أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - تمهيد لروايتي - دفتر الغيب -















المزيد.....

تمهيد لروايتي - دفتر الغيب -


احمد صالح سلوم
شاعر و باحث في الشؤون الاقتصادية السياسية

(Ahmad Saloum)


الحوار المتمدن-العدد: 8846 - 2026 / 10 / 2 - 13:25
المحور: الادب والفن
    


ليس الموت ما يخيفنا. لو كان الموت ما يخيفنا، لما وُجدت الأديان. لو كان الموت ما يخيفنا، لما وُجدت الفلسفات. لو كان الموت ما يخيفنا، لما مات أحدٌ بسلام. الموت حقيقة، والحقائق لا تخيف. الذي يخيف هو أن يُنتزع الموت من حقيقته، وأن يُحوَّل إلى مسألة إدارية، وأن يُدرج في جدول، وأن تُحدَّد له باقة سعرية. الذي يخيف هو أن يصبح الموت خبراً: خبراً يُباع، وخبراً يُشترى، وخبراً يُنتظر على أرصفة الانتظار. الذي يخيف هو أن يتحوّل الغيب إلى سوق، وأن يصبح الوعي بالمصير ترفاً، وأن يتحول المصير نفسه إلى منتج.

هذه الرواية لا تُحاكي الموت. الرواية تُحاكي صناعة الموت. تُحاكي اللحظة التاريخية التي أصبح فيها الموت، في ثقافة ما، مشروعاً تجارياً كامل الأركان: له مصنع، وله موزّعون، وله وكلاء، وله زبائن، وله حملات تسويقية، وله فواتير، وله ضحايا لا يعرفون أنهم ضحايا، لأنهم يظنون أنهم مشترون. وهذه هي العتبة الأولى التي يقف عليها هذا النص: الموت ليس حقيقة وجودية هنا، بل نظام اقتصادي. وهذه اللحظة، في تاريخ الحضارات، ليست جديدة. الجديد هو حجمها، ومدى توغلها، ودرجة تحوّلها إلى بنية دائمة.



كتب إدوارد سعيد، في "الاستشراق"، أن الشرق ليس مكاناً، بل خطاب. وكتب سبيفاك، في "هل يستطيع التابع أن يتكلم؟"، أن التابع يُنطَق عنه، ولا يُنطَق به. وكتب فرانتز فانون، في "المعذبون في الأرض"، أن المستعمَر لا يُشفى من الاستعمار حتى يُشفى من العقل الذي شكّله الاستعمار داخله. هذه الأصوات، التي صاغت مدارس ما بعد الاستعمار، لا تكفي وحدها لفهم ما يجري في المجتمعات التي لم تُستعمَر بالطريقة الكلاسيكية، بل استُعمِر وعيها بالطريقة الأحدث: بالتمويل، وبالتسويق، وبالشاشة، وبالشيخ، وبالكاميرا المخفية، وبالمنحة الدراسية، وبالعرض الذي لا يُرفض.

هذه الرواية تنطلق من فرضية أن الاستعمار لم ينته. لكنه تحوّل. لم يعد بحاجة إلى جيش يحتل الأرض، لأن الأرض أصبحت رخيصة، ومَن يسكنها أصبح أرخص. الاستعمار اليوم يحتاج فقط إلى صناعة يقين مزيف: يقين بأن الفقر قدر، وبأن الجهل حكمة، وبأن الطاعة عبادة، وبأن الخوف إيمان، وبأن الدفع لوسيط هو السبيل الوحيد للنجاة. هذه الفرضية ليست فرضية سياسية، بل فرضية جمالية: لأن الرواية، في جوهرها، ليست عن السياسة، بل عن الشكل الذي تتخذه السياسة حين تصبح ديناً، والدين حين يصبح تجارة، والتجارة حين تصبح قدراً.



