أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - منير حمود الشامي - التوازن الدستوري بين المرجعية الدينية والحقوق والحريات: المدونة الجعفرية في العراق أنموذجاً














المزيد.....

التوازن الدستوري بين المرجعية الدينية والحقوق والحريات: المدونة الجعفرية في العراق أنموذجاً


منير حمود الشامي
(Munir Alshami)


الحوار المتمدن-العدد: 8847 - 2026 / 10 / 3 - 23:31
المحور: اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق
    


تُعد العلاقة بين الدين والدولة من أدق المسائل الدستورية وأشدها تعقيداً، ولا سيما في المجتمعات المتعددة في أديانها ومذاهبها، إذ تستلزم إقامة توازن دقيق بين صون حرمة المعتقدات وحماية مقتضيات الدولة الدستورية، بما يحفظ للإنسان حريته وكرامته ويصون للمجتمع تنوعه ووحدته ويجعل من الدستور إطاراً جامعاً تتآلف في ظله القيم الدينية والمبادئ الدستورية، فلا تطغى إحداها على الأخرى ولا تنتقص إحداها من جوهر الأخرى. وقد حاول دستور جمهورية العراق لسنة 2005 أن يؤسس لهذا التوازن من خلال منظومة دستورية متكاملة جمعت بين احترام الهوية الدينية للمجتمع وضمان مبادئ الديمقراطية والمساواة والحقوق والحريات. فالمادة (2) من الدستور لم تكتفِ بالنص على عدم جواز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام، وإنما قرنت ذلك بعدم جواز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية والحقوق والحريات الأساسية، بما يكشف عن إرادة دستورية واضحة تقوم على تحقيق الانسجام بين هذه القيم جميعاً، لا تغليب إحداها على الأخرى. ومن هذا المنطلق فإن المادة (41) من الدستور لا يجوز النظر إليها بمعزل عن بقية النصوص الدستورية، لأن الدستور وحدة عضوية متكاملة تتساند أحكامه وتتفاعل فيما بينها. وعليه فإن حرية العراقيين في الالتزام بأحوالهم الشخصية وفق دياناتهم أو مذاهبهم أو معتقداتهم أو اختياراتهم لا يمكن أن تُفسر تفسيراً يؤدي إلى الانتقاص من الحقوق والحريات أو الإخلال بمبدأ المساواة أو المساس بوحدة النظام الدستوري. فالتفسير الدستوري السليم لا يقف عند حدود الألفاظ وإنما يمتد إلى استحضار الغايات الدستورية العليا التي تتمثل في حماية الإنسان وكرامته وحرياته.
وفي هذا الإطار أثارت المدونة الجعفرية التي أُقرت بموجب القانون رقم (1) لسنة 2025 جدلاً دستورياً واسعاً سواء من حيث إجراءات إعدادها أم من حيث مضمون عدد من نصوصها. فمن الناحية الشكلية، ثار التساؤل بشأن إسناد مهمة إعداد المدونة إلى المجلس العلمي في ديوان الوقف الشيعي، على الرغم من أن المادة (7) من قانون ديوان الوقف الشيعي رقم (57) لسنة 2012 لم تمنحه اختصاصاً تشريعياً أو صلاحية إعداد مشروعات القوانين!. أما من الناحية الموضوعية فقد تضمنت المدونة أحكاماً أثارت نقاشاً دستورياً وحقوقياً يتعلق بمدى انسجامها مع المبادئ الدستورية الحاكمة. ففي الوقت الذي اتجه فيه قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم (188) لسنة 1959، وقانون تعديل تطبيقه في إقليم كردستان رقم (15) لسنة 2008، إلى إبراز الوظيفة الأسرية والاجتماعية للزواج بوصفه مؤسسة تقوم على المودة والرحمة والاستقرار الأسري في تعريفها للزواج، جاءت بعض نصوص المدونة بمنظور مختلف انصرف إلى بيان الأثر الشخصي للعلاقة الزوجية دون إبراز البعد الأسري الذي أولاه الدستور العراقي عناية خاصة في المادة (29). كما تضمنت المدونة مصطلحات ذات طبيعة فقهية أو أخلاقية، من قبيل وصف بعض الأفعال بأنها (آثمة شرعاً)، وهي عبارات تفتقر إلى التحديد القانوني الدقيق الذي يقتضيه مبدأ اليقين القانوني، وتُثير إشكالية تتعلق بقابليتها للتطبيق القضائي وترتيب آثار قانونية واضحة عليها. ويزداد الجدل حول بعض الأحكام التي تتعلق بزواج غير الراشدين، واللعان وآثاره على النسب، وربط بعض إجراءات الطلاق بموافقة المرجع الديني، فضلاً عن الأحكام الخاصة بإرث الزوجة من الأرض. فهذه الموضوعات لا تمس الجوانب الفقهية المجردة فحسب، وإنما ترتبط ارتباطاً مباشراً بجملة من المبادئ الدستورية المتعلقة بالمساواة والكرامة الإنسانية وحماية الأسرة واستقلال القضاء وحق التقاضي. ومن ثم فإن تقييم هذه الأحكام لا ينبغي أن ينحصر في مدى موافقتها لاجتهاد فقهي معين، وإنما يجب أن يمتد إلى مدى انسجامها مع المنظومة الدستورية العراقية بأكملها.
وتؤكد التجارب المقارنة أهمية هذا المنهج المتوازن، ففي دولة الكويت وعلى الرغم من وجود تنظيم خاص للأحوال الشخصية الجعفرية، فإن الإطار التشريعي يظل خاضعاً لسلطة الدولة ومؤسساتها القضائية، وتبقى الرقابة الدستورية ضامنة لعدم تجاوز الحدود التي تفرضها المبادئ الدستورية العامة. أما في الجمهورية الإسلامية الإيرانية فرغم استناد النظام القانوني إلى المرجعية الفقهية الجعفرية، فإن ذلك يتم ضمن بنية دستورية وتشريعية متكاملة نشأت في سياق تاريخي ودستوري مختلف عن السياق العراقي، الأمر الذي يجعل من الصعب نقل التجربة أو استنساخها بمعزل عن الخصوصيات الدستورية والاجتماعية لكل دولة. ومن ثم فإن جوهر الإشكال لا يكمن في وجود مرجعية دينية أو مذهبية بحد ذاتها وإنما في الكيفية التي تُترجم بها هذه المرجعية إلى قواعد قانونية ملزمة وفي مدى قدرتها على التعايش مع المبادئ الدستورية الحديثة القائمة على المواطنة والمساواة والحقوق والحريات. فالدولة الدستورية لا تقاس بمدى تبنيها لتفسير ديني معين وإنما بقدرتها على تحقيق التوازن بين احترام المعتقدات وحماية الحقوق وصيانة كرامة الإنسان. ولهذا تبقى المحكمة الاتحادية العليا الركن الأساس في حماية هذا التوازن، بوصفها الحارس الأمين للدستور والضامن لسموه على جميع السلطات. فوظيفتها لا تقتصر على مراقبة مطابقة القوانين للنصوص الدستورية في معناها الحرفي، بل تمتد إلى صون روح الدستور ومقاصده، وتوفير الحماية الفعالة للحقوق والحريات في مواجهة أي تشريع قد يمس جوهرها. فالدساتير لا توضع لحماية السلطة، وإنما لحماية الإنسان، ولا تستمد قيمتها من نصوصها الجامدة بل من قدرتها على أن تظل سنداً للحرية والعدالة والمساواة في مواجهة تحولات الزمن وتبدل الظروف، وهو الدور الذي تبقى المحكمة الاتحادية العليا مطالبة بالاضطلاع به بوصفها الحارس الأخير للشرعية الدستورية في العراق.



