|
|
جون ميرشايمر - هل أوكرانيا ذاهبة إلى الإنتحاراً؟
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8844 - 2026 / 9 / 30 - 02:59
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي
30 أيلول سبتمبر 2026
الحلقة التاسعة من مشروع جون ميرشايمر «الواقعية الهجومية»
في 15 أيلول/سبتمبر 2026، نشرت يوليا مندل، التي كانت السكرتيرة الصحافية الأولى للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بين عامي 2019 و2021، مقالاً في مجلة «ذي سبيكتاتور» بعنوان: «إستراتيجية زيلينسكي هي إنتحار». وفي اليوم التالي تحدثت مندل، عبر الإنترنت، في فعالية للبرلمان الأوروبي. وتقول إنها مُنعت من دخول مبنى البرلمان، وربطت ذلك بالعقوبات التي فرضها زيلينسكي قبل ثلاثة أيام، في حين لم يعلن البرلمان الأوروبي سبباً رسمياً لمنعها من الدخول. يرى جون ميرشايمر أن أهمية ما كتبته مندل لا تكمن في كونها تتوقع هزيمة أوكرانيا عسكرياً فحسب، بل في أنها تطرح سؤالاً أكثر خطورة: ماذا سيبقى من أوكرانيا نفسها بعد هذه الحرب؟ فمن وجهة نظر مندل، وميرشايمر الذي يتفق مع جوهر طرحها، لم تعد القضية مجرد خسارة معركة أو حتى خسارة أراضٍ. إن إستمرار الحرب على هذا النحو قد يحوّل أوكرانيا إلى دولة أصغر، أفقر، أقل سكاناً، وأضعف إقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، بحيث يصبح وصف ما يجري بأنه «إنتحار» أقرب إلى توصيف لمسار طويل الأمد منه إلى مجرد إستعارة سياسية.
ومندل ليست مراقبة محايدة للحرب. فقد كانت من أبرز الأصوات المؤيدة للمجهود الحربي الأوكراني حتى عام 2024، لكنها، كما يقول ميرشايمر، بدأت تتحول إلى موقف أكثر تشككاً في عام 2025. ولهذا يولي أهمية خاصة لشهادتها.
ويقسم ميرشايمر ما يسميه «الإنتحار» إلى خمسة أبعاد رئيسية: الديموغرافيا، والإقتصاد، والأرض، والسياسة، والأمن.
▪️أولاً: الكارثة الديموغرافية
تبدأ المشكلة، في رأي ميرشايمر، بالسكان. عندما حصلت أوكرانيا على إستقلالها عام 1991، كان عدد سكانها نحو 52 مليون نسمة. أما اليوم، فتوجد تقديرات مختلفة بدرجة كبيرة بسبب غياب تعداد سكاني حديث، والهجرة الواسعة، والإحتلال، والنزوح الداخلي. وتستخدم مندل تقديراً يتراوح بين 20 و25 مليون نسمة، بينما يختار ميرشايمر الرقم الأعلى، أي نحو 25 مليوناً. وهنا ينبغي التمييز بين هذا الرقم وبين التقديرات الديموغرافية الأوكرانية المستقلة. فقد قدّر معهد ديموغرافيا ودراسات جودة الحياة في أوكرانيا عدد السكان في الأراضي الخاضعة لسيطرة الحكومة بنحو 31.5 مليوناً في شباط/فبراير 2025 ونحو 29 مليوناً في شباط/فبراير 2026، بينما إعتبر وزير السياسة الإجتماعية الأوكراني أن تقديراً يتراوح بين 22 و25 مليوناً قد يكون أقرب إلى الواقع. وبالتالي، فإن رقم 25 مليوناً الذي يستخدمه ميرشايمر ينبغي فهمه بإعتباره أحد التقديرات التي يعتمد عليها في تحليله، لا بإعتباره رقماً متفقاً عليه. لكن حتى مع إستخدام تقدير أعلى، تبقى الصورة الديموغرافية شديدة الصعوبة. تقول مندل