أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - ما الذي يؤخر «النصر»؟















المزيد.....

ما الذي يؤخر «النصر»؟


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8836 - 2026 / 9 / 22 - 23:53
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


ترجمة وتحليل د. زياد الزبيدي

23 أيلول سبتمبر 2026


حين يتحول النقد الداخلي في روسيا إلى سؤال عن الدولة والجيش

النص الروسي المعنون «ما الذي يمنعنا من الإقتراب من النصر؟» يستحق التوقف عنده، ليس بإعتباره بياناً عسكرياً موثقاً، ولا بإعتباره وصفاً محايداً لأداء الدولة الروسية، وإنما بوصفه وثيقة تعكس مزاجاً نقدياً داخل الدوائر المؤيدة للحرب الروسية في أوكرانيا. فالكاتب لا يشكك في الحرب ولا في هدفها، بل ينطلق من مسلّمة أن «التحول في الحرب من أجل تحرير أوكرانيا السابقة قد حدث»، وأن المشكلة تكمن في أن روسيا، بحسب هذا الطرح، لا تستثمر بصورة كافية ما يعتبره الكاتب تفوقاً تحقق على الجبهة.

وهنا تحديداً تكمن أهمية النص: إنه لا يسأل لماذا بدأت الحرب أو هل كان قرارها صائباً، بل يسأل سؤالاً أكثر إحراجاً بالنسبة إلى المؤسسة الرسمية الروسية: إذا كانت الحرب قابلة للحسم، فلماذا تستغرق كل هذا الوقت، وما الذي يعوق الدولة عن تحويل مواردها العسكرية والسياسية والإقتصادية إلى نتيجة أسرع؟

أول ما يلفت النظر هو ما يسميه الكاتب «روح أنكوراج»؛ أي إستمرار أثر قمة أنكوراج والمفاوضات السياسية في طريقة إدارة الحرب. ومن وجهة نظره، فإن غياب هدف نهائي معلن بصورة واضحة، بالتزامن مع التصريحات المتكررة عن الإستعداد للتفاوض، يبعث برسالة ملتبسة إلى المؤسسة العسكرية وإلى المجتمع معاً.

لكن خلف هذه النقطة العسكرية ـ السياسية توجد مسألة أعمق: التناقض بين إدارة حرب طويلة الأمد وبين الإبقاء على مساحة واسعة للتسوية السياسية. فالكاتب يرى أن هذا التردد ينعكس في الميدان، لأنه يجعل الدولة تتحرك أحياناً بمنطق الحرب وأحياناً بمنطق العودة إلى الوضع السياسي السابق للحرب.

ثم ينتقل النص إلى عبارة «نحن لسنا كذلك»، في إشارة إلى ما يراه الكاتب إحجاماً روسياً عن الرد بالمثل على الهجمات التي تستهدف العمق الروسي. وهذه النقطة تكشف أحد أكثر الخلافات حساسية داخل الخطاب الروسي المؤيد للحرب: هل ينبغي أن تظل روسيا ملتزمة بسقف معين من ضبط النفس، أم أن إستمرار الهجمات على المدن والمنشآت الروسية يتطلب تغيير قواعد الإشتباك؟

لكن اللافت أن الكاتب لا يكتفي بالسياسة العسكرية. فالقائمة الأكبر من إنتقاداته تتجه إلى البيروقراطية.

هنا يصبح النص أكثر أهمية. فهو يصف جيشاً يخوض حرباً حديثة، لكنه ـ بحسب الرواية التي يقدمها ـ يعاني من تضخم في الأوراق والتقارير والقوائم والتعليمات وعمليات التفتيش والعروض التقديمية والتوثيق المصور. بل يصل الكاتب إلى السخرية من إعداد تعليمات تفصيلية لأبسط الأمور، ويضع ذلك في مواجهة الحاجة إلى السرعة والمرونة على الجبهة.

سواء صحت كل الأمثلة الواردة أم لا، فإن الفكرة نفسها ليست هامشية. فالحروب الحديثة لا تتطلب التكنولوجيا والأسلحة فقط؛ إنها تتطلب أيضاً سرعة إتخاذ القرار وسرعة إنتقال المعلومات وقدرة الوحدات على التكيف مع الظروف المتغيرة. وعندما تصبح الإجراءات الإدارية غاية في ذاتها، يمكن أن تتحول البيروقراطية من أداة للسيطرة إلى عامل يستهلك وقت القيادة والضباط.

والنقد الأكثر حساسية يأتي بعد ذلك: المحسوبية والشللية واللوبيات وغياب المنافسة في التعيينات. هنا ينتقل الكاتب من نقد «البيروقراطية» إلى نقد نوعية النخبة الإدارية التي تدير الدولة في زمن الحرب.

