|
|
الوعي العروبي- ماذا لو اغتسل في بحيرة حب الحياة
كمال غبريال
كاتب سياسي وروائي
(Kamal Ghobrial)
الحوار المتمدن-العدد: 8847 - 2026 / 10 / 3 - 10:03
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
«الخطاب العروبي السائد منذ ما يربو على ثلاثة أرباع القرن، مشحون بالعداء وكراهية الآخر، بما لا يترك مكاناً في العقول والنفوس لحب الذات وحب الحياة. فقط لو أحب العرب أنفسهم، سيذهبون تلقائياً للانفتاح والسلام مع العالم من حولهم.»
المقصود في مقاربتنا هذه أبعد من أن يكون حكماً سياسياً على خطاب قومي سائد. فالأمر يتجاوز السياسة إلى سؤال أكثر عمقاً: كيف ينظر الإنسان إلى نفسه عندما يعجز عن أن يحب وجوده إلا من خلال كراهية وجود آخر؟ فالمشكلة ليست فقط في أن خطاباً سياسياً يستخدم لغة العداء، وإنما في أن العداء قد يتحول إلى طريقة في بناء الذات نفسها. أي أن الإنسان لا يعود يقول: «أنا موجود، ولذلك أريد أن أعيش وأبني وأزدهر»، بل يصبح تعريفه لذاته سلبياً: «أنا موجود لأن هناك من يعاديني، وأنا أنتمي لأن هناك آخر لا أنتمي إليه». وهذه نقلة فلسفية خطيرة: حين تصبح هوية الإنسان قائمة على عدو، يصبح بقاء العدو شرطاً لبقاء هويته. ومن هنا يمكن فهم العلاقة العميقة بين كراهية الآخر، وضعف حب الذات، والعجز عن حب الحياة.
1. من سؤال «من نحن؟» إلى سؤال «ضد من نحن؟» كل جماعة بشرية تحتاج، بدرجة ما، إلى سردية تعرف بها نفسها. الهوية تمنح الإنسان إحساساً بالاستمرارية والانتماء، وتجيب عن سؤال: من نحن؟ لكن الهوية يمكن أن تُبنى بطريقتين مختلفتين. الأولى تقول: نحن نعرف أنفسنا بما ننتجه ونؤمن به ونبنيه ونطمح إليه. والثانية تقول: نحن نعرف أنفسنا أساساً بما نرفضه وبمن نقاومه وبمن نعتبره عدواً. في الحالة الأولى تكون الهوية مشروعاً للمستقبل. وفي الثانية تصبح الهوية معركة دائمة مع الماضي والحاضر. وهنا يتحول «الآخر» من إنسان مختلف إلى وظيفة نفسية وسياسية: إنه الشخص الذي نحتاج إليه لكي نثبت لأنفسنا أننا «نحن». وهذا هو جوهر مشكلة الوعي الذي يقوم على ثنائية «نحن/هم». فهذه الثنائية ليست مجرد تقسيم لغوي؛ إنها يمكن أن تتحول إلى بنية وجودية يصبح فيها وجود الآخر تهديداً دائماً للذات. كلما كان الإنسان غير واثق من قيمة ذاته، ازداد احتياجه إلى خصم يحمّله مسؤولية ما يشعر به من نقص. ومن هنا يمكن أن تنشأ المفارقة: كلما ضعفت الذات من الداخل، ارتفع صوتها في مهاجمة الخارج.