إن نسبة كبيرة جداً من السكان أصبحت في سن التقاعد. ويشير ميرشايمر إلى أن الرقم الأقرب، في تقديره، هو نحو 45 في المئة وليس 50 في المئة. كما تشير مندل إلى أن عدد الوفيات في أوكرانيا يفوق عدد الولادات بنحو أربعة أضعاف. ويقول ميرشايمر إنه لم يجد ما يدفعه إلى إعتبار هذه النسبة غير معقولة في ضوء الإنهيار السكاني وإنخفاض الخصوبة والهجرة. والأكثر إثارة للقلق، بحسب ميرشايمر، هو حجم الفئة العمرية القادرة على الخدمة العسكرية. فهو يتحدث عن نحو أربعة ملايين رجل في سن التجنيد داخل أوكرانيا، مقابل قاعدة بشرية روسية أكبر بكثير. وهو يعترف بأن المقارنة ليست بسيطة، لأن روسيا لا تعبئ كل الرجال القادرين على الخدمة ولا ترسلهم جميعاً إلى القتال، لكن الفارق في الحجم السكاني الأساسي يظل كبيراً. ثم تأتي الخسائر البشرية في الحرب. في 19 أيلول/سبتمبر، قال رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك، نقلاً عن شركاء في أوكرانيا، إن الخسائر الشهرية الأوكرانية من القتلى والجرحى العسكريين تبلغ نحو 27 ألفاً. وهذه المعلومة ليست رقماً أوكرانياً رسمياً منشوراً، كما أن مصدر توسك لم يُكشف عنه. ويستخدم ميرشايمر الرقم في حساب إفتراضي: إذا إستمر معدل 27 ألف خسارة شهرياً طوال 54 شهراً من الحرب، فإن المجموع يتجاوز 1.4 مليون قتيل وجريح. لكنه يقول بوضوح إنه يعتقد أن الرقم مبالغ فيه، ولذلك يستخدم في حساب آخر معدل 20 ألفاً شهرياً، وهو ما يقوده أيضاً إلى أكثر من مليون خسارة. وهنا يجب الإنتباه إلى أن هذه حسابات إفتراضية وليست تقديراً مستقلاً من ميرشايمر لعدد الخسائر الفعلي. كما أن رقم توسك يتعلق بمعدل حالي أو حديث، ولا يمكن ببساطة إسقاطه على الأشهر الأولى للحرب. وفي تموز/يوليو، كان زيلينسكي قد أعلن أن عدد العسكريين الأوكرانيين الذين قُتلوا بلغ نحو 50 ألفاً، وأن عدد الجرحى وصل إلى نحو 400 ألف، أي نحو 450 ألف خسارة إجمالاً وفق الأرقام التي أعلنها هو. وهذه الأرقام، بدورها، ليست قابلة للمقارنة بصورة مباشرة مع معدل شهري حديث مثل الرقم الذي أورده توسك. لكن المشكلة، بالنسبة إلى ميرشايمر، لا تتوقف عند خسائر الحرب. فالخصوبة الأوكرانية منخفضة بصورة شديدة؛ إذ تقترب من طفل واحد لكل امرأة، مقابل نحو 2.1 طفل لكل امرأة باعتباره المستوى المطلوب تقريباً للحفاظ على السكان من جيل إلى جيل من دون هجرة. ومن ثم، حتى لو توقفت الحرب غداً، فلن تعود المشكلة الديموغرافية إلى الوراء بصورة سريعة. يقدّر ميرشايمر أن أوكرانيا تخسر مئات الآلاف من السكان سنوياً، ويقول إنه لا يرى في الإتجاهات الحالية ما يشير إلى إنعكاس سريع لهذا المسار. وقد تخفف عودة بعض اللاجئين من أوروبا من حجم المشكلة، لكن ذلك وحده لن يحلها. وبعبارة أخرى، فإن الحرب لا تقتل الناس فقط؛ إنها تغيّر أيضاً البنية العمرية للمجتمع، وتدفع ملايين الأشخاص في سن العمل إلى الخارج، وتقلل عدد الولادات، وتزيد العبء على فئات عمرية أكبر سناً.
▪️ثانياً: الكارثة الإقتصادية
البعد الثاني هو الإقتصاد.
