منير حمود الشامي
(Munir Alshami)
الحوار المتمدن-العدد: 8824 - 2026 / 9 / 10 - 20:54
المحور:
الادب والفن
بعد سنين طويلة من مفارقة هوايتي الأثيرة، القراءة وبإلحاح من زميلي أيام الدراسة ببغداد الأستاذ الواسطي عمرو، عدت إلى ذلك العالم الذي لا تنتهي حدوده ولا تنفد دهشته، عالم الكتب والروايات والسير، حيث وجدت نحيب الرافدين لعبد الرحمن مجيد الربيعي، والهوليداي إن لربيع جابر، والوليمة العارية لعلي بدر، وغيرها من الكتب التي تتكاثر في ذلك الفضاء المفتوح كما تتكاثر الحكايات في ذاكرة لا تعرف النسيان. غير أن العمر حين يتقدم يُبدل مذاق الأشياء كما يًبدل ملامح الأيام، فلم أعد أبحث عن الرواية الأضخم بقدر ما صرت أفتش عن الكتاب الأعمق أثراً، ذلك الذي لا يملأ الوقت فحسب بل يترك في النفس شيئا منه. وفي ذلك الفضاء اللامتناهي استوقفني عنوان لم أكن أعرف صاحبه، لكاتب لم يسبق أن مر اسمه في قراءاتي: (#ملهم الملائكة ، Mulham Al Malaika#) كتاب يحمل عنوانا موحياً ومثيراً للقلق والفضول: (رهائن عاصفة الصحراء). لم أكن يومها أعرف أنني لا أفتح كتابا فحسب، بل أفتح باباً على ذاكرة موجعة، وأن وراء ذلك العنوان حكاية بشرية لم تكن تبحث عن الشفقة بقدر ما كانت تبحث عن شاهد، حكاية رجال عبروا من الحرب إلى اللجوء، ومن اللجوء إلى الاحتجاز، ومن سنوات الانتظار إلى وطن ظل حاضراً في الذاكرة غائبا عن العين.
ومنذ الصفحات الأولى يدرك القارئ أن الملائكة لا يكتب عن واقعة عابرة، وإنما يستعيد فصلاً من تاريخ عراقي ثقيل، حتى يقول في مفتتح كتابه: (هذه صفحات قاسية جدا من تاريخ العراق، إنها وقائع قصة تبدو لشدة غرابتها كأنها صفحة من أسطورة) ص 9. وهي عبارة تختصر روح الكتاب كله، فحين يعجز الواقع عن أن يبدو واقعياً، يصبح أشبه بالأسطورة، وحين يعجز الإنسان عن احتمال ما جرى تتحول الذاكرة إلى وطن آخر يأوي إليه. واللافت في الكتاب أن المؤلف لا يكتفي بسرد الوقائع الكبرى، بل ينزل إلى التفاصيل الصغيرة التي تمنح المأساة وجهها الإنساني. فالسجن عنده ليس جدراناً وأبواباً مغلقة فحسب، بل زمن كامل يُعاد فيه تشكيل الإنسان. ولعل من أكثر العبارات دلالة قوله: (المعتقل مدرسة لو عرفت ان تستفيد من ساعاته) ص 243. إنها مفارقة موجعة: المكان الذي يفترض أن يُصادر الحرية يتحول إلى فضاء للتعلم، والزمن الذي كان ينبغي أن يكون هدراً للعمر يصبح زمناً لاكتشاف الذات والآخر. وفي موضع آخر يكتب: (على المستوى الشخصي ما زلت اكتشف نفسي التي لم أكن أعرفها من خلال اكتشاف الآخرين... المعتقل مدرسة) ص 374. وهنا تبلغ التجربة بعداً يتجاوز السجن إلى التأمل في الإنسان فالمحنة لا تكشف المكان وحده بل تكشف السجين لنفسه أيضا. لكن الكتاب لا يترك القارئ أسير التفاصيل اليومية، بل يُعيده باستمرار إلى السؤال الأكبر: كيف يتحول اللاجئ إلى رهينة؟ وكيف يمكن أن ينقلب معنى الحماية إلى معنى الاحتجاز؟ ففي واحدة من أكثر لحظات الكتاب كثافة يقول الملائكة: (أصبحت من حيث لا أدري محتجزاً، أو رهينة في قبضة الدولة الدينية) ص 14، ثم يستعيد العبارة التي قيلت لهم عند الحدود: (دخولكم إلى إيران مرحب به دون أسلحة، ولكن خروجكم من إيران لن يتم إلا بقرار سياسي) ص 14. وهي جملة تختصر مفارقة التجربة كلها، دخول بإرادة وبقاء بغير إرادة وطن قريب في الجغرافيا بعيد في المصير. من أكثر هذه التفاصيل دلالة حكاية الأباريق. ففي المعتقل كان 92 رهينة يتقاسمون ستة أباريق موزعة على خمسة مراحيض ص 18. قد تبدو الحكاية لأول وهلة تفصيلا هامشيا، لكنها في الحقيقة تختصر عالماً كاملاً، فحين تضيق الحياة، تتسع قيمة الأشياء الصغيرة، وحين تصادر الحرية يصبح الإبريق امتيازاً، ويصبح الماء سلطة وتتحول الحاجة اليومية إلى صراع صغير يكشف وجها كبيرا من وجوه المأساة. وهنا تتجلى براعة اليوميات في مقابل التاريخ الرسمي، فالمؤرخ قد يسجل متى بدأت الحرب ومتى انتهت، ومن انتصر ومن انهزم، أما صاحب التجربة فيسجل كيف دخلت الحرب إلى تفاصيل الجسد واليوم والروح، كيف صار الماء قضية، والسرير مساحة من الخصوصية وقطعة الخبز نصيباً، والانتظار زمنا لا ينتهي. وفي هذه التفاصيل تحديداً يصبح الألم أكثر صدقاً، لأن المأساة الكبرى لا تسكن دائما في الأحداث الكبرى بل قد تختبئ في إبريق صغير ينتقل بين أيدي عشرات المعتقلين.
ولذلك فإن (رهائن عاصفة الصحراء) ليس كتاباً عن الأسر وحده، وإنما كتاب عن السياسة حين تدخل حياة الإنسان، وعن الحرب حين لا تنتهي بانتهاء المعركة، وعن الوطن حين يصبح صورة معلقة في الذاكرة. فالذين عبروا الحدود لم يحملوا معهم السلاح وحده، بل حملوا آثار حرب لم تنته في أرواحهم، ثم وجدوا أنفسهم عالقين في حرب أخرى من نوع مختلف، حرب الانتظار والعزلة والقلق والجهل بالمصير. ومن أجمل ما يمنح الكتاب قيمته أن صاحبه لا يقدم نفسه بطلاً منفرداً، بل يترك في حكايته مساحة واسعة للآخرين، فيرصد طباعهم وضعفهم وأحلامهم وانكساراتهم، ويتابع كيف يمكن لسنوات المعتقل أن تصنع من الإنسان شخصا آخر. وحتى التفاصيل الهامشية تصبح ذات دلالة، فالمعتقل كما يقول: ( أخذ الرجال من وعيهم ومشاعرهم، وباتوا أسرى اللحظة الصغيرة والتفاصيل التافهة) ص 601. وهنا تكمن براعة السرد: أن يجعل التفصيل الصغير مرآة للمأساة الكبيرة. وتبلغ الحكاية ذروة إنسانية شديدة التأثير عند لحظة العودة. ففي 21 كانون الثاني 2002، وبعد أحد عشر عاما يصل المعتقلون إلى معبر خسروي، ويرى الراوي سيارات الصليب الأحمر للمرة الأولى، إيذانا بأن سنوات الأسر توشك أن تنتهي ص 601. وهناك يسأله سفرداشه: (هل صدقت الآن أنك راجع إلى وطنك؟) ص 601. غير أن السؤال على بساطته يحمل ثقل أحد عشر عاماً من الانتظار، فالوطن الذي كان طوال تلك السنين فكرة في الذاكرة، يصبح فجأة أرضا تقترب وعلما يلوح ودموعا لا تستطيع الكلمات أن تستوعبها. ولعل القيمة الأعمق للكتاب تكمن في صدقه مع ذاكرته، إذ لا يكتفي الكاتب بما يمكن أن يروى علنا، بل يعلن أن (الأمانة التاريخية تحتم علي التطرق إلى الجانب السري في قصة رهائن عاصفة الصحراء) ص 398، ثم يقدم رؤيته لما يسميه الاعتقال السياسي واعتقال الرأي. وبصرف النظر عن اتفاق القارئ أو اختلافه مع بعض استنتاجات الكاتب السياسية، فإن أهمية هذه الشهادة تكمن في أنها تفتح الذاكرة على أسئلة ظلت معلقة وتدفع القارئ إلى النظر في مصائر البشر الذين دفعتهم السياسة والحرب إلى هوامش التاريخ.
