عبدالباقي عبدالجبار الحيدري
الحوار المتمدن-العدد: 8846 - 2026 / 10 / 2 - 02:54
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
في الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2026، شهدت بغداد فعاليات سياسية ورسمية بمناسبة ما أُطلق عليه «يوم السيادة العراقية»، عقب اكتمال انسحاب قوات التحالف الدولي، وفي مقدمتها القوات الأميركية، من الأراضي العراقية في 30 أيلول/سبتمبر 2026. وقد وجّهت الحكومة العراقية مؤسسات الدولة بإحياء هذه المناسبة باعتبارها محطة ترمز إلى استكمال السيادة الوطنية، بعد سنوات طويلة من الوجود العسكري الأجنبي.
ولا شك أن خروج القوات الأجنبية من أراضي أي دولة يمثل حدثًا مهمًا في تاريخها السياسي، وأن إنهاء الوجود العسكري الخارجي يشكل عنصرًا أساسيًا من عناصر السيادة. لكن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه الباحث والمواطن العراقي في الوقت نفسه هو: هل تكفي مغادرة آخر جندي أجنبي لكي نقول إن السيادة الوطنية قد اكتملت؟ أم أن السيادة مفهوم أوسع بكثير من مجرد غياب القوات الأجنبية عن الأرض؟
السيادة، في معناها السياسي والقانوني الحديث، ليست احتفالًا ولا شعارًا ولا مراسم رسمية؛ إنها قدرة الدولة على اتخاذ قرارها السياسي والأمني والاقتصادي بحرية، وإدارة مواردها، والسيطرة على أراضيها وحدودها وأجوائها، وحصر السلاح بيد مؤسساتها، وحماية المال العام، ومنع القوى الداخلية والخارجية من التأثير في قراراتها خارج الأطر الدستورية والقانونية.
ومن هنا يصبح من المشروع أن يُطرح السؤال في العراق اليوم: أيُّ سيادة نحتفل بها؟
السيادة العسكرية... خطوة مهمة ولكنها ليست كل السيادة
ينبغي أولًا الاعتراف بحقيقة تاريخية مهمة، وهي أن الانسحاب العسكري الأميركي الكامل في أيلول/سبتمبر 2026 يمثل تحولًا واضحًا في العلاقة بين بغداد وواشنطن. فقد انتهت المهمة العسكرية للتحالف الدولي التي بدأت عام 2014 لمواجهة تنظيم داعش، وغادرت القوات الأميركية آخر مواقعها داخل العراق.
لكن خروج القوات العسكرية لا يعني تلقائيًا انتهاء جميع أشكال النفوذ الخارجي. فالدول قد تكون مستقلة عسكريًا، بينما تبقى شديدة الارتباط بقوى أخرى اقتصاديًا أو ماليًا أو أمنيًا أو سياسيًا. ولذلك فإن قياس السيادة بعدد الجنود الأجانب وحده يقدم صورة ناقصة عن واقع الدولة العراقية.
أين تقف السيادة المالية؟
هنا نصل إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية: عائدات النفط العراقي والدولار الأميركي.
فمنذ عام 2003 نشأت آلية مالية ارتبطت بإيداع عائدات النفط العراقي بالدولار ضمن ترتيبات مصرفية في الولايات المتحدة، وتحوّل الأمر لاحقًا إلى حساب تابع للبنك المركزي العراقي لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك. والأموال في الأصل أموال عراقية وليست ملكًا للولايات المتحدة، إلا أن وجودها داخل النظام المالي الأميركي، واعتماد العراق الواسع على الدولار، منح واشنطن قدرة مؤثرة على حركة السيولة الدولارية المتجهة إلى العراق.
وقد ظهر أثر هذه العلاقة عمليًا في نيسان/أبريل 2026، عندما أفادت رويترز بتعليق شحنة نقدية إلى العراق قُدرت بنحو 450 إلى 500 مليون دولار، بينما استمرت التحويلات الإلكترونية الخاصة بالتجارة. وهذه الواقعة تفتح سؤالًا مشروعًا حول مفهوم السيادة الاقتصادية: كيف يمكن لدولة تعتمد موازنتها بصورة كبيرة على الإيرادات النفطية أن تحقق استقلالًا اقتصاديًا كاملًا وهي شديدة الارتباط بالمنظومة الدولارية وبالقرارات التنظيمية والمالية الصادرة من واشنطن؟
ولا تعني هذه الحقيقة أن الولايات المتحدة «تملك أموال العراق»، فهذا غير دقيق قانونيًا، لكنها تعني أن بنية النظام المالي العراقي تجعل القرار الأميركي قادرًا على التأثير بدرجة كبيرة في تدفقات الدولار إلى السوق العراقية. وهنا ينبغي أن يكون النقاش حول السيادة أكثر دقة: فالمشكلة ليست في مكان وجود الحساب وحده، بل في مدى قدرة الدولة العراقية على إدارة مواردها واقتصادها دون تعرض استقرارها المالي لقرارات دولة أخرى.
