عبدالباقي عبدالجبار الحيدري
الحوار المتمدن-العدد: 8697 - 2026 / 5 / 4 - 04:50
المحور:
دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
: حين تتحوّل الذاكرة إلى مسؤولية
ليست كل سيرةٍ تُكتب، بل هناك سيرٌ تُستعاد لأنها جزء من ذاكرة المكان نفسه. وعندما نتأمل مسيرة كنعان رشاد المفتي، فإننا لا نقرأ قصة فردٍ فحسب، بل نقترب من فصلٍ حيّ من تاريخ أربيل، حيث يلتقي الماضي بالحاضر في تجربةٍ امتدت لأكثر من أربعة عقود.
وفي مدينةٍ مثل أربيل، التي تختزن في طبقاتها آثار الحضارات وتعاقب الأزمنة، لا يكون العمل في مجال الآثار وظيفةً عادية، بل انخراطًا مباشرًا في صون الهوية وحماية الذاكرة من النسيان. ومن هذا المنطلق، تبرز تجربة المفتي بوصفها نموذجًا لرجلٍ جمع بين المعرفة الأكاديمية والخبرة الميدانية، فكان حاضرًا في مواقع التنقيب، ومشاركًا في مشاريع الإعمار، وصوتًا معرفيًا في المحافل الدولية.
ولا تكمن أهمية هذه السيرة في المناصب التي تقلّدها فحسب، بل في طبيعة الدور الذي أدّاه؛ دورٌ يتجاوز الإدارة إلى الفعل الحضاري، ويتخطّى التوثيق إلى الإحياء. ومن هنا، تمثل قراءة هذه التجربة مدخلًا لفهم جانبٍ مهم من الجهود التي بُذلت للحفاظ على قلعة أربيل ومعالمها، بوصفها كيانًا حيًا يحمل ذاكرة مجتمعٍ بأكمله.
أولًا: بصوت كنعان رشاد المفتي… البدايات
أربيل هي قصتي الأولى، وبداية مشواري، وحكاياتي التي لا تنتهي مع أزقتها ودروبها، مع شموخها وعظمة تاريخها. لم تكن بالنسبة لي مدينةً أسكنها، بل كيانًا يسكنني، ويمتد في داخلي كامتداد النبض في الجسد.
قرأتُ كلماتٍ لآشور بانيبال وهو يتغنّى بجمال مدينة أربيل وقلعاتها، لكنني كنت أشعر دائمًا أن علاقتي بهذه المدينة أعمق من كل وصف، وأقرب من كل عبارة. فهي ليست مجرد مكانٍ أول، بل هي توأمة روحي، ومرآة ذاتي، وذاكرتي التي لا تنفصل عني.
لقد أحببت أربيل قبل أن أولد، حين كنت في رحم أمي، كأنني كنت أعيشها في عالمٍ لا يُرى، وأحمل ملامحها دون أن أدركها. ومنذ تلك اللحظة، نشأت بيني وبينها علاقة لا تنفصم؛ علاقة عاشقٍ لا يغادر محبوبه، حتى وإن غاب الجسد، ظلّ الحنين قائمًا، وظلّ المكان قادرًا على الاحتضان.
لقد أودعتني أمي هذه المدينة أمانة، فكانت نعم المؤتمن، ورحلت وجوهٌ كثيرة، وبقيت أربيل شامخةً كعادتها، تتربع في الذاكرة كما تتربع القمم في الأفق. ولهذا، كنت أردد دائمًا، كما ردّد الخليل إبراهيم عليه السلام:
"ربِّ اجعل هذا بلدًا آمنًا وارزق أهله من الثمرات."
ومن هنا تبدأ الحكاية.
ثانيًا: الجذور الأولى… ولادة في قلب القلعة
وُلد كنعان رشاد المفتي في قلعة أربيل، في محلة التكية، عام 1951، في ذلك الفضاء التاريخي الذي شكّل عبر قرون طويلة مركزًا للحياة الاجتماعية والدينية والثقافية في المدينة. وقد نشأ ضمن عائلة معروفة بمكانتها الدينية والاجتماعية والسياسية، ليس على مستوى كردستان فحسب، بل على مستوى العراق عمومًا، الأمر الذي أضفى على بيئته الأولى بعدًا قيميًا وثقافيًا مؤثرًا في تشكيل شخصيته.
