|
|
أميركا والشرق الأوسط: نهاية الهيمنة أم نهاية الدور القديم؟
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8847 - 2026 / 10 / 3 - 10:05
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
3 تشرين الأول أكتوبر 2026
لأكثر من ثلاثة عقود، بدت الولايات المتحدة القوة التي لا يمكن تجاوزها في الشرق الأوسط. كانت قواعدها العسكرية منتشرة في كل دول المنطقة تقريبا، وأساطيلها تضمن أمن طرق الملاحة وإمدادات الطاقة، وحلفاؤها يعتمدون على مظلتها الأمنية، فيما كانت واشنطن تمتلك القدرة على التدخل العسكري المباشر أو إعادة رسم موازين القوى عندما ترى أن مصالحها مهددة. لكن هذا الدور يبدو اليوم أمام نقطة تحول. في تحليل نشرته مجلة «ذي إيكونوميست» في سبتمبر/أيلول 2026 تحت عنوان «عندما ترحل أميركا»، تذهب المجلة إلى أطروحة كبيرة: الحرب مع إيران، أياً تكن نهايتها، قد تمثل اللحظة التي تبدأ فيها الولايات المتحدة بالتخلي عن هيمنتها على الشرق الأوسط، بعد قرن تقريباً من قيام القوى الكبرى الخارجية بتحديد الإطار العام للنظام الإقليمي. ولا يعني ذلك، بالضرورة، أن أميركا ستغادر الشرق الأوسط أو تتخلى عن مصالحها فيه. المسألة، كما توحي مواد المجلة نفسها، تتعلق بشيء أكثر تحديداً: هل ستواصل واشنطن أداء دور القوة التي تدير النظام الإقليمي وتضمنه، أم ستكتفي بحماية مصالحها المباشرة وترك القوى الإقليمية تتحمل مسؤولية أكبر في تحديد مستقبل المنطقة؟
من لحظة التفوق إلى أزمة المصداقية
تعود «ذي إيكونوميست» إلى عام 2004 لتستعيد صورة الولايات المتحدة في ذروة قوتها بعد هجمات 11 سبتمبر. كانت واشنطن قد أسقطت نظام طالبان في أفغانستان ونظام صدام حسين في العراق، وأُلقي القبض على صدام، بينما تخلّى العقيد معمر القذافي عن برنامجه للأسلحة النووية. بدا في تلك المرحلة أن القوة الأميركية قادرة على تغيير سلوك الدول والأنظمة بمجرد التلويح بإستخدامها. وكان لهذه الهيبة أثر دبلوماسي أيضاً. فحين كانت واشنطن تطالب أطرافاً متحاربة بالتوصل إلى تسوية، كان التهديد الأميركي بالتدخل كافياً أحياناً لدفعها إلى التفاوض. لكن الهيبة، كما تقول المجلة، سرعان ما بدأت بالتآكل. تحولت الحرب في العراق إلى إستنزاف طويل، ولم تنجح الولايات المتحدة في تحقيق مشروعها المعلن لإقامة ديمقراطية ليبرالية مستقرة بالقوة. ثم جاءت الحروب الأهلية والإضطرابات وصعود الجماعات الجهادية لتكشف محدودية القدرة الأميركية على إعادة تشكيل المجتمعات بالوسائل العسكرية. وفي سوريا، أدى تراجع واشنطن عن تنفيذ تهديدها بعد تجاوز «الخط الأحمر» الذي حدده باراك أوباما إلى نقاش طويل حول مصداقية الردع الأميركي. أما في عهد دونالد ترامب، فقد أصبحت التهديدات الأميركية المتكررة، ولا سيما خلال الحرب مع إيران، جزءاً من المشهد. ومع تكرار التهديدات من دون نتائج حاسمة، أصبح السؤال المطروح هو مقدار ما تبقى من القوة السياسية للتهديد الأميركي نفسه.
