|
|
حارسة المرمى وحارسة الذاكرة
الحسان عشاق
روائي وكاتب صحفي
الحوار المتمدن-العدد: 8761 - 2026 / 7 / 9 - 14:34
المحور:
الادب والفن
تسمر الجميع في أماكنهم. ساد صمت ثقيل، لم يقطعه سوى صوت أنفاسي المتسارعة ونبضات قلبي التي قرعت صدري كطبول حرب غير مألوفة. تقدمت لاعبة الفريق الخصم، وضعت الكرة على نقطة الجزاء بعناية مبالغ فيها، ثم تراجعت بضع خطوات. نظرت إليها. لم أكن أرى فيها خصما، كنت أرى العالم يضيق في مساحة مستطيلة، والزمن يتوقف عند تلك النقطة البيضاء. شلت حركتي للحظة، شعرت بوزن القفازات الثقيل، وببرودة القميص الذي التصق بجلدي، لكن في أعماقي، استيقظت غريزة بدائية، الرغبة في الصمود. ركضت اللاعبة. صوت ارتطام حذائها بالعشب كان كأنه إشارة البدء. انطلقت الكرة، قذيفة هوائية تشق هواء الملعب الساكن. في تلك اللحظة، لم أعد تلك الطالبة التي تجهل قوانين اللعبة؛ أصبحت جزءا من حركة المجرة. بحدس لم أدرك مصدره، ارتميت. جسدي القوي طار في الهواء كأنما دفعه جناح خفي. تمددت ذراعاي في قوس مثالي، وكأنني أعانق الفراغ. ارتطم قفازي بالكرة في جزء من الثانية، حرفت مسارها عن الشباك، لتصطدم بجدية القائم وتعود إلى أحضاني. سقطت على العشب، والكرة محشورة بين ذراعي بقوة، كأنها قلبي الذي استرددته للتو. لم أسمع صيحات الفرح، ولا هتاف الزملاء. كل ما سمعته كان رنين صمت أبدي، وإحساسا غريبا يتدفق في عروقي:
- لقد ولدت هنا، بين هذه القوائم، في هذه اللحظة التي لا تشبهها أي لحظة أخرى. كانت معادلتي المفضلة في تلك الفترة معادلة التوازن:
- كيف يمكن للجسد أن يحمل ثقل الكتب وصرامة التشريح، بينما يظل العقل معلقا في فضاء الاحتمالات...؟ أراقب حصة الرياضة من بعيد، أحيانا بملل، وأحيانا بفضول مكتوم. لم تكن الكرة غريبة عني، لعبت في الزقاق مع الأولاد وحرست مرمى فتيات الحارة بقوة وصلابة، كنت دائما عميدة الفريق، أتقن قراءة زواياها وحساب مساراتها في عقلي قبل أن تلمسها أقدام اللاعبات، لكنني كنت أعتبر تلك المهارة ترفا لا يتسع له وقتي الضيق في كليات الطب. فجأة، انكسر الإيقاع. صوت ارتطام مكتوم، تلاه عويل حاد اخترق ضجيج الملعب. سقطت حارسة المرمى الأساسية، والتف الجميع حولها كأنهم طوق من الحيرة والارتباك. في تلك اللحظة، لم أر مجرد إصابة رياضية، رأيت في سقوطها انعكاسا لهشاشتي الخاصة. خيل لي أنني أرى ملامحي تحت القفازات الملقاة، وأن العشب الأخضر تحول إلى سرير مستشفى بارد. وقفت بعيدا، أضم كتاب التشريح إلى صدري كأنني أحتمي به من عدوى الفشل. كانت الأصوات تتداخل في أذني، لكن صوتي الداخلي كان الأعلى: - هذا هو مصير من يشتت خطواته. نظرت إلى القفازات الملقاة على العشب؛ بدت لي كأنها كائنات حية، تتنفس التردد، وتنتظر من يمنحها شرعية الوجود. شعرت برعشة غريبة تسري في أطراف أصابعي. لم يكن الخوف من الملعب، انما من الاستغراق. أعلم أنني إذا خطوت نحو ذلك المرمى، فإنني لن أعود