2. العدو بوصفه تفسيراً جاهزاً للعالم الإنسان لا يحتمل بسهولة أن يعيش في عالم بلا تفسير. وعندما تواجه الجماعة فشلاً متكرراً، يصبح السؤال المؤلم: لماذا فشلنا؟ وهذا السؤال يمكن أن يقود إلى طريقين: الأول طريق المعرفة، وهو طريق صعب؛ لأنه يفرض مراجعة المؤسسات والثقافة والتعليم والاقتصاد والسياسة وطريقة التفكير. والثاني طريق التفسير المريح: لقد فشلنا لأن الآخرين أفشلونا. هنا تتحول «المؤامرة» من مجرد تفسير سياسي لبعض الأحداث إلى آلية نفسية لإعفاء الذات من المسؤولية. فإذا كان الآخر هو السبب الدائم، فلن تكون هناك حاجة إلى تغيير الذات. وإذا كان العالم كله يتآمر عليك، يصبح فشلك دليلاً على شر العالم، لا مناسبة لمراجعة نفسك. وهذا يمنح الإنسان راحة مؤقتة، لكنه يسلبه أهم شيء يحتاج إليه لكي يتغير: الإحساس بقدرته على الفعل. فالإنسان الذي يرى نفسه ضحية مطلقة لعالم معادٍ يصبح، paradoxically، أقل قدرة على تغيير عالمه.
3. من عقدة الضحية إلى فقدان الفاعلية ربما كان أخطر ما تفعله ثقافة الضحية أنها لا تكتفي بتفسير الماضي؛ بل تعيد تشكيل الإنسان في الحاضر. فالضحية الدائمة لا ترى نفسها صانعة للتاريخ، وإنما موضوعاً لما يفعله الآخرون بها. وهنا تظهر مفارقة فلسفية: إذا كان الآخر هو الذي يقرر دائماً مصيرك، فقد منحته، من حيث لا تشعر، السلطة على وجودك. أنت تكرهه، لكنك في الوقت نفسه تجعله مركز عالمك. تعلن أنك لا تهتم به، بينما تقيس نجاحك وفشلك وقيمتك وتقدمك باستمرار مقارنة به. وهكذا يتحول العدو إلى مركز للوعي. قد يبدو الخطاب عدائياً تجاه الآخر، لكنه في عمقه قد يكون خطاباً شديد التبعية له؛ لأنه لا يستطيع أن يتصور ذاته بدونه. التحرر الحقيقي، إذن، لا يبدأ فقط من التخلص من الخصم، وإنما من التخلص من الحاجة النفسية إلى الخصم لكي نعرف أنفسنا.
4. حب الذات ليس نرجسية هنا تصبح عبارة «حب الذات» أكثر تعقيداً مما تبدو عليه. فحب الذات لا يعني أن تقول الجماعة: نحن أفضل من الآخرين. ذلك ليس حباً للذات، وإنما يمكن أن يكون شكلاً من أشكال التعويض عن هشاشتها. الإنسان الواثق بقيمته لا يحتاج إلى إهانة الآخرين لكي يشعر بقيمته. والحضارة الواثقة بنفسها لا تحتاج إلى اعتبار بقية الحضارات مؤامرة عليها لكي تبرر وجودها. حب الذات بالمعنى الفلسفي هو أن تقول: "وجودي له قيمة حتى دون أن أقارنه بأي آخر محبوباً كان أم مكروهاً.". وهذه جملة أكثر ثورية مما تبدو عليه. لأنها تفصل قيمة الذات عن قيمة الآخر. أنا لا أحتاج إلى أن تكون إسرائيل شريرة لكي أكون عربياً. ولا أحتاج إلى أن يكون الغرب فاسداً لكي تكون لي قيمة. ولا أحتاج إلى أن يكون الآخر مخطئاً لكي أكون محقاً. أنا أمتلك قيمة مستقلة عن خصومي وأصدقائي على حد سواء. وحين تصل الذات إلى هذه المرحلة، يبدأ الانتقال من هوية المقاومة إلى هوية الإنجاز.