في مدارس النقد الأدبي الحديثة، بعد "التحوّل السردي" في الثمانينيات، وبعد "التحوّل المادي" في التسعينيات، وبعد "التحوّل الطيفي" في الألفية الثالثة، لم يعد النقد يسأل: ماذا يقول النص؟ بل يسأل: كيف يُنتج النص عالمه؟ وما الذي يُسكته؟ ومن الذي يتكلم في النص، ومن الذي يُنطَق عنه فقط؟ هذه الأسئلة، التي صاغها جاك دريدا في "أشباح ماركس"، وأعاد إدموند بيرك صياغتها في "نظرية التاريخ الأدبي"، وطوّرها ستيفن غرينبلات في "التحوّل الجديد" من خلال قراءة السلطة في النص، وفتحها جان بودريار في "المحاكاة والتزييف" من خلال فكرة الواقع الذي حلّ محل الواقع، كلها تعمل هنا. النص الذي بين أيدينا لا يروي واقعاً، بل يروي إنتاج الواقع. لا يحكي عن قرية، بل يحكي عن الآلية التي بها تُبنى القرى. لا يتحدث عن أزمة، بل عن البنية التي تُنتج الأزمات وتُعيد تدويرها.

هنا، تصبح القرين — القرية التي هُجّرت عام ١٩٦٤ ولم تصل — مجازاً مادياً لا مجازاً بلاغياً. القرين ليست استعارة عن الوطن. القرين هي الوطن. والوطن لم يُنقل، هو فقط لم يصل. والوطن ليس مكاناً، بل حالة تأجيل. والوطن ليس ذاكرة، بل مشروع لم يكتمل. والقرين، في هذا المعنى، هي الموقع الأول الذي تُبنى فيه هذه الرواية: موقع الذي لم يصل، ولم يعُد، ولم ينسَ. وهو الموقع الذي يعرفه كل قارئ، في أي مكان، لأن التأجيل هو الشرط الإنساني الأول بعد القرن العشرين.



لكن الرواية ليست فقط نصاً نقدياً. الرواية، أولاً وأخيراً، متعة. والمتعة الأولى التي تقدّمها هذه الرواية هي متعة اللغة. اللغة هنا ليست وعاءً، بل حدثاً. اللغة هنا لا تنقل، بل تُشكّل. اللغة هنا ليست وسيطة، بل واقعاً موازياً. هذا الانحياز إلى اللغة لا ينبع من هوس شكلاني، بل من قناعة بأن الوعي لا يتشكّل إلا في اللغة، وأن تغيير اللغة هو تغيير للوعي، وأن الكتابة، حين تُصبح فعلاً أدبياً، تُصبح فعلاً سياسياً من نوع أرقى، لأنها لا تُخاطب السلطة، بل تُعيد تشكيل الذات التي تُواجه السلطة.

لهذا، سيجد القارئ أن الرواية تتأرجح بين السخرية والرثاء، بين الفكاهة والكابوس، بين الواقعية والغرابة. هذا التأرجح ليس ترفاً، بل طريقة البقاء. لأن الواقع، في كثير من الأماكن، أصبح أغرب من الخيال. ولأن الخيال، في كثير من الأماكن، أصبح الوسيلة الوحيدة للوصول إلى الحقيقة. لهذا، ينتمي هذا النص، بطريقة ما، إلى تقاليد الرواية العالمية الساخرة: من رابليه إلى سرفانتس، من سويفت إلى غوغول، من كافكا إلى بورخيس، من سالمان رشدي إلى إسماعيل كاداريه، ومن نجيب محفوظ إلى إبراهيم عبد المجيد. لكنه ينتمي أيضاً إلى تقاليد الرواية العربية التي لم تُكتب بعد، لأنها تحتاج إلى لحظة تاريخية لم تكتمل.



