أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الحسان عشاق - شهرزاد لم تسكت عن الكلام المباح















المزيد.....



شهرزاد لم تسكت عن الكلام المباح


الحسان عشاق
روائي وكاتب صحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8800 - 2026 / 8 / 17 - 03:15
المحور: الادب والفن
    


ولدت على رصيف العاصمة طفلة عادية، ورقة يابسة قذفت بها عاصفة التهميش في وجه المدينة التي لا ترحم. قبل أن يمد لها الحاج الزرهوني يده المسمومة، وقبل أن تلبس المعاطف الفاخرة وتجلس تحت قبة البرلمان، أرض الواقع الوقحة تعجن جسدها الغض بأسياخ من الظلم والقهر المبرح. في العالم السفلي، تنبت الخطايا في خنادق العتمة، الجوع أكل أصابعها المتجمدة حتى أوشكت على التلاشي، واتخذت من رصيف الزقاق العتيق والحدائق العمومية فراشا وملاحف من الصقيع. العاصمة تنام على دفء الأغطية، بينما تحصي طعنات الريح العاتية في عظامها العارية، تتقاسم ليلها الطويل مع كلاب الشوارع الضالة وأشباح الجياع.
وفي تلك المواخير المرعبة التي تديرها أياد من طين وقسوة، ينهش طفولتها قطرة قطرة جحيم الاستغلال الجنسي المفروض. فالغرف مقاصل مغلقة تعبق برائحة العرق والدخان والدموع المكبوتة، القوادة الجبارة تجردت من كل معاني الأمومة والرحمة، تبرح جسدها النحيل ضربا مبرحا بلا توقف، كلما تجرأت شهرزاد على رفض ابتزاز جسدها أو امتنعت عن تسليم عائدات تجارة الرذيلة المسلوبة. سياط القوادة تهوي على ظهرها كأنها تحفر في صخر، لتسيل دموعها مرارا وتكرارا فوق بلاط الرطوبة والمهانة، عيناها المحبوسة في قفص الرعب تتوهجان بنظرة كبرياء عنيدة تأبى الانكسار.
بين جدران المواخير المتعفنة، لم تكن تبكي ألم الجسد قدر ما كانت تبكي احتراق براءتها، مدركة في أتون العذاب المهيض والمر أن العالم لا يمنح الضعفاء سوى السياط، وأن البقاء مضمون لمن يتعلم كيف يبتلع دموعه ويحول جراحه إلى سلاح. من رحم الجوع الحارق، ومن صرخاتها المخنوقة تحت أقدام الجلادين، ولدت الفراسة وتشكلت قسوة الصقيع في صدرها، فتاة قادمة من رماد العراء، أقسمت أن تعود يوما لتسحق كل من تجرأ على تدنيس روحها في أسواق اللحم المباح.
تحت أضواء المصابيح الشاحبة لمنتصف الليل، يتسلل صقيع العاصمة ليخترق عظام الأرصفة، شهرزاد اليتيمة تتخذ من الزاوية الحجرية الحانية لمبنى عتيق وطنا مؤقتا يحميها من طعنات الريح. لم تكن قد تجاوزت السابعة عشرة، لكن قسوة الدنيا حفرت على محياها أخاديد من الخبرة ما لا تدرسه المدارس في عقود طويلة. ترتدي معطفا مهترئا، يتثاءب قماشه البالي كلما هبت ريح، ليخفي تحته وجها وهب قدرا نادرا من الجمال الفاتن، وعينين ذكيتين كحبة بندق تراقبان تفاصيل المارة بدقة متناهية، كصقر يترصد فريسته في عتمة الغابة.
وفي ذلك العالم الموحش، أدركت شهرزاد مبكرا أن الخبز لا يطرق باب الجائع، وأن البقاء ليس لمن يمتلك قوة الجسد، إنما لمن يمتلك الفراسة والنباهة والتفكير العميق. لياليها المتشابهة تبتلع ساعات الطول والبرد، ترقب رجال الأعمال والسياسيين وهم يترجلون من سياراتهم الفارهة بخيلاء لتتلقفهم أبواب المطاعم الراقية. لم تكن تنظر إليهم بنظرة حسد صفراء، إنما بعين الباحث المتأمل، تدرس لغة أجسادهم الواثقة، إيقاع خطواتهم المدروسة، وكيف أن السلطة والمال يمنحهم هالة من غرور يتهاوى فجأة أمام ومضة إطراء عابر.
وفي ليلة تجهمت فيها السماء وانفجرت بدموع سخية، كانت أصابعها المتجمدة تكافح للتشبث بقطعة خشبية مدفأة، التقت بالرجل الذي سيغير مجرى رصيفها. لم يكن مجرد عجوز تائه، كان الحاج الزرهوني، إمبراطورية مالية معروفة في سلا والرباط، يمتلك العقارات ومحطات البنزين والضيعات الفلاحية وبواخر الصيد وحافلات للنقل الطرقي. وراء الثروة الكد وعرق الجبين، بدأ حياته حمالا في الميناء يصارع الموت لتحقيق ذاته. حين أهداها زجاجة عطر فاخرة، لم يبتسم شفقة، ابتسم كمن يرى مسخه الخاص يولد من جديد، هامسا بصوت واهن:
• العالم لا يهزم بالقوة، إنما بتفكيك أوهام من يملكونه.
