عبدالباقي عبدالجبار الحيدري
الحوار المتمدن-العدد: 8684 - 2026 / 4 / 21 - 04:54
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
حين تُذكر قلعة أربيل، فإن الحديث لا يقتصر على معلمٍ أثريٍّ شامخ، أو على كتلة عمرانية تراكمت فيها طبقات الحضارات عبر آلاف السنين، بل يتجاوز ذلك إلى كونها فضاءً اجتماعيًا وروحيًا وثقافيًا متكاملًا، تشكّلت فيه حياة الناس على إيقاع الدين والعلم والذكر والعلاقات اليومية. فالقلعة لم تكن مجرد موضع للسكن، وإنما كانت عالمًا صغيرًا مكتمل البنية، يضم البيوت والأزقة والأسواق، كما يضم الجوامع والمساجد والتكايا والمزارات التي أدّت دورًا عظيمًا في توجيه الحياة العامة، وصوغ الوجدان الجمعي، وحفظ تقاليد المدينة الروحية والعلمية.
ومن يقرأ تاريخ أربيل من داخل القلعة، يكتشف أن الدين فيها لم يكن مجرد ممارسة عبادية محدودة بأوقات الصلاة، بل كان نظامًا ناظمًا للحياة، يحدّد إيقاع الزمن، ويضبط العلاقة بين الناس، ويربط بين الأسرة والمجتمع، وبين العالم والمتعلم، وبين الفقيه والعابد، وبين الذاكرة الشعبية والموروث الصوفي. ولهذا فإن دراسة جوامع وتكايا ومزارات قلعة أربيل ليست دراسة لأبنية دينية فحسب، وإنما هي دراسة لبنية حضارية متكاملة، تداخل فيها المقدس بالاجتماعي، والعلمي بالشعبي، والعمراني بالروحي.
الجامع الكبير في القلعة: القلب الديني النابض
يأتي الجامع الكبير في قلعة أربيل في مقدمة المعالم الدينية التي شكّلت هوية القلعة، بل يمكن القول إنه كان القلب النابض للحياة الدينية والعلمية فيها. وقد عرف هذا الجامع في المصادر بأسماء متعددة، منها جامع القلعة، ومسجد الجامع بالقلعة، وجامع القلعة المنصورة، وهي تسميات تدل على رسوخ مكانته، وعلى حضوره العميق في الوعي التاريخي لأربيل. وقد ذكره المؤرخ الأربيللي الشهير ابن المستوفي في كتابه تاريخ أربل، كما أشار إليه ياقوت الحموي في معجم البلدان، وهو ما يمنحه قيمة تاريخية مضاعفة، لأنه لم يكن مجرد مسجد محلي، بل معلمًا بارزًا عرفته المصادر التاريخية والجغرافية الإسلامية.
وتشير الروايات المحلية المتداولة في أربيل إلى أن هذا الجامع كان في الأصل كنيسة نصرانية، ثم حُوِّل إلى مسجد بعد الفتح الإسلامي على يد القائد عتبة بن فرقد السلمي. وهذه الرواية، سواء أخذنا بها بوصفها خبرًا محليًا متوارثًا أو قرأناها بوصفها دلالة على تحولات المدينة الدينية في صدر الإسلام، فإنها تكشف عن عمق الجذور الدينية لهذا الموضع، وعن استمرارية الوظيفة التعبدية فيه، وإن تغيّر الإطار العقدي والحضاري الذي يحكمه. فكأن المكان ظل، عبر الأزمنة، موضعًا للصلة بالله، ومجالًا لتجلي القداسة، وإن تبدلت الأزمنة والأنظمة والعناوين.
ولم يبقَ الجامع ثابتًا على حالٍ واحدة، بل تعرّض لسلسلة من التجديدات والتعميرات في العهدين الأموي والعباسي، ثم حظي بعناية خاصة في العهد الأتابكي، ولا سيما في زمن السلطان مظفر الدين كوكبري، الذي عُرف باهتمامه بالعلماء والمؤسسات الدينية. ولم تكن هذه العناية مجرد صيانة بناء، بل كانت تعبيرًا عن إدراك سياسي واجتماعي لمكانة الجامع في حياة المدينة، بوصفه مركزًا للتعليم والفتوى والاجتماع، وليس فقط لأداء الصلاة. ثم توالت عمليات الترميم والتوسعة في العهد العثماني، حتى إن والي بغداد نجيب باشا قام خلال إحدى زياراته إلى أربيل بتجديد الجامع وتوسيعه، بما يؤكد استمرارية هذه المؤسسة الدينية في قلب الحياة الحضرية للقلعة.