الطالبة ذاتها. سأبيع خلوتي المهنية، سأخون قدسية المئزر مقابل لحظة صمود في مهب الريح. مشيت ببطء نحو القوائم، لا استجابة لنداء، انما انقيادا لغريزة قديمة كانت تنتظر الفرصة لتنتقم من صرامة العلم. حين لمست القفازات، شعرت بضيق غريب يلف أصابعي، وكأنني أغلف إرادتي في جلد خشن. لم تعد الكلية في عيني مجرد مدرجات ومشارط، انمامختبرا في الهواء الطلق؛ حيث قوانين الجاذبية التي أدرسها، أراها تتجسد في مسار الكرة تحت أضواء الكشافات. وقفت بين القائمين. اتسع العالم فجأة، وبدا العشب أخضر بشكل مؤلم تحت أضواء النهار. صمتت الأصوات من حولي، ولم أعد أسمع سوى أزيز الهواء في أذني، وارتجافة خفيفة في كفي لم تكن من البرد، من رهبة المسؤولية التي هبطت على كتفي فجأة. أغمضت عيني للحظة، مستحضرة صورة والدي وهو يقلب صفحات تقريري الأكاديمي، وصورة مستقبلي الذي يتبدد بين كرات طائشة ومسؤوليات لا ترحم. لقد أغلقت باب التردد خلفي، وفتحت عيني على واقع جديد لا يعترف إلا بالصمود. في تلك اللحظة، لم أكن ألعب، أمارس تفكيك الزمن، مدركة أنني، بدخولي المرمى بدأت أكتب فصلا جديدا من حياتي، فصلا قد يكلفني حلم الطب، لكنه بالتأكيد سيمنحني معنى آخر للوجود.. معنى يولد في اللحظة التي تقرر فيها ألا تخذل نفسك، حتى لو كان ذلك يعني أن تعيش ممزقة بين حبر الكتاب ورائحة العشب. لم تعد القفازات مجرد قطعة جلد تفوح منها رائحة التردد، تحولت إلى أداة قياس للمستحيل. في البداية، كانت كل كرة ترتطم براحتي تترك خلفها كدمات زرقاء، تذكرني بأنني دخيلة على الميدان. لكن مع انقضاء الأسابيع، بدأت الفيزياء التي درستها في كتب الطب تتجلى أمامي، زوايا الانكسار، وقوة الطرد المركزي، وتوقيت الارتماء، أصبحت معادلات حية تحت أضواء الكشافات. في البطولة الوطنية للطلبة، لم أعد أقف في المرمى لأحمي الشباك فحسب، كنت أقف لأثبت لنفسي أنني قادرة على تطويع الجسد. أتذكر مباراة نصف النهائي، الأصوات في المدرجات تتلاشى كلما اقتربت المهاجمات من منطقتي. لا أسمع سوى إيقاع أنفاسي. حين انطلقت تلك القذيفة من مسافة قريبة، لم أفكر في القواعد، تمدد جسدي بدقة الجراح الذي يعرف أين يضع مشرطه. ارتميت، وشعرت بتمزق الهواء تحت قفازي، ثم بصلابة الكرة تخمد في أحضاني. هنا، بدأ العالم يتغير. لم تعد المباريات مجرد هواية، صارت محكا لاختبار حدودي. بعد صافرة النهاية، وجدت نفسي محاصرة بمدربين يلوحون بعقود ورقية، وأضواء كاميرات تقتحم خلوتي. في أحد الأيام، تلقيت عرضا من نادي المدينة الكبير. كانت تلك اللحظة الفاصلة؛ الجلوس في مكتب رئيس النادي، وسط رائحة الجلد الفاخر والوعود البراقة، وضعني أمام مرآة الحقيقة. وقعت العقد بدون تردد، وأنا أرى خيالي يتأرجح بين مئزر الطبيب وقميص الفريق. مع انضمامي للفريق الكبير، تغيرت طبيعة التحدي. أصبحت التدريبات قاسية، يومية، ومستنزفة. يداي تصبحان أكثر خشونة، وأصابعي أكثر صلابة. تعلمت أن أقرأ حركة عيون المهاجمات قبل أن تتحرك أقدامهن، صرت حارسة لا بالموهبة فحسب، بالدراسة الدقيقة لكل تفصيل. ثم جاءت اللحظة التي لم أخطط لها، استدعاء المنتخب الوطني. حين دخلت إلى معسكر التدريب، لم أكن تلك الطالبة التي تفر من صخب الحياة، كنت المحترفة التي تدرك أن هذا القميص بوزن التاريخ. حين ارتديت القميص الوطني لأول مرة، ونظرت إلى المرآة، لم أر فتاة تائهة، رأيت امرأة نحتتها الأيام والكرة. لم تكن الصدفة التي قادتني إلى طريق اخر ، كان إصراري على أن أكون في المرمى، لا كحارس للكرات، كحارس للحلم الذي ولد من رحم خشية قديمة. في تلك الليلة، كان الهواء في غرفة الجلوس ثقيلا كأنفاس مريض في غرفة العناية. وضع والدي ملف الخاطب على الطاولة بعنف مدروس، ونظر إلي بعينين صلبين كالحجر:
- هذا الرجل طوق النجاة. موظف محترم، وظيفة مضمونة، وحياة بعيدة عن هذا الجنون الذي تمارسينه. يكفي ما ضاع من وقت في ركض خلف كرات لن تمنحك خبزا، ولا اسما في السجلات. شعرت بالدماء تغلي في عروقي. وقفت، يدي ترتجف ليست من خوف، من فرط الغضب. صرخت في وجهه:
-الخوف من الفشل في الجامعة لا يعني أن أهرب إلى سجن بيت آخر! هل ترى حياتي مجرد صفقة؟ الملاعب والمستشفيات هي الهواء الذي أتنفسه، وأي محاولة لحبسي في قفص الاستقرار هي محاولة لقتلي!.
نهض والدي، واقتربت المسافة بيننا حتى كدت أشم رائحة سخطه.
- أنت متمردة لا تبصرين عواقب صمت الناس عنك. الناس يتهامسون، وأنا لا أقبل أن تلطخ ابنتي سمعة العائلة بملابس رياضية وتجوال في المدن!.
تراجعت خطوة، وكأنني أتلقى ركلة مباشرة في صدري. كنت سأنهار، لولا أن انفتح باب المطبخ بقوة غير معهودة. خرجت أمي، كانت تمسح يديها في مئزرها، لكن عينيها كانتا تشعان ببريق لم أره من قبل. وقفت بيني وبين أبي، كأنها جدار من حديد. قالت بصوت خافت، لكنه كان يملأ أركان البيت كأنه حكم قضائي:
-توقف يا رجل. كف عن صب خيباتك الشخصية على رأس هذه الفتاة. هي لا تبحث عن رجل يغطي عجزها، هي تبحث عن ذاتها التي وأدتها أنت قبل أن تكتمل. تراجع أبي بذهول:
- ماذا تقولين؟ هل تدافعين عن هذا الطيش؟.
استدارت أمي نحوه، وتراجعت خطوة نحو الباب، ثم قالت بلهجة حاسمة لا تقبل التأويل:
- إذا ضغطت عليها مرة أخرى، أو حاولت بيع مستقبلها لهذا الشخص، سأحمل حقائبي وأخرج من هذا البيت. ابنتنا ليست جارية في ملكك، وإن أردت أن تبقى العائلة متماسكة، فعليك أن تحترم حلمها، وإلا فستكتشف أن الجدران التي بنيتها حولنا، ستنهار فوق رأسك وحدك. ساد صمت خانق، صمت لم يقطعه إلا صوت أنفاسي المتسارعة. كان أبي ينظر إلى أمي، ثم إلي، وكان وجهه يتقلص في تجاعيد من الغضب المكسور. غادر الغرفة متجها إلى غرفته، وأغلق الباب بقوة جعلت أواني المطبخ تهتز. سقطت أمي على الكرسي بإنهاك، واقتربت منها لأحتضنها، لكنها دفعتني بلطف نحو غرفتي وقالت:
- اذهبي لدروسك يا ماجدة. لا تخسري حلمك الآن، فقد دفعت ثمنه أغلى مما تتخيلين.
