أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير حمود الشامي - باص 66 ومدينة Seattle















المزيد.....

باص 66 ومدينة Seattle


منير حمود الشامي
(Munir Alshami)


الحوار المتمدن-العدد: 8690 - 2026 / 4 / 27 - 23:56
المحور: الادب والفن
    


في صباحي الأول في الكلية، كانت الساحة تضج بوجوهٍ خرجت لتوها من قلق البيوت، حقائب جديدة تفوح منها رائحة الورق، وأحلام طازجة لم تمسسها خيبة بعد. كنت أمشي بينهم مثل غريبٍ نزل في مدينة أخطأها القطار، أتحسس خطواتي وأحمل ارتباكي كما يحمل الفقراء أرغفة الخبز بحذرٍ شديد. المبنى بدا لي هائلًا أعلى من طمأنينتي وأبرد من قلبي، والطلاب يتدفقون في ممراته كتدفق نهرٍ واسع ساعة امتلائه. كانت الطالبات قبل أن تمتد إلى أنوثتهنَّ يد التزمت العابس، وقبل أن تُطوق الضحكة بأسلاك الوعظ الشيزوفرني، يمررن مثل صباحاتٍ صغيرة نزلت لتوِها من شرفات بغداد. وجوهٌ مضيئة كأنها غُسلت بضوء الفجر، وعيون فيها اتساع دجلة حين يلمع تحت شمس نيسان، وضحكات خفيفة تتطاير في الممرات كالعصافير إذا أفلتت من قفصها. ثيابٌ أنيقة ببساطتها، وشعر منسدل أو مربوط بعناية، وتسريحات تحمل من الأسرار أكثر مما تحمل من الدبابيس. أما لكناتهنَّ البغدادية الأصيلة، فكانت تخرج رخيةً وعذبة، كأن المدينة نفسها تتكلم على هيئة موسيقى. وكنت وسط هذا الجمال المرتبك أبحث عن قاعة لا أعرف رقمها، وعن مستقبل لا أثق كثيراً بأنه ينتظرني....
ثم رأيتها... كانت تقف قرب نخلة الجوز العالية في طرف الساحة، كأنها الربيع الوحيد في ذلك المكان. تضم كتبها إلى صدرها بحركةٍ فيها شيء من الحياء وشيء من الكبرياء، وتضحك لصديقةٍ معها ضحكة خفيفة جعلت الصباح أكثر إشراقاً. يومها لم أرَ فتاة فحسب، بل رأيت نافذةً انفتحت فجأة في جدار العالم، ورأيت هواءً جديداً يدخل صدري لأول مرة، وشعرتُ حينها أن الأرض توقفت لحظة، وأن قلبي، ذلك العضو المهمل كمدينتي الجنوبية، انتبه أخيراً إلى نبضه.
منذ تلك اللحظة عرفت أنني لن أخرج من هذه الكلية كما دخلتها، وأن ثمة شيئاً ما سيحدث، شيئًا لا تذكره المناهج ولا تعترف به سجلات الدوام.
ثم جاءت الصدفة ... قُبلنا في القسم نفسه وفي الشعبة نفسها... شعبة (أ)، يومها شعرت أن حرف الألف لم يعد أول الحروف بل صار أول أبواب الحكاية.
اتذكر حين اقتربت مني بعد أيام، حين كنا ننتظر المحاضرة.
قالت وهي تبتسم، كأنها تعرفني منذ زمن:
– أنت من الناصرية... أليس كذلك؟
-ارتبكتُ، وشعرت أن لساني صار حجراً.
– ن... عم.
- ابتسمت ابتسامة خفيفة فجعلت المكان أقل قسوة.
– وأنا فردوس.
قلت: – أعرف. رفعت حاجبها بدهشةٍ
– تعرف؟
كانت تعرف أنني أكذب نصف كذبة.، كنت أعرف أكثر من ذلك بكثير.، أعرف أين تجلس. أي قلم تفضل، متى ترفع شعرها بيدها اليسرى. كيف تضحك حين تفاجئها صديقتها. أعرف تفاصيل لا يعرفها إلا عاشق جبان.