يرى ميرشايمر أن روسيا إستهدفت بصورة منهجية البنية التحتية الحيوية الأوكرانية، بما فيها الطاقة والنقل والموانئ ومحطات الوقود والمنشآت الصناعية. كما تضررت شبكة الخدمات اللوجستية ومستودعات التخزين. وفي آب/أغسطس، قال وزير الزراعة الأوكراني تاراس فيسوتسكي إن نحو 90 في المئة من منشآت التخزين الحديثة للسلع تعرضت للدمار. لكن هذا الرقم يحتاج إلى تدقيق في طريقة فهمه؛ فهو يشير أساساً إلى منشآت التخزين والتوزيع الحديثة والكبيرة، وليس إلى أن 90 في المئة من كل مساحة التخزين في أوكرانيا قد دُمّرت. وتشير تقديرات أخرى إلى تدمير نحو 2.1 مليون متر مربع من مساحة المستودعات الحديثة من أصل نحو خمسة ملايين متر مربع، وهو ما يوضح حجم الضرر في قطاع التخزين من دون تحويل الرقم إلى وصف شامل لكل المستودعات الأوكرانية. أما الموانئ، فيرى ميرشايمر أن إغلاق أو تعطيل الوصول إلى البحر الأسود يجعل أوكرانيا، من الناحية الإقتصادية والعملية، أقرب إلى دولة حبيسة، حتى لو لم يكن ذلك توصيفاً جغرافياً بالمعنى القانوني. وهذه نقطة بالغة الأهمية بالنسبة إلى إقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على تصدير الحبوب والمنتجات الزراعية والصناعية عبر البحر. ثم تأتي مشكلة المال. يقدّر ميرشايمر أن الدول الغربية أنفقت أو إلتزمت بمئات المليارات من الدولارات لدعم أوكرانيا، ويضع إجمالي الدعم الذي تتلقاه كييف في نطاق 350 إلى 400 مليار دولار. وهذا الرقم هو تقديره في الحلقة، وليس رقماً محاسبياً موحداً متفقاً عليه يشمل جميع أشكال الدعم. وقد خصص الإتحاد الأوروبي تمويلاً ضخماً لأوكرانيا لعامي 2026 و2027، فيما أعلنت كييف أنها تحتاج إلى عشرات المليارات الإضافية لسد فجوة تمويلية. وفي أيلول/سبتمبر، تحدث زيلينسكي عن فجوة قدرها 27 مليار دولار في تمويل الدفاع. وبالنسبة إلى ميرشايمر، تكمن المشكلة في أن أوكرانيا أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على إستمرار التدفقات المالية الغربية كي تتمكن من مواصلة الحرب وتشغيل الدولة. ثم تأتي الديون. تقترب نسبة الدين العام الأوكراني من مستوى يتجاوز 110 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. ويؤكد صندوق النقد الدولي أن الدين الأوكراني أصبح غير مستدام من دون إعادة هيكلة، وقدّر نسبة الدين بنحو 111.8 في المئة من الناتج في عام 2026 وفق السيناريو الأساسي قبل إعادة الهيكلة. وهكذا، يرى ميرشايمر أن الإقتصاد الأوكراني يواجه مشكلة مزدوجة: تدمير جزء من قدرته الإنتاجية، والحاجة في الوقت نفسه إلى تمويل خارجي ضخم للحفاظ على الدولة والحرب.
▪️ثالثاً: الكارثة الإقليمية
أما البعد الثالث فهو الأرض. يقدّر ميرشايمر أن روسيا تسيطر، أو أعلنت ضم مناطق، تعادل نحو 20 في المئة من مساحة أوكرانيا، مع التأكيد على أن إعلان الضم لا يعني أن روسيا تسيطر فعلياً على جميع الأراضي التي أعلنت ضمها. ويشير إلى أن المناطق التي فقدتها أوكرانيا كانت ذات وزن إقتصادي كبير قبل الحرب. فبحسب حساباته، كانت المناطق التي أصبحت تحت السيطرة الروسية أو المتنازع عليها تضم نحو ربع الناتج المحلي الإجمالي الأوكراني، ونحو 30 في المئة من الإنتاج الصناعي، ونحو ربع السكان.