5. من هوية المقاومة إلى حضارة الإنجاز ليست المشكلة في المقاومة بوصفها فعلاً سياسياً في ظروف معينة؛ فالمجتمعات قد تواجه بالفعل استعماراً أو احتلالاً أو عدواناً أو تهديدات حقيقية. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول المقاومة من وسيلة تاريخية إلى هوية دائمة. فالوسيلة التي كان يفترض أن تساعد على الوصول إلى الحياة قد تصبح بديلاً عن الحياة. وهنا يحدث انقلاب في الأولويات: بدلاً من أن تكون السياسة في خدمة الإنسان، يصبح الإنسان في خدمة القضية. بدلاً من أن تكون الدولة وسيلة لحماية حياة مواطنيها، يصبح المواطن وقوداً لسردية الدولة. وبدلاً من أن تكون الوطنية وسيلة لبناء مستقبل أفضل، تتحول إلى اختبار دائم للولاء. عندها تصبح الأسئلة المتعلقة بالحياة اليومية أقل أهمية من الأسئلة المتعلقة بالعدو. كم ننتج؟ كيف يتعلم أطفالنا؟ كم يملك الفرد من حرية؟ كيف نحمي كرامته؟ كيف نخلق اقتصاداً يسمح له بحياة كريمة؟ كيف ننتج المعرفة؟ كيف تصبح جامعاتنا مراكز للبحث؟ كيف نحول الإنسان العربي من مستهلك للتاريخ إلى صانع للمستقبل؟ هذه الأسئلة قد تبدو أقل إثارة من الشعارات الكبرى، لكنها في الحقيقة أكثر ثورية؛ لأنها تنقل مركز الاهتمام من الموت السياسي إلى الحياة الإنسانية. من الموت في سبيل الوطن أو "القضية المركزية"، إلى السعي من أجل توفير حياة إنسانية أفضل.
6. حب الحياة هو الثورة التي لم تكتمل لعل أكثر المفاهيم غياباً عن الخطابات الأيديولوجية الشعبوية هو مفهوم حب الحياة. فالأيديولوجيات التي تعيش على الصراع تحتاج إلى إنسان مستعد دائماً للتضحية بالحاضر من أجل مستقبل متخيل. الحاضر يصبح شيئاً رخيصاً. الحياة الفردية تصبح تفصيلاً. السعادة تصبح ترفاً. والحرية تصبح مؤجلة إلى أن «تتحقق القضية». لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هو: ماذا لو كانت الحياة نفسها هي القضية؟ ماذا لو كان الهدف من السياسة هو أن يعيش الإنسان، لا أن يموت من أجل شعار؟ ماذا لو كانت قيمة الوطن تقاس بقدرته على جعل مواطنيه أكثر أمناً وحرية وعلماً وازدهاراً؟ عندها يتغير معنى الوطنية جذرياً. فالوطن ليس أرضاً نموت من أجلها فقط، وإنما مكان نريد أن نعيش فيه. وهذه النقلة من تمجيد الموت إلى تقديس الحياة ليست انسحاباً من التاريخ؛ إنها استعادة للإنسان من قبضة التاريخ.
7. السلام ليس مجرد معاهدة من هذه الزاوية يمكن فهم السلام بصورة مختلفة. السلام ليس فقط اتفاقاً بين حكومتين، ولا مجرد توقف عن إطلاق النار. هناك سلام سياسي، بالتأكيد، لكن هناك أيضاً سلام داخل الوعي. فالإنسان الذي يعيش على تصور أن العالم كله يستهدفه سيظل في حالة حرب حتى عندما تتوقف الحروب. يمكن أن تتوقف المدافع، لكن يبقى العدو حاضراً في الكتب، والخطابات، والذاكرة، واللغة، والخيال. لذلك فإن السلام الخارجي يحتاج، لكي يصبح ثقافة مستقرة، إلى تحول داخلي: أن يصبح الآخر آخرَ، لا عدواً بالضرورة. أن يكون مختلفاً دون أن يكون تهديداً. أن يكون منافساً دون أن يكون شراً مطلقاً. أن تكون له مصالحه وتاريخه وحقوقه، كما لنا مصالحنا وتاريخنا وحقوقنا. وهذا لا يعني إلغاء الصراع السياسي أو التنازع على المصالح أو إنكار المظالم التاريخية. بل يعني رفض تحويل الخلاف إلى ميتافيزيقا للعداء.
