أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الحسان عشاق - دبيب النمل ووهج الصيف الحارق















المزيد.....



دبيب النمل ووهج الصيف الحارق


الحسان عشاق
روائي وكاتب صحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8778 - 2026 / 7 / 26 - 20:09
المحور: الادب والفن
    


ذلك الصباح، لم تكن الشمس تشرق في عيني هيفاء؛ كانت تنسكب كحمم سائلة تذيب أسفلت المدينة الشاطئية ببطء وتثاقل يشبه دبيب النمل. كانت تقطع الشارع المفضي إلى ثانوية الباكالوريا كمن تخوض في مستنقع من الزئبق الساخن، وجسدها يفيض بالحياة حتى أمس القريب، فإذا به اليوم ينفجر بإشارات إنذار صامتة: ثقل رصاصي يجر الساقين، وموجة غثيان باردة تصعد من قاع المعدة لتستقر في الحلق، وسط هواء مشبع بالرطوبة كأن أحدهم يعصر غلالة رطبة مباشرة في رئتيها.

-هيكلي العظمي يتداعى من الداخل

هكذا حدثت نفسها وهي تكابد خطواتها الأخيرة نحو السور الإسمنتي الخشن. كانت تراه تضيق تدريجيا، متموجا ببقع ضبابية متراقصة، بينما تحولت أصوات المارة وأبواق السيارات إلى طنين حديدي ثقيل ومبهم يقرع رأسها. أسندت راحة كفها العرقانة على الجدار الساخن، تكابد لتحبس أنفاسها المتهدجة التي تكاد تخنق صدرها، قبل أن تلمح وجه صديقتها المقربة يلوح من بعيد كطيف قلق يخترق الضباب:
• هيفاء... وجهك أبيض كالصفحة، وعيناك...
لم تنه عبارتها. في تلك اللحظة، خانتها ركبتاها تماما، وانزلقت نحو الأرض في بطء مرعب، تماما كشمعة تذوب تحت لهيب قاس، لولا ذراع أستاذة الفرنسية وبعض التلاميذ التي حالت بينها وبين السقوط الكامل على الإسفلت. على السير المعقم داخل المركز الطبي القريب، كانت تتابع بهشاشة مطبقة حركة الطبيب وهو يضبط سماعته بدقة متأنية. وجه إليها أسئلة مقتضبة وحادة حول جدول نومها وتناوب وجباتها، قبل أن يعتدل في جلسته ويستقر بنظراته المتزنة عليها:
• جسدك لم يخنك يا بنيتي، كان يصرخ لكي تسمعيه بعد أن أغلقتِ أذنيك عن كل تحذيراته. الإرهاق العصبي، السهر الطويل، وإهمال التغذية، أدت كلها إلى هبوط حاد في ضغط الدم.
غادرت المركز الصحي مستندة إلى ذراع والدتها، وفي عينيها نظرة عميقة وباردة. أيقنت حينها أن معركتها الكبرى لم تكن لتنتهي بين دفتي الكتب، إنما بدأت أولا في تلك القدرة المرعبة على الإنصات لنداء الجسد المنهك، قبل أن ينطفئ النور تماما.
كان الانعكاس على زجاج النافذة المعتم يفزعـه أكثر من أي شيء آخر. في النهار، يرتدي مئزره الأبيض بعناية، مبتسما للممرضات بخضوع مزيف يمنحه ستارا من الطمأنينة المزيفة؛ لكنه في عتمة الليل، وتحت تأثير العقاقير المسروقة التي كان يتجرعها خلسة، يتحول إلى كائن ينهشه الذعر من الداخل. يداه، اللتان اعتادتا قياس الضغط وإعطاء الحقن، باتتا ترتجفان رغما عنه كلما تذكر صدى خطواته في الممر. كان يصارع صوتا خفيا في قاع عقله يصرخ به بلا توقف:
-إلى متى ستختبئ خلف هذا القناع..؟ الحبل يلتف حول عنقك
يقمع الهلع النابت في الشرايين بجرعة إضافية من حبوب التخدير، مقنعا نفسه بأنه أذكى من أن يكشف، غير مدرك أن أطياف الضحايا القديمات تحولت إلى عيون خفية تحدق به من بين طيات الأضابير، لتتركه معلقا بين جنون الإدمان ووحشة الوعي المتآكل.
لم يكن ما عاشته مجرد إغماءة عابرة سجلت في دفاتر المناوبة، انما شعورا ثقيلا تسرب إلى روحها مع تمام الساعة الحادية عشرة والنصف. في ذلك التوقيت، وحين كانت أشعة الشمس الحارقة تتسلل عبر نوافذ الممر الأبيض نحو عينيها، شعرت أن المكان بات يحمل ثقلا غريبا، كأن توقيت الواقعة قد ترك بصمته الصامتة على هواء الممر الذي تستنشقه بصعوبة. كانت الغرفة رقم أربعة عشر ببابها الموارب تبدو لها من سريرها وكأنها تنبض برعب خفي. الهواء داخلها بدا باردا بشكل مريب يناقض قيظ الصيف في الخارج، وكأن زفيرا بطيئا يعيد تكرار نفسه مع كل حركة لعقارب الساعة المعلقة على الجدار. الملاءات البيضاء المشدودة بعناية فائقة، والخالية من أي تجعد، تثير في نفسها حذرا مبطنا، وكأن الأثر الذي خلفته قبل اقتيادها ما زال يفرض صمته على الزوايا. والنافذة المفتوحة بنصفها كانت تنفث أنفاسا محملة بوهج الظهيرة، ممزوجة برائحة عطر خفيف يشبه زهور الياسمين التي لم تنبت قط في باحة المستشفى القاحلة. في منتصف الممر المؤدي إلى غرفة الفحص حيث كانت تستعيد أنفاسها، كانت تتابع بعينين زائغتين حركة الطبيب الشاب ممسك بتقريرها الطبي، يقلب أوراقه بصمت مطبق، محاولا ترتيب الأحداث المتسارعة التي تفككت فجأة وسط زحام الطوارئ، بينما كانت أقدام الموظفين تخفت في زوايا الظل خلف أسئلة معلقة لم تجد هي نفسها من يفك شيفرتها.

