أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الحسان عشاق - دقات الساعة لم تعد ذات قيمة















المزيد.....


دقات الساعة لم تعد ذات قيمة


الحسان عشاق
روائي وكاتب صحفي


الحوار المتمدن-العدد: 8837 - 2026 / 9 / 23 - 22:47
المحور: الادب والفن
    


في قلب حي السمارين العريق حيث تتلألأ دكاكين العطارين كقطع الجمان المبعثرة على مخمل الليل وتتداخل روائح الجلود العتيقة المنقوشة بماء الذهب مع بخور العود لترسم سحابة خفية فوق الأسطح الطينية المائلة لم يكن بوشتى الساحلي مجرد مصلح ساعات عتيق ،كان نبض حي السمارين وذاكرته النابضة التي لا تخطئ إيقاع الزمن، لم يكن بوشتى يرتدي ثياب الحرفيين البسيطة كانت له هيبة البحارة المخضرمين ووقار شيوخ الساحل الأطلسي ،عيناه الحادتان اللتان ألفتا مراقبة الأفق ورصد النجوم العالقة في كبد السماء باتتا اليوم تتبعان أصغر تروس الساعات وأدقها ويستعين بمنظار صغير يلصقه بإحدى عينيه بتركيز صوفي دقيق داخل دكانه الصغير المظلم حيث يحتضن الضوء شظايا النحاس المتناثرة كنجوم ميتة لأكثر من أربعين عاما كان دكان بوشتى خلية نحل لا تتوقف أزيزها يتوافد عليه أهل حي السمارين فهذا يأتيه بساعة جيب فضية عتيقة ورثها عن أبيه المجاهد وذاك يحمل ساعة حائط خشبية منقوشة بحرفية أندلسية أوقفها الزمن وكأنها تنتظر يد المسيح لتعيد لها أنفاسها الواجهة الأمامية للمحل تعرض ساعات من كل الأنواع أكثر ما يثير الانتباه تلك الساعة الدائرية التي تتوسطها دجاجة تنقب الحب وتسمع تكتكاتها وتلك التي يطل منها طائر مطلقا زقزقة. ولم تقتصر حكايته على جدران الدكان كان يطوف دروب السمارين الضيقة الملتوية كأمعاء الحاوي بحقيبته الجلدية البالية كراهب يحمل أسرار الزمن في طيات جعبته ما أن يتوقف بندول ساعة عتيقة في صالون عائلة أو دار عريقة حتى ينادي أحدهم بلهفة تكاد قطع نياط القلب:
-اسرع يا بوشتى البيت فقد صوته كأن الحياة توقفت في الدار
حينها كان بوشتى يدخل البيوت كملك في مملكته العطرة يفرش عدته النحاسية على المائدات الخشبية المصنوعة من الأرز العتيق ويجلس وسط العائلات التي تستقبله بحفاوة بالغة وتقدم له الشاي المغربي المنكه بالنعناع البري المتصاعد دخانه برفق لم يكن مجرد حرفي يصلح عطلا ميكانيكيا ،كان صديقا للجميع مستودعا للأسرار المدفونة في الصدور شريكا في الأفراح والأتراح كانت أتعابه اليدوية تدر عليه رزقا وخيرا كافيا ليعيش حياة كريمة ومستقرة وكان مقامه في قلوب أهل حي السمارين أعلى من عروش الملوك وأثمن من كل كنوز الأرض.
