|
|
سمفونية النهيق في مواجهة عقم الكراسي
الحسان عشاق
روائي وكاتب صحفي
الحوار المتمدن-العدد: 8813 - 2026 / 8 / 30 - 23:51
المحور:
الادب والفن
تصدر فارس الجبوجة المشهد في رمشة عين، شاب ناقم وساخط على الوضع المزري يفكر خارج الممكن ويبحث عن خلق الحدث . رائحة الكرسي تفوح من الأزقة المليئة بالضجيج، الوجوه نفسها تتكرر على اللوحات الإعلانية كأنها نسخة طبق الأصل من شريط سينمائي تالف، ظل يسفه المترشحين والوعود البائسة، يرتفع الصراخ ودخان السجائر. منافقون اعتادوا سرقة الأصوات بالوعود المعسولة، وتوزيع الوعود الوهمية على طبق من خذلان. لكن شباب الحي لم يستسلموا للملل، فمن رحم العبث ولدت الفكرة، فكرة أكثر عمقا ودلالة. في عتمة غرفة مظلمة، اجتمعت الشلة على وقع دخان خفيف وتفكير متعمق. قلب "عمر امناي"، شاب أنهكه البحث عن أفق في مدينة تبيع الوهم، بصره بين رفاقه وقال بنبرة مكسورة لكنها حاسمة: -إذا كان التاريخ الإنساني في هذه المدينة العاهرة قد خطَ بماء الخذلان، فلنكتب تاريخنا بسلاح لا يتوقعه أحد . من جلسة اخوية انطلقت الشرارة: - لماذا لا نمنح الصوت لمن يستحقه حقا...؟ طبعت على عجل منشورات وبيانات ورقية تحمل رمزا انتخابيا جديدا كليا: -وجه حمار وضع له ربطة عنق أنيقة ونظارات طبية ذكية. طبعا، لم يكن المترشح مسجلا في اللوائح الانتخابية الرسمية، ولا يوجد قانون في دستور البلاد يمنح حق الترشح للحيوانات، لكن إرادة الشباب تجاوزت الجمود القانوني تماما وقررت فرض الفكرة بقوة الإرادة العبثية، مستخدمة شبكات التواصل الاجتماعي التي اشتعلت بالوسوم حتى تنتشر الفكرة كالنار في الهشيم. انتشرت الأوراق في كل زاوية، وتطايرت فوق السيارات وفي الأسواق الشعبية كأوراق الشجر في خريف الغضب: -صوتكم للوفي الحقيقي... لا يكذب، لا يسرق، ويحمل الأثقال بصمت... حمار بشهادة جامعية افتراضية وقميص بالوان قوس قزح مقلم. اشتعلت الشوارع، طوارئ أمنية، مطاردات هوليوودية خلف الشباب يوزعون المناشير في جنح الليل، وكأن الأمر يتعلق بتهريب قنبلة ذرية، بينما القنبلة الحقيقية تكمن في تلك العيون البريئة المرسومة على الورق. استحسن الشارع الفكرة حتى باحت الحناجر بمبرراتها: -إذا كان المترشح الحالي يتقن ركل المواطنين كل خمس سنوات، فالحمار على الأقل يتقن ركل الأعداء ويصمت في وجه المآسي. بدل التصويت على الإنسان الماكر، ليكن البديل جاهزا... سخرية تلتهم المعبد السياسي من أساسه، وصوت شعبي يعلو في الزقاق: - الحمار.. الخيار الأذكى في موسم الصمت... على الجانب الآخر، بعيدا عن صخب الشارع، وقف السياسي المخضرم عبد القادر كرموسة أمام مرآة مكتبه الواسعة في مقر الحزب، يحدق في تجاعيد وجهه وبدلته الرسمية الفاخرة التي حكت عقودا من الصفقات والخطب الكاذبة المكررة على المسامع. تساءل في سريرته بوجوم وهو يرى استطلاعات الرأي تنهار: " -كيف لحمار أن يسحب البساط من تحت أقدامنا، ونحن من قضينا عقودا في حياكة قواعد اللعبة...؟ لكن مرآته لم تكن تعكس سوى رجل مهزوم يخشى حتى صدى صوته. الصحف الصفراء والمانشيتات المرتجفة لم تكن سوى ساعات معدودة حتى تحولت مزحة الزقاق إلى زلزال إعلامي يضرب أسوار المعبد السياسي. الشوارع التي اعتادت الصمت البليغ تحولت بين عشية وضحاها إلى مسرح مفتوح لملهاة شعبية عارمة، تقودها حوافر مترشح استثنائي لم يسبق له أن نطق بوعد كاذب. في صباح اليوم التالي، استيقظت المدينة على كارثة صحفية هزت كراسي الكبار. تصدرت صورة الحمار الأنيق، بربطة عنقها الفاخرة ونظاراته الطبية، صفحة الجرائد الوطنية والجرائد المستقلة بخطوط حمراء عريضة: -مترشح بلا حظوة سياسية... وبحوافر تزلزل الكراسي... -الحمار يتصدر النوايا التصويتية بنسبة تفوق وعود الحكومة المتقاعدة. المحللون السياسيون ظهروا على الشاشات في بث حي يبلعون ألسنتهم، يحاولون تحليل الظاهرة الشعبوية الجديدة دون أن تجرؤ قنواتهم على الاعتراف بأن الشارع اختار الاستبدال الكامل للصنف البشري الماكر. أما المنصات الرقمية، فقد انفجرت بركانا من السخرية اللافحة والكوميديا السوداء. انتشرت الوسوم كرشاش المطر: • #صوت_لحمارك_تعش_بأمان تجاوز ملايين المشاركات في ساعات. مقاطع فيديو مركبة تظهر المترشح الوفي يقف خلف منصة الخطابة، بينما وضعت تحتها تعليقات تفيد بأنه الوحيد الذي لن يغير لونه الحزبي لأنه بلا حزب أصلا سوى البرسيم. رسوم كاريكاتورية قاسية تظهر المترشحين التقليديين يحاولون تقليد نهيق الحمار طمعا في استمالة الناخبين التائهين. في المقابل، أصابت الهيستيريا مقرات الأحزاب التقليدية. هرع زعماء الكراسي لعقد طوارئ خلف الأبواب المغلقة، يتبادلون الاتهامات ويراقبون استطلاعات الرأي التي تظهر تفوق مترشح الرفس المبرمج على عتاة السياسيين المخضرمين. بينما كان الشارع خارجه يردد بهتاف جماعي ساخر: -ونهيقك يا معالي المترشح... أطهر من وعودهم... عندما تبخرت أرصدة المترشحين أمام التبن، لم تكن مقرات الأحزاب الكبرى مجرد غرف طوارئ، انما تحولت إلى ما يشبه البورصة المنهارة. فقبل أيام قليلة من موعد الاقتراع، ضخ عتاة السياسة ورجال الأعمال المترشحون مبالغ طائلة وملايين الطاقات النقدية لشراء الولاءات وتعبئة الماكينات الدعائية. جندت جيوش من السماسرة، واقترضت بعض التيارات ميزانيات ضخمة لتمويل المهرجانات الخطابية، وتوزيع القفف الغذائية الفاخرة، وشراء الذمم المرتجفة. لكن المأساة الحقيقية التي لم يحسب لها المترشحون حسابا، أن الكتلة الناخبة أصيبت بعدوى السخرية المقدسة، فكلما حاول السماسرة استمالة المواطنين بالأموال المعسولة، ياتي قاسيا وساخرا وقاطعا: -احتفظوا بأموالكم لشراء الشعير لأنفسكم.. نحن نبيع أصواتنا للحمار المجاني ولا نشتريكم بمال حرام المترشحون يقفون على المنصات الفخمة ينفجرون غيظا من الداخل ، يصرخون بأعلى حناجرهم مستعرضين برامجهم الإنشائية الإستراتيجية، الشوارع المجاورة ترد عليهم بقرع الصفائح وأصوات النهيق المكسوة بمكبرات الصوت. أدرك تجار الذمم أن الملايين التي صرفت لم ترتفع سوى دخانا في الهواء، وأن الأموال لم تعد تجدي نفعا في سوق تحول إلى مهرجان شعبي جارف يقدس البساطة ويرفض النفاق البديل. نزل المترشح إلى الشارع يطرق الابواب الموصدة ويقدم الوعود العرقوبية