|
|
العراق بعد صدمة مضيق هرمز حين يصبح تنويع منافذ تصدير النفط قضيةَ أمنٍ قومي من البصرة إلى جيهان وبانياس والعقبة... كيف يحمي العراق نفطه ورواتب مواطنيه من الارتهان لممر بحري واحد؟
عبدالباقي عبدالجبار الحيدري
الحوار المتمدن-العدد: 8794 - 2026 / 8 / 11 - 13:50
المحور:
الادارة و الاقتصاد
مدخل: الأزمة التي كشفت نقطة الضعف في الاقتصاد العراقي لم تكن الأزمة التي أصابت حركة الملاحة في مضيق هرمز خلال الأشهر الأخيرة مجرد اضطراب عابر في سوق الطاقة العالمية، ولا حدثًا بعيدًا يمكن للعراق أن يراقبه من خارج دائرة التأثير؛ فقد وضعت البلاد أمام واحدة من أخطر نقاط الضعف في بنيتها الاقتصادية منذ عقود، وكشفت بوضوح أن دولة تمتلك واحدًا من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم يمكن أن تجد نفسها، في لحظة جيوسياسية حرجة، عاجزة عن تصدير القسم الأكبر من نفطها، لا بسبب نقص في الإنتاج أو الاحتياطي، وإنما بسبب اعتمادها شبه الكامل على طريق تصدير واحد. فالعراق يصدر في الظروف الطبيعية نحو 3.6 ملايين برميل من النفط الخام يوميًا، يخرج قرابة 3.4 ملايين برميل منها عبر موانئ البصرة الجنوبية، الأمر الذي يجعل حرية الملاحة عبر الخليج ومضيق هرمز ذات صلة مباشرة بسلامة المالية العامة العراقية. وقد أظهرت أزمة عام 2026 مقدار هذا الارتباط؛ إذ اضطرت البلاد في مراحل من الأزمة إلى خفض الإنتاج الجنوبي بصورة كبيرة عندما امتلأت الخزانات وتعذر تصريف النفط بالوتيرة الاعتيادية. وحتى 11 آب/أغسطس 2026 لم تكن حركة النفط عبر هرمز قد عادت إلى مستوياتها الطبيعية؛ فقد أشارت بيانات نقلتها رويترز إلى أن الصادرات النفطية المارة عبر المضيق انخفضت إلى نحو ثلاثة ملايين برميل يوميًا في الأسبوع المنتهي في 7 آب، مقارنة بنحو 4.4 ملايين برميل في الأسبوع السابق، في وقت بقي فيه مستقبل إعادة فتح الممر بصورة طبيعية مرتبطًا بالتطورات السياسية والأمنية في المنطقة. ومن هنا يصبح السؤال العراقي الحقيقي أكبر من مسألة فتح المضيق أو إغلاقه: هل يجوز لاقتصاد دولة بأهمية العراق النفطية أن يبقى مصير معظم إيراداته مرتبطًا بممر بحري واحد؟ النفط في العراق ليس مجرد ثروة... بل شريان الدولة المالي تكمن خطورة الأزمة في طبيعة الاقتصاد العراقي نفسه. فالنفط ليس قطاعًا تصديريًا إلى جانب قطاعات كبيرة أخرى تستطيع تعويضه عند الطوارئ، وإنما هو المصدر الرئيس الذي تعتمد عليه الخزينة في تمويل جانب واسع من نفقات الدولة. ولذلك فإن توقف تصدير النفط لا يبقى طويلًا مشكلة لوزارة النفط، بل ينتقل أثره سريعًا إلى وزارة المالية والبنك المركزي والرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعية والاستثمار الحكومي والأسواق وسعر العملة. وقد أعلن مستشار حكومي في شباط/فبراير 2026 أن الرواتب الشهرية للموظفين والمتقاعدين ومستفيدي الحماية الاجتماعية تبلغ نحو ثمانية تريليونات دينار عراقي شهريًا. وهذه الفاتورة وحدها توضح مقدار حاجة الدولة إلى تدفق مستمر للإيرادات، قبل الحديث عن الكهرباء والصحة والتعليم والدفاع والبطاقة التموينية والمشروعات الاستثمارية وخدمة الدين والمقاولين