أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الحسان عشاق - أمير الدبابير وراعي الدودة















المزيد.....



أمير الدبابير وراعي الدودة


الحسان عشاق
روائي وكاتب صحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8781 - 2026 / 7 / 29 - 17:48
المحور: الادب والفن
    


لم يكن المقهى النائي عند حافة المحطة سوى ملاذ أخير لجسد أرهقه الركض والاحتراس. أضواؤه الصفراء الباهتة تتكسر على زجاج النوافذ المغبرة، برائحة قهوة معاد تسخينها وبرود شتوي يمرق تحت الأبواب.
في تلك الزاوية المعتمة، لم يطمح "أمير الدبابير" سوى لساعة هدوء واحدة. لم يكن رجلا من أساطير البطولات؛ كان يبتل كباقي البشر حين تهطل الأمطار، وتتعب عيناه من إجهاد الشاشات، وينقبض صدره حين تتصل أخته ليلا بنبرة مرعوبة. لكنه كان ينظر إلى شاشة حاسوبه المخدوشة كمن يحرس آخر سقف يحميه من السقوط في الهاوية.
على الواجهة المظلمة، كانت تنبعث أرقام وثائق الدعم المسربة، وبجانبها ملف مفتوح حول الشبكة التي يديرها "راعي الدودة". لم يكتب أمير هذه السطور بدافع الانتقام؛ بل لأنه يدرك أن الحبر حين يتراجع أمام الزيف، لا يترك خلفه سوى الصمت والخراب.
انعكس ظل شخص يمر بالشارع، فانقبض صدره تلقائيا. أغلق الشاشة بلمسة سريعة، ومسح بأصابعه المجهدة على عينيه الحارقتين.
على الطاولة المجاورة، كان المصدر المحلي المتخوف يفرك يديه الباردتين حول فنجانه، والتفت إليه أمير بنبرة خفيضة:
-لا تقلق... الأسماء والملفات التي سلمتني إياها ستبقى في الظل. ما نفعله الليلة ليس خصومة مع أحد، إنما محاولة بسيطة كي لا ننسى كيف نرفع رؤوسنا غدا.
سحب القرص الصلب المشفر، وأخفاه داخل البطانة الداخلية لمعطفه الثقيل، ثم نهض يجر خطاه بين زحام العابرين، يحمي بيده المرتعشة شمعة صغيرة ضد الريح.

لم يكن لقب (أمير الدبابير) درعا صلبا يرتدى في ساحات الفخر، ولا هالة مطرزة بخيوط الضوء؛ انما وسما خاطفا ولد من رحم عتمة أليفة، وثرثرة صادقة بين روحين يدركان أن الحقيقة في هذا الزمن لا تصاد بالحرير، إنما تنتزع بالشوكة.
في تلك الليلة الباردة، حين كانت الريح تطرق نوافذ السيارة القديمة كطائر جريح، كان الصحفي المشاكس يجلس بمحاذاة صديق السنين العجاف، والوحيد الذي ينظر إلى ما وراء الندبة القائمة على خده دون أن يرمش. كان طاجين السمك بينهما بحرا صغيرا من بقايا الحبر ومسودات المقالات الملتهبة، وكان الصحفي يراجع بسن قلمه الحاد فصلا جديدا من تعرية مسالك العبث.
تأمله عثمان مليا، يراقب حركة أصابعه الشاحبة التي تطارد المفردات كما تحاصر الدبابير مجرى العسل المسموم. سحب عثمان نفسا عميقا من سجائره، ونفض رمادها فوق أوراق الخريف المتساقطة على الحافة، ثم قال بصوت خفيض، ينساب كالموسيقى الرخيمة وسط ضجيج المقهى:
-أتدرك يا صديقي ما تفصله بين سطورك؟ أنت لا تكتب حبرا... أنت تطلق طرودا من الحشرات الضوئية! كلماتك القاسية لا تجرح الجلد كالمشرط، انما تلدغ الضمير الغافل كلدغة الدبور؛ مؤلمة، خاطفة، لا تنسى، ولا يبرأ منها الجرح إلا بعد أن يفرغ السم كله من الجسد
ضحك عثمان بنبرة امتزج فيها الخوف الصادق على صديقه بكبرياء الرفيق، ثم أردف مائلا ببدنه نحو الطاولة:
-إنهم يحشدون الذباب حول المستنقعات... أما أنت، فتكفيك حشرة واحدة تملك إبرة النور. أنت بالنسبة لي... أمير الدبابير...
استقرت الكلمة في الهواء كشرارة سقطت على قش يابس. لم تكن مجرد دعابة عابرة للوقت بين صديقين، كانت تعميدا رمزيا لصحفي اختار أن تكون كلماته مملكة من اللسعات الشريفة وسط قطعان تقتات على الفتات.
مع الأيام، تسللت التسمية من جدران تلك الجلسة الخاصة، كما يتسلل العطر القديم من شقوق الصناديق العتيقة. تداولها القراء في الهمس المخبوء خلف الشاشات، ورددها الموظفون البسطاء في ممرات الإدارات وهم يتصفحون مقالاته المزعجة بسرية حذرة:
• لقد أطلق أمير الدبابير سربا جديدا من الحقائق اليوم!...
أصبح اللقب في مخيلة الناس استعارة كاملة؛ فالذباب يلتف حول العفن ليستر عورته، بينما "الدبور" يطير وحيدا، يسكن الأعالي، ولا يهوى السكر الخفيف، يغرس شوكته البتارة في خاصرة الزيف ليوقظ الجسد المخدر. لم تكن قسوة كلماته بدافع الإيذاء، بل كانت قسوة الجراح حين يعمل المشرط لقطع الورم؛ قسوة يحفها جلال المقصد، وتغلفها شاعرية الوجع النبيل.
حين كان الصحفي يمر ليلا بين الأزقة المعتمة، يحس بثقل اللقب يمتد في عروقه كوشم أبدي. لم يكن أميرا لعرش أو تاج، بل كان أميرا للمساحة الضيقة التي تتوجع فيها الحقيقة قبل أن تصرخ... كان يعلم أن الدبور قد يموت بعد اللسعة، لكنه يترك في جسد الظلم أثرا لا يمحوه الزمن، أصبح يوقع المقالات والتحقيقات باسمه مقرونا باللقب في مواقع وجرائد متعددة.