لم يكن البوعزاوي، ذلك الظل المائل الذي يعبر أروقة المستشفى العتيق، قد هبط من فراغ. فوراء مئزره الأبيض القديم ونظراته المطفأة، حكاية طويلة لرجل تآكلت روحه ببطء بين أزقة الإدمان ودروب الوظيفة المنهكة. بدأت حكايته قبل سنوات طويلة ممرضا رسميا في أقسام المستوصفات المتهالكة، حيث قضى طويلا يقيس الضغط ويعطي الحقن. لكن طيبة العابرين لا تحصن النفوس الهشة من السقوط، فضغط العمل وشقاء الحياة أوقعاه في فخ الإدمان على العقاقير المهدئة. شيئا فشيئا، تحولت السموم إلى سيد مطاع، لتصنع منه إنسانا بملامح مزدوجة، شخصية النهار الهادئة والخدومة، وشخصية الليل المظلمة والمتوحشة تحت تأثير الممنوعات، والتي خلفت وراءها زيجات متتالية انتهت بطلان سريع وهروب جماعي للزوجات إثر نوبات عنف واعتداء متكررة والشك في عدم الإخلاص.
داخل أسوار المستشفى الحالي، فقد تحول سجله الوظيفي تدريجيا إلى سجل مظلم ، تورط في عدة شكايات رسمية تقدمت بها مريضات يتهمونه فيها بالتحرش والاستغلال في لحظات ضعفهن المرضي. وأمام كثرة البلاغات، عمدت الإدارة إلى حلها بـالترقيع الإداري، فرفعت عنه مهام التمريض المباشر وأحالته إلى الإدارة لتكليفه بمهام مكتبية هامشية وترتيب الأضابير، معتقدة أنها أبعدته عن دائرة الخطر.
لكن البوعزاوي، بحكم سنوات خبرته الطويلة ومعرفته العميقة بأسرار المرفق، لم ينقطع تماما عن الأقسام الطبية ظل وبشكل دوري، يقدم يد المساعدة للأطقم الطبية والممرضين في أوقات الضغط والنوبات الليلية الشاقة، مساهما في جلب المستلزمات أو ترتيب الأدوات. وبمرور الوقت، اعتاد عليه الجميع وألفوا وجوده، لا سيما أنه لم يكن يظهر أمامهم أي سلوك منحرف أو مريب، بدا كزميل قديم ومسالم أفنى عمره في الخدمة الصامتة، قناع خادع جعله يختبئ في البسيط والمرئي، ليتحول في رابعة النهار إلى ظل يعبث بأرواح الأبرياء دون أن يثير أدنى شك.
في ذلك المستودع المتاخم، وخلف الخزان الحديدي الثقيل الذي حفظ أسراره المظلمة، كان البوعزاوي يضغط بقبضته العرقانة على صرة المفاتيح القديمة كأنها طوق نجاة أخير. كانت أصداء أقدام المحققين في الخارج تضرب صدره كالمطارق الثقيلة، وتسقط قطرات العرق الباردة لتخط خريطة الخذلان على جبينه. أغمض عينيه لعقود محاولا الهروب، لكن صوت أنفاس هيفاء المتقطعة خلف الباب المغلق بدأ يخترق جدران صمته كصفارات إنذار لا توقفها حبوب ولا أردية بيضاء. أين يهرب...؟ كل زاوية في المرفق باتت تحكي قصته وتلف حبل المشنقة حول روحه. وحين انزلق صوت العميد من الخارج ببرود حاسم يأمر بخلع الخزان، انقطع أكسجين العالم في صدره، وشعر للمرة الأولى أن قدميه تغوصان حقا في رمال متحركة من صنعه وحده.
في خضم تلك البرودة المريبة التي تتسرب من الغرفة رقم أربعة عشر، لم يكن المستشفى العتيق سوى مسرح لعزف منفرد على أوتار الخوف. كان البوعزاوي يتحرك بخطوات لزجة، دافعا عربته الطبية ببطء يثير الريبة لمن يمعن النظر، لكنه في روتين المكان كان مجرد ظل عابر لا يلفت انتباه أحد. وزرته البيضاء لم تكن سوى كفن لتواريخ من السقوط والشكاوى المكبوتة، أما يده الغارقة في جيب مئزره فلم تكن ترتاح إلا وتتحسس ثقل صرة مفاتيح قديمة، تلك النسخ المسروقة التي تلصص على سحبها من صيدلية المستشفى ليغطي بها عتمة وعيه المأزوم بأقراص التخدير.
توقف قرب الاستقبال، ووجه عينيه المطفأتين نحو قاعة الانتظار. هناك، كانت أصداء اللغط القادم من زميلات هيفاء تتقاطع مع رنين الهواتف وأنين المرضى. ألقى نظرة ماكرة نحو الباب السري الخفي خلف الخزان الحديدي، وابتسم ببرود سميك، مدركا أن الفوضى العارمة في الخارج درعه الأمثل لتمرير جريمته في رابعة النهار. لم يكن يدري أن جدران المكان نفسه بدأت تحفظ أثره، وأن كل خطوة يخطوها تسجل ببطء على شاشات المراقبة كإحداثيات تقوده نحو حبل المشنقة.
لم يكن الخروج من المستشفى يعني العودة إلى الحياة، كان بداية حرب صامتة أمام المرآة. في غرفتها الجديدة المطلة على الأفق الشاطئي الهادئ، كانت هيفاء تجلس ساعات طويلة تحدث انعكاسها المرتجف. أصابعها تتحسس ببطء ندوبا لا يراها الآخرون، تلك الندوب التي خلفتها ليلة المعتمات في الغرفة رقم أربعة عشر. كل صوت باب يغلق بعنف، وكل وميض ضوء مفاجئ، يعيدها ببرق الخيال إلى نقطة الصفر، حيث تعود رائحة المعقمات لتخنق رئتيها. لكنها وسط تلك الكوابيس التي تداهمها مع منتصف الليل، لم تكن تبكي، تعض على شفتيها بإصرار خفي، مدركة أن ترميم الروح المكسورة يحتاج إلى صبر مرير، وأنها إن لم تسترد صوتها المسلوب اليوم، فستبقى أسيرة للظل إلى الأبد.
