أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - ويستمر الهذيان















المزيد.....

ويستمر الهذيان


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8843 - 2026 / 9 / 29 - 00:17
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


29 أيلول سبتمبر 2026


لنبدأ من نيويورك.

في 22 سبتمبر، وقف دونالد ترامب أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفي خضم حديثه عن إيران وضع أمام العالم ما سماه «قراراً كبيراً»: إما التوصل إلى إتفاق مع طهران، وإما أن تختار الولايات المتحدة «إبادة الجمهورية الإسلامية» سريعاً، بحيث لا تبقى لها فرصة للنجاة أو مستقبل للأجيال القادمة. لم تكن العبارة منشوراً غاضباً على وسائل التواصل الإجتماعي، ولا تصريحاً في تجمع إنتخابي، بل قيلت من على منبر الأمم المتحدة، أمام ممثلي دول العالم.

لكن السؤال عن حدود السلطة لم يبدأ في نيويورك

في 13 أبريل، وجّه خمسة متخصصين، بينهم الإقتصادي والأكاديمي المعروف جيفري ساكس وأربعة من المتخصصين في الطب النفسي والصحة النفسية، رسالة مفتوحة إلى قيادات الكونغرس، حذّروا فيها مما وصفوه بأنه تجاوز لعتبة تستدعي «إهتماماً عاجلاً من الكونغرس». وكان عنوان الرسالة: «تحذير عاجل إلى قادة الكونغرس: ترامب غير مستقر نفسياً وخطير».
تحدث الموقعون عن «الثالوث المظلم» من السمات الشخصية: النرجسية والمكيافيلية والسيكوباتية، مؤكدين أنهم لا يقدمون تشخيصاً سريرياً، بل تقييماً يستند، بحسب قولهم، إلى ملاحظات سلوكية وتراكم من التقييمات المهنية - بإختصار: يا قادة الكونغرس، ترامب مريض، فأنقذوا البلد والعالم من جنونه.

وطالب الموقعون، من بين أمور أخرى، بمراجعة عاجلة لسلطة الرئيس في الحرب، ومشاورات مع كبار مسؤولي الإدارة، وبدء مشاورات رسمية بشأن القسم الرابع من التعديل الخامس والعشرين للدستور الأمريكي، وهو النص الذي يتيح لنائب الرئيس، إلى جانب أغلبية أعضاء الحكومة، إعلان أن الرئيس غير قادر على أداء مهامه، بما يفتح مساراً دستورياً لنقل صلاحيات الرئاسة مؤقتاً إلى نائب الرئيس، مع تأكيد الموقعين أنهم لا يحسمون مسبقاً نتيجة أي إجراء.
وبعد خمسة أشهر، عاد ساكس إلى المشهد خلال إجتماعات الجمعية العامة، لكن برسالة أكثر إختصاراً:
«لديكم وظيفة. قوموا بها.»

بعد ساعات قليلة، إنتقل الصراع من الأمم المتحدة إلى البيت الأبيض

في سبتمبر، منع البيت الأبيض صحفيي «سي إن إن» و«إم إس ناو» و«بوليتيكو» من الدخول، بعدما إتهم ترامب هذه المؤسسات بنشر «الأكاذيب» و«الخيال». رفعت المؤسسات الثلاث دعوى قضائية.
وفي 24 سبتمبر، أصدر القاضي الفيدرالي تيموثي كيلي أمراً مؤقتاً بوقف تنفيذ الحظر لمدة 14 يوماً وإعادة بطاقات الصحفيين، معتبراً أن المؤسسات أظهرت إحتمال نجاح في طعنها المتعلق بضمانات الإجراءات القانونية، ومشككاً في بعض المبررات التي قدمتها الإدارة.
ولم ينته الأمر فوراً عند صدور القرار؛ فقد ظل صحفيو المؤسسات الثلاث ممنوعين من الدخول لساعات، قبل أن تعلن الإدارة لاحقاً إعادة الوصول. ولكن ترامب عاد ومنع فريق CNN من مرافقته على الطائرة الرئاسية في رحلة محلية.
هكذا إنتقلت المواجهة بين الرئيس والصحافة من البيانات إلى المحكمة.

