أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالباقي عبدالجبار الحيدري - 23 عامًا يحكمون العراق باسم الدين وباسم الإمام الحسين وباسم عاشوراء... فمن أضاع ثروات الوطن















المزيد.....

23 عامًا يحكمون العراق باسم الدين وباسم الإمام الحسين وباسم عاشوراء... فمن أضاع ثروات الوطن


عبدالباقي عبدالجبار الحيدري

الحوار المتمدن-العدد: 8753 - 2026 / 7 / 1 - 17:27
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


بعد أكثر من ثلاثة وعشرين عامًا على التغيير السياسي الذي شهده العراق، يحق لكل عراقي أن يتوقف أمام حصيلة هذه المرحلة الطويلة، وأن يطرح سؤالًا مشروعًا: ماذا تحقق من الوعود التي أُطلقت باسم الإصلاح، والديمقراطية، وبناء الدولة، وخدمة المواطن؟ وكيف لبلدٍ يُعد من أغنى بلدان المنطقة بثرواته الطبيعية، وأعرقها بتاريخها وحضارتها، أن يبقى عاجزًا عن توفير كثير من الخدمات الأساسية التي أصبحت في دول عديدة من أبسط حقوق الإنسان؟
لقد استقبل العراقيون عام 2003 بآمال كبيرة، معتقدين أن صفحة جديدة ستُفتح في تاريخ البلاد، وأن عقود الحروب والاستبداد ستُستبدل بدولةٍ تقوم على الدستور، وسيادة القانون، واستقلال القضاء، واحترام كرامة الإنسان، وتكافؤ الفرص. وكان الأمل أن تتحول الثروة النفطية إلى مشاريع تنموية، ومدارس حديثة، ومستشفيات متطورة، وبنية تحتية متينة، وفرص عمل تحفظ كرامة الشباب، وأن يصبح العراق نموذجًا لدولة تمتلك من الإمكانات ما يؤهلها للنهوض السريع.
لكن التجربة، مع مرور الزمن، كشفت عن واقع أكثر تعقيدًا. فقد تعاقبت الحكومات، وتبدلت الوجوه، وتكررت الوعود، غير أن المواطن بقي يواجه أزمات متشابهة في الخدمات، والتعليم، والصحة، وفرص العمل، والسكن، والبنية التحتية. واتسعت الفجوة بين ما يُقال في الخطابات وما يلمسه الناس في حياتهم اليومية، حتى أصبحت المطالبة بالإصلاح مطلبًا عامًا يتجاوز الانتماءات السياسية والطائفية والقومية.
لقد كان الخطاب الديني حاضرًا بقوة في الحياة السياسية خلال هذه المرحلة، ورفعت قوى سياسية مختلفة شعارات تستلهم الدين ورموزه، واستُحضرت أسماء الإمام علي والإمام الحسين والمناسبات الدينية في ساحات التنافس السياسي. غير أن احترام هذه الرموز العظيمة لا يكون بتكرار أسمائها في الخطب واللافتات، وإنما بتجسيد المبادئ التي حملتها في السلوك والممارسة. فالإمام علي ارتبط اسمه بالعدل والنزاهة والمساواة، والإمام الحسين أصبح رمزًا عالميًا لمقاومة الظلم والانحراف والتضحية من أجل الكرامة الإنسانية. وهذه القيم لا يمكن أن تنسجم مع أي ممارسة تُهدر المال العام، أو تُضعف مؤسسات الدولة، أو تجعل المصلحة الحزبية تتقدم على المصلحة الوطنية.
إن من الضروري التمييز بين الدين بوصفه منظومة أخلاقية وروحية، وبين توظيف الدين في العمل السياسي. فالدين لا يتحمل مسؤولية أخطاء السياسيين، كما أن قدسية الرموز الدينية لا ينبغي أن تتحول إلى حصانة تمنع النقد أو المساءلة. فكل مسؤول، مهما كان انتماؤه أو شعاره، يبقى خاضعًا للمحاسبة أمام القانون، لأن الدولة الحديثة لا تُبنى على الأشخاص، بل على المؤسسات، ولا تستقيم إذا غابت الشفافية أو ضعفت الرقابة أو اختل ميزان العدالة.
لقد أظهرت التجربة العراقية أن بناء الدولة لا يتحقق بمجرد إجراء الانتخابات أو تداول السلطة، وإنما يحتاج إلى مؤسسات قوية، وإدارة كفوءة، وقضاء مستقل، وأجهزة رقابية قادرة على حماية المال العام، وثقافة سياسية تجعل المنصب تكليفًا لا تشريفًا، ومسؤولية لا غنيمة. فالدول لا تنهض بالشعارات وحدها، بل بالعمل الجاد، والتخطيط، واحترام القانون، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