كما العادة، لكن المعركة لا تخاض في من فوق كنبات وكراسي المقرات المغلقة ولا عبر شاشات التلفاز، انتقلت إلى قلب الأسواق الشعبية وساحات المدن الكبرى. الفصل الأكثر جنونا في الملهاة الشعبية بدأ حين قرر الشباب أن المترشح يجب أن يلتقي بقاعدته الانتخابية وجها لوجه. في خطوة تصعيدية غير مسبوقة، انطلقت مسيرة عارمة جابت الشوارع الرئيسية، ليس فيها سيارات فارهة ولا حراس أمن متجهمون، يقودها قطيع من الحمير الحقيقية. الحمير تم تزيينها بمهارة لتليق بالمقام الرئاسي، كانت تحمل على ظهورها، وبدقة متناغمة، صورا مكبرة ومغلفة للمترشح الحمار (ذاك الذي يرتدي ربطة العنق الأنيقة والنظارات). بدت تلك الصور وكأنها لرؤساء وبرلمانيين شاخوا فوق الكراسي يطلون على الساكنة من فوق صهوة العبث. لم تكن المسيرة مظاهرة سياسية بالمعنى التقليدي، انما كرنفالا شعبيا عارما. تعالت الهتافات التي تمزج بين الجد والسخرية اللاذعة، تخترق صمت المدينة المتوتر: -يا ناخب... فكر واستعمل عقلك... حمارنا خير من ألف مترشح مستهلك -لا تبحثوا عن البرامج... برنامج حمارنا أوضح من أي استراتيجية... -هذا مترشح لا يغير مواقفه، لأن مواقفه ثابتة في الحظيرة... الضحك الصاخب كان سيد الموقف، عدوى الضحك تنتشر بسرعة البرق . وجوه المارة التي اعتادت العبوس السياسي، انفرجت عن ابتسامات واسعة ومتهكمة. الأطفال صفقوا للقطيع المزين، والنساء زغردن سخرية من الوضع القائم. لم تقتصر المعركة على الفضاء الرقمي ولا على جولات الأسواق، انتقلت في خطوة تصعيدية كبرى إلى معقل السلطة بالذات، دعت الجماهير الغفيرة لتنظيم وقفات احتجاجية حاشدة أمام مقر الإدارة الترابية. لم تكن مظاهرة تقليدية، انما تحولت الساحات المحيطة بمبنى السلطة إلى منصة مفتوحة لعاصفة من السخرية المدوية. على أسطح السيارات المحيطة وفي أيدي المحتجين، انطلقت مكبرات الصوت العملاقة لتغرق سماء المدينة بـسيمفونية النهيق الصريح ، تتردد أصداؤها بين جدران المكاتب المكيفة لتهز عروش البيروقراطيين. في المقابل، استنفرت الإدارة كل أجهزتها ملوحة بالتهديدات الصارمة والتدخلات العنيفة، وحاصرت قوات الأمن المكان بالهراوات وآلات القمع، محاولة زرع الرعب في قلوب المتمردين. هراوات القمع كسرت الشارع وانبلجت الدماء من الرؤوس وتهشمت العظام ووقف الشباب صامدين، الهلع القديم قد تبدد، الجماهير الغفيرة وقفت سلمية وثابتة، ترفع ألجام الحمير في وجه الدروع الأمنية، وتواجه التهديدات بابتسامات ساخرة وضحكات مجلجلة. أدركت السلطة حينها أن حاجز الخوف قد انكسر للأبد، وأن الجموع التي واجهت آلة القمع بصدور عارية وسلاح الضحك، لا يمكن إرهابها بالتهديدات ولا بوعود ورق المقوى. في الأيام الأخيرة التي سبقت الصمت الانتخابي، قرر زعماء الأحزاب التقليدية خوض معركة كسر العظام عبر تكثيف التجمعات الخطابية الكبرى في الساحات العامة، على أمل استعادة زمام المبادرة وترويض الشارع الثائر. امتلأت الساحات الفسيحة بشاشات عملاقة، وخطب المترشحون بحماس مصطنع، مستخدمين أحدث تقنيات الإقناع السياسي وألفاظ الدبلوماسية الرنانة. المشهد