زرع فيها بذرة الشك التي ستأكل روحها لاحقا وتكون طوق النجاة الأول في رحلة العبور الكبرى. ولم تكن تلك العلاقة طوق نجاة فوري؛ بل خاضت شهرزاد على مدار سنوات ثلاث شاقة مخاضاً مريراً من التعلم؛ إذ كانت تتردد سراً على مكتبة البلدية العتيقة ليلتحق ذهنها بتعلم أصول الحساب، ومبادئ العقود القانونية، وتتبع حركة الشركات بالصحف اليومية، مستغلة ساعات النهار في تثقيف نفسها ذاتياً، بينما تكرس الليل لابتزاز الحيتان. وفي أوج هذا الصعود، وصل الحاج الزرهوني إلى جدار مسدود؛ إذ عجزت إمبراطوريته المتآكلة عن ملاحقة متطلبات شهرزاد المالية الملحة، خاصة بعد أزمات ضريبية خانقة ضربت قطاع حافلاته ومحطات الوقود. وحين وقفت في مكتبه مطالبة بتنازل عقاري أخير ينهي التزاماته، انهار الرجل دمعا على مكتبه المهترئ، معترفاً بعجزه التام ومحذرا إياها من غضبة شركائه القدامى، لتستثمر الانهيار ببرود تام وتنتزع منه آخر وثيقة تأسيسية لشركتها الجنينية، تاركة إياه يصارع إفلاسه بصمت، بينما خطت أول خطوة حقيقية نحو أضواء المال الحقيقي.
كان الليل في تلك الشقة الشعبية المتهرئة طقسا جماعيا لتبادل الخيبات. حين تلتئم جدران الغرفة الضيقة على شهرزاد وزميلاتها، الأجساد المتعبة تسقط على الأسرة المتهالكة كدمى أثقلتها ريح النهار، وما لبثت عتمة الغرفة أن تنبض بأسرار النهار وأحاديثه. حديث الفتيات لا يدور حول شيء سوى ذلك الظل الستيني الواقف خلف صينيات المقهى، الحاج الزرهوني. كن يتغامزن بصوت مختلط بالحسد والتهكم على ذلك العجوز المتصابي الذي تحول بفعل الهوس إلى تلميذ بليد في مدرسة دلال شهرزاد. كن يحفزنها بلسان سليط يمزج بين النصيحة والتحريض:
• امتصي ما في جيبه حتى آخر قطرة يا شهرزاد.. إنه يدفع ثمن خوفه من الشيخوخة، فكوني الجلاد الذي يأخذ ولا يرحم.
لم تكن شهرزاد ترد عليهن، تجلس على حافة السرير البالي، تفرك أصابعها المتجمدة، وتراقب دخان سجائرهن المتصاعد، عقلها يحيك خيوط اللعبة بدقة مذهلة. الحاج الزرهوني أدمن حضورها كمن يستهلك جرعة مخدرة تعيد إليه وخز الحياة. في كل مساء يتربع في زاويته المعهودة بالمقهى الراقي، يرميها بكلمات غزل ثقيلة ومرتجفة، كمن يرمي فتات الخبز لعصفور ذكي يدرك تماما كيف يستدرج صياده.
وتحت غطاء الخدمة الخاصة، كانت الأظرفة المالية الغليظة تتسلل إلى حقيبتها كأوراق توت تسقط على عري واقعها المرير، لتصبح تلك الأموال المقتطعة من إمبراطورية ضخمة تدر الملايين من العقارات ومحطات الوقود وبواخر الصيد وحافلات النقل رصيدها الصامت في معركة الصعود. وفي تلك الليلة التي قرر فيها أن يكسر حاجز المقهى، وافقت شهرزاد أن يقلها في سيارته الفارهة بذريعة أن الشوارع مظلمة وأن المطر لم يكف عن الهطول. تهادت السيارة عبر شوارع العاصمة المضاءة ببريق خادع، لتتوقف في الزقاق المنسي الغارق في البرك المائية وروائح قنوات الصرف الصحي حيث تلتصق العمارة الشعبية بأحلام الفقر.
حين ترجل الحاج من صهوة سيارته الوثيرة، وبدأ يخطو بحذر فوق أرضية الحي المكسوة بالحصى والبرك الأسنة، كان يبدو كالملك المخلوع الذي ضل طريقه إلى المنفى. رافقها صعودا وسط درجات السلم المظلمة التي تتنفس رائحة الرطوبة والزيت المترسب، عابرا عتبة الباب الخشبي المتهالك لتلك الشقة التي تشاركها مع زميلاتها. في ذلك الفضاء الضيق المكتظ بأنفاس التعب وعطور رخيصة، وقف الرجل الستيني الهارب من مرآة شيخوخته، ليرى بعينيه المرعوبتين قاع العالم الذي تتحدر منه فتاة أحلامه.
