عبدالباقي عبدالجبار الحيدري
الحوار المتمدن-العدد: 8752 - 2026 / 6 / 30 - 02:53
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
ليست الأوطان مجرد حدود جغرافية أو مساحات مرسومة على الخرائط، وإنما هي منظومات متكاملة تقوم على قوة مؤسساتها، وعدالة قوانينها، وحسن إدارة ثرواتها، وثقة مواطنيها بدولتهم. وعندما تختل هذه المرتكزات، تبدأ الدولة بالدخول في دوامة من الأزمات المتلاحقة، حتى وإن كانت تمتلك من الموارد الطبيعية ما يجعلها في مصاف أغنى دول العالم. ولعل العراق يمثل أحد أبرز الأمثلة على هذه المفارقة؛ فهو بلد يمتلك ثروات نفطية وغازية ومائية وزراعية هائلة، وموقعاً جغرافياً استراتيجياً، ورصيداً حضارياً يمتد لآلاف السنين، إلا أن واقع مواطنيه خلال العقود الأخيرة لم يعكس حجم هذه الإمكانات.
منذ عام 2003 دخل العراق مرحلة سياسية جديدة حملت معها آمالاً واسعة ببناء دولة ديمقراطية حديثة تقوم على سيادة القانون، واستقلال القضاء، واحترام الدستور، وإعادة إعمار ما دمرته الحروب والعقوبات. وكان العراقيون يتطلعون إلى أن تكون تلك المرحلة بداية نهضة اقتصادية وتنموية شاملة، خاصة مع الارتفاع الكبير في أسعار النفط وتزايد الإيرادات المالية التي تدفقت إلى خزينة الدولة خلال السنوات اللاحقة.
لقد دخلت إلى العراق، على مدى أكثر من عقدين، مئات المليارات من الدولارات، وهي مبالغ كانت كفيلة - لو أُديرت بكفاءة وشفافية - بأن تجعل العراق في طليعة دول المنطقة من حيث البنية التحتية، وشبكات الكهرباء، والطرق والجسور، والمطارات، والسكك الحديدية، والتعليم، والرعاية الصحية، والإسكان، والصناعة، والزراعة، والاستثمار، والبحث العلمي. وكان من الممكن أن تتحول المدن العراقية إلى ورش عمل مفتوحة، وأن تستوعب المشاريع ملايين الشباب الباحثين عن فرص العمل، وأن ينعم المواطن بخدمات تليق بثروات بلده ومكانته الحضارية.
غير أن الواقع سار في اتجاه مختلف. فبدلاً من أن تتحول الثروة الوطنية إلى مشاريع تنموية مستدامة، بدأت تتراكم الأزمات عاماً بعد آخر، وبرزت ملفات الفساد المالي والإداري بوصفها أحد أكبر التحديات التي واجهت الدولة العراقية. ومع مرور الزمن، لم يعد الفساد مجرد مخالفات فردية أو حالات معزولة، بل تحول - بحسب كثير من التقارير والقراءات السياسية - إلى منظومة معقدة تشابكت فيها المصالح السياسية والاقتصادية والإدارية، وأصبحت تؤثر بصورة مباشرة في قدرة الدولة على تنفيذ برامجها الإصلاحية.
وأخذ المواطن العراقي يراقب هذه المفارقة المؤلمة؛ فكلما ارتفعت أسعار النفط وازدادت الموازنات العامة، بقيت معاناته اليومية على حالها، بل ازدادت في بعض الملفات تعقيداً. فالمدن التي كان يفترض أن تشهد نهضة عمرانية متسارعة، بقي كثير منها يعاني نقص الخدمات الأساسية، وتراجع البنية التحتية، وازدحام الطرق، وضعف شبكات الماء والمجاري، وتأخر تنفيذ المشاريع الحيوية، في حين استمرت البطالة والفقر في التأثير على حياة شرائح واسعة من المجتمع.
وكان ملف الكهرباء أكثر الملفات تعبيراً عن هذه الأزمة. فعلى الرغم من مرور أكثر من ثلاثة وعشرين عاماً، ورغم ما أُعلن عن تخصيصات مالية ضخمة لهذا القطاع، ما زال العراقي يعيش معاناة الانقطاع المستمر للتيار الكهربائي، ولا سيما في أشهر الصيف التي ترتفع فيها درجات الحرارة إلى مستويات قياسية. وأصبحت الكهرباء بالنسبة للمواطن حلماً مؤجلاً، لا خدمةً مستقرة كما هو الحال في معظم دول العالم.