في تلك الليلة، لم أكن أقرأ التشريح، بل كنت أقرأ وجه أمي في ذاكرتي. أدركت أن الندبة التي في معصمي، بدأت تصبح درعا يحمي ليس فقط حلمي، بل وجودنا جميعاً كنساء يرفضن أن يختزلن في خانة الخاطب أو الرسوب. لم يكن المشهد دراميا كما في الأفلام، لم يكن هناك مطر يغسل أحزاني، ولا موسيقى تصويرية تعزف مأساة رحيلي. كل شيء عادي، برودا يلف تفاصيل النهاية. في الدقيقة الثمانين من مباراة نصف النهائي، قفزت لالتقاط كرة عالية، وفي لحظة ارتطامي بالأرض، اختل توازني. سمعت صوت طرطقة جافة، كأن غصن شجرة يابسة انكسر تحت قدم حطاب متهور. تلتها صرخة مكتومة، ليس من الألم الجسدي فحسب، من إدراك غريزي بأن شيئا ما داخلي قد انطفأ للأبد. نقلت إلى المستشفى. وبعد أيام، جاء التشخيص: - كسور مضاعفة في المعصمين، تتطلب تدخلا جراحيا دقيقا، وشهورا من التأهيل، واحتمالية ضئيلة جدا للعودة إلى المستوى الاحترافي. تبخر الضباب. لم تنتظر إدارة النادي حتى تجف دماء جراحتي. وصلني خطاب بارد بفسخ العقد. لم تكن هناك مكالمة من الرئيس، ولا زيارة من المدرب، ولا حتى رسالة مواساة. كنت بالنسبة لهم مجرد أصل معطل في سجلات المحاسبة، أصل يجب التخلص منه لتقليل الخسائر. وجدت نفسي خارج جنة الملاعب، بلا غطاء مالي. بعد ثلاثة أشهر، وقفت أمام مرآة الحمام، أحاول ربط خيوط حذائي بيدي اللتين لا تزالان ترتجفان من أثر الجبيرة. نظرت إلى كفي لم أعد أرى فيه أدوات للقبض على الكرة، رأيت ندوبا بدأت تتشكل كخرائط لزمن انتهى. لم أكن بحاجة لرؤية معدات الملاعب لأعرف أن الجزء الأكبر مني قد ضاع في تلك اللحظة، الإصابة لم تكن في المعصم فحسب، إنما في اليقين الذي كان يسكنني. قررت ألا أعود إلى الملاعب. في صباح خريفي باهت، دخلت إلى بهو الجامعة. جلست في المقعد الأخير، ووضعت يدي اللتين لا تزالان تعانيان من آثار الكسور على الطاولة. لم أعد حارسة المرمى التي تحمي الشباك، أصبحت حارسة لذاكرتي الخاصة. أدركت أن الشهادة الجامعية التي كنت أستهين بها، هي القلعة الحقيقية التي لا تنهار بكسر في العظام ولا بقرار من إدارة نكرة. ارتميت على السرير، ووجدت عيناي معلقتين بقطعة من السماء تبدو من النافذة. غطيت وجهي بكلتا يدي، محاولة حبس صدى الهتافات التي لا تزال تدق في أذني مثل جرس كنيسة مهجورة. سمعت وقع خطى ثقيلة في الممر، توقفت عند الباب. عرفت وقع خطواته؛ إنها خطوات أبي. دخل ببطء، لم يقل شيئا، لكنني شعرت بحضوره يملأ الفراغ. جلس بجانبي، وضع يده على كتفي بضغطة دافئة، وهمس بنبرة انكسار أبوي: - يا ماجدة، لا تقتلي الجزء الذي كنتِه، حتى وإن كان يؤلمك اليوم. الندوب ليست عارا، انها الدليل الوحيد على أنك عشت بصدق. خرج من الغرفة تاركا وراءه صمتا لم يكن هذه المرة مريرا، كان دعوة للتصالح مع ماضي الذي لا يمكن مسحه. لم يكن جلوسي في مقاعد الدراسة هروبا من هزيمة بقدر ما كان محاولة لترميم ما انكسر. كنت أفكك سنوات النجومية تلك كما يفكك الجراح الندوب. اكتشفت أن التركيز الذي كنت أظنه ملكية حصرية للملاعب، هو نفسه الذي يفتح مغاليق النظريات