أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة: هل للوقاحة حدود؟















المزيد.....

خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة: هل للوقاحة حدود؟


زياد الزبيدي

الحوار المتمدن-العدد: 8842 - 2026 / 9 / 28 - 01:10
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


28 أيلول سبتمبر 2026


وقف بنيامين نتنياهو في 24 أيلول/سبتمبر أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة ليقدم رواية متكاملة عن الحرب في غزة: إسرائيل تدافع عن نفسها، جيشها يفعل كل ما يستطيع لحماية المدنيين، حركة حماس تستخدم السكان والمستشفيات والمدارس دروعاً بشرية، والإتهامات الموجهة إلى إسرائيل ليست سوى «أكاذيب» و«تضليل».
وقال بوضوح: «إسرائيل لم ترتكب إبادة جماعية، بل منعت إبادة جماعية».
لكن الخطاب السياسي شيء، والوثائق والأرقام شيء آخر.
لذلك، بعيداً عن الهتافات والمواقف السياسية، يبقى السؤال البسيط: ماذا تقول الوقائع؟
ماذا لو وضعنا أهم ادعاءات الخطاب أمام ما تقوله الأمم المتحدة، ومنظمة الصحة العالمية، ومحكمة العدل الدولية، والدراسات المنشورة في المجلات العلمية، والبيانات الميدانية.
والصورة التي تظهر من هذه المقارنة أكثر تعقيداً بكثير من الرواية التي قدمها نتنياهو.

7 أكتوبر: حدث لا يحتمل المبالغة

البداية الضرورية هي 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.
فقد قتل هجوم حماس وفصائل فلسطينية مسلحة أخرى أكثر من 1200 إسرائيلي، واسر 251 شخصاً. ووثقت الأمم المتحدة ما سمته "إنتهاكات خطيرة" إرتكبتها جماعات فلسطينية مسلحة خلال الهجوم.
لكن الإعتراف بما حدث في 7 أكتوبر لا يجيب، في حد ذاته، عن سؤال آخر: ماذا حدث في غزة بعد ذلك؟
فالقول إن جريمة وقعت في 7 أكتوبر لا يجعل كل ما تلاها مباحاً، كما أن توثيق حجم الدمار في غزة لا يتناسب مع أحداث ذلك اليوم.

«إسرائيل فعلت كل ما يمكن لحماية المدنيين»

في خطابه، إستند نتنياهو إلى الإنذارات الهاتفية، والرسائل النصية، والمنشورات التي يقول إن الجيش الإسرائيلي ألقاها أو أرسلها لتحذير السكان قبل العمليات العسكرية.
لكن حماية المدنيين لا تُقاس فقط بعدد الرسائل أو المنشورات، وإنما بالنتيجة الفعلية على الأرض.
في 24 أيلول/سبتمبر 2026، قالت منظمة الصحة العالمية إن 19 مستشفى فقط من أصل 36 مستشفى في غزة ما زالت تعمل ولو بصورة جزئية، وإن أياً منها لا يعمل بصورة كاملة. وقالت إن النظام الصحي ما زال تحت ضغط شديد، وإن نحو 1.7 مليون شخص لا يزالون نازحين، وإن ما لا يقل عن 920 هجوماً إستهدف مرافق أو عاملين صحيين منذ 2023، مع مقتل أكثر من 1700 من العاملين في القطاع الصحي.
هذه ليست أرقام جهة سياسية فلسطينية، بل أرقام منظمة الصحة العالمية.
وحتى في تقييم مشترك للأمم المتحدة والبنك الدولي والإتحاد الأوروبي صدر في نيسان/أبريل 2026، قُدّر عدد الوحدات السكنية التي دُمّرت أو تضررت بأكثر من 371 ألف وحدة، فيما كان أكثر من نصف المستشفيات غير صالح للعمل، وكانت غالبية المدارس والجامعات قد دُمّرت أو تضررت.
أما تحليل الأمم المتحدة بإستخدام صور الأقمار الصناعية، فقد قدّر أن نحو 82٪ من منشآت غزة تعرضت للضرر، أي أكثر من 200 ألف منشأة، وأن نحو ثلثي المنشآت المتضررة دُمرت بالكامل.
هنا يصبح السؤال أكثر تحديداً: هل تكفي عبارة «لقد حذرنا المدنيين» وحدها لتوصيف النتيجة الإنسانية والعمرانية لحرب بهذا الحجم؟

لانسيت: القصة التي لا يمكن تجاوزها

ربما تكون مسألة أعداد الضحايا هي أكثر النقاط حساسية في الجدل كله.
إسرائيل تشكك منذ البداية في أرقام وزارة الصحة في غزة، ويكرر مسؤولون إسرائيليون أن الأرقام مبالغ فيها أو لا تميز بما يكفي بين المدنيين والمقاتلين.
لكن قصة أرقام الضحايا أكثر تعقيداً من ذلك.
في كانون الأول/ديسمبر 2023، نشرت مجلة لانسيت Lancet مداخلة علمية بعنوان «لا دليل على تضخيم تقارير الوفيات الصادرة عن وزارة الصحة في غزة». أشارت المراسلة إلى أن بيانات الوزارة في الحروب السابقة أظهرت فروقاً تراوحت بين 1.5 - 3.8٪ مقارنة بتحليلات مستقلة للأمم المتحدة.
ثم جاءت في تموز/يوليو 2024 مقالة قصيرة أخرى في لانسيت بعنوان «إحصاء القتلى في غزة: صعب لكنه ضروري»، كتبها رشا خطيب ومارتن ماكي وسليم يوسف.
أشار الباحثون إلى أن جمع الأرقام أصبح أكثر صعوبة مع تدمير البنية التحتية الصحية، وأن الأرقام المنشورة يمكن أن تكون أقل من الواقع بسبب الجثامين الموجودة تحت الأنقاض، والأشخاص الذين لم يتم التعرف إليهم، والإنهيار التدريجي لقدرة النظام الصحي على تسجيل الوفيات.
ثم تناولوا الوفيات غير المباشرة الناتجة عن الأمراض، وإنهيار الرعاية الصحية، ونقص الغذاء والماء والمأوى.
وإستناداً إلى نسب الوفيات غير المباشرة التي ظهرت في حروب أخرى، إستخدم الباحثون سيناريو محافظاً إفتراضياً يفترض أربع وفيات غير مباشرة مقابل كل وفاة مباشرة. وبناءً على رقم 37,396 وفاة مباشرة حتى 19 حزيران/يونيو 2024، خلصوا إلى أن العدد الإجمالي قد يصل، في ذلك السيناريو، إلى 186 ألف وفاة أو أكثر.
وهنا يجب أن نكون دقيقين: 186 ألفاً ليست حصيلة نهائية للقتلى في غزة، ولا رقماً أعلنت عنه وزارة الصحة أو الأمم المتحدة، بل تقدير إفتراضي مبني على معدل للوفيات غير المباشرة مستمد من صراعات أخرى.
لكن أهميته تكمن في أنه يغيّر السؤال: هل يمكن قياس ضحايا الحرب فقط بعدد الجثامين التي تمكنت المستشفيات من تسجيلها؟
ثم جاءت دراسة أخرى في لانسيت عام 2025، إستخدمت أسلوباً إحصائياً يسمى الإلتقاط وإعادة الإلتقاط، وقارنت ثلاث قواعد بيانات مختلفة للوفيات.
قدّرت الدراسة عدد الوفيات الناجمة عن الإصابات بين 7 أكتوبر 2023 و30 يونيو/حزيران 2024 بنحو 64,260 وفاة، مع هامش إحصائي يتراوح بين 55,298 و78,525، وقدرت أن أرقام وزارة الصحة خلال الفترة نفسها كانت أقل من التقدير بنحو 41٪.
والأكثر دلالة أن النساء والأطفال دون 18 عاماً وكبار السن البالغين 65 عاماً فأكثر شكلوا 59.1٪ من الوفيات التي توفرت عنها بيانات العمر والجنس.
وفي شباط/فبراير 2026، نشرت لانسيت غلوبال هيلث دراسة سكانية أكثر إتساعاً، إعتمدت مسحاً شمل نحو ألفي أسرة و9729 فرداً.
قدّر الباحثون 75,200 وفاة عنيفة بين 7 أكتوبر 2023 و5 يناير/كانون الثاني 2025، هامش إحصائي يتراوح بين 63,600 و86,800، إضافة إلى نحو 16,300 وفاة غير عنيفة، منها 8,540 وفاة زائدة عن المستوى المتوقع قبل الحرب.
وفي هذه الدراسة أيضاً كان عدد الوفيات العنيفة أعلى من الرقم الذي كانت وزارة الصحة قد أعلنته للفترة نفسها، لا أقل.
بعبارة أخرى، الدراسات الإحصائية المستقلة المنشورة في لانسيت لم تتجه إلى إثبات أن أرقام غزة «مضخمة». وفي الفترات التي إختبرتها، إتجهت النتائج إلى أن الأرقام الرسمية قد تكون أقل من الواقع.