وهذا يعني، في تحليله، أن خسارة الأرض ليست مجرد خسارة جغرافية؛ إنها خسارة للسكان والموارد والمصانع والموانئ والبنية التحتية. ثم يصل ميرشايمر إلى أوديسا. هو لا يقول إن سقوط أوديسا أمر محسوم، بل يطرح إحتمالاً ضمن مسار الحرب. وإذا فقدت أوكرانيا منطقة أوديسا، فستفقد عملياً منفذها الرئيسي المتبقي إلى البحر الأسود، الأمر الذي سيترك آثاراً عميقة على إقتصادها، ولا سيما تجارتها الزراعية والصناعية. وفي تقديره، يمكن أن تصل خسائر أوكرانيا الإقليمية في نهاية المطاف إلى نحو 35 أو 40 في المئة من أراضيها. لكن فكرته الأساسية واضحة: كلما طال النزاع، أصبحت كلفة التسوية على أوكرانيا أعلى، لأن موقعها التفاوضي يتغير مع تغير ميزان الأرض والسكان والإقتصاد.
▪️رابعاً: الكارثة السياسية
البعد الرابع هو السياسة. يرى ميرشايمر أن الحرب أضعفت الحياة السياسية الأوكرانية، وأن القيود على حرية التعبير والنشاط السياسي، وتأجيل الإنتخابات، وتوسيع صلاحيات الدولة في زمن الحرب، كلها عوامل غيرت طبيعة النظام السياسي. وهو يلفت في الوقت نفسه إلى أن أوكرانيا لم تكن قبل عام 2022 ديمقراطية مثالية، وأن الحرب الشاملة عادة ما تدفع الدول إلى تقليص بعض الحقوق والحريات بحجة الضرورات الأمنية. لكن إستمرار هذه الإجراءات لفترة طويلة يخلق مشكلة مختلفة: ماذا يحدث للنظام السياسي إذا طال أمد الحرب إلى درجة تصبح معها حالة الطوارئ هي الوضع الطبيعي؟ ويربط ميرشايمر هذه المسألة أيضاً بالفساد. فأوكرانيا كانت تعاني من الفساد قبل الحرب، لكن تدفق مئات المليارات من الدولارات من المساعدات الخارجية، في رأيه، خلق بيئة تتيح فرصاً واسعة للفساد وسوء إستخدام الموارد، ولا سيما في المستويات العليا من السلطة. وهنا لا يتعلق الأمر فقط بما إذا كان الفساد موجوداً أم لا، بل بمدى قدرة الدولة على الحفاظ على مؤسسات فعالة وموثوقة في ظل حرب طويلة، وإقتصاد منهك، وإعتماد متزايد على التمويل الخارجي.
▪️خامساً: الكارثة الأمنية
ثم نصل إلى البعد الخامس: الأمن. كانت أوكرانيا قبل الحرب ترى في الإنضمام إلى حلف شمال الأطلسي أو الحصول على ضمانات أمنية أمريكية وأوروبية إحدى أهم وسائل حماية نفسها من روسيا. لكن ميرشايمر يرى أن إحتمالات حصول أوكرانيا على عضوية في الناتو أصبحت ضعيفة، وأن الضمانات الأمنية الغربية التي يمكن أن تعادل فعلياً التزاماً أمريكياً مباشراً بالدفاع عنها ليست أمراً مضموناً. وبالتالي، قد تجد أوكرانيا نفسها بعد الحرب أمام دولة روسية أكبر، بينما تكون هي نفسها أقل سكاناً وأضعف إقتصاداً وأصغر مساحة. وهنا تظهر العلاقة بين الأبعاد الخمسة. فالقوة العسكرية لا تقوم على السلاح وحده. إنها تحتاج إلى سكان، وإقتصاد، وقاعدة صناعية، وقدرة مالية، وإرادة سياسية. إذا إنهارت هذه العناصر تدريجياً، يصبح من الصعب على الدولة الحفاظ على قوة عسكرية كبيرة حتى لو حصلت على كميات ضخمة من الأسلحة الغربية.
حصيلة الأبعاد الخمسة
يلخص ميرشايمر الصورة على النحو التالي: •أوكرانيا فقدت نسبة كبيرة من سكانها، وما زالت تواجه إنخفاضاً سكانياً وخصوبة شديدة التدني.
