منير حمود الشامي
(Munir Alshami)
الحوار المتمدن-العدد: 8734 - 2026 / 6 / 12 - 15:59
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ليست قيمة الدستور فيما يُسطر بين دفتيه من نصوصٍ وأحكام، ولا فيما يزدان به من عباراتٍ ومبادئ وإنما فيما يغرسه في ضمير الدولة من معانٍ، وما يقيمه في بنيانها من موازين وما يُشيده في فضائها العام من قواعد تكفل انتظام السلطة وانضباط الحرية وتؤمن بدورها التلاقي بين الإرادة الشعبية وحكم القانون. فالدستور الحق ليس وثيقة تُقرأ فحسب بل منظومة تُمارس وليس نصاً يُحفظ في السطور بل روحاً تسري في الصدور تحفظ وحدة الجماعة السياسية من التمزق وتصون مؤسسات الدولة من التآكل، ليبقى القانون سيداً لا تابعاً وحاكماً لا محكوماً. وإذا كانت الدولة الدستورية الحديثة قد قامت على فكرة إخضاع السلطة للقاعدة القانونية، فإن أخطر ما يواجه هذه الفكرة في الزمن المعاصر هو صعود الخطاب الشعبوي الذي يتسلل إلى الحياة العامة متدثراً برداء الديمقراطية، بينما ينخر في أعماقها أسس العقلانية والمؤسسية. فالشعبوية لا تنظر إلى المجتمع بوصفه جماعة وطنية متكاملة تتعدد فيها المصالح وتتباين فيها الرؤى وإنما تعمد إلى اختزال الوطن في جماعة، والدولة في مكون، والإرادة العامة في صوتٍ واحد يحتكر الحديث باسم الشعب ويدّعي تمثيله الحصري.
وفي البيئات السياسية المركبة التي تتعدد فيها الانتماءات القومية والدينية والمذهبية، تكتسب الشعبوية خطورة مضاعفة لأنها لا تكتفي بإثارة العواطف السياسية العابرة، وإنما تعمد إلى استدعاء الهويات الفرعية وتحويلها إلى أدوات تعبئة وصراع. وهنا يتحول الخطاب العام من ساحة للتنافس حول البرامج والسياسات إلى ميدان للمزايدات حول المظلوميات والامتيازات، ويصبح الانتماء الفرعي بديلاً عن الانتماء الوطني، وتغدو العصبية السياسية مقدمة على الرابطة الدستورية الجامعة. ومن يتأمل المشهد السياسي في كثير من الدول المتعددة المكونات يلحظ كيف تتخذ الشعبوية أشكالاً متباينة وإن اتحد جوهرها. فثمة خطاب يصور الجماعة التي يمثلها على أنها الضحية الدائمة لمؤامرات متخيلة أو مظالم متوارثة، ويقدّم نفسه بوصفه الحارس الوحيد لحقوقها والمدافع الأوحد عن وجودها. وفي المقابل يظهر خطاب آخر يبني مشروعيته على استدعاء سرديات التهميش والإقصاء، ويجعل من كل استحقاق سياسي معركة وجود، ومن كل خلاف قانوني قضية مصير. وبين هذا وذاك تنشأ خطابات قومية أو مناطقية توظف الذاكرة التاريخية لإحياء مشاعر القلق والانفصال النفسي عن الإطار الوطني الجامع، فتتحول الخلافات الإدارية والمالية إلى معارك هوية وتتحول المناقشات القانونية إلى سجالات عاطفية لا مكان فيها للموضوعية ولا موضع فيها للعقلانية. ولا تقف آثار الشعبوية عند حدود الخطاب السياسي، بل تمتد لتلقي بظلالها الثقيلة على العملية التشريعية ذاتها. فالبرلمان الذي يفترض أن يكون مؤسسة لصناعة القواعد القانونية العامة والمجردة قد يجد نفسه تحت ضغط الجماهير المحشودة والشعارات الملتهبة، فيندفع بعض أعضائه إلى تبني تشريعات تستهدف تحقيق مكاسب آنية أو إرضاء قواعد انتخابية ضيقة دون نظرٍ كافٍ إلى مقتضيات الاتساق الدستوري أو متطلبات المصلحة العامة. وهكذا تغدو القوانين أحياناً أدوات للاستقطاب بدل أن تكون وسائل للتنظيم، وجسوراً للانقسام بدل أن تكون جسوراً للاندماج، فتفقد وظيفتها الأصلية باعتبارها التعبير العقلاني عن الإرادة العامة.