ولم تكن هذه الولادة مجرد حدثٍ عابر، بل مثّلت بداية علاقة عضوية بين الإنسان والمكان، علاقة ستتجذر لاحقًا في وعيه ومسيرته، وتنعكس بوضوح في اختياراته المهنية واهتماماته العلمية. فقد شكّلت القلعة، بما تحمله من إرثٍ تاريخي وعمقٍ حضاري، الإطار الأول لتكوّن إدراكه المبكر لمعاني الانتماء والهوية.
ويصف المفتي أربيل بأنها “توأمة روحه”، مؤكدًا أنه أحبها قبل أن يولد، وكأن المدينة كانت تسكنه قبل أن يسكنها. وهذه العبارة، وإن بدت ذات طابع وجداني، فإنها تعبّر عن عمق العلاقة بين الفرد وبيئته، وعن ذلك الاندماج المبكر الذي يجعل من المكان عنصرًا فاعلًا في تشكيل الوعي. وقد انعكست هذه الرابطة الوجدانية العميقة في مسيرته المهنية والفكرية، حيث ظلّ ارتباطه بالمدينة حاضرًا في مختلف مراحل حياته.
وقد أكمل المفتي دراساته الابتدائية والمتوسطة والإعدادية في مدارس أربيل، في سياقٍ تعليميٍّ محليٍّ عزّز من صلته بالمدينة ومجتمعها، كما أسهم في ترسيخ وعيه بهويتها الثقافية والاجتماعية. ونشأ في بيئة القلعة، حيث تداخلت القيم الدينية والاجتماعية مع الممارسات اليومية، الأمر الذي أسهم في تشكيل شخصية تجمع بين الانتماء العميق للمكان والوعي بأهميته التاريخية والحضارية.
ثالثًا: التكوين العلمي وبداية المسار المهني
حصل كنعان رشاد المفتي على شهادة البكالوريوس في اللغة العربية من كلية الآداب – جامعة بغداد، وهو اختيار يعكس ميلًا مبكرًا نحو الثقافة واللغة والهوية، ويشير إلى وعيٍ معرفي تشكّل في سياق اهتمامه بالبعد الحضاري للمجتمع. وقد عُيّن، وهو لا يزال طالبًا في الكلية، في دار الثقافة والنشر الكردية في بغداد، حيث عمل في مجال الصحافة باللغة الكردية.
وبعد إكمال دراسته الجامعية، التحق بأداء الخدمة الإلزامية، ثم عاد بعد انتهائها إلى دائرته السابقة، الأمر الذي أتاح له الاحتكاك المباشر بالخطاب الثقافي والإعلامي، وأسهم في تعميق إدراكه للعلاقة بين الكلمة المكتوبة وتشكيل الوعي المجتمعي.
وقد شكّلت هذه المرحلة نقطة انطلاقٍ مهمة في مسيرته، إذ مهّدت لانتقاله إلى مجال الآثار والتراث، مدفوعًا بشغفه المتزايد بالموروث الثقافي. ومن هذا المنطلق، التحق بالمؤسسة العامة للآثار والتراث، حيث تعرّف على عدد من علماء الآثار، واكتسب خبرة ميدانية في العمل الأثري، في تحوّلٍ نوعي من المجال الثقافي النظري إلى الممارسة التطبيقية في صون الذاكرة المادية للمجتمع.
وبعد ذلك، نُقل إلى دائرة الآثار في أربيل، حيث بدأ دوره الفعلي في خدمة مدينته، وانخرط في هيئة قلعة أربيل بوصفه عضوًا فاعلًا، فاتحًا بذلك مرحلة جديدة من مسيرته المهنية، اتسمت بالجمع بين المعرفة النظرية والتطبيق العملي.
رابعًا: المسار المهني بين الإدارة والعمل الميداني
مع تراكم خبرته الميدانية والعلمية، تدرّج كنعان رشاد المفتي في مواقع المسؤولية، حيث بدأ عضوًا في هيئة إنقاذ آثار سد بخمة عام 1989، ثم تولّى منصب نائب رئيس هيئة التنقيبات والتحريات الأثرية لجامع ومئذنة المظفرية، في إطار جهود الكشف عن الأسس الأصلية لهذا المعلم التاريخي. وفي عام 1994، صدر قرار مجلس الوزراء بتعيينه مديرًا عامًا للآثار والتراث في كردستان، وهو ما يعكس مستوى الثقة بخبرته وكفاءته المهنية.