الأيام مثل تروس الساعات المتمردة التي تأبى الانتظام تحت وطأة الصدأ التفت بطريقة لم يتوقعها بوشتى الساحلي كعاصفة هوجاء تهب فجأة على سفينة آمنة في عرض البحر ،بدأت رياح الحداثة الباردة تجتاح أزقة السمارين التاريخية كتيار جارف لا يرحم، ظهرت الساعات الرقمية الصينية الرخيصة تملأ واجهات المحلات المستحدثة خارج السور العتيق وغزت الشاشات المضيئة والهواتف الذكية كل يد وكل بيت ناشرة ضوءا أزرقا باردا مسخ روح الدفء القديم وحول العيون إلى زجاج مسطح، أصبح شراء ساعة براقة المظهر رخيصة الثمن ودقيقة الحساب لا يتطلب سوى دراهم معدودة لا تكاد تذكر مقارنة بثمن إصلاح تحفة ميكانيكية أصلية تنبض بالحياة تحت عدسة بوشتى المكبرة. شيئا فشيئا بدأ الإقبال يتراجع كمد بحر يتراجع خجلا أمام جرف الصخور القاسية تخلى جيل الشباب الصاعد في السمارين عن تلك التحف الخشبية والحديدية العتيقة وباتوا يفضلون الأجهزة المستوردة البراقة بلا روح ولا تاريخ، توقفت دعوات المنازل تماما وانقطع ذلك الرنين المتناغم المتأني الذي طالما ملأ أذني بوشتى وأنسى وحشته في ليالي الشتاء الطويلة. لم يعد أحد يطرق باب دكانه ليس لأن الساعات لا تتعطل لأن الناس في عصر السرعة استبدلوا روح الصنعة بالاستهلاك الرخيص وباتوا يرخصون الأشياء كما رخصوا ذكرياتهم وعهودهم القديمة.
تحولت أيام العز والرفاهية إلى ذكرى بعيدة تشبه الحلم العابر وحل محلها كابوس ثقيل عنوانه الفقر المدقع والفاقة والحاجة المذلة التي تقضم الكرامة بصمت في أزقة السمارين المظلمة. أصبح بوشتى الساحلي يعيش أتعس أيامه، فالأرض التي طالما زرع فيها الدفء والأمان أثمرت جفافا قاحلا لا نبات فيه، نفد ما ادخره من مال في أيام الطفرة والرخاء وبات بالكاد يجد ما يقيم به أوده ويسد به رمق أيامه العجاف بمعية الزوجة العليلة التي أنهكها المرض وبات عاجزا حتى عن جلب دواء من صيدلية الحي، طال الغبار طاولته النحاسية وأكل الصدأ أدواته وجاعت عائلته ،لم يعد دكانه مكانا للبهجة واللقاءات الدافئة ، تحول إلى زنزانة باردة تعج بالصمت الساخط والأسى العميق. وفي خضم المعاناة القاسية ظهر المهدي البراقي ،مرابي نافذ وطماع من وجهاء الحي الجدد يمتلك شاربا كثيفا وعينين تفوح منهما رائحة الجشع، بدأ يساوم بوشتى على دكانه التاريخي بغية ضمه لمشروعه التجاري الضخم مستغلا ديونه المتراكمة وقروضه العتيقة التي عجز عن سدادها محاولا طمس آخر معلم من معالم الأصالة والشموخ في حي السمارين ملوحا بإنذارات قضائية وتهديدات متكررة بطرده إلى الشارع إن لم يتنازل عن العقار بثمن بخس.