«مليونا طن من الغذاء»

ومن أكثر العبارات التي لفتت الإنتباه في خطاب نتنياهو قوله إن إسرائيل سمحت بتوزيع مليوني طن من الغذاء في غزة، مستنتجاً من ذلك أن إسرائيل لا يمكن أن تكون قد إرتكبت إبادة.
لكن كمية الغذاء التي تدخل منطقة حرب لا تساوي بالضرورة كمية الغذاء التي تصل إلى كل شخص، ولا تقول شيئاً بمفردها عن توقيت التوزيع أو إنتظامه أو إمكانية الوصول إليه أو نوعية الغذاء أو مدى ملاءمته لحاجات السكان.
والسؤال الحقيقي ليس فقط: كم طناً دخل؟
بل: كم وصل؟ ومتى؟ ومن تمكن من الوصول إليه؟ وما حجم الإحتياجات في كل مرحلة؟
وهنا يصبح الإستدلال بالطن الواحد لكل إنسان مضللاً إذا أُخرج من سياقه الإنساني.
فالغذاء ليس رقماً حسابياً مجرداً؛ إنه عملية توزيع مستمرة داخل منطقة مدمرة، مكتظة، تعاني من النزوح، وتضررت فيها شبكات المياه والصرف الصحي والصحة والنقل.

المستشفيات ودروع حماس البشرية

يكرر نتنياهو أيضاً أن حماس تستخدم المستشفيات والمدارس والمساجد لأغراض عسكرية، وأن إسرائيل تضطر لذلك إلى تنفيذ عمليات داخل مناطق مدنية.
وجود عناصر أو بنية عسكرية في محيط منشأة مدنية، لو ثبت ذلك في حالة محددة، يمكن أن يكون مسألة قانونية وعسكرية بالغة الأهمية.
لكن هذا لا يلغي تلقائياً الحماية التي يمنحها القانون الدولي الإنساني للمدنيين والمنشآت الطبية.


«مجرد حفنة من المشاغبين» في الضفة الغربية

وفي ما يتعلق بالضفة الغربية، قلل نتنياهو من شأن جرائم المستوطنين، واصفاً مرتكبيها بأنهم «حفنة من الأحداث المشاغبين»، وتحدث عن عدد محدود جداً من القتلى الفلسطينيين.
لكن أحدث بيانات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية تقول شيئاً مختلفاً من حيث حجم الظاهرة.
فحتى 14 أيلول/سبتمبر 2026، وثقت الأمم المتحدة أكثر من 1600 هجوم لقطعان المستوطنين منذ بداية العام، أسفرت عن إصابات فلسطينية أو أضرار بالممتلكات أو كليهما، وطالت 275 تجمعاً فلسطينياً.
وبلغ المتوسط 6.7 هجمات يومياً، مقارنة بخمس هجمات يومياً في 2025.
كما قالت الأمم المتحدة إن أكثر من عشرين ألف فلسطيني هُجّروا من بيوتهم منذ بداية 2026 في سياق عنف المستوطنين والقيود المرتبطة به.