بعد مرور عشرين دقيقة ثقيلة كعمر بأكمله، بدأ القلق يتسلل رويدا رويدا إلى قلوب زميلات الفصول الدراسية وبنات الحي، متخذا شكل نبضات متسارعة تحت الوزر المدرسية الوردية. في قاعة الانتظار التي تشبه سوقا صاخبة تعج بالفوضى والوجوه المتعبة، امتزج صراخ الأطفال المارين بأنين المرضى ورنين الهواتف وصوت المذياع الباهت، ليخلق ذلك الضجيج المطبق الذي يمزق الأعصاب. وسط الازدحام الخانق والزحام البشري المكدس على الكراسي البلاستيكية المهترئة، تحولت دقائق الانتظار إلى كابوس صامت، فكلما مر وجه غريب، ظنن أنها زميلتهن، وكلما خفتت زوبعة الصخب، سمعن صدى الفراغ يتردد في أذنهن. تجرأن أخيرا واقتربن بخطوات مرتجفة من مكتب الاستقبال، الموظفة الغارقة بين أوراقها ذات الوجه الأكثر تبرجا ترفضهن بإجابة باردة ومقتضبة أنها لا تعلم سوى أن هيفاء جلست في نوبتها لانتظار الطبيب، مضيفة أنها قد تكون انتقلت لإجراء فحوصات إضافية في إحدى الغرف الداخلية دون تدوين دقيق لتوقيت تنقلاتها بحكم ضغط العمل. تعاظم التوتر وتضاعفت الفوضى داخل صدورهن وهن يلحظن كيف يبتلع الازدحام كل تفصيلة صغيرة، وكيف تتحول أصوات المارة أشبه بطنين نحل غاضب يعزلهن عن العالم. ولم تجد التلميذات وسط الركام من العجز سوى قرار الاتصال بوالدة هيفاء على عجل. حضرت الأم بعد ساعة من القلق المفجع، مخترقة جدار الزحام والضوضاء، حاملة في خطواتها المرتجفة نذير شؤم يوشك أن يزلزل المكان. وما إن رأت زميلات ابنتها حتى اشتعلت صرخات الغضب متهمة الإدارة بالاستهتار التام وعدم الانضباط في تسجيل حركة دخول وخروج المرضى. وتحت وطأة الضجيج المطبق والاتهامات المتبادلة التي هزت أركان المرفق الصحي، خرج مدير المستشفى من مكتبه على عجالة مستفسرا عن سبب الفوضى العارمة. وحين أدرك أن التلميذة قد اختفت تماما من أروقة الفحص الداخلي دون أثر واضح، استنفر حراس الأمن الخاص وباقي الإداريين للبدء في حملة تمشيط واسعة لكل زاوية من زوايا المستشفى. وحين اشتد صراع الأصوات وتضاعف الهلع بين الجموع المحتشدة، ظهر البوعزاوي فجأة وسط الحشود بكل برود أعصاب وخبث متناه، وبدأ يسأل عن السبب وكأن شيئا لم يكن، مخفيا خلف قناعه المزيف كل معالم جريمته النكراء التي ارتكبها قبل أن يعود للاندماج في محيط العمل. أشعل سيجارة ببطء مستفز، وراح يراقب الوضع من بعيد بنظرات باردة تخفي خلفها رجفة الخوف المتسرب إلى أطرافه مع تصاعد وتيرة البحث. وحين حضرت دورية الشرطة بعد بلاغ رسمي استدعى تدخلا عاجلا، ومزقت أضواء سيارتها الحمراء والزرقاء عتمة المكان، أدرك أن الخناق بدأ يضيق. تسلل في حذر كالظل من الباب الخلفي للمستشفى، وتوجه بخطوات سريعة نحو سيارته المتهالكة المركونة في الزاوية المنسية، منطلقا بها ليغوص في زحمة الشارع مخلفا وراءه عاصفة من الدخان المر، وعاصفة من الشكوك، وأروقة مشتعلة بالصراخ، وأما تقف على حافة الانهيار تبحث عن طفلتها في مهب الريح.
طوق رجال الأمن المرفق الصحي بإحكام، ومنعوا أي دخول أو خروج، فقد أدرك الجميع أن المسألة لم تعد تتعلق باختفاء عادي، وراء الغياب لغز غامض يجب فك شيفرته، والوقت في هذه الحالات الباكرة ثمين جدا ولا يحتمل أي تأخير. بدأت الفرق الأمنية فورا في استقراء كاميرات المراقبة بدقة متناهية، فأظهرت اللقطات هيفاء عثماني وسط زميلاتها التلميذات، وبعد انتظار قصير، شوهدت تتوجه مباشرة بخطوات بريئة نحو مكتب مجاور، لكن زاوية الكاميرا لم ترصد تلك المنطقة المعتمة والغامضة التي ابتلعت تفاصيل أثرها. وفي خضم تفحص المقاطع، توقفت الأنظار بصدمة أمام مشاهد أخرى، ظهر البوعزاوي يتحرك بحرية مطلقة داخل أروقة المستشفى، مرتديا مئزرا أبيضا ناصعا ومعلقا مجسا طبيا وراء العنق ليتدلى على الصدر، في خداع بصري متقن. وحين سارع المحققون إلى استفسار مدير المستشفى عن هوية الشخص ودوره الحقيقي، جاء الجرد صادما حين أخبرهم باقتضاب أنه ليس سوى موظف إداري بسيط، لا علاقة له بالسلك الطبي من قريب أو بعيد، لتتكسر حينها آخر حواجز الشك، وتتجه كل أصابع الاتهام نحو ظل يعبث بأرواح الأبرياء في رابعة النهار.
كان التكييف الهادئ في مكتب التحقيق المؤقت عاجزا عن تبديد رائحة المعقمات النافذة التي كانت تلصق بأنفاس البوعزاوي كبقايا كابوس قديم، مخلفة طعما معدنيا محرقا في حلقه. على جبينه، لم تكن قطرات العرق الباردة تسيل بشكل عشوائي، كانت تنساب كخيوط من حرارة لزجة تحفر وجهه، بينما كانت أصابعه المندسة في جيب مئزره القديم تشتبك بعنف لتخفي ارتعاشة لا تهدأ.
اكتفى العميد "عمر الدرقاوي" بتقليب السجل المهني بأصابع بطيئة، كمن يستعرض كتابا ملعونا تتصاعد منه رائحة مستشفيات الظل، قبل أن يرفع عينيه لتستقرا على وجه المتهم بنظرة صلبة تشبه نصل سكين مغموس في الجليد:
• سجل نظيف كالأوراق الميتة يا سيد البوعزاوي... أربع عشرة سنة وأنت تعيد ترتيب الأضابير في الجناح الخلفي دون أن ترمش لك عين، محتميا بظل مئزر أبيض ناصع في الظاهر، ومحروقا بعتمة الطحالب في الباطن.
حاول البوعزاوي أن يصطنع ابتسامة جامدة، لكن زاوية شفته السفلى اهتزت رغما عنه، وكأن وهج الذعر الخفي بدأ يصهر قناعه المزيف. بلع ريقا يغلي كحمم سائلة وأجاب بصوت مبحوح يحمل صدى ممرضات الليل:
• الروتين يعلم الإنصات للأوراق لا للبشر يا حضرة العميد... وإن كانت تلميذة قد ضلت طريقها تحت شمس الظهيرة، فاسألوا من يترك الأبواب مشرعة ورائحة المعقمات تفوح بلا قيد.