ونفقات المحافظات وغيرها من الالتزامات. ولإدراك حجم الخطر يمكن إجراء حساب تقريبي بسيط. فإذا تعذر على العراق تصدير ثلاثة ملايين برميل يوميًا، وافترضنا متوسط سعر قدره ثمانون دولارًا للبرميل، فإن قيمة النفط الذي يتعذر تسويقه تصل نظريًا إلى نحو 240 مليون دولار يوميًا، أي قرابة 7.2 مليارات دولار خلال ثلاثين يومًا، ونحو 21.6 مليار دولار خلال ثلاثة أشهر، وأكثر من 43 مليار دولار خلال ستة أشهر. ولا تعني هذه الحسابات أن جميع تلك المبالغ تتحول بالضرورة إلى خسائر نهائية، إذ يمكن تخزين جزء من الخام أو إعادة زيادة الصادرات في مرحلة لاحقة، كما أن الأسعار والكميات تتغير باستمرار، لكنها تقدم مقياسًا تقريبيًا لحجم الصدمة التي يمكن أن تتعرض لها مالية دولة تعتمد اعتمادًا واسعًا على تدفقات النفط اليومية. الرواتب وحدها تحتاج إلى منفذ تصديري بحجم دولة إذا أخذنا فاتورة الرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعية البالغة نحو ثمانية تريليونات دينار شهريًا، فإن العراق يحتاج، عند سعر نفطي افتراضي قريب من ثمانين دولارًا للبرميل، إلى إيرادات تعادل تقريبًا تصدير نحو مليونين ونصف المليون برميل يوميًا لتغطية هذه الفاتورة وحدها، قبل احتساب بقية احتياجات الدولة. وهنا تظهر المشكلة بأوضح صورها؛ فالعراق لا يحتاج في وقت الأزمة إلى منفذ بديل يستطيع نقل مئة ألف أو مئتي ألف برميل يوميًا فحسب، وإنما يحتاج إلى منظومة بديلة تستطيع، عند الضرورة القصوى، نقل ما بين مليونين ونصف المليون وثلاثة ملايين ونصف المليون برميل يوميًا إذا أراد حماية الحد الأدنى من استقرار ماليته العامة. وهذا هو الفارق بين طريق مساعد للتصدير وبين شبكة للأمن النفطي الوطني. فكلما انخفض سعر النفط ازدادت الكمية التي ينبغي تصديرها لتأمين المبلغ نفسه، وكلما ارتفعت تكاليف النقل والتأمين والعبور تقلص صافي الإيراد الذي يصل إلى الخزينة. ولذلك لا يستطيع العراق بناء أمنه الاقتصادي على افتراض استمرار الأسعار المرتفعة، بل ينبغي أن يبني شبكة التصدير على أسوأ الاحتمالات الممكنة. هل تقف أوبك في طريق الحل؟ أحد الأسئلة التي تثار في هذا السياق يتعلق بمنظمة أوبك وأوبك+: هل يستطيع العراق أن يحول صادراته إلى تركيا أو سوريا من دون موافقة المنظمة؟ هنا ينبغي التفريق بوضوح بين الإنتاج وطريق التصدير. فالتفاهمات داخل أوبك+ تتعلق بمستويات إنتاج الدول المشاركة والتعديلات المتفق عليها لتحقيق التوازن في سوق النفط، ولا تعني فرض ميناء معين على الدولة لتصدير نفطها. وقد قررت الدول السبع المشاركة في اجتماع أوبك+ في 2 آب/أغسطس 2026 تعديل إنتاجها بمقدار إجمالي قدره 188 ألف برميل يوميًا ابتداءً من أيلول، في إطار سياستها الجماعية لإدارة السوق. وبالتالي فإن العراق يستطيع، من حيث المبدأ، نقل النفط الذي ينتجه ضمن التزاماته من البصرة إلى جيهان أو بانياس أو أي منفذ قانوني آخر، من دون أن تكون المشكلة في اسم الميناء أو اتجاه الأنبوب. أما إذا أراد زيادة إجمالي إنتاجه فوق المستوى المتفق عليه، فهنا تدخل المسألة في إطار التفاهمات الخاصة بأوبك+. وعليه، فإن المعضلة العراقية الراهنة ليست في أن