حرب إيران مختلفة
ترى «ذي إيكونوميست» أن الحرب الحالية مع إيران تختلف عن تدخلات أميركية سابقة. ففي العراق، كانت الولايات المتحدة هي الطرف الذي يشن الحرب بعيداً عن أراضي حلفائها الخليجيين بصورة مباشرة. أما الحرب مع إيران فقد جعلت دول الخليج نفسها جزءاً من تداعيات الصراع، بما في ذلك المخاطر التي تهدد منشآتها وإقتصاداتها وممراتها البحرية. وهنا تظهر مفارقة إستراتيجية. دول الخليج ما زالت تعتمد بدرجات مختلفة على الولايات المتحدة في مجال الأمن والدفاع، لكنها في الوقت نفسه بدأت تبحث عن وسائل أخرى لحماية نفسها. فهي تتعاون عسكرياً مع واشنطن، لكنها تعمل أيضاً على تنويع شراكاتها الأمنية، وتفتح قنوات دبلوماسية مع طهران، وتحاول تقليل تعرضها للصراع. وهذا لا يعني أن هذه الدول قررت التخلي عن الولايات المتحدة. بل يعني أن الثقة في قدرة المظلة الأميركية على توفير حماية كاملة لم تعد كما كانت. إنها سياسة تحوط أكثر منها سياسة قطيعة.
تغير الحسابات الأميركية
هناك أيضاً تغير في المصالح الأميركية نفسها. فالولايات المتحدة لم تعد تعتمد على نفط الخليج بالطريقة التي كانت عليها في العقود الماضية، بعدما تحولت إلى منتج ومصدر كبير للطاقة. وفي المقابل، أصبحت الصين شريكاً إقتصادياً رئيسياً لدول الخليج، وأكبر مستورد للنفط من عدد من دول المنطقة. وهنا تظهر معادلة جديدة: قد تجد واشنطن نفسها تتحمل جانباً مهماً من تكاليف الأمن الإقليمي، بينما تستفيد الصين إقتصادياً من إستقرار المنطقة وعلاقاتها التجارية مع دولها. لكن إختزال المصالح الأميركية في النفط سيكون خطأ. فالشرق الأوسط ما زال مهماً بالنسبة إلى الولايات المتحدة بسبب السلاح، وأمن إسرائيل، وطرق الملاحة، والطاقة العالمية، ومواجهة الصين، والإستثمارات والتكنولوجيا والذكاء الإصطناعي، إضافة إلى شبكة القواعد والشراكات العسكرية القائمة منذ عقود. لذلك فإن التراجع عن الهيمنة لا يساوي التخلي عن المصالح.
لا أحد ينتظر في الصف
إذا تراجعت واشنطن، فمن سيحل محلها؟ هنا تقدم «ذي إيكونوميست» إجابة واضحة: لا توجد قوة واحدة تبدو قادرة أو راغبة في وراثة الدور الأميركي كاملاً. أوروبا لا تملك القوة العسكرية والسياسية الكافية للقيام بهذا الدور، وروسيا مشغولة بحربها ومصالحها الخاصة، بينما لا تمتلك الصين خبرة حديثة في إدارة عمليات عسكرية واسعة خارج حدودها. أما الدول العربية، فرغم إمتلاك بعضها موارد مالية وعسكرية كبيرة، فإنها لم تطور حتى الآن مؤسسة إقليمية قادرة على إدارة الأمن الجماعي للمنطقة. وتشير المجلة إلى ضعف مؤسسات مثل جامعة الدول العربية ومجلس التعاون الخليجي، وإلى التنافس بين القوى العربية نفسها. وبالتالي فإن السيناريو الأكثر إحتمالاً ليس إنتقال الشرق الأوسط من هيمنة أميركية إلى هيمنة قوة أخرى، بل ظهور نظام أكثر تعدداً وتنافساً.
القوى الإقليمية الثلاث
في هذا الفراغ المحتمل، تبرز ثلاث قوى غير عربية بصورة خاصة: إيران وإسرائيل وتركيا. تمتلك إيران الصواريخ وشبكة واسعة من الحلفاء والقوى المرتبطة بها في المنطقة. وتمتلك إسرائيل قوة عسكرية متقدمة وقدرات إستخبارية وتكنولوجية كبيرة. أما تركيا فتجمع بين القوة العسكرية والنفوذ الدبلوماسي والقدرة على التدخل المباشر في عدد من الملفات الإقليمية. لكن هناك مشكلة مشتركة: القوة على تعطيل النظام ليست بالضرورة قوة على بناء نظام بديل. فإيران وإسرائيل وتركيا تستطيع كل منها التأثير في مسارات الأحداث، لكن إنتقال أي منها إلى موقع القوة التي تدير الشرق الأوسط بأكمله يظل أمراً مختلفاً تماماً. بل إن التنافس بينها قد يصبح أحد مصادر عدم الإستقرار في مرحلة ما بعد الهيمنة الأميركية.