لم ينفعل العميد. أزاح ببطء شريط كاميرات المراقبة على شاشة الكمبيوتر، وعيناه مسمرتان في عيني البوعزاوي اللتين زاغتا فجأة نحو الباب المغلق المبلل بظل الخزان الحديدي، ودون أن يرفع صوته، ألقى بالضربة القاضية التي أعادت حرارة الاختناق إلى صدر المتهم:
• حين يعبر شبح يرتدي مئزرا طبيا ويسرق رائحة المعقمات نحو الجناح المعقم في الدقيقة ذاتها التي يختفي فيه أثر الفتاة، فإننا لا نتحدث عن صدفة طوارئ... ثم، لا أحد غيرك يمتلك صرة مفاتيح الصيدلية المظلمة منذ نقلك الإداري المثير للريبة.
تسارعت أنفاس البوعزاوي، وبدأت نظراته تتقافز كفأر محاصر في غرفة تضيق تدريجيا كأن جدرانها تذوب تحت لهيب صيفي خفي. حاول رفع يده لتعديل ياقة مئزره ففضحته ارتعاشة أصابعه التي جعلت القماش يرتجف بين قبضته ككفن مهترئ. استند إلى ترهل النظام بوهن مصطنع، بينما كانت برودة الحديد المبرد تتسلل إلى عظامه، معلنا نهاية عرض الظلال وبدأ احتراق الحقيقة على نيران الوثائق الدامغة.
حين لامس أفق الظهيرة أطراف المدينة الشاطئية، كانت أشعة الشمس تحفر ظلالها على الإسفلت الساخن كخيوط من ذهب شاحب. من قلب ذلك السكون المهيب، خرجت هيفاء عثماني.. لم تكن مجرد عودة عادية، كانت ولادة ثانية من رحم المجهول. زحفت ببطء مرير، كأنها تناضل لتخرج من قاع بئر سحيقة من التخدير والغياب، ممسكة بآخر وميض من بصيص النور الذي يتسلل عبر عتبة الباب الموارب. جسدها البض يحمل أثار رحلة قاسية، فملابسها المدرسية الوردية مزقتها أنياب العتمة، وأنفاسها المتقطعة تروي حكاية صراع مرير بين الحياة والموت. لحظات حتى استقرت هناك، مرمية على الإسفلت الدافئ، كزهرة نادرة سقطت طرية تحت لهيب الصيف، حين حملتها الأيادي، بدأت نبضات قلبها تعزف مجددا لحن البقاء. وفي مسرح الجريمة المعتم، زوايا المكان تحتفظ بآخر صدى لأنفاس الرعب، تحرك ضابط الشرطة بخطوات محسوبة ومدروسة. الهواء مثقل برائحة التوتر والعقاقير، لكن عيني المحقق كانتا تلتقطان التفاصيل الصامتة التي لا ينطق بها سوى المكان. بانحناءة دقيقة وخبرة عريقة، بدأ في جمع الأدلة الجنائية، فرفع البصمات المتناثرة بعناية بالغة عن الأسطح، ولم تمض دقائق معدودة حتى قاده الحدث الجنائي إلى اكتشاف أثر غائر.. قطرات لامعة من السائل المنوي للفاعل، تركت شاهد صدقٍ على شناعة الجريمة ووحشيتها. وفي تلك اللحظة، أصدر الضابط توجيهاته الصارمة لأحد أفراد فريق البحث الجنائي بمسح وتصوير المكان بدقة ثلاثية الأبعاد، لتوثيق كل زاوية، وكل ذرة تراب، وكل أثر قد يقود إلى طي الخناق على الجاني الهارب. وبينما كانت أجهزة التصوير تضيء عتمة الزوايا بوميضها السريع، كانت خيوط الحقيقة تتجمع شيئا فشيئا، مؤكدة أن العدالة، مهما توارت خلف ظلال الشر، لا بد أن تشرق لتكشف المستور وترد للروح الكسيرة عدالتها المطلقة.

لم تكد شمس المدينة الشاطئية تميل نحو المغيب لتصبغ الأفق بلون أرجواني شاحب، حتى كانت خيوط الشبكة الأمنية تلتف بإحكام مطلق حول عنق الفاعل الهارب. فالتطابق الحاسم الذي أثبته مختبر التحليلات الجنائية بين بصمات الأصابع والعينات البيولوجية المرفوعة من مسرح الجريمة وبين سجلات البوعزاوي، حول الشكوك إلى أدلة قاطعة لا تقبل التأويل أو التشكيك. وفي ركن من أركان الميناء القديم، كانت موجات البحر تضرب الصخور برتابة حزينة، حاصرت فرقة التدخل السريع السيارة المتهالكة. لم يجد البوعزاوي مفرا ولا مهربا، فقد تهاوت أطرافه وسقط قناعه الزائف الذي طالما احتمى خلفه بلباس الطهارة المزيف والوزرة البيضاء. اقتيد مرغما إلى سيارة الشرطة، يجر خلفه أثقال الخزي والعار، بينما كانت نظراته الشاردة ترتجف تحت وطأة الحقيقة التي لا محيد عنها، أثناء التفتيش عثر داخل جيوبه على كمية من العقاقير المخدرة.
وفي ذات اللحظة، داخل الغرفة المعقمة بالمستشفى الشاطئي، كانت هيفاء عثماني تفتح عينيها ببطء شديد على وقع دقات الطبيبة الهادئة. تطلعت عبر النافذة المفتوحة لترقب زرقة السماء الممتدة بلا حدود، وشعرت بيد والدتها الدافئة تطوق كفها بحنان غامر يغسل أوجاع الماضي. لقد عادت الروح إلى ملامحها، وأدركت أن العاصفة قد انقشعت، تاركة وراءها درسا أبديا بأن عتمة الليل مهما طالت، فإن فجر الحقيقة والعدالة كفيل بأن يمحوها إلى الأبد.