أوبك تمنع العراق من تصدير نفطه عبر تركيا أو سوريا، وإنما في أن العراق لا يمتلك حتى الآن قدرة برية بديلة تكفي لاستيعاب معظم نفطه الجنوبي عند توقف طريق الخليج. جيهان... أقرب البدائل وأكثرها جاهزية يأتي ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط في مقدمة الخيارات المتاحة للعراق، ليس فقط لأن هناك خط أنابيب قائمًا بين البلدين، وإنما لأن جيهان يوفر منفذًا مباشرًا إلى البحر المتوسط، وبالتالي يتجاوز مضيق هرمز بالكامل. وقد وقّع العراق وتركيا في مطلع آب/أغسطس 2026 اتفاقًا لمدة عام لاستمرار تشغيل خط العراق–تركيا، بعد انتهاء الاتفاق السابق. وتبلغ الطاقة القصوى المعروفة للمنظومة نحو 1.5 مليون برميل يوميًا، بينما يحافظ الاتفاق المؤقت على ترتيبات لطاقة تبلغ 750 ألف برميل يوميًا، في حين كانت التدفقات الفعلية في بداية آب في حدود 170 ألف برميل يوميًا فقط. وهذا التفاوت بين الطاقة الاسمية والتدفقات الفعلية يبين أن وجود الأنبوب وحده لا يحل المشكلة. فمعظم الإنتاج النفطي العراقي الكبير موجود في الجنوب، ولا بد من وجود شبكة داخل العراق تستطيع أن تنقل النفط من حقول البصرة إلى وسط البلاد وشمالها ومنها إلى خط جيهان. إن تطوير جيهان بوصفه منفذًا استراتيجيًا للعراق يستلزم، لذلك، التفكير في المنظومة كاملة، من حقل النفط إلى الميناء، وليس في الجزء الممتد داخل تركيا فقط. فإذا بقي نفط الجنوب بعيدًا عن شبكة الشمال، ستبقى طاقة جيهان غير قادرة وحدها على إنقاذ صادرات العراق في أزمة شاملة في الخليج. سوريا وبانياس... عودة العراق إلى المتوسط من الغرب إلى جانب تركيا، برز المسار السوري خلال الأزمة بوصفه طريقًا آخر يمكن أن يساعد العراق على الوصول إلى البحر المتوسط. وقد بدأ العراق بالفعل استخدام ميناء بانياس السوري لإعادة تصدير زيت الوقود العراقي الذي ينقل برًا بالصهاريج؛ وتشير التقارير إلى أن قرابة 900 شاحنة صهريج كانت تفرغ حمولاتها يوميًا في بانياس، فيما غادرت ناقلات محملة بالوقود العراقي إلى وجهات في البحر المتوسط والولايات المتحدة. كما ناقش الجانبان توسيع هذا المسار ليشمل النفط الخام والنافثا، وأشارت خطط إلى إمكانية البدء بكميات محدودة من الخام، في الوقت الذي تطرح فيه إعادة تأهيل أنبوب متضرر باتجاه سوريا يستطيع، بعد تأهيله، نقل نحو 300 ألف برميل يوميًا. لكن حتى تموز/يوليو كانت الصادرات الفعلية من بانياس عبر هذا الترتيب تقتصر على زيت الوقود، بينما كانت صادرات الخام والنافثا لا تزال ضمن مرحلة التوسع المخطط لها. وهذه التجربة مهمة للعراق، ليس لأن بانياس يستطيع حاليًا تعويض موانئ البصرة، فهذا غير ممكن، وإنما لأنها تعيد إحياء فكرة يجب أن تكون جزءًا دائمًا من السياسة النفطية العراقية: أن يكون للعراق أكثر من طريق إلى البحر المتوسط. الصهاريج ضرورة وقتية وليست سياسة لدولة نفطية كبرى قد تؤدي الصهاريج والحوضيات دورًا مهمًا في الطوارئ، وقد تساعد في نقل الوقود أو كميات محدودة من النفط عندما تتوقف الأنابيب أو الموانئ، لكن الاعتماد عليها لنقل ملايين البراميل يوميًا ليس خيارًا اقتصاديًا أو لوجستيًا واقعيًا. فالصهاريج تحتاج