لمع في عينيه مزيج مرعب من شهوة العجائز المتصابين، وشعور الذنب الخفي الذي يخمش ضميره، والخوف الفاضح من أن تلتقط عيون الجيران أو معارفه طيف حضوره في الحي الشعبي المظلم. لم يرتجف خوفا فحسب، إنما ابتسم بمرارة واكتشاف، مدركا أنه يصنع نهايته بيديه. وحين أحكمت شهرزاد وثاق رغبته، ورفعت سقف اللعبة لتطالب بأبعد من العطايا المؤقتة، انكسر درعه الأخير. ارتجف الحاج الستيني، وتلعثم صوته بخوف متوسل:
• أولادي.. المجتمع.. زوجتي.. العائلة.. لا يمكنني يا شهرزاد، لكن سلي قلبي بما شئت.. فكل ما أملك فداء لرضاك.
لم تهتز لها شعرة، استثمرت الانكسار فوق رصيف الخديعة ببرود صقيعي. حولت الرفض إلى غنيمة محكمة، صمت أبدي على زيف العهود، يقابلها سيولة مالية تتدفق بلا توقف، وتوثيق قانوني خفي ووثائق إدارية وعقود تفويت أرضية سحبت من أدراج مكتبه لتمويل شقتها الراقية القادمة. استسلم الحاج لسطوة عينيها كمن يسلم مفاتيح حصنه لطاغية صغير، موقعا طوعا صك عبوديته المالية والنفسية، لتخطو شهرزاد خطوتها الكبرى خارج عتمة الرصيف، عابرة نحو أول درجات المجد المشبوب بالدم والمال، تاركة خلفها شبحا صامتا يدرك أسرار تأسيسها الأول.
لم تكن دراهم الحاج الزرهوني المعدودة ما تبحث عنه شهرزاد، بعد أن استوت على أول درج من درج الثراء، بحثت عن الشفرة، عن الثقب الصغير في جدار حصنهم العالي. في تلك الأمسية، عند بوابة الفندق حيث تعبق الأجواء برائحة العطور الباهظة ودخان السيجار المستورد، لم تكن تسير على الرخام إنما على حافة سكين. أسقطت محفظتها المزيفة ببراعة ممثلة محترفة، لتتفتق اللحظة عن ارتباك مدروس بعناية. وحين انحنى ليلتقطها، لم يكن يرى فتاة شارع، يقرأ في عينيها الذكيتين لغة أخرى، لغة امرأة أتقنت فن الصمت قبل الكلام.
• أنا لا أطلب خبزا يا سيادة المقاول.. أنا أطلب مرآة..
هكذا حدثت نفسها مرتشفة قهوتها أمامه بهدوء يثير الريبة. ومن تلك الطاولة القصيرة، بدأ الطوفان. لم تكن تسرق الأسرار، كانت تدعهم يسكبونها بأنفسهم في كؤوس غرورهم مستغلة خلوات الصالونات المخملية لتوثيق تفاصيل صفقاتهم المشبوهة، عبر تسجيلات صوتية عابرة ومستندات ضريبية تترك ملقاة بشرود فوق المكاتب، فرجل الأعمال المهدد بالإفلاس يرى في إنصاتها طوق نجاة، والسياسي الباحث عن المجد يرى فيها كاهنة تبارك خطواته في العتمة. تحولت الشقق الصامتة إلى صالون مخملي، وتغيرت رائحة معطفها القديم إلى عطر من صندل ومؤامرات لا تموت.
لم تكن رحلة العبور مجرد قفزة عشوائية، كانت تشبه نحت التماثيل من صخر الصوان، فقد تسللت شهرزاد المكناسي إلى قلب النخبة بخطى هادئة كدبيب النمل، مستفيدة من مفكرة صغيرة تحفظ فيها زلات لسان أصحاب المعالي وأسرار مقاولي الظل. بفضل جمالها الأخاذ الذي لا يقاوم، ولباقتها التي تتكيف مع كل شخصية تقابلها، استطاعت نسج شبكة معقدة من العلاقات مع أصحاب النفوذ وقادة قطاع المال والأعمال.
تتقن فن الاستماع الفعال، تجعل كل شخصية كبيرة تشعر أنها الأهم في الغرفة، مما دفعهم إلى الإغداق عليها بالهدايا الثمينة، والشقق الفاخرة، والأسهم في شركاتهم كنوع من التباهي بكسب ودها واسترضائها. لكن شهرزاد لم تكن تستهلك تلك الأموال في اللهو، بل تعيد استثمارها بذكاء حاد، متكئة على أرشيف ثقيل يضم تدوينات بخط أيديهم، واعترافات مسجلة على أشرطة كاسيت تقليدية في جلسات سامر حميمية ، إلى جانب وثائق إدارية أصلية انتزعتها من مكاتبهم في غفلة.
وفي ومضة استرجاعية، تستحضر تلك الليلة التي انتزعت فيها أول وثيقة تفويت عقاري متعثرة من مكتب الحاج الزرهوني عبر وسيط أرغمت هيبته على الصمت، وتركته يتخبط بين خوف الفضيحة وتأنيب الضمير حتى وقع صاغرا على تنازل ممهور بخاتمه الشخصي، وثيقة استخدمتها كحجر أساس لتدشن شركتها الأولى في كنف الظلال، مانحة إياها الدفعة الأولى نحو تراكم رأس مال مشبوه وذكي. كل سر عرفته وكل اعتراف همسوا به في غمرة خمرهم خلال حضورها للمجالس المخملية، تحوله إلى أوراق ضغط ناعمة أو فرص استثمارية مواتية. منحتها تلك السياسات حصانة غير مكتوبة، وجعلت الكبار يتنافسون على كسب رضاها خوفا أو طمعا.