وإذا انتقلنا إلى السلطة التنفيذية وجدنا أن الشعبوية كثيراً ما تُسهم في إضعاف معايير الكفاءة والجدارة، عندما يُعاد تعريف الوظيفة العامة بوصفها غنيمة سياسية أو استحقاقاً مكوناتياً لا مسؤولية وطنية. ففي ظل هذا المنطق تتراجع معايير الخبرة أمام اعتبارات الولاء، وتنحسر مفاهيم المهنية أمام حسابات المحاصصة، ويتحول تشكيل الحكومات من عملية دستورية تستهدف تحقيق الصالح العام إلى عملية تفاوضية تستهدف توزيع النفوذ والمواقع. وعندئذٍ لا تعود الوزارة مؤسسة لخدمة الدولة، بل تتحول في نظر البعض إلى مساحة نفوذ حزبي، ولا يعود المنصب العام أداة لإنفاذ القانون بل يصبح وسيلة لتعزيز الحضور السياسي وترسيخ الامتداد الانتخابي. ومن أخطر نتائج هذا المسار أنه يفضي إلى إضعاف مفهوم المواطنة ذاته. فحين يقتنع الفرد بأن حقوقه لا تُستمد من صفته مواطناً، وإنما من انتمائه إلى جماعة أو طائفة أو قومية، تتراجع فكرة الدولة القانونية لمصلحة دولة الانتماءات المتنازعة. وحين يصبح الحصول على الفرصة أو المنصب أو الخدمة العامة مرتبطاً بالولاء الفرعي لا بالاستحقاق الموضوعي، فإن مبدأ المساواة يفقد مضمونه العملي ويتعرض مبدأ تكافؤ الفرص إلى انتهاك مستمر وتصبح العدالة شعاراً مرفوعاً لا واقعاً معاشاً.
ولا ينجو القضاء من تأثيرات هذا المناخ المضطرب. فالقضاء الدستوري خاصة لا يستطيع أداء رسالته السامية إلا في ظل احترام أحكامه والتسليم بمرجعيته القانونية. أما حين تتحول الأحكام القضائية إلى مادة للمزايدات السياسية، ويصبح قبولها أو رفضها رهناً بمدى توافقها مع الرغبات الحزبية أو المزاج الجماهيري، فإن ذلك يُهدد أحد أهم أعمدة الدولة الدستورية. فالقضاء لا يستمد هيبته من القوة المادية وإنما من الثقة المجتمعية بشرعية أحكامه وعدالة إجراءاته. وإذا اهتزت هذه الثقة تحت ضغط الخطابات الشعبوية، تعرض البناء الدستوري بأسره للاهتزاز لأن سيادة القانون لا يمكن أن تستقر في بيئة يُقدم فيها التصفيق على التفسير والانفعال على الاحتكام والهوى على الدستور. إن التجارب الدستورية المقارنة تكشف بوضوح أن الديمقراطية لا تنهار عادة بضربة واحدة، وإنما تتآكل تدريجياً حين تُفرغ المؤسسات من مضمونها، وتُختزل الشرعية في الشعبية ويُستبدل حكم القانون بحكم الانفعالات. فالديمقراطية الحقيقية ليست حكم الأغلبية كيفما شاءت وإنما حكم الأغلبية في إطار الدستور، وليست انتصار الإرادة العددية على الحقوق الأساسية وإنما التوفيق الدائم بين الإرادة الشعبية والضمانات الدستورية. ولهذا فإن أخطر ما تفعله الشعبوية هو أنها توهم الجماهير بأن الشرعية تُقاس بحجم التأييد لا بحدود