دلف "راعي الدودة الجديدة" من الباب الخلفي للإدارة الإقليمية، حاملا حاسوبا لوحيا يلمع زجاجه البارد تحت أضواء الممر الشاحبة. كانت خطواته الواسعة فوق البلاط الرخامي توحي بسلطة مستعارة، قبل أن يدفع باب مكتب المدير بوقار مسرحي، واضعا الشاشة أمامه ليضيء الظلمة بصور ثلاثية الأبعاد لمشاريع لا وجود لها إلا في المخيلة.
انحنى قليلا، ومسح إبهامه على واجهة الزجاج الزلق قائلا بنبرة واثقة:
-الأمور تحت السيطرة يا سيادة المدير... المنصة الرقمية جاهزة لترويج الإنجازات، وامتصاص أي توتر في الهامش."
سحب المدير القلم الذهبي بكسل من جيب البذلة السوداء، ومسح جفنه المتعب دون أن يجهد عينيه بقراءة السطور المتروسة. وقع على هامش الوثيقة الورقية بخط خاطف، ثم دفعها بنزق نحو حافة الطاولة، مرفقة بأمر صرف بديهي لخدماته.
خرج راعي الدودة ومفاتيح سيارته ترن في جيبه رنينا مكتوما. غير أن وجهته لم تكن مقر إدارة ترابية، بل قبوا خفيا أعده بعيدا عن العيون لإدارة "كتائب التشهير". هناك، تحت سقف تفوح منه رائحة التبغ الرخيص واللبن الرائب، جلس خلف شاشة كبرى وجمع حوله أرواحا أرهقها العوز وعجز الجهل.
لم تكن الصحافة بالنسبة لأولئك العابرين شغفا بالنور، إنما تهربا اضطراريا من مخالب البطالة، وستارا يداري خيبة رجال أطاحت بهم السنون على رصيف الحاجة. يجمعهم فرار محموم من صراخ الأطفال في البيوت المتهالكة، ونظرات الزوجات المنتظرات لكيس خضار لا يأتي.
في الزاوية المعتمة، كان "خربوش الكسال" يقلب هاتفا مهترئا بأصابع تشققت من البرد، يداري أميته ببطاقة مراسل رخيصة، وينسخ الشائعات ليعود بذرة دراهم تشتري دواء أمه المريضة. وعلى طاولة مكسورة، كان "الكبش" يداري بنيته الهزيلة تحت معطف واسع، يهرب من ديون تطرق بابه، ويزرع شاشته المظلمة في وجوه الموظفين ليشتري بقشيشا يستر به عورة فشله الدريع. انحنى راعي الدودة فوق الطاولة، ونظر إليهم بنبرة حاقدة:
-أمير الدبابير يبحث في الأوراق ويدقق الفواتير أموال التنمية البشرية... افتحوا عشر صفحات جديدة الليلة! أريد شتمه، والتشهير بعائلته، وفبركة صور وتهم أخلاقية تنال منه. لا تتوقفوا حتى يخرس هذا القلم!"
كان يعتقد أن الوثائق المزورة والكتائب الأجيرة ستصنع له إمبراطورية ترعب الجميع، بينما كان الليل الشتوي في قاع المدينة يخفي بين ظلاله حقيقة ثقيلة لا تقبل التزوير.

تسللت رائحة التبغ الرخيص من الغرفة الضيقة لتزكم الأنفاس. كان "خربوش الكسال" يجلس على طرف كرسي خشبي متهالك، يقلب بين أصابعه هاتفا قديما التقطت شاشته خدوشا عميقة. لم تكن البنية النحيفة والفارع الطول والسمرة وهيئته المزرية سوى أثر سنوات أكل فيها الفقر شبابه، يوم كان يرى والدته تطرق أبواب الميسورين بحثا عن خرق قديمة. حين انقطع عن الدراسة صغيرا، لم يجد سوى ظل "راعي الدودة الجديدة" ملجأ يضمن له ثمن دواء أمه المريضة وثمن سومة الكرائية للحجرة التي ناويه بمعية الزوجة، مقابل أن يتحول إلى عين تتجسس وأداة لنشر التشهير والسب في المجموعات الرقمية.
رفع خربوش عينيه المجهدتين نحو سيده، وقال بصوت يرتجف بنشيج مكتوم:
-أمير الدبابير نشر التحقيق كاملا يا فلان... الأسماء والأرقام كشفت، وكل صفحة تشهير فتحناها أغلقت أو باتت مكشوفة للجميع. الناس في الدرب ينظرون إلي كأني وباء. أقسم لك أني ما أردت أذية أحد، لكن أمي تحتاج الدواء... ورغم كل الشتم والسب الذي أمرتنا بنشره ضد أمير الدبابير، لم يتراجع خطوة واحدة بل زاد صلابة! إلى أين نذهب الآن...؟
كان راعي الدودة الجديدة يذرع الغرفة جيئة وذهابا، قبل أن يتوقف فجأة ويصرخ بغيظ:
-الناس ينسون يا كسال! ضاعفوا السب! أنشئوا حسابات مستعارة جديدة واكتبوا أن تحقيقاته مزورة!"
هز خربوش الكسال رأسه ببطء، ومسح وجهه بأكمامه المهترئة. ولأول مرة تظهر على ملامحه مسحة ندم مأساوي؛ ندم الرجل الذي يكتشف متأخرا أنه حفر قبر كرامته بيده ليشتري لقيمات لا تسد رمق الشرف، وأنه يواجه رجلا لا تكسره سياط الشائعات، لكن أمام حركات وتقريع راعي الدودة استعاد شيئا من الصمود:
-مما تخاف...؟ لقد مررت بمواقف أعمق لكنني لا أنهزم.... نحن محميون...؟"
تجاوزت الساعة الثانية بعد منتصف الليل. كانت برودة الغرفة الآمنة تلتصق بالجدران في ذلك الحي القريب من الطريق الوطني، أصوات المركبات تأتي من بعيد.
ضوء خافت ينبعث من الحاسوب المحمول، يضيء أختاما رسمية وفواتير تم التلاعب بها. توقف إبهام "أمير الدبابير" فوق زر "التشفير"، ثم التقط هاتفه ليقرأ مجددا الرسالة النصية التي أرسلها أتباع "راعي الدودة" من رقم مجهول: "أي مقال يتعرض لنا، فالمرة القادمة في الحلقوم... ولن يجد أهلك جثة يبكون عليها."
أرفقت الرسالة بصورة لأخته الصغرى وهي تغادر عملها. سرت برودة ثقيلة في عروقه، وتوقف الهواء في حلقه لثوان. لكنه لم يصرخ ولم يتردد؛ أجرى اتصالا هادئا لنقل أخته إلى بيت العائلة في الإقليم المجاور تحت حراسة صامتة.
مسح إحداثيات الصورة المرفقة، وفكر بصوت مسموع ان اللسعات تؤدي دورها، ثم أدخل القرص الصلب في تجويف مفرغ خلف إطار لوحة زيتية قديمة على الجدار. لم ينقر زر النشر من شبكته المباشرة، بل ضبط خادما خارجيا ليتولى إطلاق الوثائق تلقائيا بعد أربع وعشرين ساعة. كان يدرك أن المسألة لم تعد مجرد سباق بين قلم وكتائب تشهير، انما معركة على المساحة الأخيرة التي تفصل الحقيقة عن الوحل.

