|
|
لافروف من الأمم المتحدة: العالم يتغير... والشرق الأوسط في قلب التحول
زياد الزبيدي
الحوار المتمدن-العدد: 8841 - 2026 / 9 / 27 - 02:48
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
إعداد وترجمة د. زياد الزبيدي بتصرف
27 أيلول سبتمبر 2026
في خطابه أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، قدّم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف قراءة شاملة للتحولات التي يشهدها العالم، واضعاً الشرق الأوسط في قلب الصراع على شكل النظام الدولي المقبل.
وقال لافروف إن العالم يمر بمرحلة «تحولات تكتونية» تفتح الطريق أمام قيام نظام دولي أكثر تعدداً وعدالة، تتراجع فيه هيمنة مركز واحد لمصلحة عالم تتوزع فيه مراكز القوة بين دول الجنوب والشرق وغيرها من القوى الصاعدة.
وبحسب الوزير الروسي، فإن المشكلة الأساسية التي تواجه العالم اليوم هي محاولة «الأقلية الغربية» الحفاظ على إمتيازاتها التاريخية، بعد أن إعتادت طوال قرون الإستفادة من موارد الآخرين، ثم فرض قواعدها عليهم. ويرى أن هذه المحاولة تتحول بصورة متزايدة إلى إستخدام مباشر للقوة، وإلى سياسات تتسم بالمغامرة وعدم القدرة على التنبؤ.
ويقول لافروف إن موسكو ترى أن مستقبل العالم لا ينبغي أن يُبنى على هيمنة دولة أو مجموعة من الدول، بل على مبدأ المساواة في السيادة، وإحترام ميثاق الأمم المتحدة، وحق كل دولة في إختيار طريقها السياسي والإقتصادي من دون ضغوط أو إملاءات خارجية.
فلسطين: لا سلام من دون دولة فلسطينية
لكن الجزء الأكثر إرتباطًا بالقضايا العربية في خطاب لافروف كان بلا شك حديثه عن الشرق الأوسط.
وأكد أن الوقت حان لإقامة الدولة الفلسطينية على أساس قرارات الأمم المتحدة، محذراً من أن إستمرار الحرب في غزة، إلى جانب التوسع الإستيطاني في الضفة الغربية، يهدد بإغلاق الطريق نهائياً أمام قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
وأشار إلى أن خطط السلام التي طُرحت خلال العام الماضي لم تنجح في وضع حد للمأساة الإنسانية، فيما لا يزال المدنيون، بمن فيهم النساء والأطفال وكبار السن، يدفعون الثمن.
وبالنسبة إلى لافروف، فإن تجاهل القضية الفلسطينية لن يؤدي إلى إستقرار إسرائيل نفسها، لأن غياب الحل السياسي سيُبقي المنطقة في حالة من التوتر الدائم.
ولم يحصر الوزير الروسي الأزمة في غزة وحدها، بل دعا إلى تحرك دولي عاجل يشمل فلسطين ولبنان وسوريا واليمن والعراق، إضافة إلى السودان والصومال وجنوب السودان ومناطق أخرى تشهد نزاعات في أفريقيا.
إيران والخليج: الأمن لا يُبنى بالقوة
وفي حديثه عن إيران، وصف لافروف إغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي وأفراد من عائلته وعدد من كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين بأنه أمر غير مقبول، معتبراً أن مثل هذه العمليات تمثل شكلاً من أشكال الإملاء القسري.
كما إتهم الولايات المتحدة وإسرائيل بشن عدوان على إيران إستهدف، من بين أمور أخرى، منشآت نووية مدنية خاضعة لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، محذراً من أن ضرب المنشآت النووية الخاضعة للرقابة الدولية يضر بمنظومة عدم الإنتشار النووي وبمكانة الوكالة نفسها.
وفي الوقت نفسه، شدد على أن أمن الخليج لا يمكن تحقيقه من خلال المواجهة المستمرة، بل يحتاج إلى بناء الثقة بين دول الخليج العربية وإيران.
وهنا أعاد التذكير بالمبادرة الروسية الخاصة بـ«مفهوم الأمن الجماعي في منطقة الخليج»، مؤكداً إستعداد موسكو للمساهمة في إنشاء منظومة إقليمية للأمن والإستقرار.
روسيا والغرب: الصراع أكبر من أوكرانيا
أما الحرب في أوكرانيا، فقد وضعها لافروف ضمن صراع أوسع على مستقبل النظام الأوروبي والدولي.
وإتهم الدول الغربية بأنها دمرت منظومة الأمن التي قامت في أوروبا بعد الحرب الباردة، ثم ساهمت في بناء نظام سياسي معادٍ لروسيا في كييف، قبل أن تعمل على منع التوصل إلى تسوية سياسية.