ومن غزة إلى الإحتلال


وهنا نصل إلى ملف أوسع من الحرب الحالية نفسها.
في رأيها الإستشاري الصادر في 19 يوليو/تموز 2024، خلصت محكمة العدل الدولية إلى أن إستمرار سيطرة إسرائيل على الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وربطت ذلك بسياسات الإستيطان والضم الفعلي وإعاقة حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير.
كما دعت المحكمة إسرائيل إلى إنهاء وجودها غير القانوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة بأسرع ما يمكن، ووقف النشاط الإستيطاني الجديد وإخلاء المستوطنين، وفق ما ورد في منطوق قرارها.
وهذا الرأي لا يحسم وحده جميع القضايا المتعلقة بالحرب في غزة، وهو يختلف عن دعوى جنوب أفريقيا المتعلقة بإتفاقية منع الإبادة الجماعية لدى محكمة أخرى هي محكمة الجنايات الدولية.
لكن أهميته أنه يضع الإحتلال والإستيطان في إطار قانوني دولي مستقل عن أحداث 7 أكتوبر. أي أن القضية لم تبدأ في 7 أكتوبر، حتى لو كان 7 أكتوبر نقطة تحول هائلة في الحرب الحالية.


«إسرائيل لم ترتكب إبادة، بل منعت إبادة»

أما العبارة الأكثر حساسية في خطاب نتنياهو فهي نفي إرتكاب الإبادة الجماعية.
إسرائيل ترفض إتهامها بإرتكاب إبادة، وتقول إنها تخوض حرباً ضد حماس، وإن هدفها عسكري وليس تدمير الشعب الفلسطيني.
لكن اللجنة الدولية المستقلة للتحقيق التابعة للأمم المتحدة خلصت في تقرير صدر عام 2025 إلى أن إسرائيل إرتكبت أفعالاً قالت إنها تندرج ضمن أربعة من الأفعال الخمسة المحددة في إتفاقية منع الإبادة الجماعية، وخلصت إلى أن إسرائيل إرتكبت إبادة جماعية في غزة.