#منير_حمود_الشامي (هاشتاغ)       Munir_Alshami#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رهائن عاصفة الصحراء... حين تتحول الذاكرة إلى شاهد لا يصمت
- وداعاً---ابو شكرية
- شعبوية الخطاب وبناء الدولة القانونية
- كراج النهضة
- باص 66 ومدينة Seattle
- النظام القانوني للمرور العابر في مضيق هرمز في ضوء اتفاقية قا ...
- المبادئ فوق الدستورية ودورها في توجيه تفسير النصوص الدستورية
- العدالة الدستورية ليست عدالة معصوبة العينين، والرقابة الدستو ...
- التفسير المتطور للوثيقة الدستورية- قرار إنهاء عضوية السيد مح ...
- رأي بالأمر الولائي للمحكمة الاتحادية العليا في الدعوى المرقم ...
- مدى دستورية قانون واردات البلديات رقم 1 لسنة 2023م
- الالتفات حول تفسيرات القضاء الدستوري وتأثير الرأي العام عليه ...
- هل يحق للمحكمة الاتحادية العليا حل البرلمان في غياب النص الص ...
- جواز الخروج على شرط المصلحة المستمرة في الدعوى الدستورية
- المحكمة الاتحادية العليا ورقابة الملائمة
- هل يحق للمحكمة الاتحادية العليا العدول عن مبادئ أو تفسيرات ل ...
- رأي في انتخاب رئيس جمهورية العراق وفقاً لنص المادة 70 من دست ...
- قراءه بقرار المحكمة الاتحادية العليا المرقم (159/اتحادية/202 ...


المزيد.....




- الحوثيون: تنفيذ عملية عسكرية استهدفت شركة أرامكو في الرياض ...
- -البعض تمادى-.. تبون يكشف إرسال مقاتلات جزائرية إلى النيجر ل ...
- شبهات -تمويل حماس- تلاحق جمعيتين إنسانيتين في فرنسا.. وخمسة ...
- الصين تصعّد تجاريًا قبل زيارة مفوض الاتحاد الأوروبي إلى بكين ...
- دون تفاصيل إضافية.. شريكة حياة إيلون ماسك تستخدم منصته -إكس- ...
- احتدام المعارك في جبهات تعز
- إسرائيل على دراية بالطاقم.. هارتس تكشف مفاجأة عن رحلة فلاي د ...
- المنصوري تقود مشاورات تشكيل الحكومة
- شتاينماير يحذر من خطر تكرار ألمانيا ما حدث لجمهورية فايمار
- سام ألتمان ينتقد إضفاء سلطة دينية على الذكاء الاصطناعي


المزيد.....

- المناضل الصغير / محمد حسين النجفي
- شموع لا تُطفئها الرياح / محمد حسين النجفي
- رؤية ليسارٍ معاصر: في سُبل استنهاض اليسار العراقي / رشيد غويلب
- كتاب: الناصرية وكوخ القصب / احمد عبد الستار
- الحزب الشيوعي العراقي.. رسائل وملاحظات / صباح كنجي
- التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية الاعتيادي ل ... / الحزب الشيوعي العراقي
- التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيو ... / الحزب الشيوعي العراقي
- المجتمع العراقي والدولة المركزية : الخيار الصعب والضرورة الت ... / ثامر عباس
- لمحات من عراق القرن العشرين - الكتاب 11 - 11 العهد الجمهوري ... / كاظم حبيب
- لمحات من عراق القرن العشرين - الكتاب 10 - 11- العهد الجمهوري ... / كاظم حبيب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - اليسار ,الديمقراطية, العلمانية والتمدن في العراق - منير حمود الشامي - التوازن الدستوري بين المرجعية الدينية والحقوق والحريات: المدونة الجعفرية في العراق أنموذجاً