صرخة الغضب العارم تحت سماء الشاطئ لم تكن الكلمات قادرة على احتواء زلزال الفجيعة الذي ضرب كيان الأب والأم حين تسربت الحقيقة إلى مسامعهما كقطرات من سم زؤام، فالمعتدي لم يكن وحشا غريبا تسلل من الشارع، كان موظفا إداريا ينتمي إلى ذات المؤسسة التي لجأت إليها ابنتهما بثقة عمياء للتداوي من أعراض صحية، مستندا إلى تراخي الإدارة وغضها الطرف عن سجله الأسود الملطخ بالشك والارتياب. انفجر الأب كبركان ثائر أمام مكتب الإدارة الرئيس، محطما بحرقة يديه المقبوضتين كل أعراف الصمت والتردد، بينما كانت صرخات الأم المكلومة تزلزل أروقة المستشفى الشاطئية كصاعقة رعدية لا تقبل المساومة. تحولت دموعهما المترفة بالقهر إلى غضب أعمى يطالب بالقصاص الفوري والعادل، وارتفعت أصواتهما لتفضح عورات التقصير والتهاون الإداري الذي سمح للذئب البشري بالعبث بأرواح الأبرياء تحت غطاء الوزرة البيضاء والحصانة الوهمية.
لم يعد بإمكان إدارة المستشفى الاختباء خلف بيانات الاستنكار الباردة أو لغة المكاتب المغلقة، فقد تجمعت حشود الغاضبين وأقارب الضحية حول الأب والأم، متضامنين مع صرخة حقٍ مدوية تحولت إلى مظاهرة شعبية مصغرة أمام بوابات المرفق الصحي. وتحت وطأة الغضب العارم، وضغط الحقيقة الساطعة التي كشفتها تقارير الشرطة الجنائية، لم يجد المدير مفرا من مواجهة الحشود بنفسه، معلنا بلهجة مرتعشة عن فتح تحقيق تأديبي وقضائي شامل وموسع لا يستثني أحدا ممن تستروا أو تقاعسوا عن حماية دماء هيفاء وكل ضحية سحقتها مخالب الإهمال.
لم تعد الفاجعة مجرد حزن عابر يطوي تفاصيله بين أربع جدران تخص عائلة هيفاء وحدها، تحولت في الليلة العاصفة إلى جرح غائر ونازف في ضمير المدينة الشاطئية بأسرها. كأنما استيقظت المدينة من سبات طويل على وقع صرخة خفية، فما أن تسرب خبر الجريمة البشعة وتواطؤ الإدارة الصامت في ردهات المستشفى المعتمة، حتى اشتعلت الشوارع بمد بشري هادر، يتدفق كأمواج المحيط الغاضبة في ليلة حالكة. تقاطرت هيئات المجتمع المدني، والجمعيات الحقوقية التي أتعبها السكوت، و النشطاء الذين أقسموا ألا يناموا على ضيم، وجموع غامرة من المواطنين المكلومين الذين رأوا في وجه هيفاء وجوه بناتهم وأخواتهم. لبوا جميعا نداء الضمير الحي، وتوجهوا في مسيرات حاشدة تتلوى في أزقة المدينة الضيقة، لتصطدم أخيرا بأسوار المستشفى العمومي الصامتة كالمقابر.
علقت اليافطات المنددة بالتقصير على الجدران الخارجية الباردة، فكأن الحجارة نفسها نطقت بالحق بعد أن أخرسها الخوف طويلا. ارتفعت الحناجر بهتافات مدوية تمزق سكون الليل، تطالب بالقصاص العادل والقوي من البوعزاوي، وكل من سكنت الخيانة ضمائرهم الميتة فغضوا الطرف عن أفعاله المشينة. كان الغضب يعصف بالمكان كريح عاتية، تقتلع أوراق اليأس، وتدفع الوقفة الاحتجاجية أمام البوابة الرئيسية لتشكل سورا بشريا منيعا من الأجساد الحية، رافضة بالمطلق كل محاولات التستر، أو تمييع الملف، أو بيع الدم الطاهر في سوق المساومات.
تحت وقع الهتافات المدوية التي اخترقت زجاج مكاتب الإدارة المرتجفة وأيقظت الجدران على صوت الحقيقة، وقف الأب والأم في الصفوف الأمامية للمسيرة. لم تكن وجوههما متعبة فحسب، كانت أيقونات للصبر الجميل، تقاطيع وجهيهما تحكي قصصا من الأسى الأبدي، وتتجلى فيهما ملامح المأساة والإباء الشامخ. ترتفع أيادي التضامن خلفهما كغابة من النخيل الباسق، في مشهد مهيب يعيد للعدالة هيبتها المفقودة ويزيح غبار الذل عن كاهل المدينة. ولم تكن تلك الوقفات الاحتجاجية مجرد أصوات تتكسر على الجدران، كانت صرخة مدوية في وجه الإهمال الممنهج، وتأكيدا ساطعا على أن دماء الأبرياء ليست رخيصة للبيع، وأن أصوات الشارع حين تتوحد وتلتحم بصدق الوجع، تصبح قادرة على زلزال عروش التواطؤ، وفتح أبواب الحقيقة على مصراعيها، مهما حاول الظلام إخفاء معالمها خلف أستار الزيف والنسيان.
الغرفة مغلفة برائحة الحديد المبرد والخوف البارد. لم تكن قاعة التحقيق مكانا يألفه، انه منفى من زجاج وغبار، حيث يتخثر الضوء الأبيض الساقط من مصابيح النيون على جبين البوعزاوي. العرق يتصبب في خطوط لزجة تحفر وجهه، لا يجرؤ على مسحها، كأنما الحركة الصغيرة ستكشف رعبا أثقل من أن يحمله الصمت.
أمامه، جلس المحقق. لا حركة، لا رمشة عين، فقط نظرة صلبة تشبه نصل سكين مغموس في الجليد. كان البوعزاوي ينتظر انهياره هو، لكن شيئا شيطانيا يتصلب في وعيه؛ مكابرة عمياء ترفض السقوط، مراوغة باردة كأفعى تنسل بين شقوق الأدلة الدامغة التي تحاصر عنقه كطوق حديدي ضيق. نبرة صوته جاءت مهتزة، لكنه غلفها بتحد زائف:
-إنها مؤامرة... جهات خفية تتنفس في زوايا المستشفى المعتمة، تحقد على نجاحي، على اسمي.
وحين أحكم الخناق، واصطدمت أنامله بالبصمات والعينات البيولوجية العالقة تحت الأظافر، انحرف بمكره نحو القاع الأظلم. ألقى بظلاله السمراء على الحلقة الأضعف، عاملات النظافة اللاتي يحملن بقايا التعب في وجوههن. نسج من أرواحهن البسيطة قصصا وهمية عن غراميات زائفة، محاولا رمي التهمة في حضن امرأة مقهورة، كمن يغرق ويمد يدا لقتل من ينقذه.