لم يكن طارق حفيده البالغ من العمر اثنين وعشرين عاما يشبه جده في سكونه البحري ،كان ابنا شرعيا لعصر السرعة والصخب يرتدي قمصانا فضفاضة وعينيه تقدحان شرارة تمرد دائم، طارق شاب يعيش في حيرة دائمة بين أزقة السمارين الضيقة التي تشده بروائحها وذكرياتها العميقة وبين طموحاته الجامحة في الهروب نحو المدينة الحديثة خارج السور. في مساء مشحون بالمهانة اقتحم المهدي البراقي الدكان ملوحا بآخر إنذار قضائي ودافعا بوشتى العجوز على حافة الطاولة بتجبر، شعر طارق بنار غضب طاهرة تشتعل في صدره كبركان نائم اقترب من جده المكسور ووضع يده الخشنة فوق يده المرتجفة وقال بصوت خجول لكنه حازم كالسيف القاطع:
-يا جدي أنا لست بارعا مثلك في هندسة الزمن ولا أفقه لغة التروس الكبيرة لكنني سأقف معك لن أسمح للمهدي البراقي ولا لأحد غيره أن يسرق منك هذا المكان
لم تنته مأساة الدكان بمجرد إدخال جهاز حاسوب لامع الشاشة ولا بطباعة ورقة مدرسية عابرة ،كانت تلك البداية مجرد عتبة صغيرة أمام جبل عظيم من التهديدات اقترب موعد تنفيذ حكم الإخلاء القضائي كحد سيف مسلط وأخذ المهدي البراقي يتبختر في أزقة السمارين بنظرات مترفعة ملوحا بسلطة المال وفساد النفوذ وكأنه يملك مفاتيح الأقدار. أدرك طارق بوعيه المعاصر وحرقة قلبه على دمعة جده المكسورة أن مواجهة ذئب عقاري محنك لا تحسم بالتمني ولا بالصدف العابرة انما بالوثائق الدامغة والحقائق المدفونة في تراب الإدارات القديمة ،في صباح يوم شتوي عابس عزم الشاب على خوض حرب من نوع آخر حرب تبدأ من خلف المكاتب البلاستيكية الباردة ولا تنتهي إلا بسقوط حصون الزيف.
لم تكن استعادة تلك الوثائق مغامرة فردية في أروقة إدارية صماء، كانت مخاضا تضامنيا جماعيا خاضه جيل الشباب، أولئك الرفاق من أصدقاء طارق الذين تقاسموا معه مقاعد الدراسة وذكريات الطفولة في أزقة السمارين، وصاروا جنودا خفيين يرتدون بدلات الموظفين خلف تلك الطاولات البلاستيكية الباردة في المحكمة والبلدية ومصالح التحفيظ العقاري. حين دخل طارق أروقة المحكمة الغارقة برائحة الرطوبة وأكوام السجلات الصفراء، لم يواجه موظفا غريبا، وجد رفيق دربه يوسف جالسا خلف السجلات التاريخية. وما إن همس طارق بقصة جده المهدد بالطرد حتى أشرق وجه يوسف بامتنان عميق، لم ينس قط كيف كان العم بوشتى يرمم ساعات عائلته المفلسة مجانا في ليالي العوز، وكيف كان يربت على أكتافهم صغارا. لم تتطلب العملية سحرا، تطلبت صحوة ضمير جماعية، إذ تداعى أصدقاء الطفولة من مختلف المكاتب والإدارات لالتئام الجرح. تخرج من خزنة منسية عقد أمانات تاريخا مغبرا، يتقاسم معطيات سرية حول ديون عائلة البراقي القديمة، وثالث ييسر مساطر استخراج عقود الرهن المنسية التي تعود لأربعين خلت. تحولت الإدارات الصلبة بفعل الوفاء إلى خلية نحل بشرية تعمل في الخفاء لإحقاق الحق، مدركة أن سقوط دكان بوشتى هو سقوط لآخر معقل من معالم كرامتهم وذاكرتهم المشتركة، وهتفت صدورهم بأن حي السمارين لا ينسى من أضاء عتمته.
وفي يوم المواجهة الحاسم وحين اقتحم المهدي البراقي الدكان ملوحا بقرار الإخلاء النهائي وبصوته الجهوري المتبجح لم يرتجف بوشتى ولم ينكسر طارق. تقدم الحفيد بهدوء كالسيف المصقول وفتح حقيبته الجلدية، وأخرج الملف الضخم الذي يضم عصارة ذلك الجهد التضامني الإنساني والاستقصائي المحكم. وضع طارق الملف على الطاولة الملطخة بالزيت ورفع عينيه بثبات ليخترق عيون المهدي البراقي قائلا بنبرة واثقة:
-لا تتعب نفسك يا مهدي بالتلويح بأوراق الزيف، الملف يضم نسخا مطابقة من سجلات الرهن، وشهادات أعيان الحي، وتوقيعات والدك التي تثبت أن دكاننا لم يكن يوما ملكا لكم. خطوة واحدة إضافية، وسأحول الوثائق إلى النيابة العامة ووسائل الإعلام، لأفضح كيف بنيت ثرواتكم على أنقاض الذمم الخربة...