إلى آلاف الرحلات اليومية وشبكة واسعة من الطرق ومراكز التحميل والتفريغ والوقود والصيانة والسائقين والحماية والتأمين، إضافة إلى ما يرافق ذلك من مخاطر الحوادث والازدحام والأمن وتقلب الطقس وأضرار الطرق. ولهذا يمكن للعراق أن يستخدم النقل البري جسرًا مؤقتًا في زمن الأزمة، لكنه لا ينبغي أن يحوله إلى بديل دائم للأنابيب. إن بلدًا ينتج النفط بالملايين من البراميل يوميًا يحتاج إلى أنابيب مصممة لنقل الملايين من البراميل، لا إلى آلاف الشاحنات التي تحاول القيام بوظيفة شبكة أنابيب وطنية. البصرة–حديثة... المشروع الذي قد يغيّر الخريطة النفطية للعراق وسط هذه الأزمة تزداد أهمية مشروع خط أنابيب البصرة–حديثة، الذي بدأت الحكومة العراقية العمل عليه في عام 2026 بطاقة مخططة تصل إلى نحو 2.5 مليون برميل يوميًا. وهذا الرقم وحده يكشف أهمية المشروع؛ فالطاقة المخططة تقارب الكمية التي يحتاج العراق إلى تصريفها يوميًا لتأمين مورد مالي كبير حتى في حالة تعطل جزء واسع من صادرات الجنوب. لكن القيمة الحقيقية للخط ليست في الرقم وحده، بل في الموقع الذي ينتهي إليه. فحديثة تقع في غرب العراق وتستطيع أن تصبح عقدة رئيسة في شبكة وطنية جديدة، ومنها يمكن التفكير في خطوط تمتد شمالًا باتجاه كركوك ثم جيهان، وغربًا باتجاه سوريا وبانياس، وجنوب غرب باتجاه الأردن والعقبة. وعندها يتحول خط البصرة–حديثة من مجرد أنبوب لنقل الخام إلى عمود فقري لمنظومة أمن تصدير عراقية. فبدل أن يبقى النفط المنتج في البصرة محكومًا باتجاه واحد نحو الخليج، يصبح بالإمكان تحويله عند الطوارئ إلى اتجاهات أخرى بحسب طبيعة الأزمة وحالة الموانئ والأسواق والحدود. ثلاثة بحار بدل بحر واحد الجغرافيا منحت العراق ميزة كبيرة، لكن هذه الميزة لم تتحول بعد إلى قدرة نفطية متكاملة. فالعراق يستطيع جغرافيًا أن يصل جنوبًا إلى الخليج، وشمالًا وغربًا إلى البحر المتوسط عبر تركيا وسوريا، وجنوب غرب إلى البحر الأحمر عبر الأردن. وهذا يقود إلى استراتيجية ينبغي أن تكون واضحة: ليس المطلوب استبدال هرمز بجيهان، ولا استبدال جيهان ببانياس، وإنما بناء منظومة تستخدمها جميعًا. في الظروف الطبيعية تبقى موانئ البصرة والخليج المنفذ الأكبر والأكثر كفاءة. وفي حالات الأزمات ينبغي أن يستطيع العراق تحويل كميات كبيرة من النفط عبر محور البصرة–حديثة، ثم توزيعها باتجاه جيهان وبانياس، مع استمرار دراسة طريق العقبة بوصفه منفذًا آخر إلى البحر الأحمر. فإذا تحقق ذلك، سيصبح لدى العراق لأول مرة تقريبًا نظام تصدير يقوم على مبدأ تعدد المخارج وتوزيع المخاطر، بحيث لا يستطيع إغلاق مضيق واحد أو تعطل خط واحد أن يشل إيرادات الدولة بأكملها. جيهان وبانياس وحدهما لا يكفيان اليوم ومن الضروري هنا عدم المبالغة في قدرة الطرق البديلة الحالية. فجيهان ينقل حاليًا كميات أقل بكثير من قدرته الاسمية، والمسار السوري يعتمد في الوقت الحاضر أساسًا على الصهاريج وتصدير زيت الوقود، بينما يحتاج خط النفط باتجاه سوريا إلى إعادة تأهيل. ولذلك فإن جمع الطاقات النظرية للطرق المختلفة والقول إن المشكلة قد حُلت سيكون استنتاجًا متسرعًا. المشكلة الأساسية هي أن