في قاعة الاجتماعات الباردة بمقر الرقابة المالية، كانت تقارير "أمير الدبابير" المنشورة عبر النطاق الوسيط تنزل كالصاعقة فوق المائدة المستديرة.
كشفت الوثائق كيف تحولت استمارة مشروع "وحدة الإنتاج الصوتي" إلى سيارة مستعملة يتجول بها "راعي الدودة"، وكيف تدار حسابات التشهير لتغطية الثقوب في الفواتير. وتحت ثقل التوثيق، بدأ المفتشون يقلبون الملفات الصفراء بصمت حذر.
في تلك الأثناء، كان أمير يجلس في شرفة مكتبة عمومية تطل على ساحة مكتظة، يضع نظارته البسيطة ويمرر إبهامه على الندبة القديمة أعلى خده. لم تكن تهديدات الشارع أو حملات السب الرقمية لتعطل يده. يعلم أن الضجيج الملاذ الأخير لمن أفلست حجته، وأن بقاءه على قيد الكتابة مرهون بصلابة خطوته وشدة حذره. نظر إلى الحشود في الأسفل، ثم فتح ملفا جديدا على الشاشة؛ لم يضع له عنوانا رنانا، اكتفى بوضع نقطة في أول السطر، متأكدا أن الورقة الموثقة بأختام الحقيقة... لا تقتلها الشائعات.

بعد أن انجلت عاصفة التحقيقات الأولى، بدت المدينة كأنها تستفيق من طنين دائم. في الحديقة العامة ذات الأشجار المعمرة التي غطي مساحة كبيرة وتنشر ظلالا تساقطت أوراق الشجر اليابسة فوق المقاعد الخشبية، ساد صمت خفيف يتنفس فيه الناس ببطء؛ صمت من يكتشف فجأة أن الفزاعات التي أقامتها كتائب التشهير لم تكن سوى فقاعات هوئية تهاوت عند أول مواجهة مع الأرقام.
في مقر نقابة الصحفيين، اجتمع عدد من الكهول القدامى تحت شمس الضحى الباردة. سحبوا ورقة بيضاء، وبدلا من إطلاق البيانات الغاضبة، أخذوا يراجعون بتأن قواعد العمل والتحقق، وضعوا القلم جانبا وتوافقوا على ألا يتركوا الميكروفون مجددا لمن لا يحمل سوى الشتيمة.
كان اسم "أمير الدبابير" يتردد بين الشباب في المقاهي؛ لا كبطل خرافي يقهر الخصوم، بل كرجل هادئ أثبت لهم أن الورقة الموثقة بقليل من الشجاعة والكثير من الحذر كافية لإعادة الهيبة لحرفة كادت أن تضيع.

