أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير حمود الشامي - كراج النهضة














المزيد.....

كراج النهضة


منير حمود الشامي
(Munir Alshami)


الحوار المتمدن-العدد: 8691 - 2026 / 4 / 28 - 08:57
المحور: الادب والفن
    


رديت وجدامي تخطط حيرة وندم
رديت وشرديت لا موعد ولا كلمة نعم
كانت تلك الأغنية تنسل من مذياع بعيد عند الفجر، ثم تمشي فوق سقوف بغداد كأنها طير مبلل بالحزن لا يعرف أين يهبط. كل من يسمعها كان يدرك بصمتٍ ثقيل، أن الرجوع في تلك السنوات لم يكن رجوعاً كاملاً، وأن العائدين كانوا يعودون بنقصٍ خفي، يتركون نصف أرواحهم هناك، حيث تختلط الأسماء بالضباب وتضيع القبور بين احتمال وآخر. وكان صوت سعدي الحلي كما يصفه موفق ابو خمره، وهو يعلو في باصات الريم أشبه بطبيب نفسي متجول يرافق الجنود إلى الخنادق والربايا، يغسل عنهم وحشة الليل بجرعة صوت، ويمنحهم وهماً جميلاً لثوانٍ قصيرة، فيصدق أحدهم أن الطريق إلى البيت لم ينقطع تماماً، وأن ثمة باباً ما يزال مفتوحاً في آخر المسافة.
أما كراج النهضة فكان يعرف الحقيقة أكثر من الجميع. لم يكن محطة تقف فيها الباصات وتتعالى فيها المناداة فقط، كان فم بغداد المفتوح على الحرب. من هناك كانت المدينة تبتلع أبناءها ثم تلفظهم نحو الجبال والحدود والسهول البعيدة وإلى أمكنة لم يسمعوا بأسمائها من قبل. أسماء يابسة تشبه الحجر والبرد والوحدة، أسماء يتعلمونها في الطريق كما يتعلم المحكوم اسم سجانه.
في الصباحات الباردة كان كراج النهضة يستيقظ قبل أن تفتح بغداد عينيها على الضوء. الباصات واقفة كجواميس أنهكها السفر، تنفث دخانها كأنها تتنهد من ثقل ما تنتظره. الجنود المتأخرون عن أعمارهم يتجمعون حول بسطات الشوربة والجليفراي واستكانات الشاي المر، يسرقون من الوقت لحظات صغيرة تشبه الحياة قبل أن تُنتزع منهم مجدداً، يضحكون… لكن ضحكتهم لا تكتمل، تخرج مكسورة، كأنها استعارة من زمن لم يعد لهم. بائعات الشاي الحمراوات يصرخن بأصوات مبحوحة: تعال جاي يلي ضارب الغاية… فتتداخل النداءات مع صفير المحركات وارتجاف القلوب التي تعرف أن الفاصل بين البقاء والرحيل دقيقة واحدة فقط. وأضواء اللوكس المتعبة تسقط على الوجوه فتفضح ما لا يريدونه أن يُرى. وجوهٌ لم تزل تحمل ملامح الطفولة، لكنها تُجبر على ارتداء قناع الرجولة على عجل، كأن الحرب لا تمنح أحداً وقتاً لينمو بهدوء، هذا بعده زغب شارب، هذا يخفي صورة أمه في جيب بدلته العسكرية. هذا ربط خاتم خطبته بخيط حتى لا يضيع. هذا يحچي عن عرس مؤجل. وهذا يكول إذا رجعت أكمل كلية. كانوا يتكلمون كثيرا لأن الكلام آخر شيء يملكه الخائف. أما الصمت فكان يشبه قبرا مفتوحا.
وكان كراج النهضة يصغي، يعرف أن تلك الباصات لا تحمل جنودا فقط بل تحمل أعمار بيوت كاملة، تحمل ضحكة أم وصبر أب وحلم بنت تعد الأيام بالشخاط على الحايط بانتظار عريس يعود، حمل طفلاً لم يولد بعد وشيباً مبكراً لرجل سيقضي ما بقي من عمره عند الباب يحدق في الطريق، وامهات واقفات على الأرصفة مثل نخل مذعور. واحدة تدس خبزة حارة في يد ولدها وتكله يمه كل حتى لا تجوع. أخرى تشد على صوتها المكسور وتكله دير بالك على روحك يبعد روحي ثم تدير وجهها كي لا يرى دمعتها. ثالثة تسرق قبلة سريعة من جبينه كأنها تعرف أن الوقت صار عدواً. ثم تتحرك باصات الريم تهتز النوافذ وتلوح الأيادي، ويصير الشاب من نافذة الباص مجرد كف صغيرة في هواء بغداد. وبعد أول منعطف يبدأ الغياب عمله الطويل.
ثم تبدأ المدينة بالانتظار، انتظار البريد، انتظار الإجازة، انتظار الطرقة على الباب، وكل طرقة كانت تخيف أكثر مما تبشر. أحيانا يعود واحد نحيفا بعينين ليستا عينيه. يعود صامتا كأنه ترك صوته في الجبل، وأحيانا تعود بدلته العسكرية وصورة مؤطرة وخبر يابس لا يصلح إلا لزيادة البكاء وأحيانا لا يعود غير الاسم.
شيئا فشيئا تغيرت المدينة: كثرت الأرامل حتى صرن جزءاً من المشهد، الأطفال عرفوا معنى الشهيد قبل معنى المدرسة، البيوت لبست السواد حتى تشابهت شبابيكها. والناس إذا ضحكوا التفتوا حولهم بخجل كأن الفرح صار مخالفة.
أما كراج النهضة فظل واقفاً مثل شاهد أخرس، يرى الذاهبين ولا يرى العائدين. يعرف كم استكان شاي برد قبل أن يكتمل وكم وعداً انكسر وكم رسالة بقيت في جيب ممزق وكم قلباً ظل معلقاً بشباك باص متجه إلى جبهة لا يعرفها أحد. كانت الحرب تسمي نفسها واجباً والناس تعرف أنها سوط، لم يذهب إليها أحد عاشقاً، ذهبوا لأن الخوف كان أشد من الطريق ولأن البلاد يومها كانت بابا واحدا يفتح على النار. وكانت النار تعرف أسماءهم واحداً واحداً.
وإلى اليوم إذا مر أحد بكراج النهضة يسمع ما لا يسمعه الغرباء: يسمع ضحكة شاب انقطعت نصفين، يسمع أما تنادي يمه انتبه لنفسك.، يسمع محرك باص قديم وهو يبتلع آخر موجة من الأيادي ويعرف أن بعض الأمكنة لا تكون أمكنة فقط بل ذاكرة دامية مبنية بالإسفلت والطابوق.
من خرج من هنا لم يعد كما كان
ومن عاد حمل الحرب في عينيه
والمدينة ما زالت كل فجر تعد أبناءها ثم تكتشف أن العدد ناقص دائماً.