انطفأت جذوة الغطرسة في عيني المهدي البراقي، وتعرق وجهه الشاحب، وتسمرت قدماه في الأرض ،يرى أن أسلحة المال والترهيب قد تحطمت أمام صخرة الدليل القاطع والجهد الجماعي الواعي. تراجع المرابي ذليلا، يجر أذيال الهزيمة والخزي، منسحبا بهدوء من حياة بوشتى الأبدية، ليعود الدكان كاملا لأصحابه الشرعيين، مظفرا بلا ديون ولا تهديد.
لم يتحول الدكان بين عشية وضحاها من خراب متهالك إلى جنة تكنولوجية ، تطلب الأمر شهورا من المخاض الشاق والصراع النفسي المرير بين جيلين ،في الأسابيع الأولى وقف بوشتى الساحلي معارضا بشدة وقفة الأسد الجريح فالعجوز الذي أمضى عمره بين التروس الدقيقة والزيوت كان ينظر بريبة واشمئزاز مطبق إلى تلك الشاشات المضيئة والصناديق السوداء الباردة التي جلبها حفيده بالدين لكن أمام إصرار طارق الذي كان يعمل ليل نهار وضائقة الدواء التي تعصف بجدته تنازل بوشتى مجبرا وبقلب مفطور. بدأ طارق بتخصيص ركن ضيق خلف الرفوف العتيقة وضع فيه طاولة خشبية عليها طابعة متواضعة وجهاز حاسوب قديم في البداية ، الزبائن مجرد شباب مراهقين يدخلون لطباعة ورقة مدرسية سريعة ، بوشتى يراقب بدهشة صامتة كيف تخرج الأوراق مطبوعة في ثوان معدودات دون مجهود يدوي ومع مرور الأيام والأسابيع لم يعتزل بوشتى مهنته وجد نفسه تدريجيا جزءا من البيئة الجديدة فصار يستقبل الزبناء بوقاره المعهود حين يتأخر حفيده، يتعلم أسماءهم يستمع لمشاكلهم ويقدم لهم الشاي المتبل بينما ينتظرون طباعة أوراقهم رويدا رويدا بدأ التناغم العجيب يتشكل صانع الزمن التقليدي يحرس عتبة العصر الرقمي ليصبح الدكان مرسى يجمع شتات الأجيال.
أراد طارق تتويج الصمود بخطوة استراتيجية كبرى فاقترح على جده إقامة معرض ومتحف مصغر في الساحة الكبرى للمدينة تحت عنوان زمن السمارين ، نصبت الطاولات المزينة بالتراث ووضعت عليها مئات الساعات القديمة التي جمعها بوشتى إلى جانب منصات رقمية تعرض قصصها ، حقق المعرض نجاحا باهرا غير مسبوق وجذب المئات من هواة التحف والباحثين وسيارات الوافدين من المدن الكبرى متأثرين بحكايات بوشتى الساحلي العميقة التي تعيد الأرواح للجماد. على إثر الصدى المدوي والنجاح الهائل لمعرض الساحة الكبرى، أدرك الجدان أن العودة للماضي وحده تعني الانكفاء وأن الاندماج الكامل في التكنولوجيا يعني فقدان الهوية هنا ولدت الفكرة التجارية الجديدة تحويل الدكان إلى مركز متكامل ومتجر مزدوج يزاوج بين العراقة والتقنية المعاصرة. أعيد تهيئة الفضاء بتصميم هندسي ذكي في الجانب الأيمن بقيت رفوف خشب الأرز تحتضن الساعات الميكانيكية الفاخرة والنوادر التاريخية التي يعشقها بوشتى ، الجانب الأيسر فقد تحول إلى ورشة ومعرض حديث يضم أحدث الحواسيب والناسخات والطابعات بمختلف أحجامها بالإضافة إلى قسم خاص ومجهز لإصلاح المعدات والآليات التقنية الدقيقة.