لم يبن طابقها الأول على رمال عابرة، فمن رحم تلك الوثيقة الأولى وعقود المقاولات الميتة التي أحيَتها بذكائها، توسعت عجلاتها شيئا فشيئا حتى أعلنت مجموعة المكناسي القابضة عن نفسها ككيان شرس في ظرف عقد كامل من التخطيط الجهنمي. امتدت استثماراتها لتشمل العقارات الضخمة والمنتجعات. لم تعد مجرد متلقية للهدايا، أصبحت صانعة للقرارات ومحركة للدمى من فوق برجها الزجاجي العالي. نظرتها للشارع نافذة على ماض لا ينسى، متماسكة قاعدة من فولاذ:
• في عالم الكبار، لا ينجو إلا من يحرك خيوط اللعبة بيده، لا من تحركه أصابع الآخرين.
لكن البرج الزجاجي بدأ يشهد اهتزازات خفية مع اقتراب خصوم أطرافهم ليست عادية، خصوم يملكون القدرة على اختراق أسوارها الحصينة وقراءة خفايا أوراقها المحترقة.
لم تبن إمبراطورية شهرزاد المكناسي بين أروقة الشركات المصرفية فحسب، شيدت أكبر أسرارها في خفايا المجتمعات المخملية المتمردة على النور. تدرجت شهرزاد في ذكاء ودهاء مذهلين عبر شبكة من الصالونات الخاصة والمواخير الراقية المخفية خلف واجهات الأندية الليلية الفارهة وفيلات النخبة في رباط المجد، ومراكش الحمراء ببهرجتها المضللة، والدار البيضاء حيث تنسج خيوط المال والسلطة، وصولا إلى أجواء الشواطئ في أكادير، وعبق التاريخ والأزقة المغلقة في فاس ومكناس.
وفي تلك العوالم المغلقة المخصصة فقط لمن يملكون القرار والثروة المطلقة، كانت شهرزاد أكثر من مجرد ضيفة، تحولت إلى صندوق أسرار متحرك. مستغلة فتنتها الطاغية ولباقتها الاستثنائية، استطاعت التغلغل في دوائر القرار الخلفية لأكبر السياسيين ورجال الأعمال المغاربة والأجانب، موثقة كل خلوة باعترافات شفوية مسجلة عبر أشرطة صوتية دقيقة ومستندات خطية أصلية كانت تسرقها من حقائبهم أثناء انشغالهم بكؤوس النديم عبر تشغيل شباب متمرسين في اقتناص الفرص.
وفي الليالي الطويلة يكثر الضجيج والتفاخر بالرقيق الأبيض تسقط الأقنعة الرسمية وتبرم الصفقات المشبوهة، التقطت شهرزاد المستندات والاعترافات والتسجيلات الصامتة والمرئية التي جعلت الجميع تحت رحمتها. لم تعد تكتفي بالهدايا، أصبحت تملك زمام المبادرة والابتزاز الراقي، مستخدمة تلك الكواليس المظلمة كرافعة حقيقية لتحويل نفوذها المؤقت إلى هيمنة مطلقة لا تقهر على عصب الاقتصاد الوطني، غير مدركة أن تلك الأسرار ذاتها ستحول تدريجيا إلى فخ يطبق على عنقها.
بعد عقد من الزمن قضته شهرزاد المكناسي في التلاعب بخيوط النفوذ، والانتقال من الأرصفة الباردة إلى قصور صنع القرار، أدركت شهرزاد حقيقة واحدة، أن البقاء في حلبة الصراع يتطلب أحيانا التضحية بالظهور العلني من أجل امتلاك القوة الخفية. لم تعد شهرزاد تلك الفتاة التي تحتاج لإثبات حضورها في المواخير الراقية أو الصالونات المغلقة، أصبحت رقما صعبا في المعادلة السياسية والاقتصادية.
علاقاتها مع حيتان المال والأعمال تجاوزت مرحلة الاستغلال المتبادل إلى مرحلة الشراكة الإستراتيجية. بفضل أرشيفها الورقي والصوتي من الملفات الإدارية وصفقات الفساد التي جمعتها عبر السنين، تحولت شهرزاد من أداة بيد أصحاب النفوذ إلى حامية لمصالحهم، أو بالأحرى، الطرف الذي يمتلك مفتاح السجن لكل من يحاول الغدر بها.
لكن خطوتها الأذكى تمثلت في هروبها الناعم من دائرة الاستغلال المباشر، إذ بدأت شهرزاد في الانخراط رسميا في العمل السياسي بعدما تدربت وتمرست تحت مظلة أحد الزعماء السياسيين الذي قدمها في اللقاءات والتجمعات باعتبارها الصوت النسائي الشاب الذي يحتاج إلى فرصة. لم تنخرط كوجه للنظام، إنما كعقل مدبر يدير حملات انتخابية ويمول مشاريع كبرى خلف الستار. استثمرت جزءا كبيرا من ثروتها في شركات استشارات سياسية وإعلامية، مما منحها حصانة قانونية ومجتمعية لم يكن ليحلم بها أحد في مثل ظروفها.