#منير_حمود_الشامي (هاشتاغ)       Munir_Alshami#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- باص 66 ومدينة Seattle
- النظام القانوني للمرور العابر في مضيق هرمز في ضوء اتفاقية قا ...
- المبادئ فوق الدستورية ودورها في توجيه تفسير النصوص الدستورية
- العدالة الدستورية ليست عدالة معصوبة العينين، والرقابة الدستو ...
- التفسير المتطور للوثيقة الدستورية- قرار إنهاء عضوية السيد مح ...
- رأي بالأمر الولائي للمحكمة الاتحادية العليا في الدعوى المرقم ...
- مدى دستورية قانون واردات البلديات رقم 1 لسنة 2023م
- الالتفات حول تفسيرات القضاء الدستوري وتأثير الرأي العام عليه ...
- هل يحق للمحكمة الاتحادية العليا حل البرلمان في غياب النص الص ...
- جواز الخروج على شرط المصلحة المستمرة في الدعوى الدستورية
- المحكمة الاتحادية العليا ورقابة الملائمة
- هل يحق للمحكمة الاتحادية العليا العدول عن مبادئ أو تفسيرات ل ...
- رأي في انتخاب رئيس جمهورية العراق وفقاً لنص المادة 70 من دست ...
- قراءه بقرار المحكمة الاتحادية العليا المرقم (159/اتحادية/202 ...


المزيد.....




- مهرجان كان السينمائي: حضور ياباني واسباني وأمريكي في أفلام م ...
- مباراة -يد الله-... وثائقي في مهرجان كان السينمائي يعيد إحيا ...
- -اللغة العربية هي لغتنا-: موقف حارس الجيش الملكي يشعل مواقع ...
- من سيكون -جيمس بوند- القادم؟.. تجارب أداء نجم سلسلة أفلام 00 ...
- هشاشة الإنسان بين أمير تاج السر وهاروكي موراكامي
- هالاند يستعد لدخول عالم السينما بشخصية -فايكنغ-
- ندوة للجزيرة بمعرض الدوحة للكتاب: الذكاء الاصطناعي خطر على ا ...
- -مواطن اقتصادي- مسرحية مغربية تفضح استغلال الناخبين
- نصوص مترجمة للفرنسية:نص ( قصائد منتهية الصلاحية)الشاعرعصام ه ...
- النكبة: ماذا حدث في 1948؟ ولماذا يحمل الفلسطينيون -مفتاح الع ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - منير حمود الشامي - كراج النهضة