أصوات من خارج الرواية


وليست هذه الصورة ناتجة عن مصادر أممية أو فلسطينية فقط.
ففي الولايات المتحدة نفسها ظهرت أصوات أكاديمية وإعلامية وسياسية تنتقد الرواية الإسرائيلية من زوايا مختلفة.
جون ميرشايمر، أستاذ العلوم السياسية الأمريكي المعروف، وصف في كتاباته ومداخلاته ما يجري في غزة بأنه إبادة، وربط ذلك أيضاً بالدور الأمريكي في دعم إسرائيل. وفي آب/أغسطس 2026، كتب صراحة أنه يرى إسرائيل «عبئاً إستراتيجياً وأخلاقياً» على الولايات المتحدة، وإعتبر ما يجري في غزة إبادة.
أما سكوت ريتر، الضابط السابق في مشاة البحرية والمحلل السياسي، فقد واصل في 2026 إستخدام توصيف الإبادة عند حديثه عن الحرب في غزة.
وجيفري ساكس، الإقتصادي والأستاذ الأمريكي، وجّه بدوره إنتقادات حادة للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط وللدعم الأمريكي لإسرائيل، رابطاً المسؤولية السياسية الأمريكية بما يجري في المنطقة.
أما نورمان فنكلشتاين، أحد أكثر الأصوات الأكاديمية الأمريكية إنتقاداً للسياسات الإسرائيلية، فقد نشر عام 2026 كتابه «حفّارو قبور غزة»، وخصصه لتحليل ما إعتبره إخفاقات المؤسسات الدولية والسياسة الأمريكية والإسرائيلية في التعامل مع الحرب.
وفي الإعلام الأمريكي، منح تاكر كارلسون مساحة متكررة لمناقشة هذه القضايا، وإستضاف فنكلشتاين في حوار تناول تاريخ الصراع والسياسة الإسرائيلية والحرب في غزة.
ومن داخل إسرائيل نفسها، واصل صحفيون وكتاب مثل جدعون ليفي وإيلان بابيه تقديم روايات نقدية شديدة للسياسة الإسرائيلية.
ثم جاء فيلم «نازا» للمخرجين الإسرائيليين يوفال أبراهام وراشيل زور ليضيف نوعاً آخر من الشهادات: شهادات من داخل المؤسسة العسكرية والأمنية نفسها. الفيلم، الذي عرض عام 2026، يعتمد على شهادات 24 من الجنود والضباط وعناصر الإستخبارات الإسرائيليين الذين تحدثوا، من دون الكشف عن هوياتهم، عن أنظمة المراقبة والإستهداف المستخدمة في غزة، بما في ذلك أنظمة تعتمد على الذكاء الإصطناعي أو تساعد في تحديد الأهداف.
هذه الأصوات لا تشكل كتلة واحدة، ولا يمكن وضع أقوال أستاذ جامعي أو صحفي أو ضابط سابق في مستوى واحد مع دراسة إحصائية أو وثيقة أممية.
لكن وجودها مهم لسبب آخر: فهو يبين أن التشكيك في الرواية الرسمية ليس ظاهرة فلسطينية أو عربية فقط، ولا ينحصر في موقف سياسي واحد.

القاعة التي غادرت قبل أن يبدأ الكلام

ولعل أكثر الصور دلالة في ذلك اليوم لم تكن داخل الخطاب نفسه، بل قبل أن يبدأ. عندما إعتلى نتنياهو منصة الجمعية العامة، غادرت عشرات الوفود القاعة، بينما خاطب من بقي فيها بعبارة «الجبناء أخلاقياً».
قد يكون الإنسحاب موقفاً سياسياً، وقد يكون إحتجاجاً، وقد يكون جزءاً من الإنقسام الدولي الحاد حول إسرائيل والحرب.
لكنه، في كل الأحوال، كان صورة تختصر حجم الفجوة بين الرواية التي أراد نتنياهو تقديمها وبين الطريقة التي ينظر بها عدد كبير من الحكومات والمؤسسات الدولية إلى الحرب.


لا تعليق

برلين وقطاع غزة ليسا حالتين متماثلتين تاريخياً أو عسكرياً، لكن الأرقام وشهادة من عاين الدمار مباشرة تتيحان للقارئ إدراك حجمه من دون حاجة إلى خطابة.
خلال الحرب العالمية الثانية، أُلقي على برلين نحو 50 ألف طن من القنابل. وبعد الحرب وصف المارشال البريطاني آرثر تيدر المدينة بأنها «ميتة تماماً»، وروى أنه كان يستطيع القيادة لمسافات طويلة بين الأنقاض دون أن يجد شيئاً صالحاً للسكن، حتى بدت له المدينة في بعض المواضع كأنها بابل أو قرطاج القديمة.
وتشير الدراسات التاريخية إلى أن نحو 11.3٪ من مباني برلين تعرضت للدمار الكامل، ونحو 8٪ لأضرار جسيمة، فيما أصبح نحو 600 ألف مسكن غير صالح للسكن.

