|
|
هؤلاء علموني: ويل ديورانت(7)
داود السلمان
الحوار المتمدن-العدد: 8845 - 2026 / 10 / 1 - 08:31
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
أول كتاب وقع بيدي للمؤرخ والفيلسوف الأمريكي ويل ديورانت كان «قصة الفلسفة»، فقرأته أكثر من مرة وبشغف، ثم اطلعت على موسوعته «قصة الحضارة»، وهي موسوعة ضخمة ساعدته في كتابتها زوجته، ثم كتابه الذي أعجبت به أيما إعجاب، وتمنيت أن أسير على خطاه في هذا الطرح، هو كتابه «مباهج الفلسفة»، فهو كتاب يشد القارئ بتنوع فصوله وطرح موضوعاته.
لم يكن ديورانت بالنسبة لي مجرد مؤرخ يروي أحداث الماضي، ولا فيلسوفًا يشرح أفكار الفلاسفة بلغة أكاديمية جافة، وإنما كان كاتبًا يعرف كيف يأخذ بيد القارئ إلى عوالم الفكر والحضارة، دون أن يشعره بأنه أمام كتاب ثقيل أو درس جامعي طويل. وهذه، في ظني، واحدة من أعظم مواهب الكاتب: أن يجعل المعرفة قريبة من الإنسان، وأن يحول الأفكار الكبيرة إلى حديث يمكن للقارئ أن يصغي إليه بشغف.
حين قرأت «قصة الفلسفة» للمرة الأولى، شعرت أنني أمام عالم مختلف. فالفلسفة التي كنت أظنها موضوعًا معقدًا لا يقترب منه إلا المتخصصون، وجدتها عند ديورانت نابضة بالحياة، مرتبطة بالإنسان وأسئلته الكبرى: ما الحياة؟ ما الخير؟ ما السعادة؟ كيف نعرف الحقيقة؟ وما الذي يجعل الإنسان إنسانًا؟
كان ديورانت يقترب من الفلاسفة لا بوصفهم تماثيل فكرية جامدة، وإنما بوصفهم بشرًا عاشوا في ظروف معينة، أحبوا وكرهوا وتألموا واختلفوا وحاولوا أن يجدوا أجوبة لأسئلة لم تتغير كثيرًا رغم مرور القرون. ولذلك كان سقراط وأفلاطون وأرسطو وسبينوزا وكانط وشوبنهاور وغيرهم يظهرون في كتابه كأشخاص لهم حضور وحياة، لا كأسماء محفوظة في كتب التاريخ.
ولعل هذا هو سر جاذبية ديورانت؛ فهو لا يكتفي بأن يخبرك ماذا قال الفيلسوف، بل يحاول أن يريك لماذا قاله، وما الظروف التي أحاطت به، وكيف انعكست أفكاره على عصره وعلى من جاء بعده. وبذلك تتحول الفلسفة من مجموعة من النظريات إلى قصة إنسانية طويلة.
ثم انتقلت إلى «قصة الحضارة»، فإذا بي أمام عالم أوسع بكثير. هنا لم تعد الرحلة مقتصرة على الفلسفة، بل امتدت إلى السياسة والدين والفن والأدب والعلم والعادات والحروب والاقتصاد والحياة اليومية. لقد حاول ديورانت وزوجته أرييل أن يقدما صورة واسعة للإنسان في مسيرته الطويلة، وأن يجيبا عن سؤال يبدو بسيطًا لكنه بالغ التعقيد: كيف وصل الإنسان إلى ما وصل إليه؟.
واللافت في هذه الموسوعة أن الحضارة عند ديورانت ليست مجرد قصور ومعابد وانتصارات عسكرية، بل هي أيضًا ما يفعله الإنسان في حياته اليومية؛ كيف يأكل، وكيف يتزوج، وكيف يربي أبناءه، وكيف يعتقد، وكيف يعمل، وكيف يحتفل، وكيف يعبر عن خوفه وأحلامه في الفن والدين والأدب.
وهنا أدركت أن قراءة التاريخ ليست قراءة للماضي وحده، بل هي في كثير من الأحيان محاولة لفهم الحاضر. فالإنسان، رغم تغير الأزمنة والأدوات، لا يزال يحمل الأسئلة نفسها تقريبًا، ويبحث عن السعادة والأمان والمعنى، ويخشى الموت، ويتطلع إلى المستقبل، ويختلف مع غيره حول الحقيقة والسلطة والحرية.
لكن الكتاب الذي ترك في نفسي أثرًا خاصًا هو «مباهج الفلسفة». وربما لأنني وجدت فيه ما كنت أبحث عنه في الكتابة نفسها: البساطة من دون تسطيح، والعمق من دون تعقيد، والتنوع من دون تشتت.
يعجبني في هذا الكتاب أن ديورانت لا يتعامل مع الفلسفة على أنها ترف فكري، بل يجعلها قريبة من تفاصيل الحياة. فهو يتحدث عن الإنسان، والحب، والأخلاق، والسياسة، والدين، والتعليم، والعمل، والسعادة، والموت، وكأن الفلسفة ليست شيئًا نذهب إليه، وإنما شيء نعيشه كل يوم، سواء أدركنا ذلك أم لم ندركه.
ومن هنا جاءت رغبتي في أن أسير على خطاه في هذا الطرح. ليس بمعنى تقليده، فلكل كاتب صوته وطريقته وتجربته، وإنما بمعنى أن أتعلم منه كيف يمكن للكاتب أن يتناول موضوعًا عميقًا، ثم يقدمه إلى القارئ بلغة تجعله يشعر أن الكتاب يخاطبه هو، لا أنه يقرأ بحثًا بعيدًا عنه.