لكن المحققين لم يمنحوه فرصة لابتلاع لعابه. بلا صراخ، بلا انفعال، فقط تفكيك هندسي بارد لكل ثغرة، لكل كذبة ترتجف على شفتيه. تقارير الطب الشرعي الصارمة تساقطت أمامه كالمطارق، والأدلة الرقمية رصفت طريقا لا رجعة فيه. وفي العتمة المتسربة إلى صدره، بدأ البوعزاوي يدرك ببطء فادح، أن شبكة الأكاذيب التي نسجها أضيق من أن تستر عريه، وأن خيوط المتاهة انكمشت حتى التأمت حول عنقه، مسوقا خطوة بخطوة نحو زاوية واحدة مظلمة... لا مفر منها.

لم تكن طريق العدالة مفروشة بالورود، إنما اصطدمت فورا بجدران سميكة من البيروقراطية والتستر المؤسساتي المبعثرة برائحة المكاتب المعقمة بالصمت. فما إن بدأت خيوط القضية تلتف حول البوعزاوي لتضييق الخناق على ظله الهارب، حتى تحركت آلة الحماية الخفية داخل المستشفى الشاطئي، فحاولت الإدارة تقليص الفضيحة وحصرها في كونها تصرفا فرديا لموظف اداري متم منعه من ممارسة التمريض ، متكئة على شبكة علاقات نافذة تلتف حول الحقيقة كأفعى باردة تحت شمس الظهيرة الحارقة.
في مكتب المدير المغلق بإحكام، يخيم ظل الخوف على الزوايا، حاول المدير بحذر استرضاء المحققين ملمحا بلهجة دبلوماسية متوترة تخفي رعب الفضيحة إلى ضرورة
-تطويق الملف بحكمة وعدم إثارة الرأي العام الرائج في شوارع المدينة
مدعيا أن تضخيم الواقعة قد يلحق ضررا بليغا بالمنظومة الصحية بأسرها التي تعاني أساسا من حمى الإهمال المزمن. لكن الجدار البيروقراطي المنيع اصطدم بصرامة المحققين وعناد الحقيقة التي كانت ترفض الذوبان في مستنقع التستر. وبدل الانصياع لضغوط تمييع الأدلة، وسع فريق التحقيق دائرة البحث لتشمل فحص الأرشيف الإداري المعتم، متتبعين أثر المعقمات والعقاقير المسروقة التي تركت بصماتها الغائرة في سجلات العقوبات السابقة التي أغلقت عمدا لسنوات طويلة. وتحت وطأة الصدام الشرس بين رغبة الإدارة في طمس الملف وإصرار العدالة على كشف المستور، سقطت حصانات التستر تدريجيا، لتتكسر أعراف الصمت وتفتح الباب أمام مواجهة قانونية حقيقية تحرق أوراق الوهم وتنزع المآزر البيضاء المزيفة عن عواتق المذنبين.
كان الهواء المحيط بمدينة مسقط رأسها محملا برائحة التراب المبلل بذكريات بعيدة، كأنما يودعها بذات الجفاء الذي عوملت به طوال الفترة الماضية. وقفت هيفاء أمام النافذة الزجاجية تلقي نظرة أخيرة على الغرفة التي شهدت تفاصيل طفولتها، وملامح براءتها القديمة التي تآكلت ببطء تحت وطأة خيبات الأمل والخذلان المتكرر، وتلك الليلة المعتمة التي مزقت دواخلها. لم تكن المدينة مجرد شوارع ومنازل بالنسبة لها، كانت صندوقا أبديا لذكريات لا تغتفر، وثقوبا سوداء ابتلعت آخر ومضات العفوية في قلبها الصغير. وحين سحبت سحاب حقيبتها الصغيرة معلنة إغلاقها، تردد الصوت في أذنيها كقرع جرس إنذار بارد، معلنا أن كل شيء قد انتهى حقا.
جلست في المقعد الخلفي لسيارة والديها الخاصة، بناء على التوصية الحازمة للطبيب النفسي الذي أكد أن البقاء في ذات المكان يثبت حالة التأهب الدائم لخلية عقلها ويبقي جروحها نازفة. بينما كان والدها يقود بهدوء، ووالدتها تجاوره في المقدمة تطالع الطريق بملامح يغلبها الصمت والأسى، أدركت هيفاء أن الرحيل طوق النجاة الوحيد. لم تخبر أحدا من أصدقائها بموعد رحيلها ولم تترك خلفها رسالة وداع. كيف لها أن تواجه عيون أشخاص يذكرونها بمن كانت عليه قبل أن تلتهمها التجربة وتقسو ملامحها..؟ تلك الوجوه رموزا لمرحلة مضت وأيام حفرت ندوبا لا ترى. أدركت متأخرة أن الرحيل ليس مجرد تغيير جغرافي، انه هروب لإنقاذ ما تبقى من روحها المحطمة وإصلاح ما دمره العنف. وحين انطلقت السيارة مبتعدة عن شوارع المدينة متجهة نحو المجهول، أدارت هيفاء وجهها نحو الزجاج ولم تلتفت إلى الوراء أبدا، فالالتفات ترفا لا تملكه فتاة أجبرت على أن تنضج قبل أوانها بكثير.
استقرت في مقعدها الوثير تاركة المنازل والأشجار والوجوه تتراجع إلى الخلف بسرعة متزايدة مع كل كيلومتر تقطعه السيارة مبتعدة، وتشعر بأن قبضة حديدية تنفك تدريجيا عن صدرها المتعب، بينما كان صوت محرك السيارة يملأ الفراغ بينها وبين والديها اللذين انشغلا بطريق طويل وموحش نحو مدينة شاطئية جديدة. لم تكن تبكي، لأن البكاء يحتاج إلى قلب آمن، وقلبها كان قد تحول إلى محارب صغير أعياه التعب وأرهقته المعارك الصامتة والذكريات القاسية طوال الفترة الفارطة. أدركت تماما أن براءتها القديمة لن تعود، وأن تلك الفتاة الساذجة التي كانت تبتسم لكل غريب قد ماتت على رصيف تلك المستشفى الملعونة. وفي وسط ذلك الرماد البارد، شعرت بوجود قوة جديدة وخشنة تولد في أعماقها، قوة القدرة على البدء من الصفر، بلا أوهام وبلا شباك أمان، استجابة لجلسات العلاج التي تحثها على مواجهة الحياة لا الاستسلام لظلالها. وحين أقبل الليل بعتمته الكاملة وغطت أضواء الطريق السريع وجهها الشاحب، أغلقت هيفاء عينيها وتنفست بعمق للمرة الأولى منذ أشهر طويلة. لم تكن تعرف كيف ستدبر تفاصيل حياتها الجديدة في المدينة البعيدة التي تنتظرها في أفق الطريق المظلم، لكنها وللمرة الأولى، لم تكن خائفة، فقد أدركت أن من يفقد كل شيء لا يملك ما يخسره بعد الآن، وأن طريق الشفاء الطويل قد بدأ للتو.