•إقتصادها وبنيتها التحتية تعرضا لدمار واسع، وأصبحت تعتمد بصورة كبيرة على المساعدات الغربية، فيما تراكمت ديونها إلى مستويات شديدة الارتفاع.
•خسرت أراضي واسعة، ويخشى ميرشايمر من خسارة المزيد.
أما سياسياً، فقد أدت الحرب إلى تقليص مساحة الحياة السياسية الطبيعية وإلى إستمرار مشكلات الفساد.
وأمنياً، أصبحت أوكرانيا، وفق تحليله، أضعف عسكرياً مما كانت عليه في بداية الحرب، في حين أصبحت روسيا أكثر قوة وخبرة عسكرية.
وهذا يقود إلى المقارنة مع روسيا.
ماذا عن روسيا؟
يقول ميرشايمر إنه خلال زيارته إلى روسيا بين 5 و12 أيلول/سبتمبر 2026، لمس بلداً يختلف كثيراً عن الصورة التي تقدمها بعض وسائل الإعلام الغربية.
روسيا، في رأيه، كانت تواجه مشكلة ديموغرافية حتى قبل الحرب. لكن الحرب، بحسب إطار تحليله، أدت في المقابل إلى سيطرة روسيا على مساحات واسعة وإلى إنتقال سكان هذه المناطق، في نظر الدولة الروسية، إلى إطار الدولة الروسية.
ومن هنا يرى مفارقة أساسية: روسيا تكسب الأرض والسكان، بينما تخسر أوكرانيا الأرض والسكان.
وهو يرى أيضاً أن الحرب لم تؤد، حتى الآن، إلى كارثة أمنية روسية. بل إن الجيش الروسي، في تقديره، أصبح أكثر خبرة وقدرة مما كان عليه في عام 2022.
أما أوكرانيا، فيرى أن قوتها العسكرية بلغت ذروة نسبية في المرحلة الأولى من الحرب، ثم جاءت محاولة الهجوم المضاد في صيف 2023، وبعدها تراجعت قدرتها تدريجياً خلال 2024 و2025 و2026، بينما واصلت روسيا تحسين قدراتها.
هذه كلها أحكام وتحليلات يقدمها ميرشايمر ضمن تفسيره للحرب، وليست حقائق مستقلة يمكن فصلها عن منهجه الواقعي في قراءة الصراع.
مسؤولية الغرب
ولا يحمل ميرشايمر زيلينسكي وحده مسؤولية هذا المسار.
فهو يرى أن الغرب يتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية، لأنه دعم إستمرار الحرب، وساهم في تحويل أوكرانيا إلى ساحة مواجهة طويلة مع روسيا.
ومن وجهة نظره، كانت هناك في الغرب قوى رأت في أوكرانيا أداة لإضعاف روسيا، فيما كان الثمن الحقيقي يدفعه الأوكرانيون بالدم والدمار، وليس الأمريكيون أو الأوروبيون.
وهنا يلتقي طرحه مع نقد مندل لما تسميه «الغرب المريح»، حيث ترى أن النخب الغربية تستطيع الإستمرار في دعم الحرب من مسافة آمنة، بينما تتحمل أوكرانيا نفسها الخسائر البشرية والإقتصادية والديموغرافية.
ومن ثم، فإن السؤال بالنسبة إلى ميرشايمر ليس فقط: هل تستطيع أوكرانيا مواصلة الحرب؟
بل: ما الذي سيبقى من أوكرانيا إذا واصلت الحرب بالطريقة نفسها؟
«إنتحار وطني»؟
في نهاية المطاف، يعود ميرشايمر إلى العبارة التي ختارتها يوليا مندل عنواناً لمقالها: «إنتحار وطني».
المقصود، في تفسيره، ليس أن أوكرانيا ستختفي من الخريطة، ولا أن الشعب الأوكراني سيختفي.
المقصود هو أن الدولة قد تخرج من الحرب مختلفة جذرياً عما كانت عليه قبلها: أقل سكاناً، أقل مساحة، أضعف إقتصاداً، أكثر إعتمادًا على الخارج، وأكثر إنهاكاً سياسياً وعسكرياً.