تراجع "راعي الدودة الجديدة" إلى ركن مقفر في أطراف الهامش، حيث ينقطع ضوء الشارع وتفوح رائحة الرطوبة من الجدران المتشاتمة. حول طاولة دائرية مكسورة الحواف، جمع أربعة من أتباعه المتبقين الذي يرون فيه مصدر رزق وحلال الصعاب، أفرغتهم السنون من أي حرفة. وضع أمامهم لترين من اللبن الرائب وبضعة أرغفة يابسة، وقال بصوت بحته الخيبة والغل:
-المعركة لم تنته... سيعود الموقع تحت نطاق جديد غدا، ونحتاج فقط أن نكثف الشتم والسب في المجموعات، وننشر أن تحقيقات أمير الدبابير مزورة ومفبركة.
نظر الحاضرون إلى بعضهم البعض بصمت مطبق. لم يمد أحد يده نحو الخبز، ولا سحب أحد هاتفه ليكتب. كان "خربوش الكسال" يفرك أظافره الملطخة، بينما يحدق الآخر في الفراغ. ساد الصمت لعدة دقائق، لم يقطعه سوى صوت تقاطر الماء من سقف الغرفة.
سحب أحدهم جسده إلى الخلف ببطء، ونهض دون أن ينبس ببنت شفة، ليتبعه الثاني والثالث... تاركين "راعي الدودة الجديدة" متسمرا أمام الطاولة المكسورة، بعد أن أدرك الجميع أن سلاح التشهير قد تلمس حدوده، وأن سفينته الغارقة لن تجد من يجدف فيها.
لم تكن عملية إنشاء صفحة جديدة على المنصات الأزرق تكلف "راعي الدودة" درهما واحدا؛ كان الأمر أسهل من سحب نفس من سجائره الرخيصة. زر واحد ينقر عليه الفتى الأجير، فتولد صفحة جديدة بأسماء براقة: "صوت الحقيقة"، "كاشف المستور"، أو "صراحة المدينة". غير أن ما جهله "راعي الدودة"، وتجاهله عن غل، هو أن مجانية السلاح لا تعني نجاعة الضربة.
في الحجرة المعتمة التي تضرب منها رائحة الرطوبة، كان "خربوش الكسال" يمسك بهاتفه المهترئ، وقد تشنجت أصابعه المتشققة من البرد بعد ساعات من النسخ واللصق. رفع عينيه الدامعتين من شدة إجهاد الشاشة الباردة، ونظر إلى سيده بنبرة ينطق فيها التعب واليأس:
-يا سي فلان... أنشأنا اليوم سبع صفحات جديدة، وغيرنا العناوين والصور، لكن المنشورات تقبع في الفراغ! لا أحد يتفاعل، ولا أحد يعيد النشر. الصفحة مجانية نعم... لكن من يشتري تعب أصابعي؟ الناس لم تعد تعيرنا اهتماما، وبمجرد أن يلمحوا اسما جديدا يدركون أنها صفحتنا السابقة التي حجبت أمس، فيمرون كأنهم يدوسون ذبابة ميتة...
صرخ راعي الدودة وضرب الطاولة الخشبية بقبضته:
-أعد النشر في المجموعات الكبرى! ضاعف الروابط...
رد عليه الكبش بصوت خافت وهو يزدرد ريقه الجاف:
-أي مجموعات يا دودة؟ المدراء في المجموعات الترابية أصبحوا يحظرون حساباتنا المستعارة فورا. الصفحات المجانية بلا وصول... وبلا تمويل مالي يوصلها لهواتف المسؤولين والمواطنين، تظل مجرد صراخ في بئر مهجورة! نحن نستهلك أنفسنا ونحترق في اللاشيء."
في تلك الأثناء، وعلى بعد أحياء من القبو، كان "أمير الدبابير" يجلس في المقهى ذاته. لم تكن تنطلي عليه لعبة "الذباب الرقمي" وتكاثر الحسابات الوهمية. يدرك بحسه الاستقصائي أن الشائعة المجانية كفقاعة الصابون، تلمع لثوان ثم تتلاشى لأنها تفتقر إلى خزان الحقائق.
فتح أمير الدبابير شاشة حاسوبه، ونشر تغريدة قصيرة ومقتضبة على مقاله الموثق:
-يمكنكم إنشاء ألف صفحة مجانية كل ليلة، وتزوير ألف اسم مستعار... لكن الحقيقة لا تباع ولا تشترى، والوثيقة الموقعة بأختام الرقابة المالية لا تسقطها منشورات حررت في قبو مهجور. الاستثمار في الزيف مفلس، ولو كان بالمجان...
حين قرأ موظفو الإدارات والمواطنون في الشارع تلك السطور، سرت في الأزقة موجة من السخرية العارمة من صفحات التشهير الوليدة. وأصبح كلما حاول "خربوش" أو "الكبش" تهديد موظف بصفحة جديدة، يضحك الموظف في وجهه قائلا:
-افتح عشر صفحات أخرى يا خربوش... فلن تقرأها سوى أمك، فالناس عرفت أن الحبر المجاني لا يشتري الشرف...
تحول السلاح الذي ظنه راعي الدودة أبديا ولا ينضب، إلى دليل إفلاس فاضح؛ فلم يزد الشبكة إلا إنهاكا لأبدان أتباعها الجياع، وتعرية لعجزها أمام كلمة واحدة... صلبة ومستندة إلى الحقيقة.

دلف "خربوش الكسال" إلى ممر الإدارة الترابية بخطوات ثقيلة، يمسك بهاتفه المهترئ. توقف أمام مكتب موظف التعمير الشاب، ودفع الباب دون استئذان، واضعا الهاتف على الطاولة بوقاحة:
-شوف أسي الموظف... هذا المقال جاهز للنشر على صفحاتنا غدا. فيه تشهير مباشر بتجاوزات التعمير. إما أن تسهل لي لقاء السيد القائد وتسوي لي تلك الورقة، وإما أن نضغط زر النشر ونطلق كتائب السب عليك وعلى الإدارة."
نظر إليه الموظف ببرود، ثم سحب الهاتف ببطء، وقرأ السطر الأول مبتسما بسخرية:
-أولا يا خربوش، المقال مليء بالأخطاء الإملائية واللغوية وبائس... وثانيا، الجريدة وصفحات التشهير التي تهدد بها حجب نطاقها الرقمي وصدرت بحقها أوامر قضائية. واعلم أن أمير الدبابير أودع ملفاتكم لدى النيابة العامة. اخرج ووفر ثمن طعامك بعيدا عن هذا المكتب..
انتزع خربوش الهاتف بيده المرتعشة، وشحب وجهه لامحا نظرات الازدراء في عيون الموظفين. خرج إلى رصيف الشارع متلعثما، يحسب ما تبقى في جيبه من دراهم لا تكفي لسداد ثمن فنجان قهوة.