وماذا عن العرب؟
ربما يكون هذا هو السؤال الأهم. تقول «ذي إيكونوميست» إن الدول العربية ستجد نفسها أمام مسؤولية أكبر في تحديد شكل المنطقة التي تريدها. فقد كان الحديث قبل حرب غزة عن «شرق أوسط جديد» أكثر تركيزاً على الإستثمار والتنمية والتجارة وأقل إهتماماً بالصراعات الأيديولوجية. لكن الحروب المستمرة أثبتت صعوبة فصل الإقتصاد عن الأمن. فدول الخليج، رغم نجاحاتها الإقتصادية والتنموية، ما زالت تعتمد بدرجات مختلفة على المظلة الأمنية الأميركية. كما أن الخلافات بين القوى العربية نفسها تحول دون قيام نظام أمني عربي موحد. ومع ذلك، فإن تراجع الدور الأميركي قد يفرض على هذه الدول، عاجلاً أم آجلاً، تطوير ترتيبات أمنية وسياسية أكثر إستقلالاً، سواء من خلال التعاون العربي أو عبر شراكات إقليمية أوسع.
نهاية أميركا أم نهاية «أميركا القديمة»؟
هنا ينبغي التوقف عند الفرق بين عبارتين تبدوان متشابهتين. الأولى هي: «أميركا تغادر الشرق الأوسط». والثانية: «أميركا تتخلى عن إدارة الشرق الأوسط بالطريقة التي إعتادت عليها». الثانية أكثر دقة. فمن الصعب تصور إختفاء الولايات المتحدة من منطقة ترتبط بمصالح إستراتيجية وإقتصادية وعسكرية واسعة. لكن من الممكن تصور تحول في طبيعة الدور الأميركي: قوات أقل، تدخلات أكثر إنتقائية، إعتماد أكبر على الحلفاء، إهتمام أكبر بالمصالح المباشرة، ورغبة أقل في تحمل كلفة إدارة أزمات المنطقة نيابة عن الآخرين. وقد يكون هذا التحول بدأ بالفعل قبل الحرب مع إيران، فيما جاءت الحرب لتكشف حدوده وتسرّع إتجاهاته. لكن الإتجاه المعاكس ممكن أيضاً. فإذا شعرت واشنطن أن تراجعها يسمح لإيران أو تركيا أو الصين أو أي قوة أخرى بتوسيع نفوذها بصورة تهدد مصالحها الأساسية، فقد تعود إلى التدخل بقوة أكبر. التاريخ الأميركي في الشرق الأوسط لا يقدم نموذجاً مستقراً للإنسحاب المتدرج؛ بل سلسلة من فترات التراجع أعقبتها عودات عسكرية أو سياسية.
الشرق الأوسط أمام إختبار جديد
إذا كانت أطروحة «ذي إيكونوميست» صحيحة، فإن الشرق الأوسط يدخل مرحلة مختلفة: مرحلة لن تكون فيها قواعد اللعبة محددة بالكامل من قوة خارجية واحدة. لكن هذه المرحلة لا تعني تلقائياً الإستقرار ولا الفوضى. قد تتيح للدول العربية والإقليمية فرصة أكبر لصياغة ترتيباتها الأمنية والسياسية بنفسها. وفي المقابل، قد يؤدي غياب الضامن الخارجي إلى إشتداد المنافسة بين القوى الإقليمية، خصوصاً في ظل النزاعات التي لم تجد حلولاً بعد. والدرس الأهم أن النظام الذي نشأ خلال الحقبة الأميركية لم يكن متيناً بما يكفي ليستمر من تلقاء نفسه. فقد حافظت واشنطن على تدفق الطاقة، وحمت حلفاءها، وأبقت قواعدها، وحاربت الجماعات الجهادية لاحقاً؛ لكنها لم تنجح في بناء نظام إقليمي قادر على إدارة أزماته من دون تدخل خارجي. لذلك فإن السؤال الحقيقي بعد الحرب مع إيران لن يكون فقط: ماذا ستفعل أميركا؟ بل أيضاً: ماذا ستفعل دول الشرق الأوسط عندما تصبح مطالبة بتحمل مسؤولية أكبر عن أمن المنطقة ومستقبلها؟ قد لا تكون نهاية الهيمنة الأميركية نهاية الدور الأميركي. وقد لا يكون تراجع واشنطن بداية عصر خالٍ من التدخلات الخارجية. لكن إذا إستمر هذا الإتجاه، فإن الشرق الأوسط سيكون أمام تحول مهم: من منطقة تُدار بدرجة كبيرة تحت مظلة قوة عظمى، إلى منطقة تتنافس فيها قوى متعددة على تشكيل نظام جديد. وفي تلك اللحظة، لن يكون السؤال من يرث أميركا، بل ما إذا كانت دول المنطقة نفسها قادرة على بناء شيء لا يحتاج إلى وريث لها.