وفي العصور الحديثة أعيد بناء الجامع في زمن العلامة كجوك ملا، المعروف بملا أفندي، ثم جرى إعادة بنائه سنة 1958 وفق مخطط معماري حديث في عهد العلامة ملا رشاد المفتي. وكان هذا التحول العمراني معبرًا عن مرحلة جديدة في تاريخ الجامع، حيث انتقل من صيغه التقليدية القديمة إلى هيئة أكثر حداثة، من غير أن يفقد معناه الرمزي ووظيفته الروحية. ثم جاء ترميمه في السنوات الأخيرة على يد الأستاذ عثمان رشاد المفتي، ليؤكد أن هذا الجامع لم يكن أثرًا جامدًا، بل كيانًا حيًا ظل موصولًا بأهله وذاكرتهم ومشاعرهم.
الأئمة والخطباء والمدرسون في الجامع الكبير
إن عظمة الجامع الكبير في القلعة لا تُقاس بجدرانه وحدها، بل بما احتضنه من رجال العلم والفتوى والخطابة والتدريس. فقد ذكر ابن المستوفي اسم أول خطيب معروف للجامع، وهو أبو بكر محمد بن علي بن عيان، المتوفى بعد سنة 514هـ/1120م، ثم تتابعت بعده أسماء علماء وأئمة وخطباء كان لكل واحد منهم أثرٌ في بناء الحياة الدينية والفكرية في القلعة.
ومن أبرز الأسر العلمية التي ارتبطت بالجامع أسرة كجوك ملا، وهي أسرة دينية علمية لعبت دورًا محوريًا في التدريس والإمامة والخطابة. ويأتي في طليعتها الملا أبو بكر الثاني بن ملا عمر بن ملا أبي بكر الأول، الذي ولد سنة 1068هـ/1659م، وسافر مع صديقه ملا حيدر الثاني إلى إسطنبول، والتقيا السلطان العثماني سنة 1715م، ثم توفي سنة 1138هـ/1725م. وهذه السيرة لا تكشف عن علم الرجل وتقواه فحسب، بل تدل على أن علماء القلعة لم يكونوا معزولين عن العالم الإسلامي الأوسع، بل كانت لهم صلات ومكانة تتجاوز حدود المدينة.
ثم خلفه ابنه الملا عثمان بن الملا أبي بكر الثاني، فتولى التدريس والإمامة والخطابة، واستمرت السلسلة العلمية مع الملا أبي بكر الثالث بن ملا عثمان، المشهور بلقب كجوك ملا، الذي ولد سنة 1192هـ/1778م، وكان عالمًا زاهدًا وصوفيًا، وصاحبًا لمولانا خالد النقشبندي، وله مؤلفات قيمة في مختلف العلوم. وتكمن أهمية هذه الشخصية في أنها تمثل التقاء العلم الشرعي بالتجربة الصوفية، وهو التقاء كان سمة بارزة في الحياة الدينية في أربيل.
ثم برز عثمان بن أبي بكر الثالث، المولود في القلعة سنة 1207هـ/1792-1793م، الذي قصد بغداد ودرس على العلامة محمد أفندي الزهاوي، وكان أديبًا وشاعرًا يؤلف بالتركية والعربية والفارسية، وترجم الفقه الشافعي إلى اللغة التركية. وتكشف هذه الشخصية عن سعة الأفق العلمي والثقافي الذي كان يميز علماء القلعة، إذ لم يكونوا فقهاء بالمعنى الضيق، بل كانوا مثقفين موسوعيين يجمعون بين الفقه واللغة والأدب والترجمة.
ثم يأتي الملا علي بن أبي بكر الثالث، الذي سلك سبيل التصوف بعد دراسته العلوم الدينية، وتوجه إلى قرية طويلة، حيث ارتبط بشيخه عثمان سراج الدين، خليفة مولانا خالد، ثم توفي ودُفن إلى جوار شيخه. وفي هذه السيرة ملمح مهم على أن الجامع الكبير في القلعة لم يكن منعزلًا عن الحراك الصوفي في المنطقة، بل كان منفتحًا عليه ومتداخلًا معه.
