|
|
رحلة عباس هاجوج الاخيرة
الحسان عشاق
روائي وكاتب صحفي
الحوار المتمدن-العدد: 8810 - 2026 / 8 / 27 - 18:14
المحور:
الادب والفن
تحت سماء الثكنات الملبدة بالرطوبة، لم يكن الزي الرسمي يضيق على جسدي فحسب، بل تحول إلى رئة أخرى تختنق في رتابة الانضباط، كأنما النجمات على الكتفين مسامير تدق في نعش الروح. في صدري المختنق بالتعليمات والأوامر التي لا تنتهي، توقف الوطن عن النبض ليتحول إلى صدى خافت لرصاص يباع في عتمة الشبهات. في تلك الليالي الرطبة التي تقطر صقيعا، أتسلل بخفة ذئب أنهكه الجوع لأفرغ خزائن الكتيبة، باحثا عن وهم القوة وأنا أقبض ثمنا بخسا لخرابي، مقتنعا بأن كل من حولي مشاركون في المؤامرة، وأن حماية نفسي تتم بطعن الآخرين في الظهر قبل أن يباغتوني. وحين انزاح الغطاء عن ذلك الظل، لم يكن الطرد سوى قاع سحيق قذفني من كبرياء الجندية إلى وحل الخيانة، لأعود إلى بلدتي بخطوات تجر أوزارا لا ترحم. على عتبة أول زقاق، اعترض طريقي عمي الميلودي، رفيق السلاح القديم الذي لم يختر فقر الشرف عن عجز، إنما كمعبد روحي رفض أن يدنسه. يقف بثباته العجوز، كأنه نبتة أصيلة رفضت أن تستميلها ريح الانتهازية التي جرفتني بقوة ودون تفكير. رمقني بنظرة لا تحفر في الروح فحسب، بل تعيد ترتيب تاريخنا المشترك على بندقية واحدة، وبصوت يشبه احتكاك حصى النهر ببعضه، مشبع بمرارة الحزن لا التشفي، قال متحررا من هيمنة هلوساتي ليعلن موقفه الصارم: • امدد قامتك الطويلة ما شئت يا عباس.. فخزي الثكنات لا يغسله رصيف، وما كنت يوما سوى طيف يقتات على عظام رفاقه، كمن يحفر قبره بيديه. تلك النظرة الثاقبة زرعت في داخلي رعبا دفينا، وجعلتني أرى في نظرات أهل الحي مجرد كمائن بشرية تتربص بسقوطي، مما ضاعف من ارتيابي وجنون اضطهادي الذي صار ينمو كعشبة شيطان في دمي. لم تكن تلك الكلمات وليدة اللحظة، أيقظت في ذهني صدى مقاعد الدراسة الابتدائية، حيث كان قدور شمراح يراقبني بيقين مرعب. أتذكر تماما ذلك اليوم العاصف حين فتش المعلم المحافظ وأخرج من طيات محفظتي كتاب القراءة الخاص باليتيم ابن العساس، تجرأت على انتزاعه في غفلة منه لأبيعه لبائع الكتب القديمة بثمن علبة سجائر...؟ وحين كنا نخرج إلى بساتين الوادي، لم تكن يداي تلسعان التين والرمان رغبة في الجوع، إنما متعة مرضية في سلب تعب الآخرين، لأنني كنت أؤمن أن الضعف جريمة وأن أخذ ما لغيري السبيل الوحيد للبقاء. لقد نما الطبع خبيثا في أزقة الطفولة، ثم شب ليرتدي بزة العسكر ويخون الأمانة. لم تكن تلك الدريهمات البسيطة التي يجود بها رفاق الماضي سوى وقود مؤقت لرحلة تيه طويلة. مع مرور السنوات الأولى بعد الطرد، ومع دخول عقد الأربعين من عمري، بدأت ملامح الجندية تذوب تماما تحت وطأة الهامش، تاركة خلفها قامتي الطويلة وقد أخذت تتقوس تدريجيا وكأن أعمدة روحي هبطت بضعة سنتيمترات تحت ثقل الخزي، فتحولت حياتي بين أزقة المدن إلى دورة شؤم حلزونية تتكدس فيها الأكاذيب؛ أستدين من البقالين بوعود زائفة حتى إذا تراكمت الديون وفضحتني نظراتهم، ألملم أسمالي تحت جنح الظلام هاربا نحو زقاق لا يعرف