وهذا يفسر أيضاً هجومه على ظاهرة «التقارير الكاذبة» و«تجميل الواقع». فالمشكلة، وفق هذا التصور، ليست فقط أن المسؤول قد يرتكب خطأ، وإنما أن النظام الإداري قد ينتج حوافز تدفع المسؤول إلى إخفاء الخطأ عن رؤسائه. وفي الحرب، تصبح هذه المشكلة أخطر بكثير، لأن القيادة التي تتلقى صورة غير دقيقة عن الميدان قد تتخذ قرارات صحيحة نظرياً لكنها مبنية على معلومات غير صحيحة.

ومن هنا نفهم العبارة الروسية الساخرة التي يكررها الكاتب حول «التملق والخوف من إغضاب الرؤساء». إنها في جوهرها ليست شكوى من سوء الإدارة اليومية، بل إتهام لنظام الإتصال العمودي بأنه قد يحجب الحقيقة كلما كانت الحقيقة غير مريحة.

ويضيف الكاتب إلى ذلك ما يسميه «التفتيش والتدقيق والمراجعات» التي قد تتحول، بحسب روايته، إلى عائق أمام التدريب والإستعداد القتالي. والمثال الذي يورده عن إجبار عناصر على حلق اللحى قبل عملية عسكرية، بينما لا تكون الأولوية ـ في نظره ـ لتأمين الحرب الإلكترونية والإتصالات والطائرات المسيّرة، مقصود به تحديداً إظهار الفرق بين الإنشغال بالمظهر والإنشغال بالقدرة القتالية الفعلية.

ثم يصل النص إلى أكثر نقاطه السياسية حساسية، حين يتحدث عن «الطابور السادس» وعن عرقلة المبادرات التطوعية والتقنيات الجديدة والسيارات والمعدات التي تصل إلى الوحدات المقاتلة من المجتمع المدني.

وهنا ينبغي التعامل بحذر مع المصطلحات. «الطابور السادس» مفهوم سياسي إتهامي، وليس توصيفاً محايداً يمكن إثباته بمجرد ذكره. لكن وجود هذا المصطلح في النص نفسه مهم، لأنه يكشف عن صراع داخل البيئة المؤيدة للحرب حول من يملك المبادرة ومن يملك حق تحديد الأولويات.

فالكاتب يضع في طرف من المعادلة المؤسسة الرسمية، وفي الطرف الآخر المتطوعين والمصممين والمبادرات الأهلية. ومن وجهة نظره، فإن المشكلة تحدث عندما تتعامل الأجهزة الرسمية مع المبادرات القادمة من خارجها بإعتبارها منافساً أو مصدر إزعاج بدلاً من إعتبارها مورداً إضافياً للحرب.

وهنا يظهر مفهوم «الحرب الشعبية» الذي يكرر الكاتب أن الدولة الروسية، بحسب رأيه، تقوم بتفريغه من مضمونه تحت شعار: «ليست لدينا حرب».

هذه العبارة ربما تكون الأهم في النص كله.

فروسيا تخوض حرباً واسعة منذ أكثر من أربعة أعوام، لكن تحويل المجتمع إلى إقتصاد ومؤسسات وعقلية حرب شاملة له كلفة سياسية وإقتصادية وإجتماعية هائلة. ولذلك يظهر في النص إعتراض على الفجوة بين واقع الحرب وبين اللغة الرسمية المستخدمة لوصفها.

ويصل الكاتب في النهاية إلى الدعوة إلى دعم «المقاومة الشعبية» و«العمل السري» داخل أوكرانيا، وهي النقطة التي تجعل النص يتجاوز نقد الإدارة الروسية إلى طرح تصور تصعيدي لطريقة إدارة الحرب. لذلك لا ينبغي قراءة هذه الفقرة بإعتبارها مجرد دعوة إنسانية إلى دعم المدنيين، بل بإعتبارها دعوة صريحة إلى توسيع أدوات الصراع داخل الأراضي الأوكرانية.

وهذا يقودنا إلى الخلاصة الأهم.

النص لا يقدم دليلاً مستقلاً على أن كل هذه المشكلات موجودة بالحجم الذي يصفه، ولا يمكن التعامل مع الأمثلة التي يسوقها بإعتبارها حقائق مثبتة من دون مصادر مستقلة. لكنه يقدم شيئاً آخر أكثر أهمية من بعض التفاصيل: صورة عن كيفية رؤية جزء من البيئة المؤيدة للحرب للمشكلة الروسية من الداخل.

فالمفارقة أن الكاتب لا يرى العقبة الأساسية في نقص الروح الوطنية أو نقص التضحية أو حتى نقص السلاح، بل في الدولة الإدارية نفسها: بيروقراطية، تقارير، تفتيش، محسوبيات، خوف من نقل الأخبار السيئة، بطء في صعود الكفاءات، وصراع بين المبادرة الرسمية والمبادرة الشعبية.