لم يكن جسد هيفاء وحدها من نجا من أروقة المستشفى، عادت روحها مثقلة بندوب خفية ترفض الالتئام. تحولت ليلاتها إلى ساحة حرب ضروس مع كوابيس لا تهادن ، تستعيد بوعيها الكامل صوت خطواته وصداها الموحش في الممر الأبيض، ورائحة المعقمات التي تلتصق بأنفاسها كلما أغمضت عينيها.
انغلقت الأبواب على هيفاء وانطوت على نفسها تماما أسابيع طويلة؛ جالسة على حافة السرير، تحدق في فراغ النافذة بعيون زجاجية مطفأة، عاجزة عن الكلام أو النوم. كان الهواء نفسه يبدو لها ملوثاً بذاكرة المكان. أمام الانهيار الصامت، أدرك الأبوان أن ابنتهما تتآكل من الداخل ببطء مفجع، فبدأت رحلة العلاج النفسي الشاقة والطويلة وسط جلسات الهلع اليومية، فكل صوت مفاجئ يعيدها إلى نقطة الصفر، وكل عطر خفيف في الشارع يحرق رئتيها. وبفضل الصبر العائلي والالتزام الصارم، أدرك الأخصائي أن البقاء في ذات المكان يثبت حالة التأهب الدائم لخلية عقلها، مما دفع العائلة لحزم الحقائب بهدوء وإغلاق باب المنزل القديم بأسى، نحو مدينة شاطئية أخرى عل أمواجها تغسل شيئا من غبار الكابوس القديم.
في تلك الليلة، لم تأت الكوابيس لتخنق رئتيها كالعادة، جاءت في صورة أصوات باهتة ومبحوحة تشبه صراخ نساء العتمة اللواتي عبرن ذات الممر الأبيض المعقم ومضين في صمت مطبق. كانت هيفاء جالسـة على سجادة الغرفة بالمدينة الشاطئية الجديدة، تفتح بين كفيها مجلدا قانونيا سميكا جلبته لها والدتها من مكتبة الحي العتيق، كمن يلمس كتابا مقدسا يحمل أسرار النجاة.
أخذت تنظر إلى انعكاس وجهها الشاحب على الزجاج الداكن للنافذة، حيث تداخلت عيناها المتعبتان مع وميض الفانوس الخارجي. تذكرت نظرة البوعزاوي الباردة، وتذكرت ذلك التواطؤ الإداري الرخو الذي كاد يدفن صوتها في مقبرة النسيان. سرى في عروقها شعور غريب، يشبه برودة المعدن الساخن حين يرتطم بالماء, لم يعد الوجع طعنة طازجة تنزف في الظلام، بل تحول ببطء مذهل إلى كتلة صلبة من اليقين. مدت أصابعها المرتجفة قليلا، لكنها استقرت بثبات فوق غلاف الكتاب. حدثت نفسها بصوت خفيض لا يسمعه سوى جدران الغرفة:
• الصمت هو المقتل الحقيقي... إنهم لا يخشون دموعنا، ولا تكسرنا خلف الأبواب؛ هم يخشون فقط حين يتحول الوجع إلى نص قانوني دامغ لا يقبل التأويل.
في تلك اللحظة بالضبط، سقطت آخر دمعة حبيسة في قاع الروح، لا كعلامة انكسار، انما كمعمودية أخيرة لولادة جديدة. أغلقت الكتاب بقوة جعلت الغبار الخفيف يتطاير في هواء الغرفة، وأدركت أن الطريق إلى العدالة لن يمهده أحد، وأن عليها أن تحفر بأظافرها لتصنع من رماد الصدمة درعا وسيفا. لم تكن تبحث عن الانتقام، انما عن القانون... عن السلاح الوحيد الذي يملك القدرة على إيقاظ الموتى وإعادة الحق إلى نصابه، لتنتقل من قاع الضحية المستسلمة لكوابيسها، إلى عتبة المقاتلة التي تملك زمام مصيرها.
مخاض الشفاء البطيء لم يكن العبور من بوابات العزلة مفروشا بالورود، تطلب أشهرا طويلة وشاقة من الجلسات العلاجية المكثفة مع أخصائي نفسي حاول بحذر شديد تفكيك خيوط الصدمة دون الضغط على جروحها النازفة. كانت العيادة الهادئة تشهد معركة هيفاء اليومية ضد نوبات الهلع، تتعلم تدريجيا كيف تعيد بناء العلاقة مع جسدها ومع العالم الخارجي. بدأت خطوط الواقع تتضح تدريجيا جلست الطبيبة يوما إلى جانب الأب والأم ليضع النقاط على الحروف بوعي واقعي:
• الشفاء هنا ليس سباقا، ولا يمكن محو الذاكرة بضربة كف. هيفاء تخوض حرب بقاء حقيقية، وبقاؤكم في هذا المنزل الذي شهد أثقل أيام عمركم يبقي حواسها في حالة تأهب دائم. تحتاج لبيئة جديدة تماما تمنح خلاياها وعقلها فرصة للترميم البطيء.
لم تتردد العائلة في تنفيذ النصيحة؛ فحزموا حقائبهم بهدوء ، لعل أمواج المدينة الشاطئية التي بعد مئات الكيلومترات عن البيت القديم الرقيقة تغسل شيئا من غبار الكابوس القديم.
استغرقت رحلة التعافي النفسي والجسدي نحو سنتين كاملتين؛ سنتين من المتابعة الطبية المنتظمة، والتردد الخجول نحو الحياة، والتغلب البطيء على نوبات القلق المتقطعة. لم تكن العودة سهلة ولا سريعة، كانت تشبه صعود جبل وعر بخطوات حذرة.، والشعور بالرهبة والخوف من التقدم إلى الأمام.
في صباح ربيعي هادئ بالمدينة الجديدة، وبينما كانت تشد كف أمها بأصابع استعادت لونها الطبيعي، شعرت هيفاء بأن طيف الكابوس بدأ ينحسر إلى الخلف. استعادت تدريجيا رغبتها الدفينة في القراءة، وعاودت الجلوس خلف الطاولة لترتيب أفكارها المبعثرة.
بتوجيه من عائلتها ودعم نفسي مستمر، تقدمت لاجتياز امتحانات الباكالوريا كمرشحة حرة، مستندة إلى إرادة صلبة صقلتها المحنة بدلا من أن تكسرها. وحين ظهرت النتائج محققة نجاحا مشرفا، كانت الخطوة الأولى فقط في طريق طويل شاق.