ولم تتوقف آثار أزمة الكهرباء عند حدود الإنارة المنزلية، بل امتدت لتؤثر في الاقتصاد الوطني بأكمله. فالقطاع الصناعي لا يستطيع أن ينهض دون طاقة مستقرة، والمصانع تواجه ارتفاعاً في كلفة الإنتاج، والمستثمر الأجنبي يتردد في ضخ أمواله في بيئة تفتقر إلى الخدمات الأساسية، كما تتأثر المستشفيات، والجامعات، والمدارس، ومحطات المياه، والمشاريع الزراعية، وجميعها تعتمد على الطاقة الكهربائية بوصفها عصب الحياة الحديثة.
وفي المقابل، وجد المواطن نفسه مضطراً لتحمل أعباء إضافية لم يكن ينبغي أن يتحملها. فهو يدفع أجور الكهرباء الحكومية، ثم يدفع مبالغ أكبر لأصحاب المولدات الأهلية، ويقتني أجهزة الحماية والبطاريات ومنظومات الطاقة البديلة، حتى أصبحت أزمة الكهرباء تستنزف جزءاً كبيراً من دخل الأسرة العراقية، في وقت كان من المفترض أن تكون هذه الخدمة من أبسط واجبات الدولة تجاه مواطنيها.
ولم تكن أزمة الكهرباء سوى وجه واحد من وجوه الأزمة العامة التي أصابت مسيرة التنمية. فمشاريع الإسكان، والمدن الجديدة، وشبكات النقل، والطرق السريعة، والسكك الحديدية، والموانئ، والمناطق الصناعية، والمستشفيات، والمدارس، لم تحقق خلال السنوات الماضية المستوى الذي يتناسب مع حجم الموارد المالية التي امتلكها العراق. وبقيت مشاريع كثيرة تتعثر، أو تتوقف، أو تمتد سنوات طويلة دون إنجاز، الأمر الذي أثار تساؤلات متكررة حول أسباب هذا التعثر، وحول قدرة الدولة على حماية المال العام وضمان حسن استثماره.
وفي ظل هذا الواقع، لم يعد الحديث عن مكافحة الفساد مجرد مطلب سياسي تتبناه الحكومات، بل أصبح مطلباً شعبياً ووطنياً، لأن المواطن أدرك أن أي مشروع للإصلاح الاقتصادي أو التنموي لن ينجح ما لم يبدأ أولاً بتعزيز سيادة القانون، وترسيخ مبدأ المحاسبة، وحماية المال العام من الهدر والتجاوز.
ولعل أكثر ما أثار مشاعر الإحباط لدى العراقيين خلال السنوات الماضية هو الشعور بأن الزمن يمضي، بينما تبقى المشكلات الأساسية تراوح مكانها. فقد تعاقبت الحكومات، وتغيرت الوجوه السياسية، وتعددت البرامج الانتخابية، وتكررت الوعود بالإصلاح ومحاربة الفساد، إلا أن المواطن ظل ينتظر النتائج الملموسة التي لم تتحقق بالمستوى الذي كان يأمله. وأصبح كثير من العراقيين يقيسون نجاح أي حكومة بقدرتها على توفير الكهرباء والماء وفرص العمل والخدمات الأساسية، لا بعدد البيانات أو المؤتمرات الصحفية.
إن الفساد لا يقتصر أثره على ضياع الأموال العامة، بل يمتد ليصيب روح الدولة نفسها. فعندما تُهدر الموارد، تتعطل التنمية، وتتراجع ثقة المواطن بمؤسساته، وتضعف هيبة القانون، ويشعر أصحاب الكفاءات بأن الجهد والإخلاص لم يعودا المعيار الحقيقي للتقدم، بل أصبحت المحسوبية والولاءات الضيقة أكثر تأثيراً في كثير من مفاصل الإدارة. وهنا يبدأ النزيف الحقيقي، لأنه لا يقتصر على خسارة المال، وإنما يشمل خسارة الإنسان، وهو الثروة الأغلى لأي وطن.