اسم "عباس هاجوج". لم يعد الاحترام القديم يحيط بي، تحول إلى شفقة باردة تلاحقني، شفقة أفسرها بمرضية حادة كشماتة واضحة تؤكد لي عداء الجميع. مع مرور الوقت، تحولت النظرات المتفحصة والخبيثة إلى علامة فارقة مكروهة ومعروفة في أزقة المدينة، فمنذ أن استقر بي المطاف هاربا من فضيحة إلى أخرى، صرت ذلك المستأجر الأبدي الذي لا يدفع السومة الكرائية. كانت لعبة الانتقال من حي إلى حي ومن منزل متداع في أطراف المدينة إلى غرفة أضيق في حارة أخرى، تتكرر كدورة فصول شؤم حلزونية تضيق بي كلما تقدم بي العمر. كنت استدين باستمرار من البقالين وأصحاب الدكاكين، مسجلا الديون بوعود كاذبة، حتى إذا تراكمت الحسابات وانفضحت حيلي في التهرب والمراوغة، داهمتني نظرات الجيران المريبة، لأسارع تحت جنح الظلام بلملمة أسمالي وبعض الخرق البالية نحو حي جديد لم يتعرف بعد على اسم عباس هاجوج المحتال المدين. هكذا، وبفعل الفقر المدقع والتشرد المستمر والليالي الملبدة بالرطوبة والقلق، تسوست أسناني وتآكلت حتى صار فمي خاويا إلا من أوجاع حادة، وابيضت نواصي شعري مبكرا لتساوي هيبة زائفة من الشيب المنفر. في مرآة الزقاق الباهتة المشروخة، أنظر إلى وجهي فأرى رجلا تجاوز الأربعين لكنه يبدو كشيخ هرم أكل الدهر روحه. وفي كل حي جديد أحل به، لم تكن تبدأ حكايتي إلا بذات السيناريو، أتردد على دكان الحي الجديد، أستلف السكر والدقيق وعلب السردين بالدين، ثم تبدأ لعبة المماطلة المقرفة. وحين حاصرتني نظرات البقالين الفاحصة في الأسواق متهمين إياي بالاحتيال أمام جمع من الجيران، كنت ألوذ كعادتي بالغضب المصطنع، رافعا صوتي بالباطل لأتهمهم بتضخيم الحسابات، موهما نفسي بأن الكون بأسره يتربص بي ليحطمني. ولأنني صرت معروفا في المدينة بأسرها كشخص مراوغ لا يوثق به، أغلقت في وجهي كل الأبواب وأصبحت منبوذا مطاردا، أغادر الخمارات أحيانا باحثا عن خدر ينسيني قذارة تلك المواقف، مستمرا في ارتكاب الأخطاء لأنني أيقنت أن الهجوم العنيف والهروب المستمر هما درعي الوحيد ضد عالم يحفظ وجهي جيدا ويرفضني. لكن الأقدار خبأت لي منعطفات مؤقتة، فبتدخل خفي، انتشلت من الشارع لأوضع في ورش إحدى شركات البناء بمدينة جبلية في قلب الأطلس. بين أكياس الإسمنت الرمادي، تحسنت حالتي المالية ظاهريا، غير أن الطين لم يعد تشكيل روحي المكسورة، بل أيقظ في نهم السطو القديم. لم أكتف براتبي، تسللت إلى دفاتر الحسابات، ألاعب الفواتير وأنحت دريهمات خفية تذهب لجيوبي المرتجفة، مدفوعا بهاجس خفي يهمس لي بأن زملائي في العمل يخططون للإيقاع بي، لذا وجب علي سرقتهم قبل أن يسبقوني. حين وقع المحتوم بصاعقة الطرد الفوري نتيجة اكتشاف التلاعب، وضاق بي الزملاء الذين رمقوني بنظرات الازدراء، هبطت إلى المحطة الطرقية الجبلية الباردة. تحولت قامتي الطويلة إلى مطية لحمل أثقال المسافرين، أقبض دريهمات معدودة تلطخ ما تبقى من كرامتي. حين عدت للبيت، لم يكن صدى توبيخ الزوجة عابرا، كان انفجارا متأخرا لامرأة دفعت لسنوات ضريبة صمتها على حافة الانهيار، تقف بين أطفالها كحارسة أخيرة للبقايا المتبقية من كرامة