القانون وبمقدار الحشد لا بميزان الدستور. ومن ثم فإن بناء الدولة القانونية يقتضي إعادة الاعتبار للفكرة الدستورية في معناها العميق أي باعتبارها إطاراً ناظماً للتعددية لا أداة لتكريس الانقسام، وباعتبارها مظلة جامعة لكل المكونات لا سلاحاً تستخدمه إحداها في مواجهة الأخرى. كما يقتضي ترسيخ ثقافة سياسية جديدة تجعل المواطنة أساس الحقوق والواجبات، وتربط الشرعية بالالتزام بالقانون لا بالقدرة على الحشد وتربط النجاح السياسي بجودة الأداء لا بحدة الخطاب. كما أن مواجهة الشعبوية لا تكون بإقصاء الرأي المخالف أو التضييق على حرية التعبير، وإنما بتعزيز المؤسسات وترسيخ الشفافية وتطوير آليات المساءلة وتوسيع دوائر المشاركة الواعية وبناء إعلام مسؤول يفرق بين النقد المشروع والتحريض الممنهج، وبين التعبير الحر والتعبئة الهدامة. فكلما ازدادت قوة المؤسسات ضعفت الحاجة إلى الزعامات المنقذة، وكلما تعزز حضور القانون تراجعت سلطة الشعارات، وكلما ارتفعت مكانة العقل انحسر أثر الانفعال.
وغاية الأمر أن الدولة لا تُبنى بالهتاف وإنما بالإنصاف، ولا تُدار بالشعارات وإنما بالمؤسسات، ولا تستقيم بالاستقطاب وإنما بالاحتكام إلى الدستور. فالدستور يظل السقف الذي تتلاقى تحته الإرادات المختلفة والمرجع الذي تتوحد عنده الاتجاهات المتباينة، والميزان الذي يزن الحقوق والواجبات بغير إفراط ولا تفريط. وإذا كانت الشعبوية تراهن على اللحظة العابرة، فإن الدولة القانونية تراهن على المستقبل؛ وإذا كانت الأولى تستمد قوتها من تأجيج المخاوف، فإن الثانية تستمد مشروعيتها من إشاعة الثقة وإذا كانت الأولى تؤسس للفرقة والفراغ، فإن الثانية تؤسس للوحدة والاستقرار. وعند هذه الحقيقة تستبين الحكمة الدستورية في أبهى صورها؛ فالأوطان لا يحميها صخب المنابر بقدر ما يحميها صون الضمائر، ولا تصونها كثرة الشعارات بقدر ما يصونها احترام المؤسسات. وما بين خطابٍ يثير الغرائز وخطابٍ يوقظ البصائر، وبين سياسةٍ تستثمر الانقسام وسياسةٍ تبني الانسجام، يبقى الدستور هو النور الذي لا يخبو، والميزان الذي لا يطغى، والعهد الذي لا ينقضي. فإذا استقام الناس على حكمه، واستمسكت السلطات بحدوده، وتعانقت المواطنة مع المشروعية، أمكن للدولة أن تعبر من ضيق الانتماءات إلى سعة الوطن، ومن منطق الغلبة إلى منطق الدولة، ومن فوضى الشعارات إلى سيادة المؤسسات، فتغدو العدالة فيها عنواناً، والحرية بنياناً، والقانون سلطاناً، ويصبح المستقبل وعداً بالاستقرار والازدهار، لا ساحةً للتنازع والانكسار.
#منير_حمود_الشامي (هاشتاغ)
Munir_Alshami#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