أما غزة، التي لا تتجاوز مساحتها 365 كيلومتراً مربعاً، وكان يسكنها نحو 2.2 مليون نسمة قبل الحرب، فقد دخلت في واحدة من أكثر عمليات التدمير العمراني كثافة في العصر الحديث.
وفي تقرير أممي صدر عام 2026، قُدّر أن أكثر من 200 ألف طن من المتفجرات أُلقيت على غزة خلال نحو عامين من الحرب، وهو رقم قورن في التقرير نفسه بالطاقة التفجيرية التقريبية لقنبلة هيروشيما.
وللتقريب فقط، تعادل قوة قنبلة هيروشيما نحو 15 ألف طن من مادة TNT؛ أي إن 200 ألف طن تعادل، من حيث الطاقة التفجيرية النظرية وحدها، أكثر من 13 قنبلة هيروشيما.

ووفق أحدث تحليلات الأمم المتحدة بإستخدام UNOSAT، مركز الأمم المتحدة للأقمار الصناعية الذي يستخدم صور الأقمار الصناعية لرصد الأضرار وتقييمها، تعرض نحو 82٪ من منشآت غزة للضرر، أي أكثر من 200 ألف منشأة، فيما دُمّر نحو ثلثي المنشآت المتضررة. لكن القصف ليس سوى بداية القصة.
فالسؤال الذي يلي القصف هو السؤال الأصعب:
ماذا نفعل بكل هذا الركام؟
في غزة لا نتحدث عن ملايين الأطنان فحسب، بل عن أكثر من 68 مليون طن من الركام وفق التقييم المشترك النهائي للأمم المتحدة والبنك الدولي والإتحاد الأوروبي الصادر في 2026. وهذا الركام ليس حجارة وأسمنتاً فقط.

ففي أجزاء منه توجد ذخائر غير منفجرة، ومخلفات طبية، وأسبستوس، ومواد خطرة، وشبكات صرف صحي مدمرة، فضلاً عن إحتمال وجود جثامين تحت الأنقاض.

وفي 18 أيلول/سبتمبر 2026، قالت الأمم المتحدة إن الدفاع المدني الفلسطيني تمكن من إنتشال أكثر من 630 جثماناً وبقايا بشرية من تحت المباني المدمرة بين تشرين الثاني/نوفمبر 2025 وأيلول/سبتمبر 2026، بينما تقدر أجهزة الدفاع المدني أن أكثر من 8000 شخص ما زالوا مفقودين تحت الأنقاض.
أما إزالة الركام نفسها فتسير ببطء شديد.
حتى تموز/يوليو 2026، كان قد أزيل نحو 630 ألف طن من الركام من الطرق والمنشآت الحيوية، وهي كمية لا تمثل سوى جزء صغير من إجمالي الركام.
وفي الوقت نفسه، جرى سحق أكثر من 231 ألف طن من الخرسانة في مواقع مخصصة، وأعيد إستخدام جزء كبير منها في تعبيد الطرق وتجهيز مواقع الملاجئ والمنشآت الأساسية.
ويقدّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن إزالة معظم الركام يمكن أن تستغرق نحو سبع سنوات إذا توافرت الظروف الأمنية والمعدات والوقود والوصول المناسب.
أما إعادة الإعمار والتعافي، فقد قدرها التقييم المشترك للأمم المتحدة والبنك الدولي والإتحاد الأوروبي بنحو 71.4 مليار دولار خلال عشر سنوات. وهنا تعود صورة برلين إلى الذاكرة.
بعد الحرب كان السؤال: ماذا نفعل بمدينة تحولت إلى جبال من الأنقاض؟
أين يوضع الركام؟
كيف تُعاد شبكات المياه والكهرباء؟
كيف تُرمم المستشفيات والمدارس؟
كيف يُعاد بناء مدينة ماتت بنيتها التحتية؟

واليوم تُطرح الأسئلة نفسها في غزة، ولكن على رقعة أصغر وأكثر كثافة سكانية:
من يزيل الركام؟
أين يُنقل؟
كيف تُستخرج منه بقايا المتفجرات والمواد الخطرة والجثامين؟
كم يستغرق ذلك؟
ومن أين تأتي عشرات مليارات الدولارات اللازمة لإعادة بناء البيوت والمستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء والطرق؟

لا تعليق.