وفي ذلك اليوم جلست في شرفتها المطلة على العاصمة، نظرت شهرزاد إلى هاتفها الذي كان يرن بمكالمات من وزراء ومديرين تنفيذيين يتسابقون لنيل رضاها. ابتسمت باستهزاء، تذكرت مقولة صديقتها في السكن (الأفخاذ يحكمون العالم). ابتسمت في دواخلها، نجحت في تحويل كل المحن التي تعرضت لها، وكل استغلال طال جسدها وذكاءها في الماضي، إلى درع فولاذي يحميها من شراسة الشارع. كانت الضحية التي استدارت لتصبح الصياد، تاركة خلفها عهدا من التبعية لتبدأ عهدا جديدا تتحكم فيه بمصائر من كانوا يوما يعتقدون أنهم اشتروها بمالهم. لم تعد شهرزاد المكناسي مجرد مليونيرة، أصبحت صانعة الوجوه السياسية والإدارية في الظلال، يعرف الجميع قوتها، لكن لا يجرؤ أحد على مواجهتها... إلا من يحمل في جعبته ثغرة وجودية لا تدركها الحسابات البنكية.
لم تكن خطوة الترشح للانتخابات التشريعية مجرد مغامرة سياسية بالنسبة لشهرزاد المكناسي، كانت بمثابة معركة رد الاعتبار الأخير وتتويجا لرحلة صعود أسطورية بدأت من شقاء الشارع ومال شيوخ متصابين تحركهم المراهقة المتأخرة. اختارت شهرزاد أن تخوض المعركة الانتخابية في مسقط رأسها، مدينة سلا العتيقة بأزقتها الشعبية ووجوهها البسيطة التي تذكرها تماما بمن تكون ومن أين أتت.
كانت الحملة الانتخابية لشهرزاد درسا في الهندسة السياسية الحديثة، توظفت جزءا كبيرا من أموالها وثروتها الضخمة لإنشاء جمعيات نسائية تنموية ومبادرات اجتماعية استهدفت الفئات الهشة وأبناء الأحياء الشعبية في سلا. لم تكن تلقي خطابات ديماغوجية فارغة، كانت تخاطبهم بلغة العارف بأوجاعهم، مستخدمة فراستها اللبقة وحضورها الكاريزمي الطاغي الذي يمزج بين هيبة سيدة الأعمال وحنان ابنة الحي العريق.
وكما توقع العارفون بخبايا الأمور، لم تكن شبكة العلاقات التي نسجتها مع كبار رجال المال والسياسة طوال العقد الماضي بمعزل عن المعركة، تم توفير دعم خفي وحصانة غير علنية مستندة إلى ما تملكه من وثائق وأرشيفات سرية جعلت طريقها نحو البرلمان ممهدا.
وفي ليلة إعلان النتائج، أعلن رسميا فوز شهرزاد المكناسي بمقعد برلماني دافئ داخل قبة المؤسسة التشريعية. وحين دخلت قاعة البرلمان لأول مرة مرتدية ملابسها الأنيقة الجلباب الأبيض التقليدي ونظراتها الثاقبة، لم تكن مجرد نائبة جديدة تضاف إلى لوائح الحضور الصامت، كانت القوة الناعمة التي تعرف عن كواليس الدولة والطبقة السياسية أضعاف ما يعرفونه عنها. لقد أغلقت الدائرة:
• فتاة الشارع التي كانت تحلم برغيف خبز دافئ، أصبحت تشرع القوانين وتجلس تحت قبة البرلمان سيدة لمصيرها ومقعد تحسب له ألف حساب.
غير مدركة أن القبة ستكون أيضا مسرحا لتصدع إمبراطوريتها. لم تكن قبة البرلمان ولا الملايين المتراكمة في حساباتها كفيلة بملء ذلك الفراغ الخفي في حياة شهرزاد المكناسي. فخلال رحلة صعودها السريعة، دخلت شهرزاد في تجارب زواج متعددة من شخصيات وازنة، رجال أعمال نافذون، سياسيون كبار سعوا لربط أسمائهم باسم امرأة المائة رجل.
كل زيجة تبدو من الخارج عقدا استراتيجيا ناجحا أو تحالفا بين عمالقة، لكنها من الداخل كانت تشبه قفصا من ذهب خالص. فمع كل زواج جديد، تجد نفسها محاصرة بقيود اجتماعية وبروتوكولات صارمة تفرضها بيئة الطبقة السياسية العليا. أدركت بمرارة أن أولئك الرجال، رغم ما أبدوه من إعجاب بذكائها واستقلاليتها، لم يكونوا سوى امتداد لذكورية تقليدية تريد ترويض اللبؤة التي تدير الإمبراطورية.