ثم نصل إلى الخليج، حيث تصبح المسافة بين الواقع والصورة أكثر غرابة

في 30 أغسطس، إستهدفت القوات الأمريكية جزيرة لارك الإيرانية قرب مضيق هرمز، وقالت واشنطن إن الضربة أصابت منصات إطلاق كانت تستعد لاستخدام ألغام بحرية في المضيق.
بعد ذلك نشر ترامب مقطع فيديو مولداً بالذكاء الإصطناعي يظهر جزيرة خارك، مركز الطاقة والنفط الإيراني، وكأنها تتعرض للتدمير الكامل.
لكن لارك ليست خارك.
الجزيرتان مختلفتان تماماً. لارك تقع قرب مضيق هرمز، بينما ترتبط خارك بالبنية الأساسية لصادرات النفط الإيرانية. ولم يذكر أحد أن خارك تعرضت للتدمير في تلك الضربات.
ولا حاجة إلى إفتراض النية وراء الفيديو. يكفي وضع الوقائع جنباً إلى جنب:
ضربة عسكرية في لارك، وصورة مولدة بالذكاء الإصطناعي لخارك وكأنها دُمرت.
وهنا يبرز سؤال أبعد من الفيديو نفسه:
ماذا يحدث عندما تصبح الصورة السياسية أسرع من الواقع العسكري؟


ومن لارك وخارك نصل إلى مضيق هرمز

خلال الحرب، تحول المضيق إلى إحدى أكثر نقاط الصراع حساسية، مع تراجع حركة الملاحة وإرتفاع المخاطر المرتبطة بالعبور.
لكن ترامب ذهب أبعد من الحديث عن العمليات العسكرية.
في أغسطس، تحدث عن إمكانية جعل مضيق هرمز «أرضاً أمريكية» بعد هزيمة إيران، بل وسماه مضيق ترامب.
مضيق هرمز ليس قطعة أرض يمكن نقل ملكيتها بقرار سياسي. إنه ممر مائي إستراتيجي تحكمه اعتبارات جغرافية وقانونية ودولية، وتقع سواحله بين إيران وسلطنة عمان.
لذلك يبقى السؤال:
ماذا يحدث عندما تبدأ اللغة السياسية في الإنفصال عن الخريطة؟

ثم يأتي السلاح النووي

في 31 أغسطس، سُئل ترامب عما إذا كان يستبعد إستخدام السلاح النووي ضد إيران. لم يقل إن هذا الخيار مستحيل، بل قال إنه لا يرى سبباً لإستخدامه، مضيفاً أن إيران «هُزمت عسكرياً تماماً».
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التوقف.
إذا كانت إيران قد هُزمت عسكرياً تماماً، كما يقول ترامب، فلماذا يبقى السلاح النووي مطروحاً أصلاً في الحديث عن الحرب؟ وكيف يمكن أن تجتمع في الخطاب نفسه عبارة «هزيمة عسكرية كاملة» مع إبقاء الحديث عن أقصى سلاح يمكن أن تستخدمه دولة نووية؟
المفارقة ليست في أن ترامب أعلن إستخدام السلاح النووي؛ فهو لم يفعل ذلك، بل قال إنه لا يرى سبباً لإستخدامه. المفارقة في أن اللغة التي تصف الحرب بأنها إنتهت بإنتصار كامل تتجاور مع لغة تترك أبواب التصعيد الأقصى مفتوحة في النقاش السياسي.
وهنا تحديداً يصبح الكلام أكثر من مجرد كلام: فالرجل الذي يتحدث عن «هزيمة كاملة» هو نفسه رئيس دولة تملك ترسانة نووية هائلة، وكلماته تقع في سياق حرب حقيقية، لا في نقاش نظري.
وهنا يبدأ الهذيان في إكتساب معنى أخطر: عندما تصبح لغة التصعيد جزءاً من واقع عسكري يمتلك بالفعل القدرة على تنفيذها.


الحرب تحتاج إلى أكثر من الكلمات

تحتاج إلى طائرات وصواريخ وسفن وقواعد ووقود وذخائر ومليارات الدولارات.
وهنا تعود رسالة أبريل إلى معناها الأوسع. فالكونغرس، في النظام الدستوري الأمريكي، ليس مجرد متلقٍ للقرارات الرئاسية المتعلقة بالحرب؛ فهو يملك صلاحيات تشريعية ومالية ورقابية في هذا المجال، بينما تتمتع السلطة التنفيذية بصلاحياتها الدستورية والعسكرية.
وهذا هو جوهر السؤال الذي تطرحه الرسالة، بعيداً عن إتفاق المرء أو إختلافه مع تشخيصاتها وتقييماتها للرئيس:
هل تستخدم المؤسسات الأمريكية صلاحياتها عندما تتسع سلطة الرئيس؟
فالمسألة لا تتعلق بترامب وحده، ولا بإيران وحدها، بل بالحدود التي يفترض أن تفصل بين السلطة التنفيذية وبقية مؤسسات الدولة.


ومن هنا يمكن العودة إلى المشاهد السابقة

▪️رئيس أمريكي يتحدث أمام الأمم المتحدة عن إحتمال «إبادة» الجمهورية الإسلامية.
▪️إدارة البيت الأبيض تدخل في مواجهة مع مؤسسات إعلامية، والقضاء يتدخل لوضع حد مؤقت للقرار.
▪️ضربة عسكرية تستهدف لارك، بينما تظهر خارك في فيديو مولد بالذكاء الإصطناعي وكأنها دُمرت.
▪️ومضيق هرمز يتحول إلى موضوع للحديث عن إمكانية إعتباره «أرضاً أمريكية».
▪️وفي الخلفية، يظل السلاح النووي حاضراً في الأسئلة والتصريحات.