بعد أن استعاد بوشتى وطارق استقرارهما الكامل تحول دكان بوشتى الساحلي إلى ملتقى فريد من نوعه في حي السمارين لم يعد المكان مقتصرا على العجائز انما غص بالشباب والطلاب والتجار الصغار الذين يأتون لطباعة بحوثهم أو نسخ وثائقهم أو حفظ ذكرياتهم. ورغم أنه لا يفك طلاسم الشاشات إلا أن بوشتى وجد دورا جديدا بارعا فيه استقبال الناس ومحاورتهم بحكمته المعهودة. أصبح يجلس في صدر الدكان بوقاره وابتسامته الهادئة يستقبل الزبناء بحفاوة وكأنه يستقبل ضيوفا في داره، ورويدا رويدا بدأ بوشتى يتقن حفظ أسمائهم ومطالبهم ،فصار يردد أسماء غريبة على لسانه مثل الناسخة التي تطبع الأوراق في ثوان والفلاش الصغير والذاكرة الصلبة وكان الشباب يتركون أجهزتهم ويجلسون الساعات الطويلة يستمعون إلى حكاياته عن البحر والساحل بينما يوزع عليهم الشاي ليتحول الدكان إلى صالون ثقافي واجتماعي ينبض بالدفء.
رغم أن دكان بوشتى الساحلي قد استعاد نبضه، وغص بالشباب والزوار وعلب الحواسيب وطابعات العصر الرقمي، إلا أن هناك حقيقة مرة كانت تتربص بالشيخ العجوز في خلفية المشهد؛ فصخب النهار وحركة الدكان الصاخبة لم تكن سوى قناع مؤقت يرتديه ليواري خلفه فراغا هائلا لا يسده ضجيج العالم.
حين تبتلع العتمة أزقة السمارين العتيقة، ويغادر طارق لترتيب أمور حياته، وتفرغ الرفوف من الوافدين، ينغلق باب الدكان على عالم من الصمت الثقيل. في تلك اللحظات الحالكة، لم يكن بوشتى يرى في شاشات الحاسوب المضيئة سوى أشباح باردة لا تشبه روحه المنسوجة من ملح البحر ودفء النحاس. كان يجلس على كرسيه الجلدي المتهالك، يراقب أرجاء المكان وقد تحول إلى متحف يزوره الغرباء لالتقاط صور عابرة، وكأنه هو نفسه أصبح تحفة صامتة معروضة للفرجة، لا إنسانا يحتاج إلى من يشاطره همس الشتات.
كانت الوحدة القاتلة تنهش صدره بصمت؛ فالزوار يأتون لأجل فضول المعرفة، أو لطلب خدمة تقنية، أو لاقتناء ساعة عتيقة يزينون بها صالوناتهم الفاخرة خارج الأسوار، لكن أحدا منهم لم يكن يسأل عن حقيقة ما يشعر به قلب شيخ تجاوز الثمانين. أدرك بوشتى بمرارة أن الناس يعشقون "حكاية" بوشتى الساحلي، ولا يطيقون العيش في عتمة روحه المهشمة.
في ليالي الشتاء الطويلة، حيث تشتد رياح الساحل الأطلسي وتعصف بأعمدة الإنارة الخافتة في السمارين، كانت الوحدة تتحول إلى كابوس جثم على صدر العجوز. ينظر إلى المقاعد الخشبية الفارغة بجانبه، فتتجسد أمام عينيه أطياف أصدقاء الطفولة والشباب، أولئك البحارة القدامى والمصلحين والتجار الذين تقاسموا معه رشفات الشاي وأسرار السنين.
توفى فلان، وهاجر ابن عمه، واختفى الآخر خلف غبار الزمن، وحده المعلق على عتبة الذاكرة، كمنارة قديمة فقدت سفنها في ليل بهيم. كان يمد يده تلقائيا ليصب كأسا ثانية من الشاي البري، ثم يتوقف مفزوعا على وقع صمت المكان المرعب، ليدرك أن الكأس الثانية ستظل تبرد حتى يجف رحيقها، تماما كما جفت ينابيع الحياة في أيامه الأخيرة.