بين واشنطن وطهران
وإذا كان النفوذ الأميركي في العراق يظهر بصورة واضحة في الجوانب المالية والدبلوماسية والأمنية، فإن النفوذ الإيراني يمثل بدوره أحد أهم الأسئلة المطروحة بشأن استقلال القرار العراقي.
لقد أصبحت إيران، خصوصًا بعد عام 2003، لاعبًا مؤثرًا في المشهد العراقي من خلال علاقاتها السياسية والأمنية والاقتصادية مع أطراف عراقية متعددة، فضلًا عن علاقاتها مع عدد من الفصائل المسلحة. وتشير تقارير دولية حديثة إلى أن انسحاب القوات الأميركية قد يعيد تشكيل توازن القوى داخل العراق، مع احتمال اتساع مساحة تأثير القوى المرتبطة بطهران.
لكن من الناحية الأكاديمية لا يمكن اختزال العراق كله بالقول إن «إيران تحكم العراق»، كما لا يصح القول إن جميع السياسيين العراقيين تابعون لدولة أجنبية. مثل هذه التعميمات قد تكون مفهومة في الخطاب السياسي الغاضب، لكنها تحتاج في البحث والتحليل إلى التمييز بين الأحزاب والقوى والمؤسسات والمواقف المختلفة.
المشكلة الأعمق هي أن استقلال الدولة لا يكتمل ما دامت قوى سياسية أو مسلحة تستطيع بناء علاقات خارجية أو اتخاذ مواقف استراتيجية تتجاوز مؤسسات الدولة وقرارها الدستوري. والسيادة هنا لا تُقاس باسم الدولة الأجنبية التي تمارس النفوذ، سواء أكانت الولايات المتحدة أم إيران أم أية دولة أخرى؛ بل تُقاس بقدرة بغداد على أن يكون القرار العراقي عراقيًا أولًا وأخيرًا.
ومن يملك السلاح يملك جزءًا من القرار
من المفارقات اللافتة أن الخطاب الرسمي الذي أعلن «يوم السيادة» نفسه أشار إلى ضرورة معالجة مسألة السلاح خارج سلطة الدولة. وهذا اعتراف ضمني بأن السيادة لا تنتهي بخروج القوات الأجنبية، بل ترتبط أيضًا بقدرة مؤسسات الدولة على احتكار الاستخدام المشروع للسلاح واتخاذ قرار الحرب والسلم.
فإذا خرجت الجيوش الأجنبية، وبقيت داخل الدولة تشكيلات مسلحة تمتلك قرارًا مستقلًا أو ارتباطات سياسية وأمنية خارج الحدود، فإن مفهوم السيادة يبقى بحاجة إلى استكمال.
الدولة ذات السيادة لا ينبغي أن تتعدد فيها مراكز القرار العسكري؛ لأن الجيش والأجهزة الأمنية والسلاح وقرار الحرب والسلم هي في جوهرها وظائف سيادية لا تستقيم الدولة من دون توحيدها داخل مؤسساتها الدستورية.
وماذا عن الفساد والمال العام؟
ثم يأتي السؤال الداخلي الذي ربما يكون أكثر أهمية من جميع التدخلات الخارجية: ماذا فعلت الطبقة السياسية بالموارد الهائلة التي دخلت العراق منذ عام 2003؟
ليس من المنهجي اتهام كل مسؤول عراقي بالسرقة أو «نهب أموال الشعب»، فالمسؤولية القانونية فردية وتحتاج إلى أدلة وأحكام. لكن من المشروع القول إن الفساد وسوء الإدارة وضعف المؤسسات ظلت من المشكلات الأساسية التي تواجه العراق طوال سنوات ما بعد 2003.
وفي مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 حصل العراق على 28 نقطة من أصل 100، وجاء في المرتبة 136 من بين 182 دولة وإقليمًا، وهو ما يعكس استمرار تحديات كبيرة في مجال النزاهة والحوكمة، على الرغم من الإشارة إلى بعض خطوات الإصلاح.
وهنا تظهر مفارقة أخرى: لا يمكن بناء سيادة حقيقية بمجرد رفع العلم وإقامة الاحتفالات إذا كان المواطن لا يثق بإدارة المال العام، وإذا كانت المؤسسات غير قادرة على ضمان المساءلة والشفافية وتكافؤ الفرص.
فالفساد نفسه شكل من أشكال إضعاف السيادة؛ لأنه يحوّل موارد الدولة من وسيلة لبناء قوتها واستقلالها إلى عنصر يضعف مؤسساتها ويزيد حاجتها إلى الخارج.