قالت مرة، ونحن خارجين من القاعة:
– بالمناسبة لماذا تنظر إلي ثم تشيح بوجهك؟
-- قلتُ وأنا أحدق بالأرض:
– لا أعرف
ومضت ايام الدراسة ونحن تحت سقف واحد، في القاعة نفسها، وعلى المقاعد التي كانت تقرب المسافات وتزيدها استحالة. كنت أراها كل صباح، فيكبر إعجابي بها كما يكبر الضوء حين يفتح النهار نوافذه، ويزداد حبي لها شيئاً فشيئاً كالنهر إذا أطعمته الينابيع. كانت تدخل فتعتدل الفوضى، وتجلس فيصير للمكان معنى، وتضحك فتمتلئ روحي بأشياء لا اسم لها. ومع كل محاضرة جديدة، كنت أكتشف أنني لا أتعلم من الدرس شيئاً بقدر ما أتعلم منها كيف يمكن لامرأة واحدة أن تربك العالم.
وبعد ذلك صار لكل مساء طقوسه الفردوسية التي لا يعرف سرها سواي.
كنت أركب الباص 66 بلا سببٍ يصدقه أحد، إلا ذلك السبب الذي لا يراه الناس: أن خطه يمر قرب بيتها. كنت أصعد إلى الطابق العلوي أجلس عند النافذة الأمامية، وأشعر أن بغداد كلها تسير بي نحو نافذة واحدة. كانت الباصات يومذاك تشبه مدناً صغيرة متحركة هادئة، نظيفة، لها هيبة النظام ورائحة الحديد اللامع، ومقاعد تحفظ أسرار العشاق والطلاب والموظفين العائدين بتعب النهار. كانت تمضي في الشوارع برصانة سفينة تعرف مرافئها، لا تصرخ، لا تتزاحم، لا تشتم أحداً، وكأن المدينة نفسها كانت أكثر تهذيباً وهي تركبها. أما اليوم فإذا مررتُ بالمكان نفسه، لا أجد تلك الباصات إلا أشباحاً في الذاكرة، اختفت الطوابق الحمراء، وغابت النوافذ الواسعة التي كانت تُطل منها الأحلام.، حلت محلها سيارات صغيرة متعبة، بيضاء وسوداء، بعضها يحمل أرقاماً وبعضها بلا هوية، كأنها جاءت من فوضى لا من مدينة. منادون يصرخون بالجهات كل حسب مزاجه، أصوات متقاطعة دخان، عجلة، ارتباك، ولا أحد يسأل عن نظامٍ غادر، ولا عن رقيبٍ نام طويلًا. أقف أحياناً على الرصيف، وأشعر أن الذي ضاع ليس الباصات وحدها، بل شيء أكبر: هدوء المدينة، ترتيبها، أناقتها، وقلبي الذي كان يوماً يعرف طريقه إلى الحب عبر مقعدٍ قرب النافذة بالطابق العلوي في الباص 66.
كان السائق يسألني أحياناً في نهاية خط السير:
– إلى أين؟ فأجيبه في سري:
– إلى نافذتها.
وفي الليل، حين تهدأ المدينة وتطفئ البيوت آخر مصابيحها، كنت أضع رقم هاتفها أمامي(555665...) على الطاولة كأنه تعويذة نجاة، أو بابٌ سري إلى حياة أخرى. أحدق في الأرقام طويلاً، وأشعر أنها ليست أرقاماً بل درجات سلم أصعده مرتجفاً نحوها.
أفتح قنينة بيرة لا حباً بها، بل استعارةً مؤقتة للشجاعة. أرتشف قليلًا، فأتوهم أن قلبي صار أصلب، وأن لساني سيتعلم أخيراً المشي بلا عكاز. أقول لنفسي: الليلة سأكلمها، الليلة سأقول كل ما أخفته السنوات في صدري، الليلة سأنتصر على هذا الخوف الذي ربيته كحيوان أليف.
أرفع السماعة.
ترتعش يدي كغصنٍ في ريح.
أطلب الرقم رقماً رقماً، كمن يكتب وصيته الأخيرة.