أما أبو بكر الرابع بن الحاج عمر أفندي، المعروف بكجوك ملا أو ملا أفندي، فقد ولد سنة 1280هـ/1868م في القلعة، وخلف والده في التدريس والخطابة، وقام بتعمير الجامع سنة 1326هـ/1908م، وكان يعد المرجع الأعلى للفتوى في أربيل وما جاورها. وقد بلغ من مكانته أن منحه السلطان العثماني عبد الحميد وسام خادم الحرمين الشريفين، ومدحه الشاعر الكبير شيخ رضا الطالباني. وهذه المكانة تؤكد أن الجامع الكبير لم يكن مجرد مسجد محلي، بل كان مؤسسة علمية تخرج فيها كبار العلماء الذين امتد إشعاعهم إلى ما وراء أربيل.
ثم تولى بعده عزالدين أفندي بن ملا أفندي، ثم العلامة ملا رشاد المفتي، الذي ولد سنة 1915م في قلعة أربيل، ودرس على يد والده العلامة ملا محمد المفتي، ثم سافر إلى مصر، ودرس في الأزهر الشريف، وعاد إلى أربيل ليصعد المنبر خطيبًا سنة 1946م، واستمر في أداء رسالته حتى وفاته سنة 1992م. وكان ملا رشاد المفتي قاضيًا وعالمًا صوفيًا وشاعرًا، ترك مؤلفات وقصائد بعدة لغات، مما يجعل شخصيته إحدى الذرى الكبرى في تاريخ الجامع الكبير وحياة أربيل الدينية الحديثة.
مسجد ومدرسة الأحمدية: مؤسسة علمية مندثرة
ومن المعالم الدينية المهمة في القلعة مسجد ومدرسة الأحمدية، وهو من المساجد القديمة المندثرة التي كانت تمثل مركزًا علميًا وتعليميًا مهمًا. وقد بناه أجداد ملا رسول أفندي قبل أكثر من مئتي سنة، وكانت فيه مدرسة عريقة أخذت أسرة ملا رسول أفندي على عاتقها مهمة التدريس فيها، الأمر الذي يدل على أن هذا المسجد لم يكن مكانًا للصلاة فحسب، بل كان مؤسسة لتكوين العلماء وتلقين العلوم الشرعية.
وكان من مدرسيه المشهورين الملا أحمد الواعظ، كما كان الملا رسول أفندي بن ملا عبد الله بن ملا عمر أول إمام ومدرس في المسجد. ثم انتقلت الإمامة والتدريس إلى ابنه ملا أحمد بن ملا رسول، ثم إلى حفيده ملا رسول الثاني، الذي يرجح أن ولادته كانت سنة 1232هـ. ومن بعده برز الملا عبد الرحمن، الذي ولد سنة 1886م وتوفي سنة 1982م، وكان آخر من حمل هذا التقليد العلمي في المسجد والمدرسة.
غير أن هذا المعلم اندثر في العصر الحديث حين استملكت بلدية أربيل أرض المسجد، وأقيم مكانه خزان كبير لمياه الشرب. وهذه الحادثة، على أهميتها الإدارية والعمرانية، تمثل في الوقت نفسه نموذجًا مؤلمًا لفقدان الذاكرة الدينية والتعليمية للمدينة، إذ إن اندثار مسجد ومدرسة الأحمدية لم يكن فقدانًا لبناء فحسب، بل انقطاعًا لسلسلة من التعليم والوعظ والتكوين العلمي كانت جزءًا من هوية القلعة.
مسجد الحاج ملا إبراهيم الدوغراماجي
ويقع هذا المسجد بالقرب من الباب الجنوبي للقلعة، على يمين الشارع المار في وسطها، وكان يعرف قديمًا بمسجد الشيخ هاني، ويرجح أن هذا الشيخ كان من خلفاء مولانا جلال الدين الرومي. ثم اكتسب المسجد اسمه المعروف بعد أن تولى العلامة ملا إبراهيم الدوغراماجي الإمامة والتدريس فيه.
وكان ملا إبراهيم الدوغراماجي من العلماء المعروفين في أربيل، ولد سنة 1851م في قلعة أربيل، ودرس على خيرة علماء عصره، ومنهم العلامة الحاج عمر أفندي. كما كان من خلفاء الشيخ محمد جولي، وهذا يدل على تداخل واضح بين العلم الشرعي والطريق الصوفي في شخصيته. وقد توفي سنة 1938م ودُفن في المقبرة الكبيرة في أربيل. ويكتسب هذا المسجد أهمية خاصة من كونه شاهدًا على هذا التداخل بين وظيفة المسجد بوصفه موضعًا للصلاة والتدريس، وبين حضور الشخصية الصوفية التي منحت المكان بُعدًا روحيًا مميزًا.