لم تكن القيود مادية، كانت روحية ونفسية، فالزيجات سلبتها حرية الحركة التلقائية، وجرأة القرار المطلق، وذاك النسق المستقل الذي ألفته وعاشته لأكثر من عقد ونصف العقد من الزمن، منذ تلك الأيام التي كانت فيها حرة طليقة على أرصفة الشوارع، لا سلطان لأحد عليها سوى فراستها. كانت تخلع خواتم الزواج الثمينة وتنظر إلى انعكاس وجهها في مرآة غرفتها الفارهة لتتساءل:
• أين تلك الفتاة التي كانت تملك العالم كله وهي لا تملك سوى معطف مهترئ...؟
استطاعت أن تشتري القصور والمقاعد البرلمانية، لكنها أدركت متأخرة أن أثمن ما خسرت في طريق السلطة والمال، تلك الحرية المطلقة التي لا يعوضها جاه ولا سلطان، لتترك الباب مشرعا أمام طعنة لم تكن تتوقعها من الند الذي يشاركها جراح الماضي.
لم تكن الحصون التي بنتها شهرزاد المكناسي من حديد أو أسمنت، إنما من الشك الخالص، الدرع الحارق الذي صانها. لكن التاريخ يصر أحيانا على اختراق الدروع من حيث لا تحتمل البصيرة قطرة ضوء، من خاصرة الحنين وجروح الهامش. ظهر ياسين الكمالي، لم يدخل كصيد عابر أو طامع عادي، إنما كمرآة مظلمة لشهرزاد؛ فهو لم يكن شاباً عادياً، بل كان قانونياً لامعاً وعاطلاً عن العمل تخرج من رحم نفس أزقة التهميش بمدينة سلا قبل أن تبتلعه أروقة المحاكم كموظف ظل مرتشٍ. أدرك ياسين مفاتيح إمبراطوريتها بعد أن راقب عن كثب انهيار بعض شركات الواجهة التابعة لها، فقرر أن يوظف دهاءه القانوني لاختراق ثغرات العقود الخارجية لمجموعة المكناسي. استغل حالة التآكل النفسي والاختناق التي فرضتها عليها أسوار الزواج والبرلمان، ونسج خيوطا من التعاطف المفتعل مستندا إلى ثغرة قانونية معقدة ومخاطر داهمة تهدد ترخيص مجموعتها العقارية الخارجية. أظهر لها وثائق تسريب ضريبي مدبرة بدقة جعلتها تستشعر الخطر المحدق، موهما إياها بأن توكيلا إداريا مؤقتا لمستشار قانوني (هو واجهته الخفية) سيمثل درعا واقيا لحمايتها من هجوم استقصائي وشيك. ولأول مرة منذ عقدين، لان حجر الارتياب في صدرها، فوقعت التوكيل لا عن سذاجة، إنما تحت تأثير وهم حماية إمبراطوريتها من انهيار وشيك. وما إن استقر الخطاب القانوني في كفه، حتى سقط القناع، ونظر إليها ببرود يضاهي برودها القديم، مسربا الأصول نحو حسابات ظل مرسومة بعناية، ليختفي الرجل تاركا وراءه امرأة تقف لأول مرة أمام مرآتها عارية إلا من خيبتها ويقينها المهتز.
لم تذرف شهرزاد دمعة واحدة. الدموع ترف لا تملكه نساء الرصيف. في مكتبها المظلم، حيث لا شيء يضيء سوى وميض شاشات المراقبة والبيانات المصرفية، جلست كتمثال من رخام بارد، تعيد تركيب شظايا الخديعة. أدركت أن ياسين لم يكن سوى بيدق صغير في رقعة أوسع، لكن الثأر لا يستقيم إلا إذا كان نازفا وهادئا. بدأت تنسج الخيوط في الظل، أشاعت عبر شبكات وسطائها أنها مستعدة لتسوية ودية بعيدة عن الضوضاء خوفا على سمعتها البرلمانية. انطلى الطعم على غرور الشاب، فوقع في الفخ حين لبى دعوة لقاء سري في استراحة معزولة على أطراف الرباط، ظنا منه أنه قادم لفرض شروطه على سيدة منكسرة.
وفي تلك الفيلا المعزولة، لم يكن في انتظار ياسين محامون للتسوية، إنما صمت ثقيل ورجال يأتمرون بامرأة لا تعرف الرحمة. تحت وطأة الترهيب ومواجهته باعترافات خطية لشريكه في السرقة وتسجيلات صوتية توثق خيانته، أجبر على توقيع عقود إعادة الأصول وتسليم دفاتره ومستنداته الأصلية صاغرا، مستوعبا متأخرا أن الخيانة والعبث بإمبراطورة الشارع يعقبه جحيم لا مفر منه، وأن الند الذي تجرأ على هزيمة شهرزاد لن ينجو من قسوة الانتقام.
لم تشأ شهرزاد أن تدنس يديها بعنف مباشر قد ترصد عدسات الصحافة آثاره. اختارت هندسة الانتقام الناعم. استقطبت فتاة ذكية وبارعة الجمال، ودربتها بعناية لترقب خطوات ياسين في كل مقهى وفندق راق، كظل لا يفارقه. وحين أعمى غرور الوسامة بصيرته، وظن أنه يكرر أمجاد غرامياته السابقة، استدرجته الفتاة إلى شقة خرسانية مجهزة بكاميرات رقمية دقيقة وتوثيق مرئي لا يرحم، بزعم صفقة تجارية وهمية. وما إن عبر العشيق عتبة الباب حتى سقط القناع، وجد نفسه محاصرا ليس بالفتاة، إنما بأدلة دامغة، وتوثيق صارم عبر أشرطة فيديو لكل تفاصيل خيانته واستغلاله للتوكيل. أدرك حينها أن إمبراطورة البرلمان قد أغلقت عليه الدائرة تماما، لتؤكد شهرزاد أن إمبراطوريتها قد تزلزلها الأخطاء، لكنها لا تسحق من قبل العابثين.