في اللحظة الحاضرة، بعد "التحوّل غير البشري" في النقد الأدبي، وبعد "نظرية التأثير" و"نظرية الشبكة الفاعلة" و"نظرية الأنظمة العالمية" و"نظرية الحياة اليومية" و"دراسات الإعاقة" و"دراسات الذاكرة"، لم يعد الأدب مجرد سرد، بل أصبح بيئة. هذا النص بيئة. فيه هواء، وفيه ماء، وفيه طين، وفيه خشب، وفيه نار. وفيه كائنات غير بشرية: حمار، وطائر في قفص، ومطر، ونهر، وساعة لا تدور، وملف أزرق. هذه الكائنات ليست زينة، بل فاعلون. الحمار، في هذا النص، ليس استعارة عن الضمير، بل هو الضمير نفسه، بوصفه كائناً تاريخياً، بوصفه شاهداً على قرن من الإخفاقات، بوصفه العضو الوحيد في هذه الحكاية الذي لم يُستشَر، ولم يُدفَع، ولم يُخدَع. الحمار هو الكائن الوحيد الذي لا يمكن أن يُبَاع، لأن أحداً لا يشتريه. وهذا هو الدرس الأول.

والمطر، في هذا النص، ليس رمزاً للخصوبة، بل اختبار. المطر يأتي ليكشف ما إذا كان السد قوياً، أم أنه مزيّف. المطر يأتي ليفصل بين من بنى ومن دفع، بين من صمد ومن هرب. المطر، في النهاية، حكم تاريخي. والماء، في هذا النص، ليس عدواً، بل حقيقة. العدّو ليس المطر. العدو هو الذي يقول لك: اهرب. العدو هو الذي يقول لك: ادفع. العدو هو الذي يقول لك: انتظر. العدو هو الذي يبيعك الخوف ويشتري منك الأرض.



لكن ما الذي يجعل هذا النص، في نهاية التحليل، رواية، لا دراسة، لا مقالة، لا بياناً سياسياً؟ ما الذي يجعلها تستحق أن تُقرأ كنص أدبي، لا كوثيقة؟

الجواب، في تقديري، ليس في مضمونها، بل في حيلتها المركزية. الحيلة المركزية في هذه الرواية هي أن البطل لا ينتصر، بل يكتفي بأن يبقى. كامل لا يهزم أحداً. كامل لا يُغيّر نظاماً. كامل لا يُسقط سلطة. كامل فقط... لم يدفع. وهذا، في عالم كامل حيث الدفع هو القانون الوحيد، انتصار. لأن عدم الدفع لا يعني مقاومة، بل يعني إعادة تعريف المعركة. المعركة ليست بيني وبين الموت، بل بيني وبين مَن يريد أن يبيعني الموت. والمعركة ليست بيني وبين الظلام، بل بيني وبين مَن يريد أن يُقنعني أن الظلام قدر. والمعركة ليست بيني وبين الغيب، بل بيني وبين مَن يريد أن يُحوّل الغيب إلى سوق. وكامل، رجل النجار، لا يعرف شيئاً عن هذه المعركة، لكنه يخوضها، ليس بالشجاعة، بل بالعمل. بالعمل فقط. بالعمل الذي لا يعرف أحد أنه عمل سياسي، لأن العمل، في هذا النص، هو السياسة الأرقى.



وأخيراً، هذه الرواية ليست مكتوبة عن مصر فقط، ولا للعرب فقط، ولا للشرق فقط. هي مكتوبة عن كل مكان يتحوّل فيه الخوف إلى مشروع. هي مكتوبة عن كل مكان يُباع فيه اليقين. هي مكتوبة عن كل مجتمع يُقنع أفراده بأن الدفع لوسيط هو السبيل الوحيد. هي مكتوبة عن أمريكا التي تبيع الخوف من الإرهاب، وعن أوروبا التي تبيع الخوف من المهاجر، وعن الصين التي تبيع... لا، الصين لا تبيع. الصين تبني. الصين، في هذا النص، ليست نموذجاً، بل مرآة: مرآة تقول لنا إن المجتمع يمكن أن يُبنى على العقل، لا على الخوف، على الإنتاج، لا على الدفع، على الوعي، لا على الغيب. هذه ليست دعوة، بل سؤال: لماذا لا نبني؟ لماذا ندفع؟ لماذا ننتظر؟

الرواية ليست جواباً. الرواية سؤال طويل. سؤال يبدأ من القرين، ويمر بالقاهرة، ودمشق، وبيروت، وبغداد، وطهران، وإستانبول، ولندن، ونيويورك، وساو باولو، ومومباي، وأخيراً... بكين. لأن البناء ليس حكراً على أحد. والبناء، كما تعلمنا الرواية، ليس حدثاً. البناء عادة. والعادة... يمكن أن تُغيَّر.