ولا يمكن إنكار أن العراق واجه خلال هذه السنوات تحديات جسيمة، من الإرهاب، والصراعات المسلحة، والأزمات الاقتصادية، والتدخلات الإقليمية والدولية، وهي عوامل تركت آثارًا عميقة في مسار الدولة. لكن وجود هذه التحديات لا يلغي الحاجة إلى مراجعة التجربة السياسية بكل شجاعة، واستخلاص الدروس منها، لأن الشعوب التي تتقدم هي تلك التي تعترف بأخطائها وتسعى إلى تصحيحها، لا تلك التي تكتفي بتبادل الاتهامات أو تبرير الإخفاقات.
لقد أصبح المواطن العراقي اليوم أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على التمييز بين الخطاب السياسي والإنجاز الفعلي. فهو لا يقيس نجاح الحكومات بعدد المؤتمرات أو الخطب، وإنما بما يلمسه في حياته اليومية من خدمات وفرص وعدالة. إنه يريد دولة تحمي حقوقه، وتوفر له تعليمًا جيدًا، ورعاية صحية لائقة، وفرص عمل عادلة، وبيئة اقتصادية تشجع الاستثمار والإنتاج، وقضاءً لا يفرق بين قوي وضعيف.
إن حماية المال العام ليست قضية مالية فحسب، بل قضية أخلاقية ووطنية. فالمال العام هو حق المجتمع كله، وأي اعتداء عليه ينعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين، لأنه يعني مشروعًا لم يُنجز، أو مستشفى لم يُبن، أو مدرسة بقيت بلا تجهيز، أو طريقًا ظل ينتظر الإعمار، أو فرصة عمل ضاعت على شاب يبحث عن مستقبل كريم. ومن هنا، فإن مكافحة الفساد ليست شعارًا سياسيًا، بل شرطًا أساسيًا لبناء الدولة واستعادة ثقة المواطنين بمؤسساتها.
إن العراق لا يحتاج إلى مزيد من الانقسامات، ولا إلى تعميق الخلافات بين أبنائه، بل يحتاج إلى مشروع وطني جامع، يجعل المواطنة أساس العلاقة بين الدولة والمجتمع، ويعيد الاعتبار للكفاءة والنزاهة في إدارة الشأن العام، ويؤكد أن احترام القانون هو الضمانة الحقيقية لاستقرار البلاد. كما يحتاج إلى إصلاحات مؤسسية تضمن استقلال القضاء، وتعزز دور الأجهزة الرقابية، وتفتح المجال أمام الكفاءات الوطنية للمساهمة في بناء المستقبل بعيدًا عن المحاصصة والولاءات الضيقة.
إن قيم الإمام علي والإمام الحسين ليست شعارات تُرفع في المناسبات، بل مبادئ تُترجم إلى عدالة ونزاهة وصدق في تحمل المسؤولية. ومن أراد أن يقتدي بهما حقًا، فليجعل خدمة الناس فوق المصالح الشخصية، وصيانة المال العام فوق المكاسب السياسية، واحترام الإنسان فوق كل اعتبار. فالأمم تُقاس بما تُحقق من عدل وإنصاف، لا بما ترفعه من شعارات.
وبعد أكثر من ثلاثة وعشرين عامًا، أصبح من حق العراقيين أن يطالبوا بدولة مؤسسات، لا دولة أشخاص، ودولة قانون، لا دولة استثناءات، ودولة مواطنة، لا دولة محاصصة. ومن حقهم أن يطالبوا بمراجعة جادة للتجربة، وبمحاسبة كل من يثبت تقصيره أو فساده أو إساءته إلى المال العام وفق القانون، دون انتقائية أو حصانة. فبناء المستقبل لا يكون بالهروب من الأخطاء، وإنما بالاعتراف بها والعمل على تجاوزها.
إن العراق يستحق مستقبلًا أفضل من واقعه الحالي، ويستحق شعبه أن يرى ثروات بلده تتحول إلى نهضة حقيقية يشعر بها الجميع. ولن يتحقق ذلك إلا عندما تكون مصلحة الوطن فوق كل مصلحة، وسيادة القانون فوق كل نفوذ، والنزاهة فوق كل اعتبار، وعندما يصبح المسؤول خادمًا للشعب، لا سيدًا عليه. عندئذ فقط يمكن أن يستعيد العراقيون ثقتهم بدولتهم، وأن تبدأ مرحلة جديدة يكون عنوانها الإصلاح الحقيقي، والعدالة، والتنمية، والدولة التي تليق بتاريخ العراق وحضارته وتضحيات أبنائه.