البيت. لقد نفضت عن نفسها رداء الخوف، ووقفت بصلابة متحررة من ظلي لتواجهني بصوتها الحقيقي الذي يهز الأعماق: • لن أكون ضحية أخرى لبطالتك وغرورك الأعمى يا عباس.. تلك الكلمات الصادمة لم تكن مجرد هجوم، كانت صرخة امرأة أعياها التعب وفهمت أعماقي الخاوية أكثر مما فهمتها نفسي، مما زادني تقوقعا وشعرت أن زوجتي انضمت إلى جبهة الأعداء التي تحاصرني، فدفعتني للتمادي في العناد ورفض أي يد ترتجي تقويمي. حين بلغ القاع أشده، ولجت بابا آخر من أبواب الانحطاط، لجأت إلى أحد المشعوذين المعروفين، ملازما إياه كالظل الذليل، طامعا في حيلة تسخر لي قلوب الناس وتجلب ثروة بلا تعب لأستعيد هيبتي المهدورة أمام زوجتي التي أصبحت أراها بعين الريبة. صرت خادما أراقب كف العراف بذل مطبق، مستعدا لبيع ما تبقي من كرامة مقابل تعويذة تجعل الآخرين رهن إشارتي وذليلين تحت قدمي. غير أن المشعوذ بحسه الملتوي أدرك دناءة ماضي ونواياي العدائية، فبادر بطردي بدعوى ان الخادم الجني طلب منه إبعادي، مهشما آخر خيط أمل وهمي آمنت أن يعيد لي السيطرة. لأعلق من جديد بين ضباب الجبل وعتمة الضمير، مقتنعا بأن الكون بأسره يتآمر لإفشالي. في عتمة الغرفة المظلمة، قضيت أيامي أطيل الجلوس أمام مرآة جيب صغيرة بشمعة باهتة ترتعش ظلالها. الأنف المائل، الشيب، والفم الخاوي بلا أسنان، كانت تشتمني بصمت مهول. في ذلك الصمت، الهلوسات تنهش كياني، أتخيل وجوه الضحايا ورصاص الثكنات يلاحقني في كل زاوية، وأسمع صوت عمي الميلودي يتردد كقرع ناقوس لا يهدأ، حتى انحدرت من جديد نحو أطراف المدن باحثا عن فرصة نصب جديدة تثبت لي أنني الذكي الوحيد بينهم. بعد رحلة هروب جديدة نحو السهل، استغلت ملامح قامتي لاقتناء بطاقة مهنية بالية من صاحب جريدة مغمورة مقابل فتات، متسللا بها إلى مكاتب الإدارات لأساوم أصحاب المصالح، متوجسا من كل موظف يرمقني بنظرة شك. ولم يقف الأمر عند التسول بالبطاقة، حاولت السطوة على مقرات التحرير وفرض نفسي فرضا، فثارت ثائرة صاحب الجريدة الذي اكتشف محاولاتي الابتزازية، وصدر قرار الطرد المفاجئ لتمزق البطاقة ويلقى بي على قارعة الطريق، مما زاد من حقدي على المجتمع الذي اعتبرته ظالما لا يقدر عبقريتي وشطارتي. ولأن جينات النصب لا تموت، ما إن سرت شائعات هيكلة المدارس والعمران حتى سارعت منخرطا في ودادية سكنية جديدة، متصدرا المشهد ممثلا لوالدتي العجوز مالكة الأراضي الموروثة، غير مبال بفجيعة رهن أملاكها تحت ضغط هواجسي التي تصرخ بأنني إن لم أستبق الزمن فسيأكل الآخرون حقي. بدأت أموال السمسرة تنفخ جيوبي، وصرت أصرف المال ببذخ في المقاهي الفاخرة ناسيا ذل التسول، ومحاطا بأصدقاء مزيفين أستأجر ابتساماتهم لأثبت لنفسي قوي ومحبوب، حتى أطل طيف عمي الميلودي الحقيقي متخذا مكانه وسط الحضور يفضح خيوط اللعبة، مبددا نشوة المال في ذرة خوف واحدة أعادت لي شعور الطريد الذليل. في تلك الغرفة المستأجرة، التي لم تكن سوى مربع ضيق تتقاسم جدرانه الرطوبة مع صدى قطرات الماء المتسربة من الصنبور المكسور، كانت الطاولة الخشبية تعج بأكداس من ملفات الودادية السكنية