وفي عام 1995، كُلّف بعضوية المجلس البلدي، ثم عُيّن رئيسًا لهيئة إعمار وتأهيل قلعة أربيل، حيث اضطلع بدورٍ محوري في تنفيذ مشاريع إعادة تأهيل النسيج العمراني التاريخي، شملت ترميم أكثر من عشرين دارًا تراثيًا، وتحسين البنية التحتية من خدمات المياه والمجاري، إلى جانب صيانة عدد من المعالم الدينية، مثل الجامع الكبير ومسجد الحاج ملا ابراهيم الدوغرامجي. واستمرارًا لهذا المسار، كُلّف عام 2004 برئاسة هيئة إعمار القلعة من قبل محافظ أربيل، حيث واصل جهوده في ترميم البيوت التراثية والدكاكين الواقعة أسفل القلعة، وتأهيل المواقع التجارية القديمة بما يحافظ على طابعها التاريخي.
وبالتوازي مع مسؤولياته الإدارية، واصل المفتي نشاطه الميداني في مجال الآثار، حيث عُيّن عام 1998 رئيسًا لهيئة التحريات الأثرية في سوق نيشتمان بأربيل. وفي عام 2000، تولّى رئاسة هيئة التحريات الأثرية في مطار أربيل (تلة أسطة عرب – برد حوشتر)، كما تولّى عام 2001 رئاسة هيئة التحريات الأثرية في تل (قصرا) في عنكاوه. وفي عام 2002، شغل منصب رئيس هيئة صيانة وإعمار بوابة العمادية، قبل أن يعمل عام 2003 مشرفًا على التنقيبات الأثرية في كهف جوار ستين في منطقتي دهوك وئاكري.
واستمر نشاطه لاحقًا، حيث ترأس عام 2008 هيئة التحريات الأثرية في بازيان، ثم تولّى عام 2009 رئاسة هيئة صيانة قلعة خانزاد.
وقد تُوّج هذا المسار المزدوج، الإداري والميداني، باكتشاف أكثر من (20) موقعًا أثريًا في كردستان، وهو إنجاز يعكس عمق خبرته واتساع نشاطه، ويؤكد قدرته على الجمع بين التخطيط المؤسسي والعمل الحقلي في آنٍ واحد.
خامسًا: الحضور الدولي… أربيل في المحافل العالمية
امتد نشاط المفتي إلى الساحة الدولية، حيث دُعي من متحف اللوفر في باريس عام 2005 لإلقاء محاضرات عن آثار وتاريخ كردستان، بحضور مختصين ومثقفين وأفراد من الجالية الكردية.
وفي العام نفسه، شارك في فعالية نظمتها اليونسكو، حيث ألقى كلمة باللغة الكردية، في سابقة تُعدّ الأولى من نوعها، قبل أن يُكمل محاضرته باللغة العربية.
كما زار بريطانيا بدعوة من جامعة كمبردج، والتقى بعدد من علماء الآثار، واتُّفق على البحث في المتاحف العالمية عن كل ما يتعلق بأربيل والمنطقة، خاصة ما ورد في المصادر المسمارية.
سادسًا:اعادة رواق الكرد في الأزهر
تجلّى حضور كنعان رشاد المفتي في ميدان الحفاظ على الذاكرة الثقافية خارج حدود أربيل، من خلال مبادرته الفردية لإعادة تثبيت قطعة بعنوان (رواق الكرد) في جامع الأزهر، بعد أن كانت قد أُزيلت لعدة سنوات. ولم تكن هذه الخطوة مجرد إجراءٍ رمزي، بل حملت دلالاتٍ عميقة تتصل بإعادة الاعتبار لحضور الكرد في التاريخ العلمي والديني لمؤسسة الأزهر.
وتكتسب هذه المبادرة بُعدًا شخصيًا ومعنويًا إضافيًا، لارتباطها بسيرة والده، العلامة رشاد المفتي، أحد خريجي الأزهر الشريف، مما يجعل هذا العمل تعبيرًا عن وفاءٍ مزدوج: وفاءٍ للأب، ووفاءٍ للإرث العلمي الكردي في واحدة من أعرق المؤسسات الإسلامية.