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ألكسندر دوغين: «نحن في بداية حرب رهيبة»..
-
إنتخابات الدوما 2026: ماذا يجري خلف أسوار الكرملين؟
-
«فيفالدي» في ليمان: ماذا يجري فعلاً على الجبهة الأوكرانية؟
-
جون ميرشايمر - هل أوكرانيا ذاهبة إلى الإنتحاراً؟
-
ويستمر الهذيان
-
خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة: هل للوقاحة حدود؟
-
لافروف من الأمم المتحدة: العالم يتغير... والشرق الأوسط في قل
...
-
من آني إرنو إلى أديل هانيل: ماذا تغيّر في فرنسا؟
-
أوقفوا حرب الملك المجنون ترامب على إيران - رسالة جيفري ساكس
...
-
ألكسندر دوغين - الديسجينيكا والسياسة: ديمقراطية الأقليات (بر
...
-
جون ميرشايمر كان في موسكو
-
ما الذي يؤخر «النصر»؟
-
من طريق الهند إلى هرمز وباب المندب - من يملك مفاتيح العالم؟
-
ألكسندر دوغين - التعددية القطبية تهاجم، والمملكة المتحدة تتف
...
-
جون ميرشايمر واللوبي الإسرائيلي: حين يتغير الخطاب ولا تتغير
...
-
«نازا».. حين يخرج صوت الإبادة من داخل الجيش الإسرائيلي
-
من هزيمة العدو إلى محوه عن وجه الأرض
-
عندما تصبح القوة إستعراضاً: قراءة في صور ترامب والهشاشة التي
...
-
ألكسندر دوغين - صراع روسيا من أجل السيادة الاقتصادية - إسترا
...
-
المجر بين بروكسل وموسكو: ماذا غيّر بيتر ماديار؟
المزيد.....
-
هل يكون أغلى مزاد فني؟ لوحات لسيزان وفان غوخ تتصدر المشهد
-
روسيا.. هجمات قاتلة من دببة تثير الذعر في سيبيريا.. ماذا نعل
...
-
تحليل..ادعاء ترامب الجديد عن -مصانع المخدرات- داخل منشآت إير
...
-
القوات الروسية تسيطر على بلدة في خاركوف وتواصل التقدم في دوب
...
-
السيسي يجدد تأكيد دعم مصر لسيادة الصومال
-
-منح السعودية شروطاً نووية أكثر مرونة قد يدفع الإمارات للمطا
...
-
الإمارات تكشف نتائج التحقيقات: مساعد طيار فلاي دبي حاول تنفي
...
-
شجار في قمرة القيادة بين قائد الطائرة ومساعده يحول مسار رحلة
...
-
طائرة فلاي دبي.. آخر مستجدات رحلة الرعب من دبي إلى تل أبيب
-
باكستان تستدعي القائم بالأعمال الهندي إثر مقتل مدنيين باكستا
...
المزيد.....
-
الزمن المقلوب
/ رائد الجحافي
-
عيوب الذكاء الاصطناعي
/ رائد الجحافي
-
عصر التشتت.. كيف تستعيد تركيزك الفائق في عالم رقمي
/ رائد الجحافي
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
المزيد.....
|