كان كارثيا ومؤلما لكل من يرتدي بدلة رسمية، فبدلا من أن تنصت الجماهير بخشوع لوعودهم الأبدية، رفعت الحشود في وجهم مخالي التبن وألجام الحمير، وعلقت صور المترشح ذي النظارات في كل زاوية من الساحة. وحين حاول أحد المخضرمين مقاطعة الساخرين صارخا بغضب: -أين عقولكم لتفضلوا البهائم على أهل الاختصاص والخبرة...؟! جاءه الرد هادرا وساخرا من حنجرة طفل يقف على كتف أبيه: - البهائم تنهق بصدق يا سيادة المترشح، أما أنتم فتنطقون بالكذب بطلاقة.... تشتت الحشود وانسحب المترشحون من منصاتهم يجرون أذيال الخيبة والمهانة، متبوعين بصدى نهيق إلكتروني يتردد من أسطح السيارات المجاورة. سقطت هيبة المنصات، وأصبح الخطيب البليغ مجرد كوميدي فاشل على مسرح هجره الجمهور، ليقف المترشحون أمام حقيقة مرة: - إنهم يخسرون أمام كائن من ورق وحظيرة من تبن، لأن الناس اختاروا السخرية سلاحا أطهر من وعودهم الزائفة. لم تكن الأجهزة الأمنية تفقه شيئا في لغة الحظيرة، لذا تعاملت مع البدايات بمنطقها البيروقراطي القديم، فاعتقلت عددا من الشباب الذين وزعوا المناشير في جنح الظلام، وضيقت الخناق على مروجي المترشح الأنيق. لكن، وكالنار في الهشيم الرقمي، لم تكن الاعتقالات لتطفئ الفكرة، انما زادتها اشتعالا وتوهجا. حينها، وصلت التقارير الأمنية الحساسة إلى مكاتب القرار العليا، محذرة من كارثة دهمت الأبواب: - الشارع بأكمله بات مقتنعا بالفكرة تماما، وتحول المترشح الحمار إلى عقيدة شعبية جامعة. أدركت السلطات أن استمرار احتجاز الشباب لن يزيد الطين إلا بلة، وسيحول مراكز الاقتراع إلى بؤر اشتعال وعصيان مدني شامل قد يعصف بالعملية الانتخابية برمتها ويفضح هشاشتها أمام العالم. وفي خطوة تعكس حجم الهلع المكتوم، صدرت الأوامر الفوقية العاجلة: - أطلقوا سراح جميع الموقوفين فورا... فتحت أبواب الزنازين لم يكن عفوا، كان تراجعا مخيفا من سلطة أدركت أنها تواجه شبحا لا تنفع معه الهراوات. خرج الشباب منتصرين من المعتقلات، لا لتخف حدة الاحتجاج، ليعودوا إلى الصفوف الأمامية حاملين المخالي والألجام، مستعدين لقيادة الطوفان الأخير نحو صناديق الاقتراع، وقد أيقنوا أن خوف السلطة أول الغيث ودليل قرب سقوط الهيكل على رؤوس أصحابه. أصبحت المخالي بدائل للرشاوى. لم يعد الأمر مجرد مناشير ولا صور، تحول إلى طقس شعبي موازٍ يثير رعب اللجان. ظهر نوع جديد من الدعاية، إذ عمدت الجماهير إلى تعليق مخالي ملأى بالتبن والشعير على واجهات المقاهي وأعمدة الإنارة، ومراكز الاقتراع المرتقبة، كتبوا عليها بخط عريض: -مخابئ طعام المترشح الحقيقي جاهزة، فلا داعي لوعودكم الفارغة... -الشعير لمن يخدم، والتبن لمن يكذب... اعتاد الناخبون طمعا في أموال زهيدة أو قفف تموينية، هذه المرة انقلبت الآية، فالشباب طافت بالأزقة تحمل تلك المخالي تهتف بسخرية: - خذوا أموالكم، واتركوا لنا تبننا.. حمارنا يأكل بعرق حوافره ولا يبيعنا في سوق النخاسة السياسي... لم تتوقف الثورة عند المخالي، تقدمت أياد مغلظة تحمل صفائح حديدية مهترئة. وبدلا من الطبول الرسمية، انطلق دوي رنين صاخب يمزق سكون الليل