أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - صراع الأدوار وإعادة تشكيل السلطة داخل الأسرة المعاصرة (رؤية سوسيولوجية – نقدية)















المزيد.....

صراع الأدوار وإعادة تشكيل السلطة داخل الأسرة المعاصرة (رؤية سوسيولوجية – نقدية)


حسام الدين فياض
أكاديمي وباحث

(Hossam Aldin Fayad)


الحوار المتمدن-العدد: 8849 - 2026 / 10 / 5 - 12:50
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


" ينشأ صراع الأدوار داخل الأسرة عندما تتغير المواقع، بينما تبقى التوقعات القديمة حاكمة للعلاقة " (الكاتب).

يهدف المقال إلى تحليل صراع الأدوار داخل الأسرة بوصفه نتيجة لتحول المواقع والتوقعات الاجتماعية، والكشف عن أثر هذا التحول في توزيع السلطة والمكانة والمسؤوليات، وفي تشكيل أنماط التفاعل بين أفراد الأسرة وحدود العلاقة بينهم.

تدخل الأسرة المعاصرة مرحلة تتغير فيها مواقع أفرادها بوتيرة أسرع من القواعد التي تنظم علاقتهم. فالابن الذي كان يشغل موقع المتلقي أصبح يطالب بالمشاركة في القرار، والأب الذي ارتبط دوره تاريخياً بالتوجيه والحماية يجد نفسه أمام فرد يريد أن يحدد مساحة أوسع من حياته. لا ينشأ التوتر هنا من اختلاف الأجيال وحده، بل من الفجوة بين الأدوار التي تغيرت فعلياً والتوقعات التي ما زالت تحكمها. وعندما يحتفظ كل طرف بصورة قديمة عن موقع الآخر، يتحول الاختلاف اليومي إلى صراع على الدور والمكانة والحق في تحديد ما ينبغي فعله.

يتشكل الدور الأسري من توقعات اجتماعية تحدد ما ينتظر من كل فرد، وتمنحه في الوقت نفسه قدراً من المكانة والسلطة. وقد كانت هذه التوقعات أكثر استقراراً في بنية أسرية تقوم على تدرج واضح في المواقع، فالوالدان يتوليان التوجيه واتخاذ القرارات الأساسية، والأبناء يتدرجون من التلقي إلى تحمل المسؤولية. أما التحولات الاجتماعية فقد جعلت هذا الانتقال أسرع وأقل وضوحاً. أصبح الابن يريد أن يشارك في تحديد ما يخص حياته، بينما يستمر الوالدان في توقع مستوى من الامتثال يتناسب مع مسؤولياتهما تجاهه. بهذا لا يعود الخلاف مجرد اختلاف في الرأي، بل يصبح تضارباً في تعريف الدور نفسه.

ويظهر هذا التضارب في التفاصيل اليومية التي تبدو صغيرة لكنها تكشف بنية العلاقة. اختيار التخصص الدراسي، أو العمل، أو طريقة الإنفاق، أو وقت العودة إلى المنزل، قد يتحول إلى خلاف حول من يملك حق القرار. فالابن يقرأ الموقف من موقع فرد يسعى إلى إثبات قدرته على إدارة حياته، بينما يقرأه الأب من موقع مسؤول يرى أن تدخله جزء من دوره. ولهذا قد يبدو النزاع متعلقاً بقرار محدد، بينما يدور في العمق حول شرعية الموقع الذي يتحدث منه كل طرف. وكلما غابت الحدود بين المسؤولية والقرار، أصبحت التفاصيل اليومية ساحات لإعادة التفاوض على السلطة داخل الأسرة.

وعندئذ تظهر المكانة بوصفها عنصراً خفياً في كثير من النزاعات الأسرية. فالأب لا يدافع دائماً عن رأي محدد بقدر ما يدافع عن موقع اجتماعي اعتاد أن يمنحه حق التوجيه، والابن لا يرفض دائماً النصيحة لذاتها، بل قد يرى قبولها بالشكل القديم اعترافاً باستمرار موقع لم يعد يراه مناسباً له. لذلك يصبح التراجع صعباً، لأن التراجع عن الموقف قد يفهم بوصفه تراجعاً في المكانة. وعندما ينتقل الخلاف من السؤال ماذا نفعل؟ إلى السؤال من يملك حق تحديد ما نفعل؟، يتحول الحوار إلى صراع على الاعتراف أكثر منه بحثاً عن حل.