ومن هنا يصبح (رهائن عاصفة الصحراء) أكثر من يوميات معتقل، إنه سجل لذاكرة عراقية مثقلة بالحروب والحصار والتهجير والسجون، ذاكرة شعب لم يعش حرباً واحدة، بل عاش توالي الحروب وتوالي الفقد، حتى صار الخراب جزءاً من المشهد اليومي، وصار الانتظار خبزاً آخر من أرغفة الحياة. في صفحاته لا نرى الأسرى وحدهم، بل نرى العراق نفسه، عراقاً يتنقل من نار إلى نار، ومن حصار إلى حصار، ومن مأساة إلى أخرى، فيما يظل الإنسان هو الحلقة الأضعف والأكثر دفعا للثمن.
لقد كتب ملهم الملائكة عن رجال حملوا الوطن في صدورهم حين عجزوا عن حمله بين أيديهم، وعن زمن كان فيه العراقي لا يخشى الحرب وحدها، بل يخشى ما يأتي بعدها. ولذلك فإن قراءة الكتاب اليوم ليست استعادة لماض بعيد بقدر ما هي مواجهة مع ذاكرة لم تشف تماما. فالسنوات تمضي، والأنظمة تتغير، والحدود تفتح وتغلق، لكن جراح الذاكرة لا تقيس الزمن بالساعات والأيام وإنما بما تركته في القلب من ندوب.
وفي النهاية ربما لا يكون السؤال الأهم: ماذا حدث لهؤلاء الرهائن؟ بل ماذا حدث لنا جميعاً في تلك السنوات؟ ماذا فعلت الحروب بالعراقي، وماذا فعل الحصار ببيته، وماذا فعل التهجير بوطنه، وماذا فعل السجن بذاكرته؟ وربما يضاف إلى ذلك سؤال أكثر مرارة: كيف استطاع نظام سياسي وقيادة دولة كما يفترض أن يكون، أن تنسى رجالاً خرجوا من وطنهم في أقسى الظروف، لا طلبا للنجاة الشخصية وحدها، بل هرباً من المشاركة في قتل أبناء شعبهم، فآثروا تسليم أسلحتهم ودخول إيران لا أن تتحول بنادقهم إلى أدوات في اقتتال عراقي جديد، ثم وجدوا أنفسهم رهائن أحد عشر عاماً، بلا سؤال جاد ولا مصير معلوم ولا يد تمتد إليهم من وطن تركوه وراءهم؟ إن المفارقة التي تكاد تبلغ حد السخرية السوداء أن هؤلاء الرجال كانوا يبحثون عن ملاذ من الموت، فإذا بهم يدخلون في إقامة قسرية أطول من أعمار بعض الأوطان السياسية، وكأن غيابهم لم يكن غيابا لأحد، وكأن أحدا لم يسأل: أين ذهب هؤلاء؟ وأين انتهى مصيرهم؟ وفي تلك المفارقة تتجلى قسوة المرحلة؛ فليس أشد إيلاماً من أن ينجو الإنسان من رصاص الحرب، ثم يسقط في نسيان السلطة، وأن يخرج من ميدان القتال حياً، ثم يقضي أحد عشر عاماً في انتظار وطن لم يسأل عنه. ولهذا يُجيب (رهائن عاصفة الصحراء) عن تلك الأسئلة لا بالمواعظ، وإنما بالشهادة، والشهادة حين تكون صادقة لا تحتاج إلى صراخ كي تكون موجعة، ولا إلى مبالغة كي تكون مؤثرة. فالكتاب يفتح جرحاً قديماً لا ليعيد نزفه، بل ليمنحه اسماً وذاكرة وصوتاً. وبين صفحاته يطل العراق الذي عرف الحرب ولم يعرف السلام، وعرف الفقد ولم يعرف النسيان، عراق الحروب والحصار والتهجير والسجون، عراق الذين غابوا طويلاً حتى كاد الغياب أن يصبح قدراً، وبقيت أسماؤهم معلقة في ذاكرة من أحبهم. وربما لهذا تبدو (رهائن عاصفة الصحراء) في نهايتها ليست حكاية أسرى عادوا إلى وطنهم فحسب، بل حكاية وطن ظل أسيراً لسنوات طويلة، يبحث عن أبنائه كما كانوا يبحثون عنه حتى إذا عادوا، لم يجدوا الوطن الذي تركوه، ولم يجد الوطن أولئك الذين عادوا كما كانوا. تلك هي مأساة العراقيين: أن ينجو الإنسان من الحرب، ولا ينجو من آثارها وأن يعود إلى وطنه، لكن بعض الوطن لا يعود معه يبقى هناك، في مكان ما بين الحرب والذاكرة، شاهداً صامتاً على زمن مضى... ولم يمضِ.
#منير_حمود_الشامي (هاشتاغ)
Munir_Alshami#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