لم تكن مأساة بوشتى في فقر المال الذي تجاوزه، ولا في تهديد المرابي الذي اندحر، كانت في تلك الغربة الطويلة بين أناس يمشون بسرعة البرق في عالم لا يمنح العجائز سوى نظرات الشفقة العابرة أو التجاهل البارد. كان يرتجف لا من البرد، من هول الإحساس بأنه أصبح غريبا في الحي الذي كان يوما عرشا لروحه، وبأن التروس التي طالما أصلحها لتعود إلى سيرتها الأولى، عجزت كل عدسات العالم المكبرة عن إعادة دقات التوافق إلى قلبه المنهك.
لم يقتصر نجاح المعرض على أهل الحي ، تحول بفضل منشورات طارق الذكية على وسائل التواصل الاجتماعي إلى محطة وطنية بارزة تجذب عشاق الذاكرة والتاريخ، بدأت السيارات الوافدة من المدن الكبرى تتوقف حول الساحة وترجل منها هواة جمع التحف النادرة والباحثون في التراث العمراني ومؤرخو الساعات والميكانيكا القديمة باحثين عن الكنوز المخفية التي لا تقدر بثمن ،رجل أربعيني جاء خصيصا للبحث عن ساعة جيب فرنسية وسيدة تهوى اقتناء الساعات الخشبية المنقوشة.... في ركنه المميز وسط الدكان والمتجر وقف بوشتى الساحلي مستقبلا هؤلاء الضيوف بحفاوة وكأنه استضافهم في داره ،رغم اختلاف لغاتهم وجد هواة جمع التحف أنفسهم مأسورين بسحر بوشتى وخبرته العميقة، لم يكن يبيع لهم مجرد قطع معدنية صامتة ، يبيع لهم القصة والحكاية كان يتأمل الساعة في يد الهاوي ويمرر إصبعه على غلافها النحاسي ليحكي لهم بدقة متناهية عن تاريخ صنعها والظروف التي مرت بها حتى إن أحدهم قال له بإجلال بالغ:
-يا عم بوشتى أنت لا تصلح الساعات أنت تعيد إحياء أرواحها الميتة
بينما كان المتجر يحقق نجاحا مبهرا ظل بوشتى الساحلي يحمل شغف البحار الذي لم يرتو بعد وفي أحد الأيام بعد جولة بحث في سوق السلع القديمة على أطراف المدينة العتيقة لفت انتباهه صندوق خشبي قديم ومتهالك مغطى بطبقات سميكة من الطين والعفن. اقترب بوشتى وبأصابعه التي طالما حفظت ملمس المعدن الأصيل أزاح الغطاء بحذر شديد وهناك وسط خردوات متناثرة لمعت قطعة نحاسية فريدة ساعة جيب ضخمة مصنوعة من الفضة الخالصة ومطعمة بنقوش يدوية بالغة الدقة تمثل معالم المدينة القديمة وأسوارها العتيقة. تناول بوشتى الساعة بيدين ترتجفان من شدة التأثر لم تكن مجرد ساعة عادية بل كانت تحفة فنية نادرة تعود لنهاية القرن التاسع عشر تحمل توقيع أشهر صانعي الساعات في الأندلس والمغرب. حمل بوشتى الكنز بحذر شديد إلى دكانه وجلس تحت ضوء عدسته المكبرة وكأنه يجري عملية جراحية بالغة الدقة استغرقت عملية تنظيف الساعة وصيانتها أسبوعا كاملا من العمل المتواصل الصبر الأسطوري ،وفي ليلة هادئة وبينما كان طارق يراقب بترقب شديد أدار بوشتى مفتاح التعبئة برفق وفجأة ترددت في أرجاء الدكان دقات عميقة رنانة وواثقة دقات لم يسمع لها مثيل من قبل كأنها دقات قلب مدينة بأكملها وليست مجرد ساعة. وقف بوشتى الساحلي مذهولا ودمعة فرح صامتة تلمع في عينيه بينما نظر إليه طارق بإجلال وقال:
-هذه ليست أثمن ساعة في تاريخنا يا جدي انها روح حي السمارين كله تنبض من جديد بين يديك.