في زاوية مقهى بالحي الشعبي، كان فؤاد الكبش أحد أذرع راعي الدودة الجديدة المتخصص في جمع الإشاعات يجلس واضعا رجلا على رجل، يرتدي معطفا واسعا يداري بنيته الهزيلة. اقترب منه أحد أبناء زوجته الطاعنة في السن، ووقف فوق رأسه بنبرة ملؤها الاحتقار:
-أمي تريد مفاتيح البيت والسيارة الآن... والدي ترك لنا هذا السقف لنعيش فيه، لا لتأتي أنت وتجعله مأوى لشبكتك ومقرا لإدارة صفحات السب والتشهير لصالح راعي الدودة الجديدة!"
ابتسم الكبش رغم الطعنات، فاسم الدودة الجديدة أصبح على كل لسان ، تلفت الكبش حوله بفارغ الصبر، وحاول أن يبتسم في وجهه بمسكنة:
-اخفض صوتك يا بني... أنا زوج والدتك بحكم الشرع والقانون..."
قاطعه الشاب بدفعة خفيفة في كتفه:
-لا قانون ولا حماية! أكياس الخضار التي تأخذها من سوق الابتزاز والتشهير لا تستر عورة فشلك. المفاتيح فورا وإلا رميت أسمالك إلى الرصيف!"
سحب الكبش المفاتيح ووضعها على الطاولة بيدين ترتجفان، مفاتيح البيت والسيارة التي يتباهى بها و ينقل بها العصابة، أطرق رأسه ممسكا بفنجان القهوة الفارغ، بينما كان أتباع الشبكة المتبقون يتبادلون عليه نظرات السخرية.
في الناحية الهادئة من الحي الإداري، حيث ترتفع أسوار "دار المسنين ورعاية الفئات الهامشية"، كان الهدوء المعتاد يتقاطع مع أنين المنهكين وخطوات الممرضين البطيئة.
في مكتبها البسيط والمحاط بملفات الرعاية الاجتماعية، كانت "حكيمة" تطالع بقلق التقارير المالية الخاصة بحصص التغذية ودواء نزلاء الدار. انفتح الباب فجأة دون استئذان، ودخل "راعي الدودة الجديدة" يتبعه "المنكوليان" حاملين هاتفا يظهر واجهة منصتهم الرقمية.
دفع راعي الدودة الجديدة حاسوبه المحمول نحو مكتبها، وقال بنبرة ابتزازية صريحة:
-أهلا بك يا سيدة حكيمة... وصلنا تقرير مفصل يتحدث عن اختلالات في مالية المؤسسة. المقال جاهز، والنشر سيكون خلال ساعات على صفحاتنا التي يتابعها آلاف المواطنين... إلا إذا عدلت رأيك بشأن أدخال عمتي إلى الدار."
رفعت حكيمة رأسها بثبات، ونظرت إليهما بعينين لا تعرفان الخوف، ثم ردت بصوت صارم هز أركان الغرفة:
-لا أخضع للابتزاز، والمؤسسة تدار بشفافية تامة وتحت رقابة الدولة. أخرجوا سمومكم وبطاقاتكم المزورة بعيدا عن كبار السن الذين لا يملكون سوى هذا السقف ليستريحوا فيه...
انسحب راعي الدودة الجديدة يسب ويلعن، مهددا بإطلاق كتائب التشهير حول أسوار الدار لتنفير المحسنين والمسؤولين. في تلك الليلة بالذات، وبينما كانت صفحات التشهير تنشر أولى شائعاتها ضد "حكيمة"، كان "أمير الدبابير" يتابع الصفحات الرقمية من منزل للعائلة. تنبه فورا للهدف الجديد؛ فلم يكن ليسمح لشبكة الابتزاز بمساس أضعف فئات المجتمع.
تواصل أمير الدبابير مع "حكيمة" عبر الهاتف النقال، ونسق معها خطة التوثيق الاستقصائي: زودها بوثائق تفيد بأن راعي الدودة الجديدة لا يتوفر على أية قانونية لإدارة جريدة إلكترونية وأنه ينتحل صفة قانونية، لتسليمها دفعة واحدة للنيابة العامة حين تدق ساعة الحساب. ومنذ تلك الليلة، أصبحت "حكيمة" شريكة خفية في بناء الملف القانوني، تنتظر اللحظة المناسبة لشهادة الحق.

وسط الصراخ ورائحة المعقمات النفاذة في ممر المستشفى الإقليمي، كان "المنكوليان" يقف بجانب مكتب المواعيد الطبية، ممسكا بملف ورقي يستثير انتباه ذوي المرضى المنهكين. اقترب منه رجل عجوز يرتدي جلبابا صوفيا، مستعطفا إياه لتسريع موعد فحص ابنته. أخذ المنكوليان منه ورقة نقدية مطوية ودسها في جيبه بسرية.
تقدم شريكه الملقب بـالمرحوم لبرود ملامحه وهيئته الشاحبة معلقا على صدره بطاقة كربونية كتب عليها "مراسل صحفي"، محاولا إرهاب إدارة المستشفى بصفحة تشهير وهمية، ليغطي على سمسرة صديقه. تقدم أحد النشطاء الحقوقيين في المنطقة وواجههما:
-أنت تستغل صفحة تشهير أطلقها الطفيلي راعي الدودة لابتزاز المرضى؟ نهايتكم تقترب وساعة الحساب حانت!"
تجمهر المواطنون في الممر، وتسمرت أقدام المنكوليان والمرحوم في الأرض. شحبت وجوههما، وتساقطت البطاقة المزورة من يد المرحوم لتطأها أقدام المارين، كاشفة عن الهشاشة الحقيقية لإمبراطورية أقيمت على عرق البؤساء والتشهير بلا شرف.