8. الآخر ليس مرآة للشر ثمة خطأ فلسفي عميق في تصور الآخر باعتباره كتلة واحدة من الشر. فالآخر، في الواقع، إنسان مثلنا: متعدد، متناقض، قابل للخير والشر، وله مصالح ومخاوف وأحلام وأخطاء. حين نحوله إلى صورة مطلقة للشر، فإننا لا نفهمه. وحين لا نفهمه، يصبح الخوف منه أسهل. وحين يصبح الخوف منه جزءاً من هويتنا، يصبح التخلص من الخوف أكثر صعوبة. لهذا فإن الانفتاح على العالم لا يعني تبني العالم كما هو، ولا يعني التخلي عن الخصوصية الثقافية. إنه يعني ببساطة امتلاك الثقة الكافية بالنفس لكي نلتقي بالآخر دون أن نشعر بأن مجرد وجوده يهدد وجودنا. الضعف يخاف من الاختلاف. أما القوة فتستطيع أن تتحاور معه.
9. النقد الذاتي ليس خيانة ومن أخطر نتائج الخطاب القائم على العداء أنه يجعل النقد الداخلي يبدو كأنه خدمة للعدو. فإذا قلت إن لدينا فساداً، قيل إنك تسيء إلى الوطن. وإذا قلت إن لدينا استبداداً، قيل إنك تعطي خصومنا ذريعة. وإذا سألت لماذا فشلنا، قيل إنك تكره شعبك. وهكذا تصبح الوطنية مرادفة للصمت. لكن المجتمع الذي لا يسمح لنفسه بالنقد محكوم بأن يكرر أخطاءه. النقد الذاتي هو أحد أشكال حب الذات. فالإنسان الذي يحب نفسه لا يخفي مرضه خوفاً من أن يراه الآخرون؛ بل يحاول علاجه. . وكذلك المجتمع. المجتمع الذي يحب نفسه لا يقول: نحن بلا عيوب. بل يقول: هذه عيوبنا، وهذه مسؤوليتنا، وهذه قدرتنا على إصلاحها. وهنا يتحول الاعتراف بالفشل من إذلال إلى قوة.
10. من «من المسؤول؟» إلى «ماذا نستطيع أن نفعل؟» ربما يكون الفرق بين الوعي الناضج والوعي المأزوم هو نوع السؤال الذي يطرحه كل منهما. الوعي المأزوم يسأل: من فعل بنا هذا؟ من دبر المؤامرة؟ من الخائن؟ من العدو؟ أما الوعي الفاعل فيسأل: ماذا نستطيع أن نفعل الآن؟ وهذا التحول يبدو بسيطاً، لكنه يمثل انقلاباً في مفهوم الإنسان. في السؤال الأول نحن موضوع للفعل. وفي السؤال الثاني نحن فاعل. الأول يجعل التاريخ شيئاً يحدث لنا. والثاني يجعل التاريخ شيئاً نستطيع أن نشارك في صنعه. ومن هنا فإن حب الذات ليس شعوراً عاطفياً فقط؛ إنه استعادة للفاعلية التاريخية.
11. لماذا يصبح الانفتاح نتيجة طبيعية؟ حين تحب الذات نفسها، لا يعود العالم ساحة تهديد. يصبح العالم مجالاً للتعلم والتبادل والمنافسة والتعاون. نستطيع أن نأخذ من اليابان ما نجحت فيه دون أن نصبح يابانيين. ونتعلم من ألمانيا دون أن نفقد هويتنا. ونستفيد من العلم الغربي دون أن نتحول إلى «غرب». ونتعاون مع الآخرين دون أن نذوب فيهم. وهنا تظهر قاعدة حضارية مهمة: الهوية الواثقة لا تخاف من الاقتباس؛ لأنها تعرف أن الأخذ ليس استسلاماً. أما الهوية الهشة فتعتبر كل تأثير خارجياً تهديداً، وكل انفتاح تنازلاً، وكل مراجعة خيانة. ولهذا فإن الانفتاح الحقيقي لا يحتاج إلى كراهية الذات، بل إلى العكس تماماً: يحتاج إلى ذات قوية بما يكفي لكي تنفتح.