#عبدالباقي_عبدالجبار_الحيدري (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- العراق أمام مفترق طرق... هل بدأت معركة استعادة الدولة بعد ثل ...
- الحاج جلال چغماغچي... صوت المقام وحارس الذاكرة الروحية لأربي ...
- كنعان رشاد المفتي… سيرةُ أثرٍ حيّ بين التاريخ والذاكرة في أر ...
- جوامع وتكايا ومزارات قلعة أربيل: البنية الدينية والروحية في ...
- فندق الفرح في أربيل… معلم تراثي بين الذاكرة الاجتماعية ودلال ...
- خانات أربيل… ذاكرة القوافل وخريطة المدينة التجارية حول القلع ...
- نشيد آشوربانيبال إلى أربيل
- نشيد أربيل في النصوص الآشورية: قراءة سوسيولوجية
- مضيق هرمز وأزمة النفط… حين تتحول أربيل إلى عقدة الطاقة في ال ...
- حين تحتاج بغداد إلى أربيل… هل تفتح أزمة النفط باب حلّ الروات ...
- ودور المرأة الأربيلية في صناعة الفرح الرمضاني
- بواباتُ قلعةِ أربيل: تحوّلاتُ الوظيفة والدلالة من التحصين إل ...
- سقوط القناع: حين تتحوّل “الإنسانية” إلى غطاءٍ للجريمة قضية إ ...
- الدولة الكوردية: من حلمٍ تاريخي إلى استحقاقٍ مؤجَّل قراءة نق ...
- قلعة أربيل: تلّ الحضارات السبع (تلّ المدن السبع)
- زيارة الخبير بيير لوبوتو إلى قلعة أربيل (1971) رؤية فرنسية م ...
- لا نزعَ للسلاح في دولةٍ بلا دولة ، الحشد الشعبي كدولة داخل ا ...
- عادل سليم… شهيدُ الفكر والعقيدة وضميرُ الحرية الحيّ
- الماء واستمرارية الحياة في قلعة أربيل قراءة تاريخية–عمرانية ...
- القلعة والجبل: أخلاقيات النضال وسيرة جيلٍ لم يُساوم شباب قلع ...


المزيد.....




- -المملكة المتحدة بحاجة إلى الأمن، لا إلى الاعتماد على الولاي ...
- واشنطن وطهران تعقدان محادثات غير مباشرة في الدوحة.. ما أبرز ...
- مدافع مياه تبرد السياح عند الكولوسيوم في روما وسط موجة حر
- غموض وحذر ـ انطلاق محادثات غير مباشرة بين واشنطن وطهران
- المفاوض الإيراني يبحث مع رئيس وزراء قطر تشكيل فرق عمل للمفاو ...
- -رويترز-: طهران تصر على الاحتفاظ بالسيطرة على مضيق هرمز
- الرئيس عون: صيغة الإطار تحقق منطق الدولة وسيادة لبنان والمفا ...
- الرئاسي الليبي يضع شروطا للمبادرة الأمريكية لحل الأزمة الليب ...
- شاهد.. تدمير 5 قوارب أوكرانية مسيرة في البحر الأسود!
- بعد أسبوع من الزلزال.. الفنزويليون يواصلون البحث عن ناجين وس ...


المزيد.....

- سياسة حفار الساق / د. خالد زغريت
- الطائفية المتغلغلة في لبنان / حسين محمود صالح
- صدى دولي لكتاباتي: من إحدى أبرز مفكرات اليسار الإيطالي إلى أ ... / رزكار عقراوي
- كتاب : جينات التراب وأساطير السماء: قراءة في علم الآثار، وال ... / احمد صالح سلوم
- الإضرابات العمالية في العراق: محاولة للتذكير! / شاكر الناصري
- كتاب : ميناب لا تبكي وحدها.. الهمجية المكشوفة: تفكيك العقلية ... / احمد صالح سلوم
- k/vdm hgjydv hg-;-gdm / أمين أحمد ثابت
- كتاب : حَمَّالُ أَوْجُه..الصراع الطبقي والتأويل في الإسلام / احمد صالح سلوم
- كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- يخطف أبصارهم ـ ومضات قصصية / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالباقي عبدالجبار الحيدري - 23 عامًا يحكمون العراق باسم الدين وباسم الإمام الحسين وباسم عاشوراء... فمن أضاع ثروات الوطن