هل العراق ما زال «تحت الاحتلال» أو «الفصل السابع»؟
وهنا لا بد من تصحيح مسألة تاريخية وقانونية مهمة تتكرر كثيرًا في الخطاب السياسي.
لقد انتهت صفة الاحتلال رسميًا وفق قرار مجلس الأمن رقم 1546 لسنة 2004، الذي نص على انتهاء الاحتلال وحل سلطة الائتلاف المؤقتة بحلول 30 حزيران/يونيو 2004 واستعادة العراق سيادته. ولذلك فإن القول إن العراق ما زال، في عام 2026، «دولة محتلة أميركيًا» بالمفهوم القانوني ذاته الذي كان قائمًا سنة 2003 ليس دقيقًا.
وكذلك فإن عبارة «العراق ما زال تحت الفصل السابع» تحتاج إلى تحديد؛ فقد أنهى مجلس الأمن عددًا من الملفات والتدابير التي كانت مفروضة على العراق بموجب الفصل السابع، ومنها التدابير المتعلقة ببرنامج النفط مقابل الغذاء، كما أُغلق ملف لجنة التعويضات العراقية-الكويتية بعد وفاء العراق بالتزاماته.
لكن إنهاء الوضع القانوني للاحتلال وإنهاء تلك الالتزامات الدولية شيء، وامتلاك سيادة سياسية واقتصادية وأمنية كاملة في الواقع العملي شيء آخر.
وهنا تكمن القضية الحقيقية.
السيادة ليست ضد أميركا ولا ضد إيران
المسألة في جوهرها لا ينبغي أن تتحول إلى صراع شعارات: مع أميركا أو ضدها، مع إيران أو ضدها.
الدولة ذات السيادة تستطيع أن تقيم علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، كما تستطيع أن تقيم علاقات طبيعية وعميقة مع إيران وتركيا والدول العربية وسائر دول العالم. المشكلة تبدأ عندما تتحول العلاقة الدولية إلى قدرة دولة خارجية على التأثير في القرار العراقي بما يتجاوز المؤسسات والقنوات الرسمية.
السيادة الحقيقية تعني أن تكون مصلحة العراق هي معيار القرار، بصرف النظر عن الجهة الخارجية التي تحاول التأثير فيه.
ولهذا فإن تقسيم السياسيين العراقيين جميعًا إلى «فريق تابع لأميركا» و«فريق تابع لإيران» قد يكون تعبيرًا عن حالة إحباط شعبية، لكنه لا يصلح بوصفه حكمًا أكاديميًا شاملًا. الأدق أن نقول إن النظام السياسي العراقي يعاني منذ سنوات من مشكلة تعدد مراكز النفوذ، ومن علاقات متفاوتة لبعض القوى السياسية مع دول إقليمية ودولية، وهو ما يثير أسئلة جدية حول استقلال القرار الوطني.
السيادة تبدأ من بغداد
إن يوم خروج آخر جندي أجنبي من العراق يستحق أن يُسجَّل في التاريخ، لكن التاريخ لن يقيس سيادة العراق بهذا اليوم وحده.
سيُقاس نجاح السيادة بقدرة الدولة على حماية حدودها وأجوائها، وبحصر السلاح ضمن مؤسساتها، وباستقلال قرارها السياسي، وبقدرتها على إدارة عائداتها النفطية ونظامها المالي، وبمكافحة الفساد، وبإخضاع الجميع للقانون، وبمنع أي دولة أجنبية ــ أميركا كانت أم إيران أم غيرهما ــ من امتلاك نفوذ يتجاوز حدود العلاقات الطبيعية بين الدول.
لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحًا أمام العراقيين ليس: هل خرجت القوات الأميركية؟ فقد خرجت بالفعل في 30 أيلول/سبتمبر 2026. وإنما السؤال الأعمق هو:
هل أصبح القرار العراقي، بكل أبعاده السياسية والأمنية والاقتصادية، قرارًا عراقيًا مستقلًا؟
عندما يستطيع العراق أن يجيب عن هذا السؤال بثقة، وعندما تصبح ثرواته تحت إدارة مؤسسات قوية وشفافة، ويصبح السلاح خاضعًا للدولة، وتكون علاقاته الخارجية قائمة على المصالح المتبادلة لا التبعية، عندها لا تحتاج السيادة إلى مهرجان لإثبات وجودها؛ لأن المواطن سيشعر بها في قوة الدولة، وفي احترام القانون، وفي كرامة مؤسساتها، وفي استقلال قرارها.
أما الاحتفال بخروج القوات الأجنبية فهو بداية مرحلة جديدة، وليس بالضرورة نهاية معركة بناء السيادة.
فسيادة الوطن لا تُقاس فقط بمن غادر أرضه، بل أيضًا بمن يملك قراره بعد المغادرة.
#عبدالباقي_عبدالجبار_الحيدري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