المصفرة. لم أكن أملك سوى حبر جاف قارب على النفاد وقلم رصاص مكسور القمة، وشعور طاغ بأن الجدران نفسها تنصت إلي لتسليمي للجلادين. كنت أستند بكتفي المنحنية إلى زاوية الجدار، أراقب حشرة صغيرة تحاول عبور ورقة بيضاء بلا توقف، تماما مثلما كنت ألتمس الثغرات لعبور حيوات أولئك البؤساء دون أن أترك أثرا سوى الندوب. وحين تبطئ خطوات الحشرة، كنت أستحثها بنفخات عصبية خفيفة، تماما كما كنت أنفخ في أوهام الضحايا لأبقي نار الأمل الكاذب مشتعلة تحت كراسي مكاتبهم، مستمرا في خداعهم لأنني كنت أؤمن أنهم لو استطاعوا لافترسوني أولا. تحت الباب المغلق بإحكام، كانت رائحة الزيت المغلي القادمة من مطبخ الشقة المجاورة تتسلل لتختلط برائحة التبغ الرديء العالق بأصابعي الصفراء. أمد يدي المرتجفة لأفتح علبة السجائر الفارغة للمرة المائة، فلا أجد سوى بقايا رماد. وفي تلك اللحظة، لا صوت يعلو في الغرفة سوى حفيف الأوراق المرتجفة تحت مروحة سقفية عتيقة تصدر صريرا مزعجا، كأنها تحصي معي ثواني العمر المهدور في تتبع السراب المظلم. لم يكن دخولي إلى عالم الوداديات وسماسرة العقار مجرد عملية نصب عادية، تحول في مخيلتي المريضة إلى مسرحية عبثية أردت أن أخدع مرآتي المكسورة وأنتقم من عالم يكرهني. كنت أردد في قرارة نفسي وأنا أجوب المقاهي الشعبية بملابس رثة ورابطة عنق بالية: • إنني دون كيخوطي هذا العصر.. لكني أدركت جيدا سخرية الفارق وجحيم المفارقة، فدون كيخوطي التاريخي كان يمتطي صهوة حصان، ويشهر رمحا، ويحمله رفيق مخلص يذكره بالحقيقة.. أما أنا، فكنت دون كيخوطيا بلا فرس، وبلا رمح، وبلا رفيق! وسط محيط من الذئاب التي تنتظر هفوتي. أمتطي وهما ألعن، وأحمل تحت إبطي أوراقا صفراء فارغة، وألوح بذراعي في الهواء لأقنع ضحاياي البؤساء بأنني المنقذ والمهندس المنتظر، وأصارع في الحقيقة طواحين بؤسي الداخلي الخاوي، خائفا حتى من خيالي. والمثير للخراب أحيانا أستعين بمساعد منحرف أراقبه بريبة مستمرة خوفا من أن يغدر بي، يجر خلفي حقيبة بلاستيكية ممزقة ملئت بالأوراق المزورة. كنت أقف شارد البصر خطيبا في الضحايا برطانة زائفة، متجاهلا أن كل ضربة وهمية وجهتها للمجتمع، لم تكن سوى ارتداد مباشر يهشم ما تبقى من جمجمتي الصلعاء، ليكشفني عاريا على قارعة الهوان، لا حارس لي سوى صدى توبيخ غائب. بعد رحيل والدتي، لم يكن تركة الدار العتيقة سوى وليمة أخرى تتكالب عليها عظامي المكسورة. اجتمع الإخوة في باحة البيت المتهالك، تحت ظلال شجرة الزيتون العجوز التي تآكل جذرها. لم يكونوا مجرد ورثة غاضبين، كانوا يحملون تاريخا كاملا من القهر المستمر تحت ظلي الثقيل. وقف أخي الأصغر المختار بوجه محتقن بالدموع والذهول، يلوح بنسخة من عقد الهبة القديم الذي استدرجت أمي العجوز لتوقيعه في غفلة من وعيها المنهك، بينما كانت أختي فاطمة تضرب كفا بكف، مذهولة لا من ضياع الإرث فحسب، بل من جحود أخ طالما اعتبروه سندا فانقلب ذئبا. نظراتهم المشتعلة بالكره لم تكن سعيا وراء مال، بقدر ما كانت صرخة احتجاج أخيرة يعبرون عنها بأصواتهم المستقلة ضد استبدادي المزمن. لم أكن أملك