المعقدة. المقاعد الخشبية في المدرج قاسية. الضوء بارد ومنضبط. حين يتحدث الأستاذ عن ديناميكيات الصدمة، يرتد صدى صوته في أذني مثل صافرة النهاية، فيخيل لي أنني في ملعب من ورق. أخط ملاحظاتي في الهوامش؛ قلمي يطارد المعنى كما كانت عيناي تطارد الكرة. الفرق أن الكلمات على عكس لاعبات الخصم لا تخدع، ولا تتنصل من وعودها. الآن، يدي التي انكسرت تتماسك فوق القلم بقوة غريبة. الخط الذي أكتبه اليوم أثبت من أي قبضة سابقة. الشهادة التي أسعى إليها ليست مجرد ورقة معلقة في إطار، إنها حصن أبني فيه بقايا روحي. لم أعد أحرس الشباك، أصبحت أحرس ذاكرتي، أعتني بالندوب حتى لا تفتح، وبالحلم حتى لا يذبل. في الخارج، يهطل المطر. في الداخل، لا توجد شباك لتمزقها الرياح، ولا قضاة ليقرروا مصيري. فقط صمت القاعة، وصفحات الكتاب، والقدر الذي أعدت صياغته بحبر لا يجف. لقد استعدت كرتي، لكن الملعب هذه المرة هو العالم، والحكم الوحيد الذي أقف أمامه اليوم... يتعلق بي شخصيا. لم تعد حقيبة طبيبة المنتخب في نظري مجرد وعاء للأدوية والمشارط، أصبحت أرشيفا لأوجاع أعرف تفاصيلها. حين أدخل غرفة الملابس، لم يعد مسحوق الغسيل ورائحة العرق يثيران في الرهبة، بل تحولا إلى بيانات سريرية أقرأ من خلالها حالة اللاعبين البدنية والنفسية. أراقب المهاجمين، فأرى في ثقل أقدامهم تمزقا وشيكا، وأستشعر في حركة أكتافهم إرهاقا مزمنا. هناك، في الزاوية، كانت حارسة المرمى الشابة تجلس شاردة، تحدق في الفراغ بذات النظرة التي كنت أملكها قبل سنوات. اقتربت منها بهدوء. حين سألتني عن حماية معصمها، لم أجبها كطبيبة تبحث عن تشخيص، بل كمن يرى في عينها انكسارا قديما. قلت لها ببرود مصطنع:
- لا تشدي الأربطة بقوة، العصب يحتاج مساحة للتنفس. نظرت إلي بدهشة وقالت: - أنت الوحيدة التي تطلبين مني ذلك، يا دكتورة.
ابتلعت غصتي، فلم تكن تعرف أنني حين ألمس معاصمهم، فأنا لا أفحص إصابة، بل أرمم كسراً قديماً كان لي في ذات الموضع. لم تعد حقيبة الإسعافات في يدي مجرد مستودع للمطهرات والمراهم، بل غدت أرشيفاً للأوجاع التي لمست جدرانها يوماً بجلدي. في سنتي الأخيرة من تدريب المهن التمريضية، لم أعد أدخل الملاعب كدخيلة، بل كخبير زار الجحيم وعاد ليرشد الآخرين. رائحة العشب الممزوجة بمرارة المنطق الطبي لم تعد ترهبني؛ فكل حركة تشنج في عضلة ساق لاعبة، أو رعشة في معصم متردد، هي بيانات سريرية أقرأها بلغة لا تفهمها الكتب وحدها، بل تفهمها الندوب. في الزاوية المظلمة من غرفة الملابس، كانت الحارسة الشابة تحدق في فراغ قفازيها، بنظرة تشبه انعكاس صورتي في مرآة الماضي. كانت ترتجف؛ ليس من برد القاعة، بل من فوبيا الارتطام القادم. اقتربت منها، لم يكن خطوي مترددا، كان إيقاعا لخطوات من امتلكت الملعب ثم امتلكت ذاتها.
-لا تشدي الأربطة بقوة، قلت بصوت منخفض، مشيرة إلى معصمها. نظرت إلي بدهشة، فتابعت بنبرة طبيبة لا تساوم: - العصب الذي يحاصر بالخوف لا يشفى بالضغط، بل بالتنفس. أنت تحاولين حماية عظمك من الكسر، بينما أنت في الحقيقة تحبسين خوفك داخل الجبيرة.