كما إتهم الغرب بتسليح أوكرانيا وتزويدها بالوسائل التي تُستخدم، بحسب موسكو، في إستهداف الأراضي والبنية التحتية المدنية الروسية.
ويرى لافروف أن الرهان الغربي على إلحاق «هزيمة إستراتيجية» بروسيا سيقود في النهاية إلى طريق مسدود، مؤكداً أن موسكو ماضية في تحقيق أهداف عمليتها العسكرية الخاصة، وفي إزالة ما تعتبره تهديدات لأمنها وإعادة السلام.
عودة التاريخ: من نورمبرغ إلى أوروبا الجديدة
وأفرد لافروف مساحة واسعة للتاريخ، خصوصاً مع إقتراب الذكرى الثمانين لمحاكمة نورمبرغ وإنتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية.
وفي هذا السياق، إتهم بعض النخب الأوروبية الحالية بالتساهل مع تمجيد النازية والمتعاونين مع ألمانيا النازية في أوكرانيا، وإنتقد رفض عدد من الدول الغربية دعم قرارات روسية في الأمم المتحدة تدين تمجيد النازية.
وتوقف بصورة خاصة عند تصريحات المستشار الألماني فريدريش ميرتس حول ضرورة أن تصبح ألمانيا مرة أخرى القوة العسكرية الرئيسية في أوروبا، متسائلاً عن معنى كلمة «مرة أخرى» في بلد يحمل تاريخاً ثقيلاً في القرن العشرين.
ويعتبر لافروف أن محاولة إعادة صياغة نتائج الحرب العالمية الثانية أو تجاهل المبادئ التي قامت عليها منظومة الأمم المتحدة تهدد الأساس الذي بُني عليه النظام الدولي بعد عام 1945.
الأمم المتحدة أمام إختبار جديد
وفي الجزء المتعلق بمستقبل الأمم المتحدة، دعا لافروف إلى الحفاظ على المنظمة بإعتبارها الإطار الدولي الرئيسي لمعالجة الأزمات، وطالب الأمين العام المقبل بالتحلي بالإستقلال والوقوف على مسافة واحدة من مختلف الأطراف، مع إحترام الدور المركزي لمجلس الأمن.
كما جدد موقف موسكو من إصلاح مجلس الأمن، معارضاً منح مقاعد دائمة إضافية للدول الغربية، ولا سيما ألمانيا واليابان، وداعياً في المقابل إلى تمثيل أكبر لآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
وأيد حصول الهند والبرازيل على مقعدين دائمين، مع ضرورة مراعاة الموقف الأفريقي المشترك المعروف بـ«توافق إيزولويني» و«إعلان سرت».
الذكاء الإصطناعي والإستعمار الجديد
ولم يقتصر الخطاب على الحروب والسياسة. فقد دعا لافروف إلى وضع قواعد دولية للذكاء الإصطناعي تقوم على المساواة بين الدول، وليس على آليات مغلقة تضعها مجموعة محدودة من القوى الكبرى.
كما أعاد طرح قضية إنهاء الإستعمار بأشكاله المختلفة، معتبراً أن الإستقلال السياسي الذي حققته دول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية لا يكتمل، من وجهة نظر موسكو، إذا إستمرت أشكال «الإستعمار الجديد» في الإقتصاد والسياسة.
من الأطلسي إلى أوراسيا
وفي ختام خطابه، قدم لافروف الرؤية الروسية الأوسع لمستقبل القارة: إقامة «شراكة أوراسية كبرى» ومنظومة أمنية تمتد عبر القارة بأكملها، بعيداً عن منطق الأحلاف المغلقة والمواجهة بين الكتل.
وأشار إلى أن روسيا وبيلاروسيا وعدداً من الدول الشريكة بدأت العمل على «ميثاق أوراسي للتنوع والتعددية القطبية في القرن الحادي والعشرين»، داعياً الدول الأخرى إلى المشاركة في بناء منظومة قارية جديدة للأمن والتنمية.
عالم يتغير
يمكن إختزال رسالة لافروف في فكرة واحدة: النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب الباردة يقترب، في نظر موسكو، من نهايته، بينما يتشكل عالم متعدد المراكز لن تكون فيه الولايات المتحدة وأوروبا وحدهما صاحبتَي القرار.
وفي هذه الرؤية، لا يمثل الشرق الأوسط مجرد ساحة أخرى للصراع الدولي، بل إحدى المناطق التي ستتحدد فيها ملامح النظام الجديد. ففلسطين، وإيران، والخليج، وسوريا، واليمن والعراق، ليست ملفات منفصلة في الخطاب الروسي، وإنما أجزاء من أزمة إقليمية أوسع تتقاطع فيها قضايا الأمن والطاقة والسيادة وتوازن القوى.