مسجد وتكية الحاج ملا صالح يكن
ومن المساجد القديمة المهمة في قلعة أربيل مسجد وتكية الحاج ملا صالح يكن، وهو يقع في محلة طوبخانة بالقرب من الباب الجنوبي، على يسار الشارع المار في وسط القلعة، مقابل مسكن وديوان محسن آغا. وقد بُني هذا المسجد والتكية قبل نحو مئتي سنة على يد الشيخ إبراهيم دمرجي، وظل قائمًا على أساسه حتى الأزمنة المتأخرة.
وتكشف أهمية هذا المكان من كونه يجمع بين وظيفتين في آنٍ واحد: وظيفة المسجد بوصفه مكانًا للصلاة، ووظيفة التكية بوصفها فضاءً للذكر والإرشاد الصوفي. فقد كان الشيخ إبراهيم أول إمام فيه، ثم انتقلت الإمامة والإرشاد إلى ابنه ملا خضر، ثم إلى الحاج ملا صالح يكن، الذي كان عالمًا قديرًا وصوفيًا زاهدًا، توفي في الخمسينيات ودُفن تحت قبة منفردة في المقبرة الكبيرة بأربيل. ثم آلت الإمامة بعده إلى ابنه ملا محمد علي، ثم إلى ملا شاكر.
وكانت لهذا المسجد-التكية وظيفة روحية واجتماعية بالغة الأهمية، إذ كانت تقام فيه حلقات ذكر الطريقة القادرية مساء يومي الاثنين والجمعة من كل أسبوع. ومن هنا فإن هذا المكان لم يكن يؤدي وظيفة عبادية وحسب، بل كان يشكل مدرسة للسلوك والتهذيب الروحي، ومجالًا لاجتماع الناس على الذكر والإنشاد والتربية الصوفية. وحين أُخليت القلعة من سكانها في منتصف الثمانينيات، أُهمل المسجد، وهُدم بعض ما كان يحيط به من معالم، فخسرت القلعة بذلك واحدًا من فضاءاتها الروحية الحية.
تكية شيخ زادة: من أقدم التكايا في أربيل
إذا انتقلنا إلى عالم التكايا في القلعة، فإن تكية شيخ زادة تحتل منزلة خاصة، لأنها تعد من أقدم التكايا في أربيل. وتقع هذه التكية في محلة السراي، في الجهة الشمالية الشرقية من القلعة، قرب الباب الشمالي المعروف بأحمدية قابسي، وليست بعيدة عن بدن القلعة. ويرجح أن تاريخ إنشائها يعود إلى العصر الأتابكي، في حدود المدة الواقعة بين 522هـ و630هـ، وهو ما يمنحها قيمة تاريخية وروحية كبيرة.
ويرتبط تأسيس هذه التكية بالشيخ إبراهيم الصديقي الأول، الذي لقب بشيخ زادة، أي ابن الشيخ، واشتهرت أسرته بلقب الصديقي أو البكري، لأن نسبها يصل إلى الخليفة الراشد أبي بكر الصديق رضي الله عنه. وهذه النسبة لم تكن مجرد انتساب عائلي، بل كانت تمنح التكية وأصحابها مكانة رمزية وروحية في المجتمع، وتفسر استمرار نفوذها عبر أجيال متعاقبة.
وقد تعاقب على مشيخة هذه التكية عدد من الشيوخ، بدءًا من الشيخ إبراهيم الصديقي الأول، ثم ابنه الشيخ محيي الدين الأول، ثم الشيخ عبد الله بن الشيخ محيي الدين، فالشيخ محيي الدين الصديقي، فالشيخ إبراهيم الثاني، فالشيخ خان أحمد، ثم الشيخ عبد القادر، الذي قصد مدينة أورفا وأسّس فيها تكية قادرية شهيرة، وذاع صيته في تركيا، وألف كتبًا دينية عديدة. ثم تولى بعدها الشيخ شريف بن عبد الله بن ملا يونس، المولود في أربيل سنة 1870م، والذي كان إلى جانب مشيخته طبيبًا شعبيًا ماهرًا في تركيب الأدوية، قبل أن يتوفى سنة 1957م. ثم تلاه ابنه الشيخ عبد القادر، ثم الشيخ فؤاد، الذي اضطر بعد إخلاء القلعة في الثمانينيات إلى بناء تكية جديدة في محلة زانياري.