هذه ليست بالضرورة قصة واحدة، ولا تحتاج إلى تفسير واحد.
لكنها تضع أمامنا مشكلة واحدة: الفجوة المتزايدة بين اللغة السياسية والواقع الذي يفترض أن تحكمه المؤسسات والقوانين.
وهنا لا تعود القضية مجرد تصريح مثير، أو صورة مولدة بالذكاء الإصطناعي، أو معركة مع الصحافة.
إنها تصبح سؤالاً عن العلاقة بين الكلمة والقرار، وبين السلطة والحدود.

وفي النهاية نعود إلى نيويورك

إما إتفاق مع إيران، وإما «إبادة الجمهورية الإسلامية».
يمكن للناس أن يختلفوا حول إيران، وحول الحرب، وحول إستخدام القوة. لكن يبقى السؤال الذي يجمع كل هذه المشاهد:
▪️أين تنتهي سلطة الرئيس؟
▪️من يقول إن لارك ليست خارك عندما تصبح الصورة جزءاً من الرسالة السياسية؟
▪️ومن يقول إن مضيق هرمز لا يتحول إلى أرض أمريكية بمجرد إعلان ذلك؟
▪️ومن يضمن أن الكلمات التي تُقال في قاعة الأمم المتحدة أو في البيت الأبيض لا تتحول إلى أفعال تتجاوز حدود القانون والمؤسسات؟
الرئيس يستطيع أن يتحدث.
والصحفي يستطيع أن يسأل.
والأستاذ يستطيع أن يحذر.
لكن خلف الكلمات توجد جيوش وصواريخ وسفن وقواعد وميزانيات وأرواح.
وهناك مؤسسات يفترض أن تقول كلمتها.
«لديكم وظيفة. قوموا بها.»

أما الهذيان...
فيستمر.



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة: هل للوقاحة حدود؟
- لافروف من الأمم المتحدة: العالم يتغير... والشرق الأوسط في قل ...
- من آني إرنو إلى أديل هانيل: ماذا تغيّر في فرنسا؟
- أوقفوا حرب الملك المجنون ترامب على إيران - رسالة جيفري ساكس ...
- ألكسندر دوغين - الديسجينيكا والسياسة: ديمقراطية الأقليات (بر ...
- جون ميرشايمر كان في موسكو
- ما الذي يؤخر «النصر»؟
- من طريق الهند إلى هرمز وباب المندب - من يملك مفاتيح العالم؟
- ألكسندر دوغين - التعددية القطبية تهاجم، والمملكة المتحدة تتف ...
- جون ميرشايمر واللوبي الإسرائيلي: حين يتغير الخطاب ولا تتغير ...
- «نازا».. حين يخرج صوت الإبادة من داخل الجيش الإسرائيلي
- من هزيمة العدو إلى محوه عن وجه الأرض
- عندما تصبح القوة إستعراضاً: قراءة في صور ترامب والهشاشة التي ...
- ألكسندر دوغين - صراع روسيا من أجل السيادة الاقتصادية - إسترا ...
- المجر بين بروكسل وموسكو: ماذا غيّر بيتر ماديار؟
- وعد بلفور وفلسطين - كيف باعها من لا يملك لمن لا يستحق
- ألكسندر دوغين - صراع روسيا من أجل السيادة الاقتصادية - إما إ ...
- جون ميرشايمر: لماذا تتجه أوكرانيا نحو الهزيمة؟
- حذّر وخدع: كيف جعل السنوار إسرائيل ترى 7 أكتوبر ولا تصدّقه؟
- إضاءة على كتاب: كيف جرى تسويق الإبادة الجماعية


المزيد.....




- مصر.. سعر القمح يضغط على تكلفة الخبز السياحي و-الأفرنجي-
- نائب رئيس الإمارات منصور بن زايد يزور السعودية بدعوة من وزير ...
- -وام-: نتنياهو زار الإمارات الأحد وناقش العلاقات الثنائية
- تحركات وتوغلات إسرائيلية وقصف في ريف القنيطرة
- رئيس الوزراء اللبناني يدعو من واشنطن إلى جدول زمني واضح للان ...
- مركبة -ستارشيب- التابعة ل-سبايس إكس- تصل إلى المدار للمرة 1 ...
- -لسنا ساحة نفوذ-.. دمشق تشترط على طهران مراجعة سياساتها لبنا ...
- ترامب وإيران.. تنازلات لنزع فتيل الحرب
- بوتين يؤيد بقاء فولودين رئيسا لمجلس الدوما في دورته التاسعة ...
- زيـارة الـبـابـا: أي حـصـيـلـة؟


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - ويستمر الهذيان