ثم يأتي صوتها:
– ألو؟
كان صوتها وحده يكفي ليقلبني من رجلٍ جاء محملاً بالكلمات إلى طفلٍ في يومه الأول من المدرسة، باغته مديرها بنظرةٍ حادة فابتلع اسمه ودمعته معاً. كان قلبي يركض مذعوراً في أضلعي كعصفورٍ أُطلق داخل غرفة مغلقة، وكانت أنفاسي تتعثر، فيما الكلمات التي سهرت أروضها طوال الليل تقفز من فمي وتهرب كطلابٍ سمعوا جرس النجاة. فأغلق سماعة الهاتف فوراً. أظل أحدق في السماعة بعد ذلك كقاتلٍ ندم متأخراً. ألعن جبني، وأشرب ما تبقى من البيرة بمرارة أشد من طعمها، وأشعر أن حسرة جديدة تنمو في داخلي، تتسع شيئاً فشيئاً، حتى تصير بحجم قارة أفريقيا.
وفي الليلة التالية، كنت أعود إلى الجريمة نفسها...بالارتجاف نفسه، وبالصوت نفسه، وبالهزيمة نفسها.
مرت سنوات الكلية الأربع كأنها دقيقة خائفة تختبئ بين صفحات الدفاتر. محاضرات، امتحانات، شتاءات طويلة، وأنا أزداد صمتاً، وأزداد تعلقاً بها، كمن يشرب ماء البحر ويزداد عطشاً. ثم تخرجت هي، وغادرت هي الكلية، وبقيتُ أنا وحدي أتمشى في الممرات كحارس نسيه المكان بعد انصراف الجميع. كانت المقاعد فارغة إلا من ظلها والساحة واسعة إلا من غيابها. يومها فهمت أن التأجيل نوع آخر من الخسارة.
اتصلت بها بعد ترددٍ طويل، فجاء صوتها كما أعرفه، يربك القلب ويبعثر الشجاعة. عرفتُ أنها تعمل في إحدى الدوائر الحكومية، فذهبت إليها وأنا أحمل قلبي كمن يحمل شيئاً قابلاً للكسر. دخلت عليها. رفعت رأسها من الأوراق، وحين رأتني اتسعت عيناها بدهشةٍ جميلة، وقالت بلهجتها التي ما زالت تسكنني:
– هاي... إنت؟ شجابك؟
قلت مرتبكاً: جئت... لأراكِ فقط.
ضحكت، فصار المكتب أقل قسوة. طلبتُ منها أن تخرج معي قليلاً، فوافقت. سرنا معاً في الشارع. توقفتُ أخيراً، ونظرتُ إليها نظرةَ رجلٍ تأخر كثيراً حتى شاخ انتظاره، ثم قلتُ وبشجاعة فارس صليبي اقتحم أسوار خوفه أخيراً:
– فردوس... أحبك.
ابتسمت تلك الابتسامة التي أضاعت مني سنوات، وهزت رأسها بحزنٍ رقيق، ثم قالت:
– أخيراً قررت أن تتكلم؟
شعرت أن الهواء صار ثقيلاً.
-قلت، بصوت خرج من آخر عمري:
– أحبك.
صمتت قليلاً. نظرت إلي طويلاً، ثم قالت بهدوء موجع:
– لماذا لم تقلها كل هذه السنين؟
-قلت: كنت أخاف أن أفقدك بالكلام... فاحتفظت بكِ في الصمت.
خفضت عينيها، وابتسمت حزناً.
– كنت أعرف.
سألتها وأنا أشعر أن الأرض تميد:
– وكنتِ...؟
– وكنت أنتظر.
سقطت الكلمة علي مثل بابٍ من حديد.
قلت:
– والآن؟
رفعت وجهها نحوي، وكان في عينيها غروب كامل.
– الآن... تأخرت.
افترقنا عند زاوية شارع مزدحم في ذلك اليوم الشتائي. مضت هي بخطوات هادئة، كأنها تعرف الطريق جيدا، ومضيت أنا أجر خلفي جملة واحدة تلمع في صدري كسكين لا يجد غمده. كان المطر الخفيف ينزل بيننا مثل ستارة أخيرة، وكانت السيارات تمر مسرعة كأن المدينة تتعجل نسياننا.