صادرات البصرة كانت قبل الأزمة تبلغ نحو 3.4 ملايين برميل يوميًا، بينما تدفقات خط جيهان الفعلية تدور حول 170 ألف برميل يوميًا في مطلع آب. والفجوة بين الرقمين هائلة. ولهذا فإن العراق يحتاج إلى سنوات من الاستثمار المنظم في الأنابيب ومحطات الضخ والخزانات والموانئ، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى اتخاذ القرار السياسي الآن، لأن بناء البنية التحتية أثناء الأزمة أكثر كلفة وتعقيدًا من بنائها قبل الأزمة. لماذا لا تكون الاحتياطيات المالية هي الحل؟ يمتلك العراق احتياطيات مالية مهمة، وهذه الاحتياطيات تمنحه مساحة لمواجهة الأزمات، لكنها لا تستطيع أن تكون بديلًا دائمًا عن إيرادات النفط. فالاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي تؤدي وظائف تتعلق باستقرار العملة وتمويل التجارة الخارجية والثقة بالنظام النقدي، وليست صندوقًا مفتوحًا يمكن استخدامه بلا حدود لتمويل رواتب الدولة ونفقاتها الجارية. وإذا اضطرت الدولة إلى استنزاف احتياطياتها بسرعة، فقد تنتقل الأزمة من سوق النفط إلى سوق العملة؛ إذ يزداد الضغط على الدولار والدينار والاستيراد والأسعار المحلية، وحينها يصبح المواطن أمام مشكلتين في وقت واحد: تراجع الإيرادات الحكومية وارتفاع تكلفة المعيشة. ولهذا فإن أفضل طريقة لحماية الاحتياطيات ليست استخدامها بكثافة، وإنما حماية المصدر الذي يغذي الاقتصاد بالدولار أصلًا، أي صادرات النفط. الأمن النفطي جزء من الأمن القومي لقد اعتاد النقاش العراقي التعامل مع خطوط الأنابيب باعتبارها مشروعات فنية تابعة لوزارة النفط، تقاس جدواها بكلفة الإنشاء ورسوم العبور والعائد التجاري. لكن أزمة هرمز تؤكد أن هذا المنظور لم يعد كافيًا. فالأنبوب الذي يتيح للعراق تصدير مليون أو مليوني برميل يوميًا عندما يتعطل الخليج لا يؤدي وظيفة تجارية فحسب؛ إنه يحمي رواتب الموظفين والمتقاعدين، ويمول المستشفيات والكهرباء، ويحمي احتياطيات البنك المركزي، ويخفف الضغط على الدينار، ويمنح الدولة قدرة أكبر على اتخاذ قرار سياسي مستقل في زمن الأزمات. وبهذا المعنى فإن خطوط البصرة–حديثة، وحديثة–جيهان، وحديثة–بانياس، والمسار المحتمل إلى العقبة ينبغي أن تعامل بوصفها بنية تحتية سيادية لا تقل أهمية عن الموانئ والقواعد والمنشآت الكبرى. إن كلفة بناء هذه الخطوط، مهما كانت مرتفعة، يجب أن تقارن ليس بأرباح سنة واحدة، وإنما بحجم الخسارة المحتملة إذا تعذر تصدير ثلاثة ملايين برميل يوميًا لعدة أشهر. وحين تجري المقارنة بهذه الطريقة، تتغير تمامًا نظرتنا إلى كلفة المشروع وجدواه. ما الذي ينبغي للعراق أن يفعله الآن؟ أمام العراق مساران يجب أن يسيرا في وقت واحد. الأول قصير الأجل، ويتمثل في استخدام كل الطاقة الممكنة عبر جيهان، وتطوير الطريق السوري، والاستفادة من النقل البري في الحدود التي تسمح بها الجدوى الاقتصادية، وزيادة قدرات الخزن، وإعطاء الأولوية في الإنفاق الحكومي للرواتب والتقاعد والحماية الاجتماعية والخدمات الأساسية، مع إدارة الاقتراض والسيولة بصورة لا تهدد الاستقرار النقدي. أما المسار الثاني فهو الأهم، ويتمثل في الإسراع الحقيقي، لا