وقتها سوى لغة المراوغة الباردة واستعراض القسوة كدرع واق، وقفت مستندا إلى عتبة الباب، أمد قامتي الطويلة بزهو مصطنع يخفي رجفة الحقيقة، وأردد بصوت أجش: • البيت أرض لأمكم، والقانون لا يحمي المغفلين يا أخي.. لقد وقعت الأم ورفض السجل العقاري يخصكم أنت.... لكن الكلمات تقطعت في حلقي حين انقض علي المختار، مفرغا في تلك اللحظة سنوات من الاختناق المكتوم بصوته المرتجف من القهر، لا ليشتمني فحسب، ليتمايل جسداهما في عراك محتدم تمزق على إثره جلبابي وأنا أترنح للخلف مصدوما بجرار الزيت الفارغ. تداعت أصواتهم في أذني كطنين دبور غاضب، صراخ يعلو، وشتائم تنبش في كل تاريخي الملوث، وهم يرون بأعينهم كيف تحول الأخ الأكبر إلى ذئب مقنع يقتات حتى على تركة أمه قبل أن يجف قبرها، مما رسخ في يقيني أن أقرب الناس إلي هم أول من يطعنني. لم تنته معركة الميراث في باحة الدار، انتقلت إلى أروقة المحكمة الابتدائية الرطبة، إذ تحولت جدران الإسمنت الرمادي إلى شاهد صامت على سقوط العائلة في مهب الصراعات والتشاحن الأعمى. كنت أجلس على مقعد خشبي متآكل في قاعة المنتظرين، أفرك يدي المرتجفتين وأتجسس بريبة على المارة والمحامين، ضانا أن كل العيون ترمقني باحتقار مدبر. حين أقبل إخوتي نحو القاعة بخطوات ثقيلة يملؤها القهر وخيبة الأمل، شعرت برغبة عارمة في الهرب من إدانة نظراتهم التي تمزق جدران وجهي أكثر من أي حكم قضائي. لم يكن المحامي الذي استأجرته ببعض دريهمات السمسرة سوى شاب مرتبك يعبث بملفاته المبعثرة، ولم أكن أثق به، إنما كنت أتوقع في أي لحظة أنه قبض ثمن بيعي للطرف الآخر. حين نادى القاضي على الملف، وقفت لأدافع عن باطل واضح، مدعيا بصلافة أن التنازل كان رضائيا وبكامل إرادة الوالدة. وفي لحظة المداولة، أتلفت بحثا عن سند وهمي يحميني من غضب الجميع، أدركت أنني خسرت آخر ما يربطني ببشر سوي: • عائلتي باعها الطمع في مزاد الذاكرة الخاوية، ووجدت نفسي وحيدا في مواجهة العالم. بلغ هوس الصراع ذروته في ذلك اليوم المشؤوم، حيث لم تكن أموال الودادية السكنية ونيات الميراث سوى فتيل أشعل غضبا هادرا لم أدرك مداه إلا حين تحولت أروقة الإدارات وأزقة الحي إلى ساحة حرب مصغرة ضدي. ففي ذلك الصباح، اعترض طريقي المعطي؛ العامل البسيط الذي لم يكن مجرد ضحية خسر ماله، بل كان نموذجا للإنسان المنسحق الذي باع ما يملك ورهن حلي زوجته ليدفع لي قسط الشقة الموعود، معلقا عليها أحلام أطفاله في حياة كريمة. وقف مدعوما بصرخات إخوتي المصدومين الذين حضروا ليشهدوا نهايتي، كأنهم جميعا جبهة عدالة شعبية مصغرة. لم يمنحه اليأس فرصة للكلام؛ بل هجم علي كالطود المنقض بصوته المبحوح المقطوع بالبكاء، وأسقطني أرضا وسط ذهول المارة، ويصرخ بدموع حارقة ترتجف لها الأضلع: • أكلت عرق أطفالي يا خائن! أين البيت الذي وعدتنا به...؟ أين شقاق الفقراء يا سارق الأحلام...؟ لقد استبدلت كرامتنا بأوهامك الدنيئة.... في لحظات تحلق حشد غاضب من الضحايا حولنا، وارتفعت القبضات وتطايرت الشتائم واللكمات، لتتحول قامتي الطويلة إلى مطية لغضب جماعي أعمى أكد لي نظريتي بأن البشر ليسوا سوى ذئاب بشرية. تمكنت بصعوبة بالغة من الإفلات من قبضاتهم، ومزقت ثوبي، لأفر هاربا ككلب أجرب بين الأزقة الضيقة. تخفيت خلف الحاويات وأسطح البيوت، وتحت جنح الظلام، وصلت إلى بيت والدتي المظلم في أطراف السهل. فتحت لي الجدران الباردة مرحلة من الاختباء استمرت لأسابيع طوال داخل قبو البيت، حيث تحولت تلك الغرفة الصغيرة إلى قبر حقيقي أتنفس فيه الهواء الشحيح وأنا أترقب بأعصاب منهارة أصوات الملاحقين. لم يعد المارة يعيرون قامتي المتقوسة أي التفاتة، ففي زحام السوق العتيق، حيث تتداخل روائح الخضار الذابلة بطين الأزقة، أجر خطواتي بثقل رجل أضاع اتجاه البوصلة، مطاردا بجيش من الأشباح التي تطالب بديونها. لم تكن الأصوات التي أسمعها في خيالي سوى صدى لصرخات المعطي وشتائم إخوتي ونحيب الأرامل اللواتي سلبتهن مأواهن. وقفت طويلا تحت مظلة بلاستيكية تمزق أطرافها بفعل الريح، أراقب بائع الزيتون وهو يقلب سلعه بمهارة صامتة. فجأة، تحولت براميل الزيت في مخيلتي إلى خزائن الذخيرة في الثكنة، وانعكست وجوه المارة في الزيت الصافي كوجوه رفاقي الضحايا الذين يطاردونني بنظرات اللوم. أدارت امرأة ترتدي جلبابا مرقعا وجهها نحوي صدفة، رأيت في بؤبؤي عينيها انعكاسا مشوها لطولي المفرط وشاربي المكسوين بالرماد، فخيل إلي أنها زوجتي السابقة تحمل فأسا لتقطع ما تبقى من كرامتي. تراجعت خطوتان للخلف، مصدوما ببرميل فارغ أحدث صدى أجوف دوى في أذني كطلقة نارية، فواصلت السير بلا مأوى، أتابع أثر خطواتي المتعثرة وهي تختفي تدريجيا وسط غبار الدراجات المتهالكة، قبل أن تطوقني أجهزة الأمن في المنعطف الموالي، لا هروبا من العدالة إنما خلاصا من جحيم هلوساتي. حين تساقطت الملفات القضائية كالصاعقة معلنة بطلان صفقات الودادية وقضايا النزاع العائلي، لم ينفعني الاختباء طويلا، طوقتني الأجهزة لتسقطني في ردهات المحكمة ومنها إلى أقبية الظل، التي تحولت إلى مسرح لمحاكمتي الذاتية القاسية. بين أربعة جدران إسمنتية باردة، انكمشت قامتي الطويلة وتدلت كتفاي كأن حبالا خفية شدتني إلى الأرض. في تلك الزنزانة الضيقة التي لا تفتح إلا عل كوة حديدية صغيرة، تحولت عتمة المكان إلى مرآة حقيقية تفضح سواد الروح. لم تزرني زوجتي ولا أولادي الصغار، فقد كست عينيها نظرة نهائية من الجفاء حطمت آخر أمل في الغفران، واكتفى الإخوة برفع القضايا نهائيا لرد ما أغتصب من تركة الأم. في رطوبة الزنزانة، لم يعد طيف عمي الميلودي هاربا أو هامسا، تجسد كحارس صارم يتربع على حافة السرير الحديدي، يعيد على مسامعي تفاصيل السقوط صمتا لا يرحم. بدأت أرى وجوه ضحاياي في كل ركن، وأسمع صرخاتهم المكتومة تتسرب عبر الشقوق، محولين وحدتي إلى عذاب مقيم لا ينتهي. بعد سنوات وراء القضبان، عشت محروما من كل شيء، أكثر ما افتقده المقالب التي أدبرها للناس في سبيل لقمة العيش، استعيد سقطات العمر دون خجل، خرجت إلى العالم الخارجي كرجل هرم تخطو بتثاقل نحو مجهول رمادي. لم تكن المدينة التي أعود إليها هي ذاتها التي عرفتها، فقد تغيرت معالم الشوارع، ووجوه المارة، ولم يعد اسم عباس هاجوج يثير سوى