ومرت الأيام. أخذت البلاد تضيق شيئا فشيئا، مثل قميص قديم على جسد أنهكه التعب، وصارت الشوارع أكثر عبوسا، والوجوه أكثر صمتاً، والخبز أكثر مرارة. أما الأحلام، فقد راحت تقف طويلاً على الأبواب ثم تعود خائبة. وغدت الأيام أقسى من أن تترك للعشاق شبراً واحداً يقفون فيه، أو نافذة صغيرة يطلون منها على الغد.
ثم جاء الحصار، ذلك الوحش الأعمى الذي دخل البيوت من غير استئذان، فأكل المدن والناس والأحلام، وترك على الأبواب غبار الجوع ووجوه الانتظار. تفرقت الطرق كما تتفرق أسراب الطيور حين يفزعها الرصاص، وسافر من سافر، وضاع من ضاع، وصار كل بيت يودع أحدا ولا يعرف إن كان سيعود.
قيل لي إنها ذهبت بعيداً، إلى بلاد لا تعرف رائحة الهيل، ولا تستيقظ على صوت ياس خضر في المساءات، بلاد باردة تمشي فيها الأشجار منتظمة أكثر من البشر. قالوا إنها هناك وراء بحار كثيرة تحت سماء لا تشبه سماءنا.
أما أنا فبقيت هنا، أعيش على فتات الأخبار. كلما عاد مسافر سألت عنهــا قبل أن أسأله عن نفسه. كلما رن الهاتف خفق قلبي كأنه سمع اسمها. أفتش عنها في كلام الناس، في صدفة عابرة، في رسالة متأخرة، في صورة وصلت مع حقائب الغياب. أسأل: كيف هي؟ هل ما زالت تضحك بالطريقة نفسها؟ هل ما زالت ترفع شعرها بيدها اليسرى؟ هل تغيرت عيناها أم بقي فيهما ذلك الحزن اللامع؟ هل تمر ببغداد أحيانا في المنام؟ وهل تذكر رجلا تأخر أربع سنوات عن كلمة واحدة؟ وكانوا يجيبونني بإجابات صغيرة لا تكفي، بينما يظل قلبي يطلب خبراً واحداً كبيراً: أن تكون بخير... وأنها لم تنسني تماما.
أما أنا، فبقيت هنا.
كلما مر الباص 66 من الشارع، شعرت أن قلبي ما زال ينتظر راكبة لن تنزل.
كلما رنّ الهاتف، تخيلت أن صوتاً سيقول:
– ألو؟
فأرتبك كما ارتبكت أول مرة.
مرت سنوات كثيرة.
تزوج الناس، أنجبوا، شاخوا، مات بعضهم. وأنا ما زلت أجلس في الليل، وحيداً، أفتش في الذاكرة عن شابٍ أضاع امرأة لأنه تأخر دقيقة... وكانت الدقيقة عمراً كاملًا.
تمر السنوات كما تمر القطارات التي لا تتوقف في المحطات الصغيرة، وأنا الآن عند ضفة نصف قرن من العمر، أجلس وحيداً في ليلٍ طويل، أفتش في وجهي عن ذلك الفتى الذي كان يرتجف من كلمة حب، ويعد نظرة منها عيداً كاملاً.
يا فردوس... هل ما زلتِ تذكرينني؟
هل يمر اسمي أحياناً في بالك مثل أغنية قديمة خرجت من مذياعٍ صدئ؟ يقولون إنكِ ذهبتِ بعيداً... إلى أقصى الغرب، إلى سياتل، مدينة المطر والضباب، حيث الأشجار أعلى من أحلامنا، والسماء أكثر برودة من رسائلي التي لم أرسلها. أما أنا، فما زلتُ هنا، في طغراء، مدينة القمر المتعب، أجلس مع محسن الخفاجي، وعبد الرحمن الربيعي وابوذيات داخل حسن التي تختزل كل أوجاع الجنوب بابوذية تنتهي دائماً بـ(احاه) ، نحتسي ما تبقى من العمر، ونستمع إلى ياس خضر وعبادي العماري، ونترك أغاني السبعينيات تمشط ذاكرة المساء بأصابع حزينة. وحين تدخل المطربة أنغام إلى الغرفة بصوتها، أشعر أن الليل صار أكثر أناقة، وأكثر قسوة.
أتذكرك حين أسمع راغب علامة... ذلك المطرب الذي كان يومها ترند في قلوب الطالبات. كنتِ تحملين الـليفكس وتخفين وجهه بين الكتب، بينما وجهك أنتِ كان يكفي ليجعل الكلية كلها أقل قبحاً. كم أتمنى لو أراك الآن، بشعرك المتمرد الجميل، بحركة يدك اليسرى التي كانت تشبه جناح طائر، بابتسامتك التي كانت تفتح شبابيك الروح، وتدخل الضوء إلى أكثر الأماكن عتمة. أغمض عيني... فيرجع الباص 66 من آخر الشارع، مزدحماً بالطلاب والضحكات ورائحة الصباح. أراك قرب النافذة، تسرقين النظر ثم تدعين الانشغال. أسمع ضجيج المدينة وهي ما تزال بريئة، وأشعر أن العالم كان يومها أصغر من أن يفرق بين قلبين. أفتح عيني على هذه العتمة الثقيلة، وأهمس لنفسي: لأنني ظننت أن الوقت رجلٌ وفيّ، ينتظر المتأخرين، ولم أكن أعرف أن الباصات ترحل، وأن القلوب أيضاً لها مواعيد لا تتكرر.