لم يعد دكان بوشتى الساحلي مجرد غرفة ضيقة لإصلاح ما أفسده الدهر ولا مجرد متجر عابر للتقنية والتحف بمرور الأيام تحول المكان إلى علامة فارقة في قلب حي السمارين ومزارا لكل من يبحث عن أصالة الماضي وسط صخب العصر الحديث. وفي كل صباح ومع أول دقات تنبعث من ساعة الجيب الفضية العريقة بجوار طنين آلات النسخ والطباعة كان بوشتى يفتح باب دكانه بجلبابه التقليدي ووقاره المعهود بينما يشرع حفيده طارق في إدارة الحواسيب وتوثيق قصص جديدة لزوار لا تنقطع حكاياتهم. كان هواة جمع التحف والباحثون وزبناء التكنولوجيا ما زالت تتوافد سياراتهم على المتجر يطرقون باب بوشتى بحثا عن قطعة نادرة أو حكاية منسية أو خدمة تقنية فيجدون دائما شيخا صائدا للنوادر يروي بحرارة منيرة وشابا يربط خيوط الماضي بالمستقبل الرقمي. وعلى الرغم من العروض الهائلة لاقتناء تلك الساعة الفريدة أو نقل المتحف بالكامل خارج الأسوار كان بوشتى يبتسم بهدوء ويرفض البيع مكتفيا بأن يترك الأبواب مشرعة على مصراعيها. فالحياة في حي السمارين مستمرة والتروس تدق بلا توقف والزمن لا يقاس بالثواني الميتة التي تمر على الشاشات الباردة انما بالأثر الجميل والنبض الحي الذي نتركه في قلوب من نلتقيهم على دروب الأيام الطويلة.



#الحسان_عشاق (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- نبيل المنشار ومملكة الحواجب المعقودة
- الحاج بوعديس شيخ الموائد المجانية
- سمفونية النهيق في مواجهة عقم الكراسي
- رحلة عباس هاجوج الاخيرة
- شهرزاد لم تسكت عن الكلام المباح
- إمبراطورية باعقيلوش الكلامية
- مكتبة السندباد وشاشات الهاتف النقال
- طرقات على الجلد الميت
- أمير الدبابير وراعي الدودة
- دبيب النمل ووهج الصيف الحارق
- أنفاس الياسمين المتمردة
- حين تشترى الأصوات وتفقد الأوطان
- من وهج الشاشة الى مداد القلم
- عَبرات فوق قبر أمي
- المكي بولهموز يطارد السراب
- زوجة على وشك السقوط
- حارسة المرمى وحارسة الذاكرة
- سمفونية الفناء: ترنيمة السقوط الأخير
- ابن تاشفين تراتيل الذاكرة ومقبرة الحنين
- ارتجاف المطرقة في فراغ الروح


المزيد.....




- لافروف وبدر عبد العاطي يزيحان الستار عن لوحة تذكارية تخليدا ...
- -مع تميم-.. التراث والثقافة سبيل لخلاص الأمم من الأزمات الوج ...
- الحرب بعيون نساء يمنيات.. -المحطة- يفتتح مهرجان الدوحة السين ...
- ملحن مصري شهير في قبضة الأمن ويعترف ببيع مخدرات خام لأصحابه ...
- جامعة أبين ومؤسسة استدامة تستعرضان تجربة عبدالحكيم باقيس في ...
- حين يصبح الحكواتي هو القصة.. الفنان أبو عيشة جار للأقصى ويُم ...
- جسدها تحوّل إلى -أرجواني داكن- وخليط قاتل من 5 مواد: تفاصيل ...
- الأهوار العراقية على شاشة -تورنتو- بثلاثة أفلام وثائقية
- كيف يمكن إيصال القصص والموسيقى العربية إلى الجمهور العالمي؟ ...
- ممثل فرنسي ينهي حياته بـ-القتل الرحيم-


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - الحسان عشاق - دقات الساعة لم تعد ذات قيمة