ومن هذا المنظور، يمكن النظر إلى هذه المبادرة بوصفها لحظة استعادةٍ رمزية لمكانةٍ تاريخية، ومصدر فخرٍ للكرد في سياق حضورهم العلمي والحضاري.
سابعًا: الإنتاج الثقافي والفكري… الكتابة بوصفها امتدادًا للتجربة
نشط المفتي في المجال الثقافي، وبرزت إسهاماته في الحقلين الثقافي والعلمي، إذ شارك في إعداد دليل المدن، ولا سيما أربيل وكركوك، إلى جانب إصدار فولدرات تعريفية متعددة. كما تولّى رئاسة تحرير مجلة "شاندەر" الفصلية الأثرية، التي صدر منها أربعة عشر عددًا، وأسهم في انعقاد المؤتمر العلمي الدولي الأول
لإعمار قلعة أربيل عام 2004 في أربيل.
كذلك شارك في طباعة مجموعة من الكتب التاريخية للمؤرخين والآثاريين الكرد و غيرهم، وأسهم في طباعة كتاب باللغة الإنكليزية للدكتور جون ماكينز من جامعة كمبردج في بريطانيا، حيث زار الجامعة بدعوة رسمية، وشارك في المجالس العلمية والآثارية، وألقى محاضرات، وكُلّف بإجراء بحوث وكتابة دراسات لصالح مكتب المتحف العام.
كما ألّف كتابًا بعنوان "نسمات من الماضي" في السيرة الذاتية، تناول فيه تجربته الشخصية، وتاريخ المدينة، وعاداتها وتقاليدها، مع تركيز خاص على تاريخ أربيل وقلعتها.
ثامنًا: المسيرة… التقاعد واستمرار الأثر
في عام 2013، نُقل كنعان رشاد المفتي إلى ديوان الوزارة بمنصب مدير عام، حيث واصل أداء مهامه الإدارية ضمن إطارٍ مؤسسي يعكس خبرته المتراكمة في مجال الآثار والتراث. وفي مرحلة لاحقة، تولّى رئاسة هيئة بورد للثقافة الشفاهية، في خطوةٍ تُبرز اهتمامه بتوثيق الموروث غير المادي، إلى جانب عنايته السابقة بالتراث المادي، بما يعكس اتساع رؤيته لمفهوم التراث بوصفه منظومة متكاملة.
وفي عام 2018، أُحيل إلى التقاعد بعد أكثر من أربعة عقود من الخدمة المتواصلة، قدّم خلالها إسهاماتٍ نوعية في مجالات الإدارة الثقافية والعمل الأثري والميداني. ومع ذلك، لم ينقطع حضوره بعد التقاعد، بل ظل فاعلًا من خلال مشاركاته الثقافية والعلمية، واستمر تأثيره عبر ما أنجزه من مشاريع وما تركه من بصمات واضحة في صون تراث أربيل وإقليم كردستان.
:ذاكرة مدينة وإنسان
إن سيرة كنعان رشاد المفتي ليست مجرد سيرة فرد، بل هي سيرة مدينة بأكملها؛ مدينةٍ عاشت في وجدانه كما عاش في تفاصيلها. لقد جمع بين العلم والعمل، بين الانتماء والإنجاز، فكان نموذجًا للإنسان الذي يدرك أن حماية التراث ليست وظيفة فحسب، بل رسالة حضارية وأخلاقية.
هكذا يكون ابنُ قلعةِ أربيل، وفيًّا لمدينته، مخلصًا لتاريخها، حارسًا لتراثها، ممتدًّا بجذوره إلى آبائه وأجداده، ومتصلًا بأهله وناسه. تلك هي سيرة الباحثين من الكرد والتركمان و غيرهم، يسيرون جنبًا إلى جنب، يوثّقون تاريخ مدينتهم العريقة بروحٍ من المحبة والتآخي، وهكذا نعيش فوق أرض أربيل بحبّ الانتماء، وتحت سمائها بحبّ الإيمان.
ونرفع أبصارنا إلى قلعتها بيقينٍ لا يتزعزع، ونستمد من منارتها المظفرية معنى الكبرياء، ونخطّ تاريخها بروح العلم والمعرفة.
ومن خلال هذا المسار، يبقى اسمه مرتبطًا بقلعة أربيل بوصفه أحد حرّاس ذاكرتها الحية.
#عبدالباقي_عبدالجبار_الحيدري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