بضربات متلاحقة على الأرض تعلن نهاية عصر الخطب الرنانة. وفي ذروة الصخب، علت الأيدي ملوحة بـألجام الحمير الجلدية والمعدنية في الهواء كسيوف تشهر في وجه منظومة النفاق السياسي: - يا صاحب البدلة والكرسي... اللجام للجاهز، والكرسي لمن يستحقه... تقرر تتويج الملهاة بحدث تاريخي، طواف العربات الكبرى. مع فجر يوم الانتخابات، اصطفت عشرات العربات الخشبية المزينة التي تجرها الحمير الأنيقة، وقد ثبتت على مقدماتها صور المترشح ذي النظارات. أُعطيت إشارة البدء بقرع جماعي على الصفائح وتلويح بالألجام، ليخترق الطواف الشوارع الأكثر تحصينا مارا بمبنى البلدية ومقرات الأحزاب. الحوافر دقت الإسفلت بإيقاع منتظم، وخصلات التبن تتناثر من المخالي في المؤخرة، بينما وقفت قوات الأمن مشدوهة عاجزة عن تحرير مخالفة مرورية لقطيع يمارس حقه الديمقراطي في الضحك. لم يكتفِ الطواف بصخب الحوافر، ركبت على أسطح العربات وفي الساحات مكبرات صوت عملاقة. بدل الخطابات الكذوبة، انطلقت عبر الأثير موجات متواصلة ومجلجلة من أصوات النهيق الصريح والصافي المكسوة بصدى إلكتروني يتردد بين العمارات، نهيق فصيح يعلو ويهبط كأنه يلقي بيانا دستوريا ثقيلا، يخترق زجاج المكاتب المكيفة. تفاعل الشارع بضحكات مجلجلة: - أنصتوا جيدا.. هذا أصدق صوت مر على تاريخ الصناديق... تعالت زغاريد النساء من الشرفات ترحيبا بسيمفونية النهيق، وأدرك الجميع أن عصر الكلام المعسول قد مات أبديا.. يوم الاقتراع الكبير يطل ببروده المعتاد، لجان ترتجف خلف الطاولات، وصناديق بلاستيكية شفافة تنتظر أوراقا اعتادت أن تباع وتشترى. فتحت الأبواب على مصراعيها، سيارة الأمن تربض أمام مكاتب التصويت، توافد المصوتون، المشهد لم يكن يشبه أي استحقاق سابق. دخل المواطنون، الواحد تلو الآخر، إلى العتمة الصغيرة للسرية، لا ليحمل قلما يرتجف، ليسحب ورقة المترشح الحمار التي جلبوها معهم تحمل ألوان قوس قزح ، ويضعوها بعناية فائقة داخل الظرف ويرموها في الصندوق البلاستيكي الشفاف . اليد تبتسم وهي تسقط الورقة في جوف الصندوق، وكأنها تلقي حجرا في وجه بئر ميتة لترى صدى الإيقاع يرتد ضحكا مدويا. ومع مغيب شمس اليوم الانتخابي، أقفلت الأبواب وبدأت عملية الفرز العلني تحت أنظار الكاميرات ومراقبي الدوائر. وما إن أفرغت الصناديق وتناثرت الأوراق فوق الطاولات الخشبية، حتى عم صمت ثقيل ومفزع قاعة الفرز. غابت أوراق للأحزاب التقليدية سوى النزر اليسير، وغرقت الطاولات ببحر متكاثف من أوراق المترشح الحقيقي. وقف المراقبون ورؤساء المكاتب عاجزين، يقلبون الورقة ذات اليمين وذات اليسار، وأعينهم تزوغ رعبا والحيرة: - ماذا سيكتب في التقارير الرسمية المرفوعة إلى السلطات العليا...؟ كيف لتقرير إداري جاد أن يدون بجدية تامة ، فوز ساحق للمترشح صاحب النظارات وربطة العنق الحظيرية، رغم أنه غير مسجل في اللوائح القانونية...؟ حاول أحد المراقبين المحنكين أن يصيغ عبارة دبلوماسية ترضي رؤسائه، فكتب بقلم رصاص متقطع: - سجلت نسبة مشاركة غير مسبوقة، واكتسحت الصناديق خيارات... خيارات ذات طابع حيواني فصيح خارج كل القوانين، ثم مزق الورقة بيأس. خارج أسوار مراكز الاقتراع، وتحت سماء مدينة تحولت إلى مسرح مفتوح للعبث الجميل، تجمعت حشود غفيرة من الجماهير. لم تكن طوابير منتظرة للخبز ولا طوابير خاضعة لتعليمات المخزن، إنما بحرا هائجا من الوجوه التي أنهكها التزييف وأنعشها الأمل الساخر. الساحة أمام الباب الرئيسي تحولت إلى ساحة احتفال كبرى، فمنذ لحظة إغلاق الصناديق وبدء عملية الفرز المظلمة داخل المكاتب، والشارع يرفض الانصراف. عيون الالاف متسمرة نحو النوافذ المغلقة والمضاءة بضوء خافت، لم تنقطع طقوس المواجهة الساخرة في الخارج، الألجام المرفوعة كرايات نصر، وضربات الصفائح المنتظمة. حين خفتت أضواء بعض القاعات، أعقبها فورا دوي موجة عارمة من النهيق الجماعي المنسق، وكأن الجماهير توجه إنذارا مبكرا لمن تسول له نفسه تزوير الإرادة الشعبية التي حطمت القوانين البالية... لم يكن الغروب عاديا ذلك اليوم، فقد غربت معه آخر شمس لديمقراطية الورق المقوى، وأسدلت الستائر على مسرحية اعتادت أن تعرض بذات الممثلين المتمرسين في تقمص جميع الشخصيات منذ عقود. داخل القاعات المغلقة، وبعد ساعات من الشحوب والذهول، استقر الرأي لدى الجهات المعنية على القرار الوحيد الممكن لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هيبة الكراسي. فماذا تفعل السلطة ببلاد بأكملها قررت أن تتجاوز القوانين وتضع أصواتها في جيب حمار أنيق يرتدي ربطة عنق...؟ صدر البلاغ الرسمي مقتضبا، يقطر ارتباكا: -بناء على النتائج المسجلة، ولكون إرادة الناخبين قد توجهت حصريا وبإجماع تام نحو خيار خارج التصنيف البشري، وبالمخالفة للوائح والتشريعات القانونية الجاري بها العمل.. تقرر رسميا إلغاء الانتخابات برمتها، واعتبار الاستحقاق كأن لم يكن.! لم تكن صدمة الإلغاء لتكسر فرحة الشارع، كانت النصر الأكبر الحقيقي المنتظر والهدف المنشود. فور سماع الخبر، انفجرت المدينة في كرنفال جنوني لم يشهده التاريخ السياسي من قبل، انطلقت طوابير العربات مجددا تجرها الحمير المزينة، وتقاطرت الضربات العنيفة على الصفائح الحديدية لتعلن طرد أشباح الماكرين إلى غير رجعة، رفعت الألجام في الهواء واهتزت الشوارع بمكبرات النهيق. وقف زعماء الأحزاب والسياسيون المخضرمون على شرفاتهم العالية والسماسرة، يراقبون المشهد بأعين جاحظة وأفواه فارغة والغضب المهيض والمر يعصرهم، عاجزين عن استيعاب كيف هزمتهم إرادة شبابية أسقطت القوانين الجامدة وحظيرة مليئة بالتبن والشعير. قطع الشارع على نفسه عهدا أبديا بأنه النضال يجب ان يتجه في المطالبة بتغيير القوانين الانتخابية وحصر الولايات التشريعية في ولايتين لكل مترشح، وظل سؤال معلق يحوم فوق المدينة كطيف غامض: - إذا ألغيت الانتخابات وأسقطت الصناديق، فمن سيقود الحظيرة غدا...؟ أهو الإنسان الذي سيتعلم كيف ينهق بصدق أمام عقم الكراسي، أم أن الكراسي الخاوية ستبقى للأبد تتربص بانتظار عودة الذئاب إلى ثيابها الرسمية...؟ ظل فارس الجبوجة وعمر امناي يطلقان الضحكات المجلجلة في المقهى ويخططان لثورة ساخرة أخرى على عصابات المرتشين في الإدارات العمومية ..