الآن...
لم يعد الباص 66 يوصلني إليكِ،
ولا أيُ طريق.
إلا هذا الطريق الوحيد... طريق الذكرى.
أمشي فيه كل ليلة، بعصا الحنين، وأتوقف عند المحطات القديمة: باب الكلية، الرصيف، زجاج النافذة، مقعدك الفارغ، ضحكتك التي ما زالت معلقة في الهواء كفانوس منسي. ثم أرفع رأسي نحو الغرب، نحو تلك المسافة التي ابتلعتك، وأتخيل أن مطر سياتل يهطل الآن على نافذتك، بينما هنا يهطل الغبار على قلبي.،هناك مدينة تنام وأنتِ فيها...وهنا مدينة تصحو وأنا وحدي. هناك تفتحين باباً جديداً كل صباح، وهنا أغلق باباً قديماً كل ليلة.
وأنا ما زلتُ هنا...
ألوح لباصٍ مر منذ أربعين عاما ولم يعد،
وألوح لامرأةٍ سافرت منذ زمنٍ بعيد...
وما زالت تسكنني أكثر من كل المقيمين.
ولا أيُّ طريق.
إلا هذا الطريق الوحيد... طريق الذكرى.
وأنا ما زلتُ هناك...
أنتظر محطةً لن تأتي،
وألوّح لباصٍ
مرَّ منذ أربعين عاماً
ولم يعد.
ومنذ ذلك الوداع الذي انكسر عند باب الكلية، وأنا أعيش كمن أضاع شيئاً صغيراً، ثم اكتشف بعد سنين أنه أضاع عمره كله. في سفراتي إلى بغداد، كنت أختلس نفسي من الأصدقاء كما يختلس اللص خاتماً من إصبع نائمة. أعتذر بحجةٍ عابرة، وأمضي وحدي إلى محطات الباصات، كأن قدمي تعرفان الطريق أكثر مني.، أجلس هناك بين الغرباء، أراقب الوجوه الصاعدة والنازلة، وأحدق في أبواب الحافلات كلما انفتحت، لعلها تنزل من درجٍ قديم أو تصعد إلى مقعد قرب النافذة أو تلتفت فجأة وتقول، بتلك البساطة التي كانت تربكني:
– أنت من الناصرية... أليس كذلك؟
لكن الأبواب كانت تُفتح على آخرين، وتُغلق على آخرين، وتمضي.
أما هي، فلم تأتِ.
ومرت السنوات، سنة وراء سنة، كقطار لا يلتفت إلى من يركض خلفه. تبدلت الأمكنة، تهدمت جدران، نبتت عمارات، انطفأت مقاهٍ واشتعلت أخرى، شاخت الأشجار وتبدلت الوجوه، حتى الباص 66 لم يعد هو نفسه، صار أكثر تعباً وأكثر غربة كأنه يعرف ما حدث لنا. كل شيء تغير. شيء واحد فقط بقي واقفًاً في داخلي، شامخاً، لا تهزمه السنون ولا تقهره المسافات: عيناها.
عينا فردوس، ذلك البريق الحزين الذي كان يسكنهما، ذلك الندى الخفي الذي يجعل النظر إليهما نوعاً من السقوط الجميل. عينان كانتا بالنسبة لي بداية العالم ونهايته، بحراً صغيراً غَرِقت فيه من نظرة، ولم أنجُ إلى اليوم. هي الشوق الذي لم يبرد، والرغبة التي لم تشخ، واللهفة التي خبأتها الأيام تحت رمادها وظنت أنها ماتت. لا أحد يستطيع أن يقنعني بأنها انتهت، ولا أن الحب الذي دخل من العينين يخرج من باب الوقت.
قد تمر سنة وقد تمر عشر، وقد يبيض هذا الرأس أكثر، لكنني سأجد هاتين العينين يوماً ما. سأجدهما في محطة، أو شارع، أو مطار، أو مصادفة تتعب من تأجيل نفسها. سأجدهما وأنظر إليهما مرةً واحدة كما ينبغي، ثم أغرق فيهما إلى الأبد.
لا تسخروا من رجل ما زال يصدق قلبه. فهي ما زالت تركض في ذاكرتي، تتسلق دمي كل مساء، تبكيني حيناً وتضحكني حينًا، وتوقظ في صدري ذلك الطالب الخجول الذي مات في الأوراق الرسمية وبقي حيًا في الحب.
لا يا أيها الناس... إنها لم تغب.
إنها تنتظرني.
ربما هناك، في سياتل، تحت مطرٍ لا ينتهي، تقف قرب نافذة وتفكر: لماذا تأخر؟
وربما هنا في محطةٍ قادمة، ستنزل من باب باصٍ لا أعرف رقمه وتبتسم.
نعم... في المحطة القادمة.
لا أعرف أين ولا متى ولا بأي وجهٍ ستأتي السنون بها إلي...
لكنني أعرف شيئاً واحداً:
سألتقي بها.
لا تسخروا...
بالتأكيد سألتقي بها.