في قاعة الانتظار الباردة ذات النوافذ الحديدية المرتفعة المقابلة لغرفة التحقيق القضائي، جف الريق في الحلوق. كان خربوش الكسال ينكمش في كرسيه البلاستيكي، يضم ملفاته الوردية الذابلة إلى صدره كطفل خائف، بينما كان كريم "الكاطوز" ينقر بقدمه على الأرض بنزق أطفأه الذهول.
التفت خربوش فجأة نحو راعي الدودة الجديدة الجالس في الزاوية، وعيناه ممتلئتان بدموع الجهل والانكسار:
-أنت لم تصنع منا صحفيين كما وعدتنا... أنت استغللت جوعنا وحاجتنا لنكون حجارة ترميها في معاركك! أمرتنا بالسب والتشهير بأمير الدبابير والمسئولين، وحين حمي الوطيس وتركتنا نكتوي بالنار، أين الملايين التي قبضتها باسم المنصة والموقع المشبوه...؟"
لم يرد راعي الدودة الجديدة؛ أطرق رأسه بين كفيه وغرق في صمت مريب. فتح حارس القاعة الباب و نادى على الاسم الأول. نهض خربوش الكسال يجر قدميه بتثاقل، مدركا أن المنظومة الإجرامية التي اقتات على التشهير قد ألقته في الممر وحيدا ليواجه القانون.
في منتصف الظهيرة، على مائدة مكسورة داخل دكان مقفر، وضع "راعي الدودة الجديدة" صحنا بلاستيكيا يحمل بقايا شواء رخيص، يحيط به ثلاثة من أتباعه. لم يكن هناك حديث عن التشهير أو المقالات؛ كانت الأيدي الملوثة تعبث بالفتات بشراهة متوترة.
مر موظف كبير من الإدارة الترابية بجانب الباب المفتوح. في لحظة واحدة، ارتفعت الرؤوس الثلاثة ورسمت على الوجوه ابتسامات عريضة ومفتعلة، وانحنت الأجساد بتحية مبالغ فيها. وما إن تجاوز الموظف الزقاق، حتى انخفضت الرؤوس مجددا.
سحب راعي الدودة الجديدة ورقة نقدية مطوية من جيبه وضغط بها على الطاولة:
-هذه لسداد ثمن سجائركم... أريد منكم غدا أن تطلقوا منشورات جديدة تدعي أن أمير الدبابير يعمل لصالح أجندات مشبوهة."
مسح الأتباع أيديهم، ودسوا الأوراق النقدية في جيوبهم دون أن ينظر أحدهم في عين سيده، متطلعين نحو زاوية الشارع بحثا عن وجه جديد يحمل حقيبة أو يملك نفوذا يضمن بقاء الوجبة القادمة.
داخل معمل لتربية الدواجن تفوح منه رائحة الروث، كان جهاز الحاسوب القديم يصدر طنينا متواصلا، وقف "راعي الدودة الجديدة" خلف ظهر فتى صغير يضرب على لوحة المفاتيح، يملي عليه من ورقة مجعدة قائمة بأسماء رجال أعمال ومسؤولين نافذين لتلميع صورهم بعد أن جفت منابع الابتزاز.
– "اكتب: يشيد الرأي العام بالإنجازات التاريخية التي يقودها العامل ومدير الديوان... "
توقف الفتى عن الضرب، ونظر إليه مستغربا:
• "هذا المسؤول نفسه الذي أمرتني الأسبوع الماضي بنشر مقال تشهير ضد عجزه عن تفعيل مشاريع التنمية!"
سحب راعي الدودة الجديدة ظرفا نقديا ودفع منه بضع دراهم للفتى:
-اكتب ما أقوله لك واصمت... الأسبوع الماضي كان يرفض استقبالنا، واليوم وصل الظرف! امسح كلمة تجاوزات وضع مكانها عطاء غير محدود ."
طبعت الصفحة الرقمية على عجل، وأرسل رابطها المباشر إلى هاتف المسؤول. لكن الشمس لم تشرق صبيحة اليوم التالي حتى كان قرار حجب النطاق الصادر من السلطات القضائية قد نفذ، لتتطاير البطاقات الصفراء المطبوعة على أرصفة المحاكم.
تجسدت وقاحة الشبكة في أبشع صورها خلال وليمة افتتاحية أقامها أحد المستثمرين بالمدينة. تدافع "مول البصلة" و"كريم الكاطوز" نحو موائد الطعام كشجار الجراد؛ امتدت أيديهم بشراهة لتعبئة الأكياس البلاستيكية بالحلويات قبل أن تنالها أيدي الضيوف.
في زاوية السوق القديم، كان "مول البصلة" يتربع على كرسي بلاستيكي مكسور، يمسك بمخلاة من الوشايات، يهدد هذا بدكان غير مرخص وذاك بصفحة تشهير، ليقبض إتاوته اليومية.
وفي الليالي المظلمة، كان "كريم الكاطوز" يمارس بلطجته برداء الصحافة المزيفة. خلف القاعة الترابية للمهرجان المحلي، اعترض طريق مغن شعبي بسيط، ومسكه من ياقة قميصه مستلا سكينا حادا:
- نحن نتطوع لحراسة الفراغ وندافع عن تواجدكم ! إما أن تدفع حق التدخل لدى الجهات المنظمة أو يلغى اسمك من السهرة.
ارتجف المغني وأخرج ما في جيبه. لكن الكاطوز، الذي ظن أن السلاح والبطاقة المفتعلة يمنحانه نفوذا دائما، شحب وجهه حين علم في اليوم التالي أن السلوك الإجرامي تم فضحه من طرف أمير الدبابير وأصبح حديث المقاهي والشوارع والأزقة.
تحت شمس تموز الساطعة التي كانت تتكسر على الواجهات الزجاجية للملعب المعشوشب، كان "محمد الهادي" يجلس في شرفة النادي الهادئة، يقلب أوراقا مكتوبة بخط يدوي متزن، ويتأمل احتراق فتيل سيجارته الناعمة.
انفتح الباب الزجاجي. دخل "راعي الدودة" يتبعه اثنان من أتباعه بخطوات غير متناسقة؛ كانوا يلقون بأبصارهم حول المكان كمن يتوقع فخا. في الجهة المقابلة، خطى "أمير الدبابير" بهدوء، واضعا حقيبته الجلدية على طرف الطاولة، دون أن تتغير ملامح وجهه الباردة.
ساد الصمت. كان صوت ملاعق التحريك في أواني الخزف في الطاولات المجاورة هو الوحيد الذي يكسر ثقل اللحظة.
رفع محمد الهادي بصره بنظارة قراءة تدلت على أنفه. لم يصرخ ولم يلق خطبة، بل اكتفى بمسح جبهته بمنشفة صغيرة، ثم قال بنبرة خفيضة ومتقطعة وهو ينظر نحو بقعة الشمس على الطاولة:
-الملاعب الواسعة تجعل المرء يظن أن المساحة ملكه... لكن خطوط التماس موجودة دائما، سواء رأيناها أم تغاضينا عنها."
التفت نحو "راعي الدودة"، ثم وضع القلم الجاف فوق الأوراق بنقرة خفيفة أصدرت صوتا حاسما:
-الأوراق التي حملت بأكثر مما تحتمل، تتفتت عند أول هبة ريح. والذين يعتقدون أن الغبار يغطي حواف الهاوية... عادة ما يكونون أول الساقطين فيها."
أطرق راعي الدودة رأسه، يحاول سحب سيجارة بجمود، بينما ظل أتباعه ينظرون إلى أسفل الطاولة الخشبية.
لم يتدخل "أمير الدبابير" بالحوار المقتضب والعابر للوقت، اكتفى بسحب دفتره الصغير، وتسجيل تاريخ اليوم في أعلى الصفحة، بينما كان محمد الهادي يرتشف جرعة أخيرة من فنجانه، ويشير إلى صاحب مقهى متنقلة في سلة تحتها مجمر طيني ملتهب بيده أن يجمع الفواتير.
تداعت الصفحات الرقمية المجهولة في حملة احتضار أسبوعية لتشويه سمعة "أمير الدبابير" قبل ساعات من نشر الفصول الحاسمة. غير أن أمير الدبابير لم يتأثر بضجيج المواقع؛ بل حفظ رسائل التهديد والسب كصور شاشة أدرجها مباشرة في هامش التحقيق الاستقصائي القادم.
في المقابل، وفي زاوية معتمة من مقاهي الهامش، كانت جبهة الفساد تلتهم نفسها؛ التقى "خربوش الكسال" بـ "فؤاد الكبش" و"المنكوليان" حول طاولة واحدة. لم تكن هناك خطة مواجهة، بل تبادل للاتهامات والطعنات الخفية.
أخرج خربوش الكسال ملفا ورديا وهدد بتقديمه للنيابة العامة لإثبات أنه كان مجرد "أداة تنفيذ" أمره راعي الدودة الجديدة بالتشهير، بينما سارع المنكوليان لجمع متعلقاته والتفتيش عن مخبأ جديد، ليتهاوى الصرح المزعوم من الداخل قبل أن تصل إليه مطرقة القضاء.
كان سقف المكتب الترابي واطئا. أغلق "رجل السلطة الخفي" الباب باحتراس، وأدار المفتاح مرتين. راح يقلب الملفات الورقية ببطء، وكأنما يبحث عن لغم أرضي موقوت. رجل لم ترهبه العواصف يوما؛ اعتاد أن يحرك قطع الشطرنج الإقليمية بلا مبالاة، وأن يمد ظله ليحمي من يشاء.
الذعر الشديد بدأ يتسلل إليه من شاشة هاتف محمول صغيرة؛ حيث ظهر مقال مباغت كتب بجرأة وثبات بيد أمير الدبابير.
توقف عند صورة تقرير توثيقي يضم تسريبا رسميا يحمل توقيعه على بند دعم "المنصة الرقمية" التي استخدمت في الابتزاز والتشهير. مسح قطرات العرق الخفية عن جبينه، ومسك الهاتف بيد ترتجف ليلغي رقم "راعي الدودة الجديدة" نهائيا من قائمة اتصالاته، مدركا أن الأدوات الطفيلية والتحريض الإجرامي الذي غض الطرف عنه قد تحول إلى حبل يلتف حول عنقه هو شخصيا.
استفاقت المدينة برمتها على وقع الطوفان الأخير. تحول استصدار قرارات النيابة العامة وتدفق المفتشين والأجهزة الأمنية إلى ملحمة كبرى عرت زيف المنظومة.
أمام الأدلة الدامغة والتحقيقات التي قادها أمير الدبابير، انفرط عقد الجوقة؛ فتوارى خربوش الكسال بأميته، واختفى الكبش والمنكوليان في جحور الهلع، بينما تهاوى "راعي الدودة الجديدة" بعد أن أغلقت في وجهه أبواب المقرات الإقليمية، وحاصرته الأسئلة حول أموال المشروع الملكي التي استفاد منها وحجبت منصاته وتفككت كتائب تشهيره.
استدار الزمن دورته الكاملة على عتبة المقهى القديم حيث جلس "أمير الدبابير" بهدوء.
تقدم راعي الدودة الجديدة بخطوات ثقيلة، يرتدي معطفا متهالكا فقد بريقه المفتعل. توقف أمام طاولة أمير الدبابير، وأطلق العنان لتباك مرير وهو يفرك يديه بانكسار: – "أنا... أستحلفك بكرامة المهنة... ارحم ما بقي مني! لقد استغلت وجرف القوم بي..."
لم ينطق أمير الدبابير بحرف واحد. اكتفى بأن رفع بصره بهدوء عميق، واستقر بعينين صافيتين وصلبتين في عمق ذلك الانكسار. لم يكن في عينيه تشف ولا انتقام، بل إيمان رجل أدى رسالته لحماية مجتمعه ومهنته.
أشاح بظهره وأعاد بصره نحو فنجان قهوته، مستمعا إلى صوت سيارة الشرطة وهي تتوقف عند رأس الشارع لتقتاد المحرض الأول إلى مقصلة القانون.