#الحسان_عشاق (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
رحلة عباس هاجوج الاخيرة
-
شهرزاد لم تسكت عن الكلام المباح
-
إمبراطورية باعقيلوش الكلامية
-
مكتبة السندباد وشاشات الهاتف النقال
-
طرقات على الجلد الميت
-
أمير الدبابير وراعي الدودة
-
دبيب النمل ووهج الصيف الحارق
-
أنفاس الياسمين المتمردة
-
حين تشترى الأصوات وتفقد الأوطان
-
من وهج الشاشة الى مداد القلم
-
عَبرات فوق قبر أمي
-
المكي بولهموز يطارد السراب
-
زوجة على وشك السقوط
-
حارسة المرمى وحارسة الذاكرة
-
سمفونية الفناء: ترنيمة السقوط الأخير
-
ابن تاشفين تراتيل الذاكرة ومقبرة الحنين
-
ارتجاف المطرقة في فراغ الروح
-
ضفائر الطين وكحل الغياب
-
الدكتور ضريسة: ارشيف الدموع المكتومة
-
سكاكين في ميزان الضمير
المزيد.....
-
بعد مسيرة فنية حافلة.. وفاة الفنان المصري الكبير محمد التاجي
...
-
حميد دباشي يفكك -المركزية الأوروبية- ما بعد الوحشية: غزة وال
...
-
-بلادك تحترق وأنت تقيم الحفلات-.. الشاب خالد يواجه انتقادات
...
-
هل حفرت أمريكا -ممرا سريا- في هرمز؟ وثائق وبيانات تفنّد الرو
...
-
وزير التعليم يشهد توقيع بروتوكول تعاون مع معهد جوته ودار “هو
...
-
-معايا ماستر-.. كلمة باللغة الإنجليزية تضع وزير النقل المصري
...
-
أغنية من ألبوم كاظم الساهر تختفي بعد طرحها بأيام.. ما القصة؟
...
-
الأربعاء.. ثماني جامعات فلسطينية تلتقي على خشبة القصبة في مه
...
-
تالا صندوقة: فنانة مقدسية تعيد إحياء الذاكرة الفلسطينية عبر
...
-
حكايات بين الصفحات.. حين تحتفظ الكتب المستعملة بآثار قرائها
...
المزيد.....
-
ديوان 24 شعر
/ منصور الريكان
-
القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش
...
/ ربيحة الرفاعي
-
تصاوير لية الظمأ
/ السمّاح عبد الله
-
ثلاثاءات عابر سبيل
/ السمّاح عبد الله
-
ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو
...
/ سلسبيل كريبع
-
قناديل الحكمة
/ د. خالد زغريت
-
حكاياتْ تَكاد تُنسى
/ فلاح العيفاري
-
وعي ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
ديوان 23 الحاوي والعصفور
/ منصور الريكان
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
المزيد.....
|