إن تاريخ تكية شيخ زادة يكشف عن استمرارية مؤسسة صوفية تجاوزت حدود المكان، وظلت تؤدي دورها الروحي والاجتماعي حتى حين تغيرت الجغرافيا السكانية للقلعة. فهي ليست مجرد زاوية للذكر، بل بيت من بيوت التربية الروحية، ومركز للإرشاد، وفضاء للتداوي الشعبي، ومؤسسة اجتماعية ذات جذور عميقة في تاريخ أربيل.
تكية الحاج ملا خضر (حجي بابا تكه سي)
ومن التكايا المعروفة في القلعة تكية الحاج ملا خضر، أو حجي بابا تكه سي، وهي من التكايا القديمة التي يرجع تاريخ إنشائها إلى أواخر القرن التاسع عشر، وتقع في الجهة الغربية من الشارع المار في وسط القلعة، قبالة الجامع الكبير، في محلة طوبخانة. وقد أنشأها الشيخ الحاج ملا خضر الشهير بحجي بابا، وهو رجل من رجال الطريقة القادرية المعروفين في المدينة.
ولد هذا الشيخ سنة 1254هـ، وسلك الطريقة القادرية على يد الشيخ مصطفى الرشيدي، ثم آلت المشيخة بعد وفاته إلى ابنه الحاج الشيخ عبد الكريم التلعفرلي، الذي ولد سنة 1887م وتوفي سنة 1981م. وبعده انتقلت المشيخة إلى ابنه الشيخ عبد الخالق، الذي بنى تكية جديدة في محلة 7 نيسان بعد إخلاء القلعة من ساكنيها. ويظهر من هذا التسلسل أن التكية كانت تقوم على نظام روحي أسري قائم على التوارث في المشيخة والإرشاد، وهو أمر مألوف في كثير من التكايا الصوفية.
وتكمن أهمية هذه التكية في كونها كانت جزءًا من المشهد الروحي اليومي للقلعة، تقابل الجامع الكبير وتجاوره، وكأن القلعة كانت تجمع في هذا الموضع بين الشريعة ممثلة في الجامع، والطريقة ممثلة في التكية، فتكتمل بذلك صورة التدين التقليدي الذي يجمع بين الفقه والتصوف.
تكايا النساء في القلعة: حضور روحي واجتماعي مميز
ومن الجوانب البارزة التي تكشف عن عمق الحياة الدينية في القلعة، أن الذكر والصلوات في ليالي الاثنين والجمعة لم تكن مقصورة على الرجال وحدهم، بل كانت النساء التركمانيات في أربيل يشاركن فيها أيضًا، وكانت لهن تكايا خاصة. وهذه الظاهرة جديرة بالتأمل، لأنها تدل على أن المجال الروحي في القلعة لم يكن ذكوريًا مغلقًا، بل كان يتيح للمرأة مساحة من المشاركة والتأثير.
ومن أشهر هذه التكايا تكية خليفة ميروش في محلة طوبخانة، في زقاق الحرم. وكانت خليفة ميروش امرأة زاهدة تقية، سلكت الطريقة القادرية على يد الشيخ الكبير بيري قارا جيوان، وجعلت إحدى حجرات بيتها تكية تقام فيها أذكار القيام مساء الاثنين والجمعة. ولم يقتصر دورها على الذكر، بل كانت تؤدي القصائد التركية بصوت رقيق مع الدفوف، وكانت ماهرة في قراءة المولد، وفي تركيب بعض الأدوية الشعبية من الأعشاب البرية، كما اشتهرت بمهارتها في إزالة الخوف عن الأطفال الرضع، وعلاج الكسور والرضوض.
وهذا كله يدل على أن تكايا النساء في القلعة لم تكن مجرد أماكن للذكر، بل كانت فضاءات دينية واجتماعية وعلاجية في آنٍ واحد، تؤدي فيها المرأة دور المرشدة والمُنشدة والمعالجة والحاضنة الروحية لجماعة النساء. ومن ثم فإن الحديث عن الحياة الدينية في القلعة يظل ناقصًا إذا لم يُلتفت إلى هذا الحضور النسوي المؤثر.