ولا يتوقف الأمر عند السلطة، بل يمتد إلى توزيع الحقوق والواجبات. فقد يطالب الابن باستقلال واسع في القرارات، بينما تبقى الأسرة مطالبة بتوفير الحماية والدعم وتحمل جزء من نتائج تلك القرارات. وفي المقابل، قد يتمسك الوالدان بحق التدخل في تفاصيل حياة الابن، مع استمرار توقع أن يتصرف بوصفه مسؤولاً عن نفسه. هنا ينشأ اختلال في العلاقة بين الحق والالتزام، إذ تتغير مساحة القرار أسرع من تغير المسؤولية المرتبطة به. ويصبح الصراع نتيجة طبيعية لعدم التوافق بين ما يطلبه الفرد من موقعه وما ينتظر منه في الموقع نفسه.

كما يعيد تغير الأدوار تشكيل موقع كل فرد داخل الأسرة. فقد يشارك الابن في قرارات كانت حكراً على الوالدين، وقد يتحمل مسؤوليات اقتصادية أو أسرية كانت مرتبطة تقليدياً بالوالدين، بينما ينتقل الأب والأم تدريجياً من موقع القرار المباشر إلى موقع المشورة والمساندة. هذه التحولات لا تعني تفكك الأسرة، لكنها تعني أن تقسيم الأدوار لم يعد ثابتاً. وكلما تغيرت مساهمة الفرد ومسؤوليته، تغيرت بالضرورة التوقعات المرتبطة بمكانته، وأصبح من الضروري إعادة تحديد حدود السلطة التي ترافقها.

وتزداد صعوبة الانتقال عندما تتداخل الأدوار داخل الموقف الواحد. فقد يتعامل الوالدان مع الابن بوصفه راشداً في بعض قراراته، ثم يعودان إلى معاملته بوصفه محتاجاً إلى الحماية في قرارات أخرى، بينما يطالب الابن بالاستقلال في جانب ويحتفظ باعتماده على الأسرة في جانب آخر. لا يكشف ذلك بالضرورة عن تناقض شخصي، بل عن طبيعة الانتقال الاجتماعي من الاعتماد إلى الاستقلال. فالموقع الأسري لا يتغير دفعة واحدة، وإنما تتغير عناصره تدريجياً، ولذلك تحتاج الأسرة إلى قواعد مرنة تميز بين ما يقرره الفرد وما يشارك فيه الآخرون وما تظل مسؤوليته مشتركة.

بهذا يتضح لنا أن السلطة داخل الأسرة لم تختفي، وإنما تغيرت شروط ممارستها. فالسلطة التي تعتمد على الموقع وحده تصبح أقل فاعلية عندما يتغير وعي الأبناء بمكانتهم، بينما تكتسب السلطة القائمة على الحوار والإقناع قدرة أكبر على الاستمرار. وفي المقابل، لا تعني مشاركة الأبناء في القرار امتلاكهم سلطة مطلقة، فالمشاركة الاجتماعية ترتبط بالمسؤولية، والاستقلال يزداد بقدر القدرة على تحمل نتائجه. وهكذا ينتقل الصراع من محاولة تحديد من صاحب الكلمة الأخيرة إلى إعادة تعريف الطريقة التي تمارس بها السلطة وتوزع بها المسؤولية.

كما تحتاج هذه المرحلة إلى إعادة تنظيم الأدوار لا إلى تثبيت الأدوار القديمة أو إلغائها. فالابن الذي يتقدم في العمر يحتاج إلى مجال أوسع لصناعة قراراته، لكن اتساع المجال ينبغي أن يرافقه اتساع في تحمل النتائج. والوالد الذي تتغير حاجات أبنائه يحتاج إلى تعديل طريقة حضوره، بحيث لا تتحول المسؤولية إلى سيطرة، ولا تتحول الرعاية إلى مبرر دائم للتدخل. وبهذا تصبح الأسرة قادرة على تحويل تغير المواقع إلى عملية نمو اجتماعي بدلاً من أن يتحول إلى صراع مستمر على السلطة.

وتكشف هذه العملية عن أن استقرار الأسرة لا يعتمد على ثبات الأدوار، بل على قدرة أفرادها على إعادة التفاوض حولها كلما تغيرت ظروفهم. فالأسرة التي تبقي الابن في موقع الطفولة بعد أن أصبح قادراً على المشاركة تخلق توتراً بين موقعه الفعلي والدور المفروض عليه، والأسرة التي تمنحه استقلالاً بلا حدود تخلق توتراً آخر بين الحقوق والمسؤوليات. وفي الحالتين ينشأ الخلل من عدم التناسب بين المكانة والواجبات والتوقعات.

لذلك لا تحتاج الأسرة إلى إنهاء الاختلاف، بل إلى جعله قابلاً للإدارة داخل حدود واضحة. حين يعرف الابن ما يخصه، وما يحتاج إلى تشاور، وما تظل الأسرة مسؤولة عنه، يصبح الاستقلال أكثر ارتباطاً بالمسؤولية وأقل ارتباطاً بالمخالفة. وحين يدرك الوالدان أن تغير موقع الابن لا يعني فقدان مكانتهما، يصبح الانتقال من التوجيه المباشر إلى المشاركة والمشورة امتداداً لدورهما لا تراجعاً عنه.