خبا صخب الطوفان، وركدت مياه المحاكم، وخلت أروقة الهامش من ضجيج المرتزقة وكتائب التشهير. بدا وكأن المدينة قد استردت عافيتها بالكامل، لكن "أمير الدبابير" كان يعلم أن النضال لحماية الحقل الإعلامي عمل مستمر.
وقف على عتبة المقهى القديم في ليلة خريفية ساكنة، يراقب الأفق البعيد ورائحة المطر الوشيك تملأ الفضاء.
على بعد خطوات قليلة منه، في زاوية معتمة من الشارع، كان هناك ظل خفي يحرك هاتفه الرخيص في صمت تام، يقلب واجهة موقع وليد، وينظر بريبة يملؤها الجوع القديم بحثا عن كفيل جديد.
لم ينظر الظل إلى أمير الدبابير، ولم يلتفت الدبور إليه؛ اكتفى أمير الدبابير بإغلاق دفتر ملاحظاته الجلدي بصوت ناعم، ووضع يده في جيب معطفه، مستندا إلى الجدار بوقفة تأملية هادئة.
كان يدرك أن المعركة لم تكن مع وجه بعينه كـ "راعي الدودة الجديدة"، بل مع هشاشة البشر وحاجة العتمة الدائمة لمن يغازل ظلالها، وأن حراسة الكلمة الحرة واجب لا يتوقف.
امتصت قاعة المحكمة الكبرى أنفاس الحاضرين. خافتا كان الهمس المتداول بين المقاعد الممتلئة، بينما كان قفص الاتهام يضم أجسادا انكمشت على نفسها في طابور رمادي.
ارتفع صوت المطرقة. ساد صمت مطبق مع اعتلاء هيئة الحكم المنصة. نادى الحارس على حكيمة رئيسة دار العجزة التي ظلت واقفة أمام باب القاعة الكبيرة الغاصة بالمتقاضين وعدم وجود مكان فارغ.
تقدمت "حكيمة" بخطوات منتظمة. لم تكن تحمل شعارات، بل حافظة ملفات سوداء صلبة ذات زوايا معدنية.
حين أومأ لها رئيس الجلسة بالتقدم، لم ترفع صوتها ولم تستخدم كلمات عاطفية. وضعت الحافظة على المنصة المخصصة، وقالت بنبرة خالية من أي انفعال: – "سيدي الرئيس... هذه أرقام وسجلات الدخول اليومية لمؤسسة الرعاية، مرفقة بتفريغ نصي ومصادق عليه للمقالات التشهيرية والتهم الجاهزة."
فتحت الملف، ومررت بضعة أوراق نحو كاتب ضبط الجلسة، ثم أضافت وهي تنظر بجمود نحو سقف القاعة المرتفع: "الوثائق المرفقة توضح المقابل الذي طلب المتهم ومن معه لإيقاف المنشورات الرقمية، والتواريخ المحددة التي تعاقبت فيها حملات التشهير عقب كل رفض الاستجابة للمساومات."
التفتت بنظرة خاطفة وسريعة نحو قفص الاتهام، نظرة لم تكن تحمل غضبا بل مسافة فاصلة ومطلقة، ثم أردفت بصوت أقوى: – "السجلات المالية الرسمية للمؤسسة خضعت للتدقيق المالي، والتقرير المرفق يحمل توقيع المفتشية الإقليمية."
عادت إلى الخلف بخطوتين متزنتين، ملتزمة الصمت لكن مرفوعة الرأس. لم تكن هناك حاجة للمزيد من الكلمات؛ فالأرقام والتواريخ والأختام الرسمية المتروسة على الورق كانت تتحدث بلغة لا تقبل التأويل.
ارتفعت مطرقة القاضي لتسقط على الخشب بنقرة واحدة حاسمة، أعلنت بداية النهاية.
خارج البناية العتيقة التي يتدفق من جوفها نمل بشري، تحت شمس الظهيرة، كان "أمير الدبابير" يغلق سحاب حقيبته الثقيلة. لم يلتفت نحو العيون التي تلاحقه والوجوه المبتسمة، بل واصل سيره بخطوات متزنة نحو الزقاق المؤدي إلى المحطة، تاركا للشارع أن يستوعب أثر الصدمة بطريقته الخاصة.