لقد كان العراق يمتلك فرصة تاريخية لبناء واحدة من أقوى الاقتصادات في الشرق الأوسط. فإلى جانب الثروة النفطية، يمتلك أراضي زراعية خصبة، وأنهاراً، وموقعاً جغرافياً يجعله ممراً تجارياً بين آسيا وأوروبا والخليج، فضلاً عن طاقات بشرية وعلمية كبيرة. ولو وُضعت الخطط التنموية على أسس علمية، ونُفذت بشفافية، لكان العراق اليوم مركزاً صناعياً وتجارياً وسياحياً وعلمياً ينافس كثيراً من الدول التي كانت ظروفها الاقتصادية قبل عقود أقل بكثير من ظروفه.
وليس من المبالغة القول إن كل مشروع تنموي لم يُنفذ، وكل مستشفى لم يُبنَ، وكل مدرسة بقيت متهالكة، وكل طريق لم يُنجز، وكل محطة كهرباء تأخر تشغيلها، إنما يمثل وجهاً آخر للخسارة الوطنية. فالتنمية ليست أرقاماً في الموازنات العامة، وإنما هي واقع يلمسه المواطن في حياته اليومية، ويشعر به عندما يجد فرصة عمل، أو عندما يتلقى خدمة صحية جيدة، أو عندما يرسل أبناءه إلى مدرسة حديثة، أو عندما يصل إلى منزله عبر طرق آمنة ومعبدة.
كما انعكس هذا الواقع على الاستثمار المحلي والأجنبي. فالمستثمر يبحث دائماً عن بيئة مستقرة، وقوانين واضحة، ومؤسسات قوية، وبنية تحتية متطورة، وضمانات قانونية تحمي رأس المال. وعندما تغيب هذه العناصر، تتراجع الاستثمارات، وتتقلص فرص العمل، ويزداد اعتماد الاقتصاد على مورد واحد، وهو النفط، الأمر الذي يجعل الدولة أكثر عرضة للتقلبات الاقتصادية العالمية.
ومن المؤسف أن قطاعات حيوية، مثل الصناعة والزراعة، لم تحظَ بما تستحقه من دعم واستثمار خلال السنوات الماضية. فقد أغلقت مصانع عديدة، وتراجعت القدرة الإنتاجية لكثير من المنشآت الوطنية، بينما واجه القطاع الزراعي تحديات كبيرة نتيجة ضعف البنى التحتية، وشح المياه، وقلة الدعم، وارتفاع كلف الإنتاج. وأدى ذلك إلى زيادة الاعتماد على الاستيراد، الأمر الذي أثر في الميزان التجاري، وأضعف قدرة الاقتصاد الوطني على تحقيق التنوع والاستدامة.
أما القطاع الصحي، فقد ظل يواجه تحديات كبيرة، سواء في البنى التحتية أو التجهيزات أو الكوادر أو الخدمات، مما دفع آلاف المرضى إلى البحث عن العلاج خارج العراق، وهو ما شكل عبئاً إضافياً على الأسر العراقية. وكذلك الحال في قطاع التعليم، حيث لا تزال الحاجة قائمة إلى بناء مدارس جديدة، وتطوير المناهج، ودعم الجامعات، وتعزيز البحث العلمي، لأن التنمية الحقيقية تبدأ ببناء الإنسان قبل بناء الحجر.
وفي خضم هذه التحديات، شهدت الأيام الأخيرة تطورات لافتة تمثلت في إعلان السلطات العراقية عن حملات اعتقال وملاحقة لعدد من الأشخاص المتهمين بقضايا تتعلق بالفساد وسرقة المال العام. وقد أعادت هذه الإجراءات ملف الفساد إلى صدارة المشهد السياسي، وأثارت اهتماماً واسعاً داخل العراق وخارجه، لأنها تأتي في مرحلة يطالب فيها الرأي العام بمحاسبة كل من يثبت تورطه في الإضرار بمقدرات الدولة، بغض النظر عن موقعه أو انتمائه.
وترافق ذلك مع تحليلات سياسية متعددة، ذهب بعضها إلى أن العراق دخل مرحلة جديدة من إعادة ترتيب المشهد السياسي، وأن المجتمع الدولي، وفي مقدمته الولايات المتحدة، يشجع على تعزيز مؤسسات الدولة ودعم مسار مكافحة الفساد. كما تداولت بعض الأوساط السياسية والإعلامية آراء تربط بين هذه التطورات وبين تحركات المبعوث الأمريكي توم باراك، إلا أن هذه التفسيرات تبقى ضمن نطاق التحليل السياسي، في حين تؤكد البيانات الرسمية أن الإجراءات تُنفذ من قبل السلطات العراقية المختصة ووفق الأطر القانونية.