فالعلاقة الأسرية لا تستقر لأن الأب يحتفظ دائماً بالموقع الأقوى، ولا لأن الابن يحصل دائماً على المساحة الأوسع، وإنما عندما تتناسب الأدوار مع المراحل التي يمر بها أفرادها. وكلما استطاعت الأسرة أن تعيد ترتيب المكانة والسلطة والمسؤولية وفق هذا التغير، تحول الصراع من تنازع على المواقع إلى آلية لإعادة تنظيم العلاقة نفسها. عندها يصبح نضج الأسرة في قدرتها على تغيير أدوارها دون أن تفقد تماسكها، وعلى توسيع استقلال أبنائها دون أن تحول الاستقلال إلى قطيعة.

نصيحتي لكم، اجعلوا الرحمة حاضرة في بيوتكم، فالخلاف ينتهي، أما الكلمة القاسية فقد تبقى في النفس طويلاً. وتعاملوا مع من تحبون بهدوء وتفهّم، واستمعوا إليهم قبل أن تحكموا عليهم، فقد يحتاج الإنسان من أسرته إلى من يفهمه أكثر مما يحتاج إلى من يثبت أنه على حق. احفظوا للوالدين قدرهما، وللأبناء كرامتهم، ولا تجعلوا الخطأ سبباً لإهانة أحد أو قطع الصلة به. فصلة الرحم لا تعني أن تتفقوا في كل شيء، بل أن يبقى الاحترام قائماً حتى مع الاختلاف، وأن يجد كل فرد في أسرته من ينصحه بلطف، ويعفو عن زلته، ويقف إلى جانبه في وقت الحاجة. وتلك من أجمل صور الرحمة التي أراد الله تعالى أن تسكن بين الناس.



#حسام_الدين_فياض (هاشتاغ)       Hossam_Aldin_Fayad#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الفقر حين يصبح قدراً اجتماعياً
- الحياة بين ما نختاره وما نعتاده
- الخطأ بين شجاعة الاعتراف وحيلة التبرير
- القبول الاجتماعي وحدود الانتماء
- العاطفة واختبار القرب الإنساني
- سقوط الأدوار وإعادة اكتشاف الآخر (من صورة العلاقة إلى رؤية ا ...
- الطيبة في زمن الغدر... عندما تصبح الإنسانية عبئاً اجتماعياً
- المواقف لا تكشف حقيقة الإنسان بل تعريه
- بعض الانتصارات لا تستحق أن نخسر أنفسنا من أجلها
- العطاء بين حرية المنح والحق المكتسب
- المبادرة في حل الخلافات الزوجية بين كبرياء الذات واستمرار ال ...
- المواقف التي تعرّي حقيقة الناس
- بين الإنجاز والإتقان تتحدد قيمة العمل
- نضج الإنسان بين الرغبة في الجدال والقدرة على التغافل
- التلاعب النفسي بين التأثير والهيمنة على الوعي
- من فساد الفرد إلى فساد المجتمع
- أخطر ما في التردد أن تعيش حياة لم تخترها
- الواقع الذي يعيق قدرتك على تحقيق ذاتك
- لا تدع الخذلان يحدد مستقبل حياتك
- الخيانة بين حقيقة الآخر وخسارة الذات


المزيد.....




- إثيوبيا تصدر بيانًا بشأن نهر النيل والبحر الأحمر وتحذر من -ا ...
- بوتين يشيد بدور المعلمين في روسيا ويؤكد استمرار دعم تطوير مه ...
- النرويج: نظارات الذكاء الاصطناعي تحت المجهر!
- -فايننشال تايمز-: أوكرانيا استنفدت تقريبا مخزونها من قاطرات ...
- بوتين: يجب أن يحظى جميع الأطفال في روسيا بفرص تعليمية متساوي ...
- رئاسة عقيلة صالح على المحك.. النواب الليبي يصوت لتغيير اللائ ...
- المجلس الأعلى للدولة في ليبيا يرفض بالإجماع مخرجات -4+4- وقر ...
- أنقرة: التحركات الإسرائيلية على -خط سوفا 53- في القنيطرة بسو ...
- القوات الحكومية اليمنية تطلق -هجوما استراتيجيا- على صنعاء بم ...
- أمطار قياسية تغرق كتالونيا وتستنفر السلطات في إسبانيا


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - حسام الدين فياض - صراع الأدوار وإعادة تشكيل السلطة داخل الأسرة المعاصرة (رؤية سوسيولوجية – نقدية)