تجمدت كلماتي في القاعة. لم تكن نصيحة طبية؛ كانت تشريحاً لحالة استعصت على الفهم. أمسكت بيديها، وبدلا من أن أضع يدي على نبضها، وضعت أصابعها على الندبة العميقة في معصمي، تلك الخريطة التي لا تزال تحفظ شكل السقوط. وهمست -هذا الميدان لا يطلب منك أن تكوني بلا كسر، بل يطلب منك أن تكوني صلبة بما كسر فيك. الشباك التي تقفين خلفها ليست جدارا للفصل، إنما مرآة لحماقتنا القديمة في الاعتقاد بأننا سنظل خالدين. حين يكسرك الملعب، لا تلملمي شظاياك وتولي هاربة، اجعلي من هذا الانكسار زاوية رؤية جديدة. تركتها، وخرجت إلى حافة النفق. كان العشب يتلألأ تحت أضواء الكشافات، مشهدا لم يعد يثير في غريزة الارتماء، بل غريزة التوجيه. حين جلست لأكتب التقرير الطبي، لم أكن أدون تشخيصاً لمفصل ملتهب، كنت أكتب وصفة لبناء إنساني جديد: وإعادة دمج الندبة في تكوين الذات. أغلقت الحقيبة، وخرجت من الملعب. أدركت حينها أنني لم أعتزل؛ لقد غيرت موقعي فحسب. لم أعد الحارسة التي تنتظر الكرة، أصبحت الحارسة التي تمنع الأحلام من الضياع في ثقب الخوف. لقد استعدت كرتي، لكن الملعب هذه المرة هو الإنسان، والحكم الوحيد الذي أقف أمامه اليوم، لم يعد حكما بصفارة، انه ضمير لا ينام إلا حين يتأكد أن الندبة قد صارت درعا.
#الحسان_عشاق (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
سمفونية الفناء: ترنيمة السقوط الأخير
-
ابن تاشفين تراتيل الذاكرة ومقبرة الحنين
-
ارتجاف المطرقة في فراغ الروح
-
ضفائر الطين وكحل الغياب
-
الدكتور ضريسة: ارشيف الدموع المكتومة
-
سكاكين في ميزان الضمير
-
خوارزمية الجشع في سيرة معلم
-
البغلماني طيف غريب في معبد السلطة
-
مجنون طائر الحسون
-
عرش من زجاج تحت أقدام الظل
-
أرواح في مهب الحياد
-
في قوقعة الصمت يطبخ الثأر
-
حكاية العائلة التي هزت عرش المصحة
-
صرخة في وجه المستحيل
-
ولائم الموت البارد في الظلام
-
بائع الوجبات وانكسار الصمت
-
الهارب من المدينة إلى المغارة
-
الحاج الخازوق وكبش العيد
-
غيبوبة الكلمات والدم
-
الحاج الخازوق رجل من كوكب اخر
المزيد.....
-
يعرض قريبا.. -خلي بالك من نفسك- أول فيلم يجمع بين ياسمين عبد
...
-
كيف حوّل فنان ستيني رصيف مترو بالقاهرة إلى معرض مفتوح للرسم
...
-
-بروفة يوم الحساب-.. مسرحية سورية حول العدالة الانتقالية رفع
...
-
-إعلان بيروت العالمي-.. صرخة لإنقاذ ذاكرة جنوب لبنان من المح
...
-
موسكو توسّع مهرجان -جادة المسرح- بعروض جديدة ومشاركة دولية
-
رسول حمزاتوف... الشاعر الذي حمل داغستان إلى العالم
-
غموض يلف حادثة بوشهر: تضارب الروايات يفتح الباب أمام فرضية -
...
-
لماذا تُعد رواية -يفغيني أونيغين- لبوشكين -موسوعة الحياة الر
...
-
مسؤول أميركي يدعي: ?واشنطن لا ?تزال ملتزمة ?بإيجاد ?حل مع إي
...
-
الثقافة السورية تدعو الفنان فضل شاكر لزيارة دمشق تكريما لموا
...
المزيد.....
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
المزيد.....
|