النظري، بإنشاء شبكة وطنية لنقل نفط الجنوب إلى وسط وغرب وشمال البلاد. ولا ينبغي أن تنتظر هذه الشبكة انتهاء الأزمة الحالية، لأن هرمز قد يفتح غدًا، لكن الأزمة الجيوسياسية التي كشفتها أحداث عام 2026 يمكن أن تتكرر بصورة أخرى بعد خمس أو عشر سنوات. والسياسة الناجحة لا تبني البنية التحتية للأزمة التي وقعت فقط، وإنما تبنيها للأزمة التي لم تقع بعد. العراق أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء سياسته النفطية قد تبدو أزمة هرمز في ظاهرها كارثة اقتصادية، لكنها تستطيع، إذا أحسن العراق قراءة دروسها، أن تتحول إلى نقطة بداية لمرحلة جديدة في السياسة النفطية. فمنذ عقود كان النقاش يدور حول زيادة الإنتاج وعدد الآبار وحقول النفط وأسعار البرميل، بينما بقي سؤال كيف نضمن وصول النفط إلى السوق في أسوأ الظروف؟ أقل حضورًا مما يستحق. وقد أثبت عام 2026 أن البرميل الذي لا يستطيع الوصول إلى الناقلة والأسواق لا تختلف قيمته الاقتصادية كثيرًا، في تلك اللحظة، عن النفط الذي ما زال تحت الأرض. ومن هنا يجب أن ينتقل مفهوم الأمن النفطي العراقي من ضمان الإنتاج إلى ضمان الإنتاج والنقل والخزن والتصدير معًا. خاتمة: العراق لا ينبغي أن يبقى أسير ممر واحد إن أهم ما ينبغي أن يتعلمه العراق من أزمة مضيق هرمز هو أن القوة النفطية لا تقاس بحجم الاحتياطي وحده، ولا بعدد ملايين البراميل التي تستطيع الحقول إنتاجها، بل بقدرة الدولة على إيصال تلك البراميل إلى الأسواق في السلم والحرب وفي الظروف الطبيعية والاستثنائية. ستبقى البصرة وموانئها القلب الرئيس لصادرات النفط العراقي، ولن يكون من الواقعي أو الاقتصادي الاستغناء عنها، لكن من الخطأ الاستراتيجي أن تبقى هي الطريق شبه الوحيد الذي يعتمد عليه اقتصاد البلاد. إن العراق بحاجة إلى أن يتحول من دولة تمتلك منفذًا رئيسًا وبعض البدائل المحدودة إلى دولة تمتلك شبكة تصدير وطنية متعددة الاتجاهات. شبكة تبدأ من البصرة، وتمتد إلى حديثة، ثم تفتح أبوابها شمالًا نحو جيهان، وغربًا نحو بانياس، وجنوب غرب نحو العقبة، مع بقاء موانئ الخليج في الجنوب. وعندما يستطيع العراق أن يحول، عند الضرورة، ما بين ثلاثة وثلاثة ملايين ونصف المليون برميل يوميًا بعيدًا عن مضيق هرمز، يكون قد اقترب من امتلاك أمن نفطي حقيقي. وعندئذ لن تعود أزمة في ممر بحري واحد قادرة بسهولة على تهديد رواتب الملايين أو تعطيل الموازنة أو دفع البلاد إلى استنزاف احتياطياتها المالية. لقد وضعت أزمة هرمز العراق أمام إنذار واضح، وربما أمام فرصة تاريخية في الوقت نفسه. فإما أن تمر الأزمة ثم تعود الأمور إلى سابق عهدها، فيبقى الاقتصاد ينتظر الأزمة التالية، وإما أن تتحول إلى نقطة انعطاف يعاد بعدها بناء شبكة تصدير النفط على أساس التنوع والمرونة والاستقلال الاستراتيجي. فالعراق الذي تسمح له جغرافيته بالوصول إلى الخليج والبحر المتوسط والبحر الأحمر، لا ينبغي أن تبقى ثروته واقتصاده ورواتب مواطنيه رهينة ممر بحري واحد. إن تنويع منافذ تصدير النفط لم يعد ترفًا اقتصاديًا ولا مشروعًا مؤجلًا؛ إنه أحد أهم متطلبات الأمن القومي والاقتصادي للعراق في القرن الحادي والعشرين.