ولهذا يرى ميرشايمر أن ما يحدث لا يمكن إختزاله في سؤال: «من ينتصر ومن ينهزم؟».
فحتى لو إنتهت الحرب بإتفاق، فإن آثار السنوات التي سبقتها ستبقى لعقود.
والخسارة هنا ليست فقط في عدد الكيلومترات المربعة التي إنتقلت من طرف إلى آخر، وإنما في الأشخاص الذين غادروا ولم يعودوا، والذين قُتلوا أو أصيبوا، والمصانع التي دُمّرت، والديون التي تراكمت، والبنية التحتية التي تحتاج إلى إعادة بناء، والجيل الذي نشأ في ظل الحرب.
ومن هذا المنظور، يقول ميرشايمر إن وصف مندل للحرب بأنها «إنتحار وطني» ليس مجرد تعبير صادم، بل محاولة لوصف حجم الخسائر المتراكمة في خمسة ميادين مترابطة: السكان، والإقتصاد، والأرض، والسياسة، والأمن.
وفي رأيه، فإن إجتماع هذه الخسائر هو الذي يجعل الحرب بالنسبة إلى أوكرانيا كارثة تتجاوز بكثير مفهوم الهزيمة العسكرية التقليدية.
*****
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
ويستمر الهذيان
-
خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة: هل للوقاحة حدود؟
-
لافروف من الأمم المتحدة: العالم يتغير... والشرق الأوسط في قل
...
-
من آني إرنو إلى أديل هانيل: ماذا تغيّر في فرنسا؟
-
أوقفوا حرب الملك المجنون ترامب على إيران - رسالة جيفري ساكس
...
-
ألكسندر دوغين - الديسجينيكا والسياسة: ديمقراطية الأقليات (بر
...
-
جون ميرشايمر كان في موسكو
-
ما الذي يؤخر «النصر»؟
-
من طريق الهند إلى هرمز وباب المندب - من يملك مفاتيح العالم؟
-
ألكسندر دوغين - التعددية القطبية تهاجم، والمملكة المتحدة تتف
...
-
جون ميرشايمر واللوبي الإسرائيلي: حين يتغير الخطاب ولا تتغير
...
-
«نازا».. حين يخرج صوت الإبادة من داخل الجيش الإسرائيلي
-
من هزيمة العدو إلى محوه عن وجه الأرض
-
عندما تصبح القوة إستعراضاً: قراءة في صور ترامب والهشاشة التي
...
-
ألكسندر دوغين - صراع روسيا من أجل السيادة الاقتصادية - إسترا
...
-
المجر بين بروكسل وموسكو: ماذا غيّر بيتر ماديار؟
-
وعد بلفور وفلسطين - كيف باعها من لا يملك لمن لا يستحق
-
ألكسندر دوغين - صراع روسيا من أجل السيادة الاقتصادية - إما إ
...
-
جون ميرشايمر: لماذا تتجه أوكرانيا نحو الهزيمة؟
-
حذّر وخدع: كيف جعل السنوار إسرائيل ترى 7 أكتوبر ولا تصدّقه؟
المزيد.....
-
مصدر أردني ينفي صحة مزاعم عن -المشاركة في اجتماع مع نتنياهو
...
-
هل تسعى -ناسا- لإعادة أسرع طائرة مأهولة في العالم إلى التحل
...
-
ماسك يؤيد تسمية ترامب للذكاء الاصطناعي بـ-الذكاء الخارق-
-
بعد أشهر من تقرير أثار الجدل.. الوزيرة الأمريكية السابقة كري
...
-
باتت توصف بـ-قوة إستعمارية جديدة- ـ هل تغرق تركيا في -مستنقع
...
-
إيران تواصل التحدي.. وترامب يقول إنها في وضع -سيء للغاية-
-
الاتحاد المصري يكشف تفاصيل إصابة أحمد فتوح أمام جنوب السودان
...
-
حسام حسن: مصر بها 120 مليون.. والمنتخب “لا يقف على أحد”
-
هل لجأ حسام حسن إلى الهدنة للحفاظ على مقعده مع منتخب مصر؟
-
محمد النني بعد انتقاله لنادي ليفادياكوس اليوناني: جاهز لهذا
...
المزيد.....
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
المزيد.....
|