الأرقام هنا لا تحتاج إلى خطيب.



خاتمة

الأرقام تبقى.
الأنقاض تبقى.
والوثائق تبقى.



#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لافروف من الأمم المتحدة: العالم يتغير... والشرق الأوسط في قل ...
- من آني إرنو إلى أديل هانيل: ماذا تغيّر في فرنسا؟
- أوقفوا حرب الملك المجنون ترامب على إيران - رسالة جيفري ساكس ...
- ألكسندر دوغين - الديسجينيكا والسياسة: ديمقراطية الأقليات (بر ...
- جون ميرشايمر كان في موسكو
- ما الذي يؤخر «النصر»؟
- من طريق الهند إلى هرمز وباب المندب - من يملك مفاتيح العالم؟
- ألكسندر دوغين - التعددية القطبية تهاجم، والمملكة المتحدة تتف ...
- جون ميرشايمر واللوبي الإسرائيلي: حين يتغير الخطاب ولا تتغير ...
- «نازا».. حين يخرج صوت الإبادة من داخل الجيش الإسرائيلي
- من هزيمة العدو إلى محوه عن وجه الأرض
- عندما تصبح القوة إستعراضاً: قراءة في صور ترامب والهشاشة التي ...
- ألكسندر دوغين - صراع روسيا من أجل السيادة الاقتصادية - إسترا ...
- المجر بين بروكسل وموسكو: ماذا غيّر بيتر ماديار؟
- وعد بلفور وفلسطين - كيف باعها من لا يملك لمن لا يستحق
- ألكسندر دوغين - صراع روسيا من أجل السيادة الاقتصادية - إما إ ...
- جون ميرشايمر: لماذا تتجه أوكرانيا نحو الهزيمة؟
- حذّر وخدع: كيف جعل السنوار إسرائيل ترى 7 أكتوبر ولا تصدّقه؟
- إضاءة على كتاب: كيف جرى تسويق الإبادة الجماعية
- ألكسندر دوغين No Kings - Yes! Jokers - ! صراع على مستقبل الغ ...


المزيد.....




- -سيبوا عائلتي في حالها-.. أحمد سعد يؤكد متانة علاقته بزوجته ...
- مسؤول أمني إيراني يرد على ترامب عبر RT: لا آلية مستدامة للمل ...
- أسبوع على الحسم.. لولا وبولسونارو في سباق متقارب على رئاسة ا ...
- شاهد: احتجاجات حاشدة في مدريد بسبب إخلاء -ماريكارمن- وأزمة ا ...
- إخوان سوريا يرفضون التقسيم ويدعون إلى التعددية السياسية ومسا ...
- نائب سويسري يقر بفوز مؤيدي الحرب في الاستفتاء
- ناجون من اعتداءات جنسية لرجال دين فرنسيين يشيدون بلقائهم مع ...
- القناة 12 العبرية: نتنياهو يزور أبو ظبي ويلتقي الرئيس الإمار ...
- مصر ليست إسرائيل.. قائد عسكري مصري سابق يفسر قرار السيسي عن ...
- حيلة احتيالية صادمة.. الذكاء الاصطناعي ينتحل شخصيات محاربي ا ...


المزيد.....

- عيون شاردة / انتصار كامل جفلان الخشت
- الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام / سامح سعيد عبد العزيز
- دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي / علي طبله
- حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في ... / رياض الشرايطي
- ابجديات العطاء / انتصار كامل جفلان الخشت
- مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026 / مجلة سلاح النقد
- حقوق العصر / أحمد التاوتي
- قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- Letters from the East / عدنان رضوان
- العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس / فاخر جاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - زياد الزبيدي - خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة: هل للوقاحة حدود؟