#عبدالباقي_عبدالجبار_الحيدري (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
حصار مغول لقلعة اربيل
-
«كوتري سلام»... لماذا استحقت أربيل لقب مدينة السلام منذ عام
...
-
23 عامًا يحكمون العراق باسم الدين وباسم الإمام الحسين وباسم
...
-
العراق أمام مفترق طرق... هل بدأت معركة استعادة الدولة بعد ثل
...
-
الحاج جلال چغماغچي... صوت المقام وحارس الذاكرة الروحية لأربي
...
-
كنعان رشاد المفتي… سيرةُ أثرٍ حيّ بين التاريخ والذاكرة في أر
...
-
جوامع وتكايا ومزارات قلعة أربيل: البنية الدينية والروحية في
...
-
فندق الفرح في أربيل… معلم تراثي بين الذاكرة الاجتماعية ودلال
...
-
خانات أربيل… ذاكرة القوافل وخريطة المدينة التجارية حول القلع
...
-
نشيد آشوربانيبال إلى أربيل
-
نشيد أربيل في النصوص الآشورية: قراءة سوسيولوجية
-
مضيق هرمز وأزمة النفط… حين تتحول أربيل إلى عقدة الطاقة في ال
...
-
حين تحتاج بغداد إلى أربيل… هل تفتح أزمة النفط باب حلّ الروات
...
-
ودور المرأة الأربيلية في صناعة الفرح الرمضاني
-
بواباتُ قلعةِ أربيل: تحوّلاتُ الوظيفة والدلالة من التحصين إل
...
-
سقوط القناع: حين تتحوّل “الإنسانية” إلى غطاءٍ للجريمة قضية إ
...
-
الدولة الكوردية: من حلمٍ تاريخي إلى استحقاقٍ مؤجَّل قراءة نق
...
-
قلعة أربيل: تلّ الحضارات السبع (تلّ المدن السبع)
-
زيارة الخبير بيير لوبوتو إلى قلعة أربيل (1971) رؤية فرنسية م
...
-
لا نزعَ للسلاح في دولةٍ بلا دولة ، الحشد الشعبي كدولة داخل ا
...
المزيد.....
-
روسيا تتخذ قرارا هاما بشأن الطيران إلى مصر
-
-إنفيديا- الأمريكية تجمع 500 مليار دولار لتمويل بنية الذكاء
...
-
استمرار تعليق العمل في أكبر منجم للذهب في مصر بعد حادث مأساو
...
-
سهم مطور عقاري روسي يقفز 10% بعد صفقة استثمارية مع صندوق أجن
...
-
لمنع انقطاع الكهرباء.. تحرك عاجل في مصر لتأمين إمدادات الغاز
...
-
كسوف الشمس يوم 12 أغسطس يهدد بخفض إنتاج الطاقة الشمسية في أو
...
-
تعثر تفاهمات هرمز يعيد النفط للصعود ويضغط على الأسواق
-
استقرار أسعار النفط عند أعلى مستوى في أكثر من أسبوع
-
مسؤولون كبار في وزارة الخزانة الأمريكية يجتمعون مع الرئيسة ا
...
-
عقود الذهب الفورية تتراجع من أعلى مستوى في شهرين
المزيد.....
-
الاقتصاد السوري: من احتكار الدولة إلى احتكار النخب تحولات هي
...
/ سالان مصطفى
-
دولة المستثمرين ورجال الأعمال في مصر
/ إلهامي الميرغني
-
الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل
/ دجاسم الفارس
-
الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل
/ د. جاسم الفارس
-
الاقتصاد الاسلامي في ضوء القران والعقل
/ دجاسم الفارس
-
الاقتصاد المصري في نصف قرن.. منذ ثورة يوليو حتى نهاية الألفي
...
/ مجدى عبد الهادى
-
الاقتصاد الإفريقي في سياق التنافس الدولي.. الواقع والآفاق
/ مجدى عبد الهادى
-
الإشكالات التكوينية في برامج صندوق النقد المصرية.. قراءة اقت
...
/ مجدى عبد الهادى
-
ثمن الاستبداد.. في الاقتصاد السياسي لانهيار الجنيه المصري
/ مجدى عبد الهادى
-
تنمية الوعى الاقتصادى لطلاب مدارس التعليم الثانوى الفنى بمصر
...
/ محمد امين حسن عثمان
المزيد.....
|