#الحسان_عشاق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- دبيب النمل ووهج الصيف الحارق
- أنفاس الياسمين المتمردة
- حين تشترى الأصوات وتفقد الأوطان
- من وهج الشاشة الى مداد القلم
- عَبرات فوق قبر أمي
- المكي بولهموز يطارد السراب
- زوجة على وشك السقوط
- حارسة المرمى وحارسة الذاكرة
- سمفونية الفناء: ترنيمة السقوط الأخير
- ابن تاشفين تراتيل الذاكرة ومقبرة الحنين
- ارتجاف المطرقة في فراغ الروح
- ضفائر الطين وكحل الغياب
- الدكتور ضريسة: ارشيف الدموع المكتومة
- سكاكين في ميزان الضمير
- خوارزمية الجشع في سيرة معلم
- البغلماني طيف غريب في معبد السلطة
- مجنون طائر الحسون
- عرش من زجاج تحت أقدام الظل
- أرواح في مهب الحياد
- في قوقعة الصمت يطبخ الثأر


المزيد.....




- وزيرة الثقافة الروسية: أكثر من 60 دولة تشارك في -ليلة السينم ...
- متحف الدفاع عن سيفاستوبول يتلقى نحو 200 قطعة أثرية جديدة
- بعد ترميم دام عامين ونصف.. إعادة افتتاح كنيسة الصعود التاريخ ...
- -بوكر- 2026: القائمة الطويلة تضم فائزين سابقين وثلاثة روائيي ...
- قصر كاترين يفتتح أبوابه مجانا لحاملات اسمي -كاترين- و-إليزاب ...
- الألعاب النارية تلتهم موقع تصوير فيلم في منطقة تفير الروسية ...
- لجنة الفنون الجميلة الأمريكية تخطط لحفلات مشتركة تضم موسيقيي ...
- -من أجل فراشة-.. فيلم كرتوني صامت عن -خط الموت الأصفر- ومعان ...
- سوريا تودع شيخ النحاة وأستاذ الأجيال.. من هو الأديب مازن الم ...
- أسطورة -الحشاشين- الإيرانية.. قصة قلعة -ألموت- التي ضمتها ال ...


المزيد.....

- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الحسان عشاق - أمير الدبابير وراعي الدودة