أدركت هيفاء أن الرغبة في رد الاعتبار لنفسها وللنساء اللواتي سحقهن الصمت لا تتحقق بالانفعال، انما بالعلم الرصين. التحقت بكلية الحقوق، وخاضت سنوات الدراسة الجامعية الأربع بجلد واجتهاد مضاعفين، متنقلة بين مدرجات الجامعة وكتب الفقه القانوني والإجرائي، حتى ختمت مسارها الأكاديمي بنجاح ونالت شهادة الإجازة في القانون الخاص، لتبدأ بعدها مرحلة التمرن الإجباري وسنوات التدريب الطويلة في مكاتب المحاماة العريقة، حيث صقلت مهاراتها في المرافعات وصياغة الدفوع، محولة ندوب الماضي إلى وعي قانوني وإنساني متزن وناضج.
سنوات الطموح المرير والعزيمة الحديدية أفضت في النهاية، بعد نحو سبع سنوات كاملة من الكفاح الأكاديمي والمهني، إلى تلك اللحظة الفارقة، الوقوف أمام المرآة لتأمل ياقة الرداء الأسود. لم يكن ارتداء البذلة الجنائزية تفاخرا بلقب، انما تتويجا لرحلة قاسية من إعادة بناء الشظايا.
بعد انقضاء فترة التمرن وحصولها على صفة محامية مقبولة لدى المحاكم، دخلت هيفاء لأول مرة كمحامية رسمية إلى قاعة المحكمة الكبرى، حيث تتكسر أصداء الأصوات فوق الخشب العتيق. لم تكن مجرد متراصات لحجج قانونية، كانت تحمل ذاكرة جماعية لنساء سحقهن صمت الخوف. حين وقفت أمام المنصة لتؤدي اليمين القانونية أو لتبسط دفوعها، لم ترفع صوتها بالهتاف، همست بحجة دامغة كمن يوقع عهدا أبديا مع الضمير:
-أن تكون صوتا لمن لا صوت له، ودرعا يصد نصل الظلم.
وحين واجهت في إحدى قضاياها الجنائية الأولى متهما يحاول الالتفاف حول ثغرات القانون بصلف ومراوغة، لم تر وجهه الواقف على منصة الاتهام، رأت طيف البوعزاوي يطل من عتمة الباب الموارب بذلك المستشفى القديم. الطيف القديم لم يخلق فيها خوفا، إنما منح مرافعتها قسوة هادئة وصلابة مذهلة، فلم تصرخ ولم تنفعل، قطعت طريق المراوغة بخطوات استدلالية دقيقة وحاسمة تنسف الحجج الواهية من أساسها. لقد تحولت من فتاة مكسورة على إسفلت الظهيرة، إلى طوفان هادئ يعيد للعدالة هيبتها المفقودة بكل ثبات ويقين.
عتبات النور الأخير تحت أضواء الأستوديو البيضاء الباردة، وأمام عدسات الكاميرا الثابتة، جلست هيفاء عثماني مرتدية بذلتها السوداء الملساء. حين وجهت إليها المذيعة سؤالا هادئا عن سنوات التحول وتلك الهوة السحيقة التي عبرتها، لم تلجأ هيفاء إلى الخطابة أو تلخيص الحكاية في حكم جاهزة. أدارت رأسها ببطء نحو النافذة الزجاجية الكبيرة التي تنعكس عليها أضواء المدينة المترامية، ومررت أصابعها على حافة الطاولة الخشبية كمن يتلمس ندوبا قديمة على الجلد. قالت بصوت خفيض يكاد يضيع في صمت الاستوديو:
• حين تمر بالظل، لا يعلمك أحد كيف تنسى... تعلمك الأيام فقط كيف تمشي وأنت تحمل أثر الخطوات على قدمك. عائلتي لم تمنحني عزاء بالكلمات، بقوا بالقرب مني في الغرفة حين كانت الكوابيس تعود مع منتصف الليل. الوجع لا يختفي، لكنه يصبح أخف حين تمنحه وجها قانونيا وتحوله إلى ورقة تدافع بها عن غيرك.
صمتت المذيعة، والتفتت كاميرا الأستوديو ببطء نحو الأفق الخارجي، كانت شمس المدينة الشاطئية تغيب بهدوء خلف صفحة الماء، تاركة وراءها شفقا شاحبا يلامس السطح المظلم دون أن تتبعه كلمات إضافية.



#الحسان_عشاق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أنفاس الياسمين المتمردة
- حين تشترى الأصوات وتفقد الأوطان
- من وهج الشاشة الى مداد القلم
- عَبرات فوق قبر أمي
- المكي بولهموز يطارد السراب
- زوجة على وشك السقوط
- حارسة المرمى وحارسة الذاكرة
- سمفونية الفناء: ترنيمة السقوط الأخير
- ابن تاشفين تراتيل الذاكرة ومقبرة الحنين
- ارتجاف المطرقة في فراغ الروح
- ضفائر الطين وكحل الغياب
- الدكتور ضريسة: ارشيف الدموع المكتومة
- سكاكين في ميزان الضمير
- خوارزمية الجشع في سيرة معلم
- البغلماني طيف غريب في معبد السلطة
- مجنون طائر الحسون
- عرش من زجاج تحت أقدام الظل
- أرواح في مهب الحياد
- في قوقعة الصمت يطبخ الثأر
- حكاية العائلة التي هزت عرش المصحة


المزيد.....




- من اصدارات المدى: هل الترجمة خيانة حقاً؟
- فندق «أم كلثوم» في بغداد إلى الإزالة.. وتعهد بإعادة بنائه به ...
- اليونيسكو تدرج شواطئ نورماندي وعدة مواقع أخرى أحدها في بلد ع ...
- -حارس التراث الشركسي- يحول منزله إلى ذاكرة شعب في الأردن
- حب وصداقة وشغف بالثقافة .. لماذا يتعلّم الألمان اللغة الكردي ...
- لماذا توارت السينما الإيرانية وراء عيون الأطفال؟
- فيلم يحكي عن عائلة ثرية ومهووسة بالموضة.. كيف تحولت أزياؤها ...
- سوريا تودّع الأديب مازن المبارك.. 7 عقود في خدمة اللغة العرب ...
- متحف رويريخ في موسكو يفتتح معرضا جديدا يضم 250 قطعة فنية
- من عمرو دياب إلى الشامي وتوليت.. كيف تغيرت صناعة النجم في ال ...


المزيد.....

- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الحسان عشاق - دبيب النمل ووهج الصيف الحارق