12. المشكلة ليست في العروبة كفكرة، بل في الطريقة التي تُستخدم بها لا يلزم من هذا النقد رفض فكرة العروبة من حيث هي انتماء ثقافي أو لغوي أو تاريخي. فالمشكلة ليست في أن يشعر الإنسان بانتمائه إلى فضاء عربي، وإنما في نوع العلاقة التي يقيمها هذا الانتماء مع العالم ومع المختلفين داخله وخارجه. يمكن للعروبة أن تكون إطاراً ثقافياً واسعاً، أو أن تتحول إلى أيديولوجيا مغلقة. يمكن أن تقول: هذه لغتي وثقافتي وتاريخي، وأنا أريد أن أطورها. ويمكن أن تقول: هذه هويتي، ولذلك يجب أن أكره الآخرين. الأولى هوية منتجة. والثانية هوية دفاعية. الأولى تنظر إلى المستقبل. والثانية تعيش في حالة استنفار دائم. ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل نحتاج إلى العروبة؟ بل: أي عروبة نريد؟ عروبة تخاف وتعادي العالم، أم عروبة واثقة من نفسها تستطيع أن تعيش معه؟
13. الإنسان قبل الشعار في النهاية، ربما ينبغي أن نعيد ترتيب العلاقة بين الإنسان والأفكار. ليست قيمة الإنسان في أنه يموت من أجل فكرة. بل قيمة الفكرة، في المقام الأول، تُقاس بقدرتها على خدمة الإنسان الحي. فإذا كانت الفكرة تحتاج إلى بؤس الإنسان لكي تستمر، وإذا كانت تحتاج إلى عدو دائم لكي تبرر نفسها، وإذا كانت تؤجل الحرية والسعادة والحياة إلى أجل غير مسمى، فقد أصبح الشعار غاية والإنسان وسيلة. وهنا ينبغي أن نعود إلى السؤال الأول: هل نحب الحياة؟ إذا كانت الإجابة نعم، فإن علينا أن نعيد النظر في كل خطاب يجعل الموت أكثر قداسة من الحياة، والكراهية أكثر بطولة من المحبة، والانتقام أكثر قيمة من البناء. ليس المطلوب أن ينسى الإنسان تاريخه. بل المطلوب ألا يصبح أسيراً له. وليس المطلوب أن يتخلى عن حقوقه. بل أن يدافع عنها من موقع إنسان يريد الحياة. وليس المطلوب أن يحب كل ما يأتي من الخارج. بل أن يتوقف عن اعتبار الخارج عدواً لمجرد أنه خارج.
حين يصبح الإنسان غاية المشكلة العميقة في الخطاب المشحون بالعداء ليست أنه يختلف مع الآخر؛ فالاختلاف جزء طبيعي من الوجود الإنساني. المشكلة أنه قد يصل إلى مرحلة يصبح فيها وجود الآخر شرطاً لتعريف الذات. عندها لا يعود الإنسان يعيش من أجل ذاته، بل يعيش ضد الآخر. ولا يعود يسأل: ماذا سأبني؟ بل: من سأقاوم؟ ولا يعود المستقبل فضاءً للإمكان، بل يصبح امتداداً لمعركة الماضي. ومن هنا يمكن فهم عمق عبارة: «فقط لو أحب العرب أنفسهم.» إنها ليست دعوة إلى النرجسية القومية، ولا إلى الانغلاق على الذات، ولا إلى إنكار التاريخ. إنها دعوة إلى تحرير الذات من الحاجة إلى عدو كي تشعر بقيمتها. أن يقول الإنسان: أنا أريد أن أعيش. أريد أن أتعلم. أريد أن أبدع. أريد أن أكون حراً. أريد أن أختلف مع غيري دون أن أكرهه. أريد أن أتمسك بهويتي دون أن أجعلها سلاحاً ضد هويات الآخرين. أريد أن أرى العالم لا باعتباره مؤامرة، بل باعتباره مجالاً هائلاً للإمكان. عند هذه النقطة يتغير معنى السلام. فالسلام لا يعود مجرد تنازل تقدمه السياسة، ولا هدنة تفرضها موازين القوى، وإنما يصبح ثمرة طبيعية لوعي لم يعد يحتاج إلى الحرب لكي يثبت لنفسه أنه موجود. وحين يحب الإنسان حياته حقاً، يصبح السؤال المركزي مختلفاً: ليس: كيف ننتقم من العالم؟ بل: كيف نبني حياة تستحق أن نعيشها؟ وربما تكون هذه هي النقلة التي يحتاجها الوعي العربي: من تمجيد الماضي إلى صناعة المستقبل، ومن عبادة القضية إلى خدمة الإنسان، ومن البحث الدائم عن عدو إلى اكتشاف الذات، ومن ثقافة الضحية إلى ثقافة الفاعلية، ومن الخوف من الآخر إلى الثقة بالنفس، ومن كراهية العالم إلى القدرة على العيش معه. فأعمق أشكال التحرر ليست أن تتخلص من عدوك، وإنما أن تتخلص من حاجتك إليه.