في أوج انتصارها على ياسين، وعند عتبات قبة البرلمان حيث تواجه خصومها الأقوياء وعلى رأسهم الوزير السابق المهدي سكيرج، أدركت أن الجبهة حولها تتداعى بشكل ممنهج. لم تعد المعركة متفرقة، تكثفت في محورين حارقين يمثلان ضمير الدولة ومؤسساتها: جبهة إعلامية استقصائية تقودها الصحفية غيثة فرحات، الوجه الآخر المحتمل لشهرزاد التي رفضت أن تشترى، والتي كرست قلمها لتشريح إنسانة الذاكرة وكشف خبايا الحسابات الوهمية وتهديد شرعية وجود شهرزاد الرمزية أمام الشارع بمهنية شرسة تفكك الخطاب تلو الآخر. ومحاصرة أمنية ومالية يقودها الضابط طارق المزواري، العقل الأمني الذي يرى في شهرزاد ورما سرطانيا يهدد سيادة النسق الأوسع، والذي استغل شبكة مخبريه لتجميد حسابات فرعية ومحاصرة شركات الواجهة التابعة لها، ليجد نفسها محاصرة بين قلم لا يمكن شراؤه وعقل أمني يراقب كل تحركاتها كمن يربي فأرا في متاهة.
وفي الفيلا السرية بالضاحية الغربية، التقت شهرزاد برأس الجهاز الاستعلاماتي المتقاعد والضابط طارق المزواري. لم تدخل مستسلمة، ألقت على الطاولة ملفا ورقيا سميكا يضم وثائق توثق تستر الأجهزة على صفقات مشبوهة للوزير سكيرج ومستندات خطية تخص معاملات الضابط نفسه، هامسة بصوت يقطر برودا حادا:
• إن سقطت إمبراطوريتي، فلن يبقى من هيبة أجهزتكم حجر واحد.. الملفات موزعة خارج الحدود، ومفاتيح سجنكم في ييدي..
تراجع الرجل خطوة إلى الوراء، ممتصا صدمة الرد الذكي، ليقول بنبرة هادئة ومريرة:
• اللعبة أكبر منكما.. النظام قرر إزاحة الجميع حين تتحولون إلى دولة داخل الدولة.
نظرت إليه بابتسامة كصقيع الشتاء، وقالت:
• فليرسلوا من يشاءون.. من يملك الملفات والمستندات يملك المفاتيح.
تحت قبة البرلمان، حيث تتصادم أجندات الحيتان الكبرى، وقف المهدي سكيرج خصمها البرلماني الذي يمثل وجه سطوة النظام محاولا إحراجها علنا بسؤال استفزازي يلمح إلى أصول ثروتها المشبوهة، ساءلا إياها بتهكم لا يخفي رغبته في سحقها:
• ماذا تبقى لكِ من كل الصعود...؟
لم ترتجف، وعدلت أوراقها بهدوء حاد، ناظرة إليه وإلى غيثة فرحات في شرفة الصحافة وطارق المزواري في الظلال، ثم رفعت عينيها في عيني المهدي مباشرة هامسة بصوت يقطر برودا حادا:
• سيدي.. إن الحديث عن الأصول والصفقات وتلك الوثائق الإدارية والمستندات الخطية يشبه فتح دفاتر قديمة لا تحتمل جدران البرلمان رائحتها. هل أنت مستعد لتحمل عواقب فتح الملف المالي لصفقات الأراضي والأدلة المكتوبة....؟
شحب وجه المهدي وانعقد لسانه أمام تلويحها بملف سري خاص يتضمن خط بخته وتوقيعه الأصلي، مدركا أن اللبؤة تحتفظ في أرشيفها بما ينسف مستقبله في ثوانٍ، وأن القفز على إمبراطوريتها يكلف الجميع أثمانا باهظة.
بعد جلسة البرلمان المشحونة، ركبت سيارتها متوجهة نحو أحياء مدينة سلا القديمة. ترجلت بمفردها، رافضة الحراس، وسارت فوق الرصيف الحجري القديم حيث كانت تجلس قبل سنوات ترتجف من البرد. اقترب منها بائع متجول، فوضعت في كفه ورقة نقدية وابتسمت لروحها مطولا مستحضرة ظلال الماضي والشخصيات التي شكلت قسوتها ووعيها:
• الشارع لم يهزمني.. الشارع كان معلمي الأول.. وما زال ينتظر نقاء ضاع في زحام البروج الزجاجية.