لقد علمني ديورانت أن الكاتب لا يحتاج دائمًا إلى استعراض معرفته حتى يبدو عارفًا. أحيانًا تكون عظمة الكاتب في قدرته على تبسيط ما يعرف، وفي أن يترك للقارئ متعة اكتشاف الفكرة بدل أن يثقل عليه بالمصطلحات والتفاصيل.
كما علمني أن الثقافة الحقيقية لا تقوم على معرفة مجال واحد بمعزل عن بقية المجالات. فالفلسفة تتقاطع مع التاريخ، والتاريخ يتصل بالأدب، والأدب يعكس المجتمع، والمجتمع يتأثر بالدين والسياسة والاقتصاد والفن. وكلما اتسعت معرفة الإنسان، أصبح أكثر قدرة على رؤية الروابط الخفية بين الأشياء.
ولذلك فإن قراءة ديورانت لم تكن بالنسبة لي مجرد قراءة كتب، بل كانت تجربة أعادت ترتيب علاقتي بالمعرفة. جعلتني أنظر إلى الكتاب باعتباره نافذة، لا مخزنًا للمعلومات؛ وإلى التاريخ باعتباره مرآة، لا مجرد سجل للأحداث؛ وإلى الفلسفة باعتبارها سؤالًا حيًا، لا إجابات محفوظة.
وقد يكون أجمل ما تمنحه لنا الكتب العظيمة أنها لا تنتهي حين نغلق صفحاتها. بعض الكتب نقرأها ثم ننساها، وبعضها يترك فكرة صغيرة تظل معنا سنوات طويلة. أما الكتب التي تغير طريقة نظرنا إلى الأشياء، فهي التي تصبح جزءًا من تكويننا، حتى إن لم نتذكر كل ما جاء فيها.
وهذا ما أشعر به مع ديورانت. فقد دخلت إليه من باب «قصة الفلسفة»، ثم وجدت نفسي في رحاب «قصة الحضارة»، واستقر بي المقام عند «مباهج الفلسفة»، حيث اكتشفت أن المعرفة يمكن أن تكون ممتعة، وأن الكتابة الفكرية يمكن أن تكون إنسانية ودافئة وقريبة من القلب.
ولعل أجمل ما يمكن أن يفعله الكاتب هو أن يجعل قارئه يحب الموضوع الذي يكتب عنه. وهذا ما فعله ديورانت معي. لم يجعلني أحب الفلسفة والتاريخ فحسب، بل جعلني أحب فكرة الكتابة عنهما، وأحلم بأن أقدم للقارئ شيئًا من تلك المتعة التي وجدتها يوم فتحت أول كتاب له.
وهكذا يبقى بعض الكتّاب معنا، لا لأننا قرأنا كتبهم، بل لأن كتبهم علمتنا كيف نقرأ الحياة.
#داود_السلمان (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
هؤلاء علموني: إيمانويل كانت(6)
-
هؤلاء علموني: دوستويفسكي(5)
-
هؤلاء علموني: علي الوردي(4)
-
هؤلاء علموني: طه حسين(3)
-
هؤلاء علموني: غوستاف لوبون(2)
-
(هؤلاء علموني) سلامة موسى(1)
-
فلاسفة الألمان (1)
-
رحيل مُشرّح اللاوعي العربي
-
كانط: حين يسأل العقل عن حدوده
-
المثقف في عصر الذكاء الاصطناعي
-
هواء مجلجل
-
فوق هشة الأوهام
-
قراءة في كتاب (سِفر من الملكوت إلى الملكوت)
-
وها أنا الآن
-
شروط الرواية الناجحة
-
علي الوردي وطبيعة الوعظ
-
ماذا قال تولستوي في أعترافاته؟
-
مها الغرابي تكتب عن (دعابل) لرياض داخل
-
الغجر والقرج في العراق
-
هل وصلت رسالة الحُسين؟
المزيد.....
-
شركة -إل عال- تعمل على إجلاء إسرائيليين من دبي بعد تعليق -فل
...
-
ركاب يصفون تجربتهم على متن رحلة -فلاي دبي- بعد طعن طيّار.. م
...
-
-إنها معجزة-.. ضابط أمريكي سابق يكشف كيف فُتح باب قمرة قيادة
...
-
طيار فلاي دبي.. ماذا نعلم عن الكابتن سميت ماتشهار الذي أحبط
...
-
من تل أبيب إلى تبوك.. خريطة تكشف مسار رحلة -فلاي دبي- بعد تح
...
-
من 34 ألفًا إلى 16,600 قدم.. رسم يوضح الهبوط المفاجئ لرحلة -
...
-
الولايات المتحدة تجري تجربة كيميائية غير نووية تحت الأرض
-
خرافة أم حقيقة: هل يساعد وضع البصل النيّئ أسفل القدمين في عل
...
-
-التنين- على أبوب أوروبا ـ لماذا تراهن الصين على المغرب؟
-
ممثلون عن -الشاباك- الإسرائيلي يتوجهون إلى دبي
المزيد.....
-
من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية
/ غازي الصوراني
-
التطوع الرقمى
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
العمل التطوعى نماذج وتطبيقات
/ د/ سامح سعيد عبد العزيز
-
الطبيعة والتقليد
/ عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
-
علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون
/ عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
-
بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده
/ علي مجيد
-
البساطة
/ عبدالجليل الكناني
-
أحمد رباص
/ كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
-
الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا
...
/ عبدالرؤوف بطيخ
-
الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج
/ احسان طالب
المزيد.....
|