ومن نيويورك، أراد لافروف أن يبعث برسالة واضحة: روسيا لا ترى المعركة الحالية مجرد صراع حول أوكرانيا، بل جزءاً من إعادة تشكيل واسعة للنظام الدولي، والشرق الأوسط سيكون أحد ميادينها الرئيسية.
#زياد_الزبيدي (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
الكاتب-ة لايسمح
بالتعليق على هذا
الموضوع
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
من آني إرنو إلى أديل هانيل: ماذا تغيّر في فرنسا؟
-
أوقفوا حرب الملك المجنون ترامب على إيران - رسالة جيفري ساكس
...
-
ألكسندر دوغين - الديسجينيكا والسياسة: ديمقراطية الأقليات (بر
...
-
جون ميرشايمر كان في موسكو
-
ما الذي يؤخر «النصر»؟
-
من طريق الهند إلى هرمز وباب المندب - من يملك مفاتيح العالم؟
-
ألكسندر دوغين - التعددية القطبية تهاجم، والمملكة المتحدة تتف
...
-
جون ميرشايمر واللوبي الإسرائيلي: حين يتغير الخطاب ولا تتغير
...
-
«نازا».. حين يخرج صوت الإبادة من داخل الجيش الإسرائيلي
-
من هزيمة العدو إلى محوه عن وجه الأرض
-
عندما تصبح القوة إستعراضاً: قراءة في صور ترامب والهشاشة التي
...
-
ألكسندر دوغين - صراع روسيا من أجل السيادة الاقتصادية - إسترا
...
-
المجر بين بروكسل وموسكو: ماذا غيّر بيتر ماديار؟
-
وعد بلفور وفلسطين - كيف باعها من لا يملك لمن لا يستحق
-
ألكسندر دوغين - صراع روسيا من أجل السيادة الاقتصادية - إما إ
...
-
جون ميرشايمر: لماذا تتجه أوكرانيا نحو الهزيمة؟
-
حذّر وخدع: كيف جعل السنوار إسرائيل ترى 7 أكتوبر ولا تصدّقه؟
-
إضاءة على كتاب: كيف جرى تسويق الإبادة الجماعية
-
ألكسندر دوغين No Kings - Yes! Jokers - ! صراع على مستقبل الغ
...
-
نقطة التحول في الحرب: معركة سلافيانسك وكراماتورسك تعادل ستال
...
المزيد.....
-
أول تعليق من خارجية إيران بعد رفض ترامب مقترح فتح مضيق هرمز
...
-
بعد تصويت اللاعبين، أيرلندا تخوض مباراتها أمام إسرائيل
-
عشر سنوات سجن لسعد لمجرد ـ هل تصمد نجوميته أمام الحكم الجديد
...
-
العميد شكارجي يتوعد: حتى بعد انتهاء الحرب.. قتلة خامنئي والش
...
-
مشتبه بإلقائه مملحتين على طاولة نفتالي بينيت يسب خلال التحقي
...
-
ترامب: أعمل على حل النزاع في أوكرانيا.. وهو الأصعب على الإطل
...
-
لفتة غريبة لترامب بعد مصافحة زيلينسكي تثير أسئلة
-
-جيش داخل الجيش- ذراع إسرائيل الرمادية لترسيخ مشروع ضم الضفة
...
-
البابا يتحدث في باريس عن -العطش إلى المعنى- و-التعلق بالأصنا
...
-
عاصفة -نورإيستر- تضرب أمريكا.. إلغاء رحلات و100 ألف منزل بلا
...
المزيد.....
-
عيون شاردة
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
الخدمة الإجتماعية فى مجال رعاية الأيتام
/ سامح سعيد عبد العزيز
-
دراسة نقدية لمسودة النظام الداخلي للحزب الشيوعي العراقي
/ علي طبله
-
حين استيقظ رأس المال داخل الإنسان .. قراءة ماركسية ثورية في
...
/ رياض الشرايطي
-
ابجديات العطاء
/ انتصار كامل جفلان الخشت
-
مجلة سلاح النقد، عدد جوان-جويلية-اوت 2026
/ مجلة سلاح النقد
-
حقوق العصر
/ أحمد التاوتي
-
قصة الأمراض المزمنة و إفلاس الأطباء
/ عدنان رضوان
-
Letters from the East
/ عدنان رضوان
-
العولمة الرأسمالية: جدل المجرد والملموس
/ فاخر جاسم
المزيد.....
|