نساء هزمنني في نوبات ضعف عابرة. أراقب بامتنان خفي كيف يمسحن بقطع القماش أثر الغرباء، كأنهن يطهرن المكان. عند انتهاء الطقس، أنفحهن مبلغا لا يرفض، مبلغا يشبه الفدية، ثم أعيدهن إلى الفيلا. في صمت الطريق، أتأمل ملامحهن المتعبة وأتمنى لو أن واحدة منهن كانت أما لا تنشغل بالمال، أما لم يستهلكها الجفاء. أجد في حضورهن طمأنينة واحتراما لا يشرى، وأشعر أن خلف جدران الفيلا الباردة، لا أحد يعرفني حقا، ولا أحد ينتظر مني سوى أن أبقى مجرد ظل غريب في بيت لا يعرف معنى العائلة.
في قبو شقتي الفاخر، لم تعد الجدران تنبض بالغواية ، تشبعت برائحة الرطوبة والزمن العالق. لم أعد أخرج لصيد الأجساد؛ فالسيارة السوداء، تلك الأيقونة التي كانت تمخر عباب المدينة، تقبع الآن في المرآب، غبار الأيام يغطي طلاءها المصقول كأنها تابوت حديدي. أجلس في وسط الغرفة، لا أراقب أحدا، أراقب اللاشيء. الثروة الجدار العازل تحولت إلى زنزانة شاهقة. المقتنيات الثمينة، اللوحات والتحف، بدت لي فجأة كأدلة إدانة في قضية جنائية بطلها الوحيد الانسان المنحرف. لم يعد القلق يدفعني للخروج، القلق صار يسكنني من الداخل، ينهش في ذاكرتي كجرذ في حائط قديم. حاولت استحضار وجوه النساء اللواتي مررن بحياتي، لكنهن لم يعدن يظهرن كفرائس في ذهني، بدأت الوجوه تمتزج وتتداخل. لم أعد أتذكر ملامحهن الهادئة والمضطربة ، تذكرت فقط رعشة الخوف في أصابعهن وبريق الانكسار الذي كنت أطالب به.
أدركت بنوبة من الرعب الصامت أن ما كنت أظنه نصرا على الخيانة لم يكن سوى توزيع عادل للألم. لقد كنت أوزع ندبتي القديمة على الأخريات ظنا مني أن تخفيف ثقلها يتطلب مشاركتها مع الغير. في تلك اللحظة، رن هاتفي. كان صوتا مجهولا صوتا نسائيا لا يحمل رجاء ولا توسلا بل يحمل تجاهلا كاملا. لم يكن طلبا للمال ولا تذكيرا بسر، كانت امرأة من ماضي القريب تسألني ببرود:
هل انتهيت بعد...؟
أغلقت الهاتف، ولم أكسره كما جرت العادة. وضعت الجهاز على الطاولة وشعرت أن خيط التحكم الذي كنت أمسك به قد انقطع تماما، لا لأنني فقدت القدرة على الإغواء، لأنني فقدت الرغبة في المعنى. لقد سقطت الأقنعة، ليس عن وجوههن، عن وجهي الذي لم يعد وجهي من سنوات.
نهضت واتجهت نحو النافذة. المدينة في الأسفل لم تعد مسرحا لخيانات صامتة، بدت ككائن حي لا يكترث لتمزقاتي. الأطفال الذين يركضون في الزقاق، والأمهات اللواتي يحملن همومهن البسيطة، بدا كل شيء في الخارج أصيلا لدرجة مؤلمة. وقفت أمام المرآة الكبيرة التي تغطي بعضا من جدار غرفتي، لم أر الرجل الوسيم الانيق الذي يفتش عن ثقب في نسيج الحياة، رأيت غريبا، شخصا استنزف كل طاقته في بناء سجن من المال والوهم. لم أصرخ ولم أبك، ببساطة مسحت بيدي الغبار عن زجاج المرآة لأرى بوضوح تام تلك الغرفة المواربة في ذاكرتي. أدركت أن أمي لم تكن تخفي غدرا، كانت تخفي ضعفا بشريا، وأنني من حول الضعف إلى وحش. تلاشت كل الرغبات، لا انتقام، لا مطاردة، لا إثباتات. في تلك اللحظة من السكون المطلق، أدركت أن الخطيئة الوحيدة التي ارتكبتها بحق نفسي أنني رفضت أن أكون بشرا وفضلت أن أكون ظلا لندبة طفولية. فتحت النافذة على مصراعيها، فدخل هواء المدينة الممزوج بالملح والضجيج، لأول مرة منذ سنوات، لم أر في الهواء غبارا أو زيفا، رأيته حياة. لم أرم نفسي من النافذة، ولم أسقط أرضا. وقفت هناك شاهدا على تلاشي شادي القديم. لم يعد هناك صراع، لا وجود للصيد ولا للصياد. انطفأت الأضواء في الغرفة، وتركت الأبواب مواربة، ليس لأخبئ سرا، لأسمح أخيرا للنسيان بأن يدخل ويملأ الفراغ.



#الحسان_عشاق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- ابن تاشفين تراتيل الذاكرة ومقبرة الحنين
- ارتجاف المطرقة في فراغ الروح
- ضفائر الطين وكحل الغياب
- الدكتور ضريسة: ارشيف الدموع المكتومة
- سكاكين في ميزان الضمير
- خوارزمية الجشع في سيرة معلم
- البغلماني طيف غريب في معبد السلطة
- مجنون طائر الحسون
- عرش من زجاج تحت أقدام الظل
- أرواح في مهب الحياد
- في قوقعة الصمت يطبخ الثأر
- حكاية العائلة التي هزت عرش المصحة
- صرخة في وجه المستحيل
- ولائم الموت البارد في الظلام
- بائع الوجبات وانكسار الصمت
- الهارب من المدينة إلى المغارة
- الحاج الخازوق وكبش العيد
- غيبوبة الكلمات والدم
- الحاج الخازوق رجل من كوكب اخر
- رواية : هكذا لوى مؤخرته راقص الاعراس (1)


المزيد.....




- رئيس اللجنة الأمريكية للفنون الجميلة: إنجازات الراقصين الأمر ...
- رومانسي- كوميدي.. إطلاق الإعلان الترويجي لفيلم -أحبك من زمان ...
- -باك رومز-.. من أسطورة رقمية إلى ظاهرة سينمائية
- من الحرب إلى الأرشيف الحي.. -احكيلي يا جنوب- يوثق ذاكرة لبنا ...
- مصر: استقالة وزيرة الثقافة بعد حكم نهائي ضدها في قضية الملكي ...
- حكم قضائي بإدانتها.. وزيرة الثقافة المصرية تتقدم باستقالتها ...
- يورونيوز تطلق بثا باللغة الكازاخية من أستانا
- لافروف متندّرا: إستوديو زيلينسكي الكوميدي لن يقبل توظيف روته ...
- جدل في الهند عقب سحب فيلم -ساتلج- من منصات البث الرقمي
- زاخاروفا تفند بالأرقام ادعاءات كتابة نصف رواية -الحرب والسلا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الحسان عشاق - سمفونية الفناء: ترنيمة السقوط الأخير