وسواء أكان الدافع داخلياً أم مدعوماً بضغوط خارجية، فإن القضية الجوهرية بالنسبة للمواطن العراقي تبقى واحدة، وهي أن تكون مكافحة الفساد شاملة وعادلة، وألا تستثني أي شخص يثبت تورطه، وأن تستند إلى القضاء والقانون والأدلة، لأن العدالة الانتقائية لا تبني دولة، بل تخلق أزمات جديدة.
لقد تعب العراقيون من الشعارات، ولم يعودوا ينتظرون خطابات مطولة بقدر انتظارهم لنتائج ملموسة. إنهم يريدون أن يروا الأموال المنهوبة تعود إلى خزينة الدولة، وأن تُستثمر في بناء محطات كهرباء حديثة، ومستشفيات متطورة، ومدارس نموذجية، ومشاريع إسكان، وطرق وجسور، ومصانع، ومناطق صناعية، ومشاريع زراعية كبرى، لأن هذه هي الصورة الحقيقية لاستعادة الدولة، وليس مجرد الإعلان عن حملات أو إجراءات مؤقتة.
إن التجارب التي مرت بها دول عديدة حول العالم تثبت أن مكافحة الفساد ليست مجرد حملة أمنية أو إجراءات قضائية مؤقتة، بل هي مشروع وطني طويل الأمد، يبدأ بإرادة سياسية حقيقية، ويستند إلى قضاء مستقل، ومؤسسات رقابية قوية، وإدارة كفوءة، وثقافة مجتمعية ترفض الاعتداء على المال العام. فالدول التي استطاعت أن تنهض من أزماتها لم تكن أكثر ثراءً من العراق، وإنما كانت أكثر قدرة على حماية مواردها، وإخضاع الجميع لسلطة القانون، وجعل الكفاءة والنزاهة أساساً في إدارة مؤسسات الدولة.
واليوم يقف العراق أمام فرصة قد لا تتكرر كثيراً. فإذا نجحت الدولة في تحويل مبدأ المحاسبة إلى نهج دائم لا يخضع للمساومات السياسية أو المصالح الحزبية، فإن ذلك سيشكل نقطة تحول حقيقية في تاريخ العراق الحديث. أما إذا اقتصرت الإجراءات على مرحلة محددة أو على فئات بعينها، فإن الأزمة ستبقى قائمة، لأن الفساد لا يُعالج بمعاقبة بعض الأفراد فقط، وإنما بتفكيك المنظومة التي سمحت له بالنمو والتمدد طوال سنوات.
إن الأموال العامة ليست أرقاماً جامدة تُكتب في تقارير المحاسبة، بل هي حقوق ملايين العراقيين. فهي تعني مدرسة حديثة لطفل كان يدرس في صف مزدحم، ومستشفى متطوراً لمريض كان ينتظر العلاج، وطريقاً آمناً يحفظ أرواح المسافرين، وجسراً يختصر معاناة المدن، ومحطة كهرباء تنهي سنوات الظلام، ومشروعاً صناعياً يوفر آلاف فرص العمل للشباب، ومزرعة حديثة تعيد الحياة إلى الأراضي الزراعية، وجامعة متطورة تفتح آفاق العلم والابتكار أمام الأجيال القادمة.
ولو أن جزءاً يسيراً من الأموال التي أُهدرت أو جرى الاستيلاء عليها خلال العقود الماضية قد وُجه إلى الاستثمار الحقيقي، لكان العراق اليوم يمتلك منظومة كهرباء مستقرة تغطي احتياجات جميع المحافظات على مدار الساعة، ولما اضطر المواطن إلى الاعتماد على المولدات الأهلية التي أصبحت جزءاً من حياته اليومية. وكان بالإمكان إنشاء عشرات المدن السكنية الحديثة، وتوسيع شبكات النقل والسكك الحديدية، وإنشاء مناطق صناعية متكاملة، وتطوير الموانئ والمطارات، وإحياء القطاع الزراعي، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي تعد العمود الفقري لأي اقتصاد وطني.
كما كان بالإمكان أن يتحول العراق إلى مركز اقتصادي إقليمي مستفيداً من موقعه الجغرافي الذي يربط الخليج ببلاد الشام وتركيا وإيران، وأن يصبح ممراً رئيسياً للتجارة والاستثمار، مستنداً إلى موارده الطبيعية وكفاءاته البشرية. فالعراق لا يعاني من نقص في الإمكانات، وإنما يحتاج إلى إدارة رشيدة، وتخطيط استراتيجي، واستقرار سياسي، وبيئة قانونية تحمي الاستثمار وتحفظ حقوق الدولة والمواطن في آن واحد.