وعندها فقط يصبح السلام مع العالم امتداداً للسلام مع الذات، ويصبح الانفتاح تعبيراً عن القوة لا الضعف، وتصبح الحياة نفسها — لا الحرب عليها — هي المشروع الحضاري الأكبر.
#كمال_غبريال (هاشتاغ)
Kamal_Ghobrial#
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
فرص السلام التي أهدرها الفلسطينيون
-
حرية الفكر وتكلفة الانتماء
-
ربع قرن من الكتابة
-
العلمانية تسبق الديمقراطية
-
هويتنا التي لم نكنها بعد
-
الفاعلية الإنسانية- مغادرة كهف المفعول به
-
أن تتحول للسباحة في المياه الجارية
-
من المصادفة إلى المعنى- فلسفة الفاعلية الإنسانية- في فكر كما
...
-
بين الانتظام والعشوائية: الإنسان وصيرورة الوجود
-
الثقة بالنفس: قاطرة الخروج على القضبان الأزلية
-
الشخصية المصرية — مقاربة موضوعية
-
من أسطورة الخلق إلى مأزق الإنسان
-
الذكاء الاصطناعي بين جسارة الابتكار وهدير الرفض
-
ذكرى 11 سبتمبر وحماقة الإنتليجنسيا الليبرالية
-
ثلاثية الإله والروح والخلود
-
الأسطورة بين ماضي وحاضر تساؤلات الإنسان الوجودية
-
شجرة الوعي- الإنسان وعائلته القردة العليا
-
مشكلة الوعي: تحول الإشارات العصبية إلى وعي 2
-
مشكلة الوعي: تحول الإشارات العصبية إلى وعي
-
مركزنا في الكون… بعدما تتساقط الأوهام
المزيد.....
-
مخطط هجوم في -يوم الغفران-.. المملكة المتحدة توجه تهما لرجلي
...
-
السعودية: الأمن العام يعلن الإطاحة بشبكة احتيال مالي تضم 9 ي
...
-
7 جماعات مسلحة ضد آبي أحمد.. ماذا يحدث في إثيوبيا؟
-
قاضية أمريكية ترفض دعوى وزارة العدل ضد منظمات ومحتجين مناصري
...
-
وزير الخارجية البيلاروسي يعلن عن تنظيم اجتماع بين ترامب ولوك
...
-
السودان.. نقل عمر البشير إلى مقر سكني في الخرطوم بإشراف عسكر
...
-
إعلام: الجيش الإسرائيلي يستهدف القيادي في حماس علي العامودي
...
-
من إرث الأب إلى اختبار الصندوق.. حظوظ فلافيو بولسونارو للفوز
...
-
ماذا وراء إبعاد الخطوط الجوية السنغالية طاقم الضيافة عن رحلا
...
-
نجم الدين غوتسينسكي.. الإمام الأخير في وجه الجيش الأحمر
المزيد.....
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
المزيد.....
|