........

رابط الرواية بالعربية

https://saloum1.substack.com/p/358?utm_source=share&utm_medium=android&r=6en7dw

رابط الرواية بالفرنسية

https://saloum1.substack.com/p/le-cahier-de-linvisible-roman-court?utm_source=share&utm_medium=android&r=6en7dw



#احمد_صالح_سلوم (هاشتاغ)       Ahmad_Saloum#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كيف صنع الدعم نصف دخل السوري في 2010، وكيف خسره في 2026؟
- كتيب : عن الاقتصاد الإيراني وسرديات غوبلز الابستيني..خمس مقا ...
- الروايةُ كمرآةٍ مكسورة: قراءةٌ في روايتي «دارِ الأبديّة» وسي ...
- الموت على الهواء مباشرةً.. مسرحية ساخرة في فصلين وخاتمة
- دموعٌ على محرّرٍ لم يأتِ.. قصة درامية ساخرة
- من كهفٍ في شارع الكاردينال إلى حي سان جوس بروكسل حيث سكن مار ...
- ثيليسون أورليان... من هايتي إلى فناك، ومن جائزة إلى تهمة
- مَرْفَأُ الطَّيْف .. مسرحية ساخرة في خمسة فصول
- النظام السعودي رأس الإرهاب:عن تمويل الإرهاب، الإبادة في اليم ...
- الطبقة الوسطى… القلب المنسي في بلجيكا و سياسات أوروبا الجديد ...
- صعود اليسار في المدن الكبرى… وأوروبا التي تبحث عن نفسها من ا ...
- صالح علماني: الفلسطيني ، ساحر الترجمة الذي مشى بين الناس ببس ...
- بلجيكا وأوروبا وسقوط الإمبراطوريات من الداخل
- سورية المحتلة في سبتمبر 2026: لحظة ما قبل الهروب الكبير
- نزيف الكفاءات: كيف تتحوّل -إسرائيل- من وطن إلى محطة عبور
- الغَرْقَى.. مسرحية ساخرة في ثمانية مشاهد
- حين ينزف الجسد الإمبراطوري تحت الجلد: قراءة في تشريح الأفول ...
- حين يُشعَل الجبل: تفجير علي الضاهر ومحاكم الظلّ الطويلة للعد ...
- مسرحية -الملكُ عارٍ... ولكن بشكلٍ احترافيّ- مسرحيةٌ ساخرةٌ ف ...
- حين تتصاعد الجعحعة من وارسو و بروكسل في لحظة تراجع القدرات: ...


المزيد.....




- هل أثرت الاستقالة وانسحاب النجوم على موعد مهرجان الموسيقى ال ...
- فيلم نازا يتصدر شباك التذاكر الإيطالي متفوقا على أفنجرز
- فنانة مصرية مشهورة تؤدي دور المأذون في زواج رجلين وتثير جدلا ...
- بوتين: -موسكو تلتقي الأصدقاء- يواصل اكتشاف المواهب الجديدة
- من قطب نفط إلى منقذ للبشرية.. توم كروز يخوض مغامرة -ديغر-
- مقترح بتأجيل اختبار اللغة للحصول على الجنسية السويدية
- 13 ألف تذكرة في اليوم الأول.. حفل شاكيرا المرتقب في قرغيزستا ...
- 18 طنا من الكتب ونخبة من الأدباء في معرض نيجني نوفغورود للكت ...
- هكذا صنع -الصابون- أول مسلسل تلفزيوني طويل!
- سوريا.. مهرجان حمص السينمائي.. 30 فيلماً على شاشة بين الركام ...


المزيد.....

- رأيت وردة الدبلان / د. خالد زغريت
- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - احمد صالح سلوم - تمهيد لروايتي - دفتر الغيب -