في الصباح التالي، لم يكن القرار هروبا من شبح الهزيمة، كان انتحارا اختياريا واعيا لبرج زجاجي تحول إلى زنزانة محكمة. أدركت شهرزاد أن قيود الإمبراطورية أثقل بكثير من قيود الرصيف، فالقصور والمقاعد البرلمانية لم تكن سوى أقفاص مذهبة سلبتها أثمن ما تملكه: حريتها البكر.
وفي كواليس الإغلاق التام، أجرت صفقة الخروج الأخير مع الأجهزة المناهضة وضباط الظل، تنازلت عن أرصدتها المعلقة لصالح الجمعيات الخيرية، وسلمت خزينتها الرقمية المشفرة، وأتلفت بأيديها آخر نسخ الملفات الخطيرة التي كانت تومض برقبة الدولة العميقة. الثمن إسقاط التهم، وتركها تمضي حرة، بلا ملفات، وبلا حراس. صدر البلاغ الرسمي فجأة ليهز أركان العاصمة:
• استقالة مدوية للنائبة شهرزاد المكناسي من قبة البرلمان.
لم تكن خطوة الرحيل مجرد هروب عاطفي، كانت فصلا مدروسا بعناية فائقة ضمن خطة هروب محكمة، فقد أتمت شهرزاد تحضيراتها عبر نظام تشفير رقمي سحابي مبرمج مسبقا، وحجز تذكرة بحرية نحو الضفة الأخرى للأوروبيين عبر جواز سفر بديل استخرجته عبر شبكة وسطائها المقاولين النافذين.
وفي ذلك الصباح البارد، وقبل التوجه نحو الميناء، استقلت سيارتها وتوقفت طويلا أمام شقة آمنة مجهزة ببرمجيات الإرسال المؤقت. فعوضا عن الصناديق الورقية البدائية، ضغطت زر الإرسال المبرمج لتنطلق حزم بيانات مشفرة وثائقية مباشرة نحو البريد الإلكتروني الآمن للصحفية الاستقصائية غيثة فرحات، متضمنة أرشيفا رقميا كاملا وموثقا بالصوت والصورة ينسف حسابات النفوذ ويثبت تورط رجالات الدولة والوزير سكيرج. أغلقت حاسوبها ببرود أعصاب هادئ، وأدارت المحرك نحو المجهول حيث كانت سفينة الشحن تنتظرها بعيدا عن أعين الرقباء.
حين حطت رحالها في الضفة الأخرى من المتوسط، وأصبح البحر فاصلا بينها وبين جحيم الماضي، لم تتوقف عن المتابعة. فبعد أيام من وصولها واستقرارها في شقة صغيرة مطلة على الميناء، وصل التنبيه الرقمي للصحفية غيثة فرحات، لتنفجر القنابل الاستقصائية والملفات الانشطارية في الداخل، محدثة زلزالا مدويا هز أركان البلاد، وأطاح بالوزير سكيرج وكل من اعتقدوا أنهم بمنأى عن المحاسبة، بينما بقيت شهرزاد تتأمل أفق البحر المفتوح، حرة كنسيم الصباح، بعد أن أحرقت خلفها كل قلاع الوهم والسلطة.



#الحسان_عشاق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إمبراطورية باعقيلوش الكلامية
- مكتبة السندباد وشاشات الهاتف النقال
- طرقات على الجلد الميت
- أمير الدبابير وراعي الدودة
- دبيب النمل ووهج الصيف الحارق
- أنفاس الياسمين المتمردة
- حين تشترى الأصوات وتفقد الأوطان
- من وهج الشاشة الى مداد القلم
- عَبرات فوق قبر أمي
- المكي بولهموز يطارد السراب
- زوجة على وشك السقوط
- حارسة المرمى وحارسة الذاكرة
- سمفونية الفناء: ترنيمة السقوط الأخير
- ابن تاشفين تراتيل الذاكرة ومقبرة الحنين
- ارتجاف المطرقة في فراغ الروح
- ضفائر الطين وكحل الغياب
- الدكتور ضريسة: ارشيف الدموع المكتومة
- سكاكين في ميزان الضمير
- خوارزمية الجشع في سيرة معلم
- البغلماني طيف غريب في معبد السلطة


المزيد.....




- الشاعر الباكستاني شاهد عباس: الهوس بالاعتراف الغربي حوّل -ال ...
- وفاة الفنان الفلسطيني الكبير سليمان منصور صاحب -جمل المحامل- ...
- نجوم الدراما يعودون إلى السينما.. هل تستعيد الأفلام التركية ...
-  بعد فوزه بجائزة النيل للمبدعين العرب.. الشاعر العراقي د. عل ...
- بين المال وعقدة اللغة.. أسرار عزوف اللاعبين الإنجليز عن الاح ...
- RT تدشن فيلم -أرض اللبان- في عُمان
- ثلاث بيضات فابرجيه طلبها نيقولاي الثاني ضمن أغلى خمس بيضات ف ...
- سوبيانين: ترميم أكثر من 30 موقعا للتراث الثقافي في موسكو خلا ...
- من قلعة بني حماد إلى بجاية.. كيف غيّر البحر مصير الدولة الحم ...
- -على طريقة الأفلام-.. كاميرات توثق اغتيال زعيم مافيا القوقاز ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الحسان عشاق - شهرزاد لم تسكت عن الكلام المباح