الأضرحة والمزارات في قلعة أربيل
إلى جانب الجوامع والتكايا، عرفت قلعة أربيل عددًا من الأضرحة والمزارات التي شكّلت جزءًا من التدين الشعبي والروحاني في المدينة. وهذه المزارات، وإن كانت لا تقوم بالضرورة على مؤسسات علمية كالجامع والمدرسة، فإنها احتلت مكانة خاصة في وجدان الناس، وارتبطت بطلب البركة، واللجوء النفسي، وبعض الممارسات العلاجية الشعبية.
من هذه المزارات ضريح الشيخ إبراهيم الكيلاني، الواقع في محلة التكية، وهو عبارة عن قبر في حجرة صغيرة مبنية من الآجر، ينزل إليه بدرج. ولا تتوفر معلومات كافية عن شخصية هذا الشيخ أو عن الفترة الزمنية التي عاش فيها، لكن نساء القلعة منذ قديم الزمان كن يقصدن هذا الضريح للتداوي من بعض الأمراض، ولا سيما أمراض المعدة وآلام البطن. وهذه الظاهرة تكشف عن التداخل بين الإيمان الشعبي والعلاج الرمزي، حيث يتحول الضريح إلى ملاذ نفسي وروحي في مواجهة المعاناة.
ومن المزارات كذلك ضريح ومقام حبيب نجار، الواقع في محلة طوبخانة. وقد ارتبط هذا المقام بالعديد من القصص الخرافية والروايات الشعبية، ولا توجد معلومات أكيدة عن الفترة التي عاش فيها صاحب هذا المقام، لكن النساء كن يقصدنه للتبرك. ويكشف هذا المقام عن طبيعة الذاكرة الشعبية التي تمنح المكان قدسيته أحيانًا من خلال السرد والحكاية أكثر مما تمنحه من خلال التوثيق التاريخي.
أما ضريح جومرد قصاب، فقد كان من الأضرحة المندثرة الواقعة على الحافة الغربية من القلعة، وكان أهل القلعة يقصدونه لعلاج الأطفال الرضع من بعض الأمراض، لما نُسب إلى صاحبه من كرامات. ومهما يكن من أمر الروايات المرتبطة به، فإن وجود هذا الضريح في الذاكرة الشعبية يدل على الحاجة المجتمعية إلى وسائط رمزية تعين الناس على مواجهة الخوف والمرض والهشاشة.
ويأتي أيضًا مزار قرخلار في محلة التكية، وهو من المزارات المعروفة في القلعة. وكلمة قرخلار كلمة تركية تعني الأربعين، وقد ارتبط هذا المزار بقصص متعددة عن أصل التسمية وزمن أصحابها، وكان أهل القلعة يقصدونه للتبرك. وهذا المزار يعكس حضور الرموز العددية والقصص الرمزية في الوعي الديني الشعبي، حيث يندمج الموروث الصوفي بالمخيلة الجماعية.
خاتمة
إن الجوامع والتكايا والمزارات في قلعة أربيل لم تكن عناصر متجاورة في حيزٍ عمراني محدود، بل كانت أجزاء من بنية دينية واجتماعية وروحية متكاملة. فالجامع الكبير مثّل مركز العلم والخطابة والفتوى، ومسجد الأحمدية أدى دور المدرسة المنسية، ومسجد الدوغراماجي جمع بين العلم والتصوف، ومسجد وتكية الحاج ملا صالح يكن مثّل التقاء الشريعة بالطريقة، أما تكية شيخ زادة وتكية الحاج ملا خضر فقد جسدتا الامتداد التاريخي للمؤسسات الصوفية في القلعة، في حين كشفت تكايا النساء عن عمق المشاركة النسوية في المجال الروحي، وأظهرت المزارات والأضرحة كيف تشكل التدين الشعبي بوصفه جزءًا من وجدان المدينة.
وهكذا تبدو قلعة أربيل، في بعدها الديني، ليست مجرد موضع لآثار قديمة أو أبنية تراثية، بل عالمًا روحيًا حيًا تشكلت فيه شخصية المدينة عبر تفاعل المسجد والتكية والمزار، والعالم والشيخ والعامة، والذكر والخطبة والدعاء. وإذا كانت القلعة قد عرفت تحولات عمرانية وسكانية كبيرة، فإن ذاكرتها الدينية ما تزال شاهدة على مرحلة كانت فيها الحياة تُبنى حول المقدس، وتُصاغ فيها العلاقات الاجتماعية على نور الجامع، وسكينة التكية، وبركة المزار.
#عبدالباقي_عبدالجبار_الحيدري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