ولا يمكن الحديث عن بناء دولة قوية من دون قضاء مستقل يطبق القانون على الجميع دون استثناء. فسيادة القانون هي الضمان الحقيقي لاستمرار الإصلاح، وهي التي تمنح المواطن الثقة بأن حقوقه مصانة، وأن المال العام لن يكون عرضة للهدر أو الاستغلال، وأن المسؤول، مهما علا منصبه، يبقى خاضعاً للمساءلة متى ما ثبت تجاوزه على القانون.
كما أن مكافحة الفساد يجب ألا تتحول إلى وسيلة لتصفية الخصومات السياسية أو لإعادة رسم موازين النفوذ، لأن العدالة الحقيقية تقوم على الأدلة والإجراءات القانونية، لا على الانتماءات أو المواقف. فنجاح أي حملة إصلاحية يقاس بمدى نزاهتها وشمولها واستقلالها، لا بحجم الضجيج الإعلامي الذي يرافقها.
إن الشعب العراقي، الذي تحمل الحروب والحصار والإرهاب والأزمات الاقتصادية والسياسية، يستحق أن يرى ثمرة صبره في دولة توفر له الأمن والخدمات والعدالة والكرامة. ويستحق أن تُستثمر ثرواته في بناء مستقبله، لا أن تبقى سبباً للصراع والتنافس على النفوذ والمصالح الضيقة. فالعراق الذي قدّم للحضارة الإنسانية أولى الشرائع وأقدم المدن، قادر على أن يستعيد مكانته إذا ما توفرت الإرادة الصادقة، وتقدمت مصلحة الوطن على كل اعتبار آخر.
وربما تكون المرحلة الراهنة بداية اختبار حقيقي لجميع القوى السياسية، لأنها مطالبة اليوم بإثبات أن الولاء للعراق يتقدم على الولاءات الأخرى، وأن الحفاظ على المال العام مسؤولية وطنية وأخلاقية قبل أن يكون التزاماً قانونياً. فالتاريخ لا يخلّد من امتلك السلطة، وإنما يخلّد من أحسن استخدامها في خدمة وطنه وشعبه.
إن العراق لا يحتاج إلى معجزات اقتصادية، ولا إلى ثروات جديدة، فكل مقومات النهوض موجودة بالفعل. إنه يحتاج إلى إدارة نزيهة، ومؤسسات قوية، وقضاء عادل، ورؤية استراتيجية بعيدة المدى، وإيمان راسخ بأن مستقبل الأجيال القادمة أهم من المكاسب الآنية. وعندما يتحقق ذلك، ستتحول الثروة النفطية إلى تنمية حقيقية، وستصبح الكهرباء خدمة مستقرة لا أمنية مؤجلة، وستعود المصانع إلى الإنتاج، والأراضي الزراعية إلى العطاء، والجامعات إلى الريادة، والمستشفيات إلى أداء رسالتها، وستستعيد المدن العراقية وجهها الحضاري الذي يليق بتاريخها.
ويبقى الأمل قائماً بأن تكون هذه المرحلة بداية عهد جديد، لا تُقاس فيه قوة الدولة بعدد مراكز النفوذ، بل بقوة القانون، ولا يُقاس فيه نجاح الحكومات بحجم الإنفاق، بل بما يتحقق على أرض الواقع من إنجازات يشعر بها المواطن في حياته اليومية. فالأوطان لا تُبنى بالشعارات، وإنما تُبنى بالنزاهة، والعمل، والعدالة، والإخلاص، وحسن إدارة الثروات.
لقد دفع العراق ثمناً باهظاً خلال أكثر من ثلاثة وعشرين عاماً، وحان الوقت لأن تتحول هذه التضحيات إلى نقطة انطلاق نحو مستقبل مختلف، يكون فيه المال العام مصوناً، والعدالة أساس الحكم، والتنمية هدف الدولة، والإنسان العراقي محور كل مشروع وطني. عندها فقط، يمكن القول إن العراق لم ينتصر على الفساد فحسب، بل انتصر على واحدة من أخطر المراحل التي مر بها في تاريخه الحديث، وفتح صفحة جديدة عنوانها: دولة القانون، والتنمية، والكرامة الوطنية.
#عبدالباقي_عبدالجبار_الحيدري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