غبار نسيان عابر أو اشمئزاز صامت من بقايا رفاق الصبا والإخوة على حد سواء. تحولت إلى طيف حقيقي يتسكع على أطراف المحطات والأسواق الشعبية، أبحث عن فتات عمل يستر عري الشيخوخة. انحنى ظهري تماما حتى كاد يلامس الأرض، وسقطت ما تبقى من أضراسي، فصار صمتي أبلغ من كل اعتذار. لم يعد يلاحقني الطيف القديم الذي نغص عيشي يندفع في كل في مخيلتي كأنه ركام أحجار، رحل عن الدنيا، دهسته سيارة انحرفت عن الطريق يقودها سكير، غيابه ترك فراغا أثقل من وجوده، كأن ضميري قد استقال نهائيا من ممارسة الألم. أصبحت أعيش على الضربات الموجعة التي أتلقاها يوميا، أحاول مد يدي لاستجداء لقمة حتى أتلقى صفعة من صبي يستهزئ بطولي الفارع، أو ركلة من بائع متجول يراني لصا قديما. أصبحت منبوذا مطاردا في كل مكان، لا مأوى لي سوى أرصفة البرد، ولا رفيق لي سوى ذكريات الخيانة والانكسار. في يوم خريفي غائم، جلست على رصيف مهجور بالقرب من سور مقبرة قديمة، أراقب حبات المطر وهي تغسل وجه الأرض، متمنيا لو تغسل معها عاري. أخرجت من جيب معطفي الممزق مرآة الجيب الصغيرة والباهتة ذاتها، نظرت إليها طويلا فلم أجد سوى تجاعيد تحكي قصة رجل باع مبادئه برهانات خاسرة. وفي تلك اللحظة، هبت ريح باردة أطاحت بالمرآة من بين يدي المرتجفتين، لتتكسر إلى شظايا صغيرة تناثرت على الحصى، معلنة النهاية الصامتة لرحلة طويلة من الهروب، والسقوط، وضياع الثقة.
#الحسان_عشاق (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
شهرزاد لم تسكت عن الكلام المباح
-
إمبراطورية باعقيلوش الكلامية
-
مكتبة السندباد وشاشات الهاتف النقال
-
طرقات على الجلد الميت
-
أمير الدبابير وراعي الدودة
-
دبيب النمل ووهج الصيف الحارق
-
أنفاس الياسمين المتمردة
-
حين تشترى الأصوات وتفقد الأوطان
-
من وهج الشاشة الى مداد القلم
-
عَبرات فوق قبر أمي
-
المكي بولهموز يطارد السراب
-
زوجة على وشك السقوط
-
حارسة المرمى وحارسة الذاكرة
-
سمفونية الفناء: ترنيمة السقوط الأخير
-
ابن تاشفين تراتيل الذاكرة ومقبرة الحنين
-
ارتجاف المطرقة في فراغ الروح
-
ضفائر الطين وكحل الغياب
-
الدكتور ضريسة: ارشيف الدموع المكتومة
-
سكاكين في ميزان الضمير
-
خوارزمية الجشع في سيرة معلم
المزيد.....
-
هل يعود نصب بوشكين إلى موقعه التاريخي في موسكو؟
-
أزمة تجنيد في شرطة برلين بسبب ضعف اللغة الألمانية لدى المتقد
...
-
في يوم السينما الروسية.. إصدار مقطع دعائي لفيلم -تشيبوراشكا
...
-
من ألهم ليف تولستوي شخصية ناتاشا روستوفا في روايته -الحرب وا
...
-
مسرح أرخانغيلسك يقدّم تشيخوف في قالب الفارس الهزلي بموسكو
-
27 ألف رسالة وصلته متأخرة.. حكاية فنان كوبي طاردته لوحاته
-
سليمان منصور.. الفنان الذي حوّل فلسطين إلى ذاكرة بصرية
-
افتتاح معرض -ألوان وحروف.. وأثرٌ لا يزول- للفنانة باسلة عنان
...
-
استطلاع.. الأفلام السوفيتية التي ينتظر الجمهور مشاهدة نسخ جد
...
-
45 دولاراً لدور بطولة.. هل يُطيح الذكاء الاصطناعي بالممثلين
...
المزيد.....
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
المزيد.....
|