#منير_حمود_الشامي (هاشتاغ)       Munir_Alshami#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- النظام القانوني للمرور العابر في مضيق هرمز في ضوء اتفاقية قا ...
- المبادئ فوق الدستورية ودورها في توجيه تفسير النصوص الدستورية
- العدالة الدستورية ليست عدالة معصوبة العينين، والرقابة الدستو ...
- التفسير المتطور للوثيقة الدستورية- قرار إنهاء عضوية السيد مح ...
- رأي بالأمر الولائي للمحكمة الاتحادية العليا في الدعوى المرقم ...
- مدى دستورية قانون واردات البلديات رقم 1 لسنة 2023م
- الالتفات حول تفسيرات القضاء الدستوري وتأثير الرأي العام عليه ...
- هل يحق للمحكمة الاتحادية العليا حل البرلمان في غياب النص الص ...
- جواز الخروج على شرط المصلحة المستمرة في الدعوى الدستورية
- المحكمة الاتحادية العليا ورقابة الملائمة
- هل يحق للمحكمة الاتحادية العليا العدول عن مبادئ أو تفسيرات ل ...
- رأي في انتخاب رئيس جمهورية العراق وفقاً لنص المادة 70 من دست ...
- قراءه بقرار المحكمة الاتحادية العليا المرقم (159/اتحادية/202 ...


المزيد.....




- كوميديا وأكشن وإثارة.. هذه قائمة الأفلام التي تنتظرك في صيف ...
- العقلانية في الثقافة الإسلامية بنادي القراءة في اتحاد الأدبا ...
- مستقبل علم التاريخ: تساؤلات حول المنهج واللغة ومحورية السلطة ...
- الأمن بانتظاره وأبوه تبرأ منه.. تصريحات الفنان الأردني حسام ...
- فلسطين تتصدر مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير بمشاركة عربية و ...
- سيارتك في خطر.. عندما يكون اختيار فيلم الحماية الخاطئ كارثيا ...
- في عصر السيلفي.. لماذا ابتلعتنا صورُنا؟
- ثرفانتس و-دون كيشوت-.. هل كان مؤسس الرواية الأوروبية من أصل ...
- فيلم -بيّت الحس- لليلى بوزيد: عن الصمت العائلي والحب الممنوع ...
- -عشق أبدي-.. مصمم تونسي يطرّز اللغة العربية على فساتين زفافه ...


المزيد.....

- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير حمود الشامي - باص 66 ومدينة Seattle