وبذلك يصبح السؤال الحقيقي الذي يطرحه النص أوسع من عنوانه: ليس فقط «ما الذي يمنعنا من النصر؟»، وإنما هل تستطيع دولة بيروقراطية أن تدير حرباً طويلة ومكلفة بالسرعة والمرونة اللتين تتطلبهما الحرب الحديثة؟

هذا السؤال لا يخص روسيا وحدها. لكنه في الحالة الروسية يكتسب حساسية خاصة، لأن الحرب الأوكرانية تحولت إلى إختبار طويل لقدرة الدولة على الجمع بين المركزية والإنضباط من جهة، والمرونة والمبادرة المحلية من جهة أخرى.

ومن هذه الزاوية تحديداً، يستحق النص القراءة: ليس بوصفه كشفاً نهائياً لـ«مشكلات الجيش الروسي»، وإنما بوصفه مرآة لنقد داخلي يتسع من سؤال الأداء العسكري إلى سؤال بنية الدولة نفسها.

*****

المصدر: «Otriad Kovbaka» («فرقة كوفباك») — قناة روسية سياسية ـ عسكرية على تيليغرام، تحمل إسم قائد الحركة الحزبية السوفياتية سيدور كوفباك، وتتبنى خطاباً مؤيداً بقوة للعملية العسكرية الروسية في أوكرانيا. تنشر القناة مواد سياسية وميدانية، وتعلن عن جمع مساعدات ومعدات للقوات الروسية، كما تدعو إلى دعم ما تسميه العمل الحزبي والمقاومة السرية في أوكرانيا. ويبلغ عدد متابعيها نحو 142 ألفاً وفق البيانات المتاحة في سبتمبر/أيلول 2026. النص محل الدراسة منشور باسم القناة ولا يحمل توقيع كاتب فردي، ولذلك يُنسب إلى «فرقة كوفباك» وليس إلى مؤلف محدد. وتنبغي قراءة ما يرد فيه باعتباره تعبيراً عن رؤية سياسية وعسكرية منحازة، لا تقريراً مستقلاً للتحقق من الوقائع التي يسوقها.



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من طريق الهند إلى هرمز وباب المندب - من يملك مفاتيح العالم؟
- ألكسندر دوغين - التعددية القطبية تهاجم، والمملكة المتحدة تتف ...
- جون ميرشايمر واللوبي الإسرائيلي: حين يتغير الخطاب ولا تتغير ...
- «نازا».. حين يخرج صوت الإبادة من داخل الجيش الإسرائيلي
- من هزيمة العدو إلى محوه عن وجه الأرض
- عندما تصبح القوة إستعراضاً: قراءة في صور ترامب والهشاشة التي ...
- ألكسندر دوغين - صراع روسيا من أجل السيادة الاقتصادية - إسترا ...
- المجر بين بروكسل وموسكو: ماذا غيّر بيتر ماديار؟
- وعد بلفور وفلسطين - كيف باعها من لا يملك لمن لا يستحق
- ألكسندر دوغين - صراع روسيا من أجل السيادة الاقتصادية - إما إ ...
- جون ميرشايمر: لماذا تتجه أوكرانيا نحو الهزيمة؟
- حذّر وخدع: كيف جعل السنوار إسرائيل ترى 7 أكتوبر ولا تصدّقه؟
- إضاءة على كتاب: كيف جرى تسويق الإبادة الجماعية
- ألكسندر دوغين No Kings - Yes! Jokers - ! صراع على مستقبل الغ ...
- نقطة التحول في الحرب: معركة سلافيانسك وكراماتورسك تعادل ستال ...
- «الحرب على الإرهاب» بعد ربع قرن: هل تحتاج أميركا إلى عدو دائ ...
- ألكسندر دوغين - لا يمكن التوصل إلى إتفاق مع الغرب، ولذلك على ...
- جون ميرشايمر: الوعد الكاذب للسلاح النووي التكتيكي... عندما ي ...
- ألكسندر دوغين - الإنسان المتفرد عند يوليوس إيفولا
- هل تتحول روسيا إلى «الشريك الأصغر» للصين؟


المزيد.....




- الملك عبدالله الثاني: المجتمع الدولي اختار احتواء الصراع بدل ...
- أمير قطر: لا يستقيم حديث عن نظام دولي عادل ما دامت فلسطين نق ...
- -خياران- أمام طهران.. كيف وصف ترامب اجتماع إداراته مع وفد إي ...
- ترامب: أناقش مع الرئيس بوتين شروط التسوية لاتفاق محتمل بين ر ...
- بعد مناورات مع تركيا.. مصر تبحث مع اليونان وقبرص التعاون الد ...
- استطلاع: أكثر من نصف الألمان يؤيدون استقالة المستشار ميرتس ب ...
- بن غفير يتعهد بإطلاق النار على كل فلسطيني يرمي حجرا على إسرا ...
- البرادعي يدعو العرب إلى تغيير قواعد اللعبة مع إيران.. ماذا ا ...
- رسائل الردع السعودية.. رد حاسم على الحوثي
- بعد 7 سنوات على وفاته.. أين اختفت ثروة جيفري إبستين؟


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - ما الذي يؤخر «النصر»؟