أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - داود السلمان - هؤلاء علموني: إيمانويل كانت(6)















المزيد.....

هؤلاء علموني: إيمانويل كانت(6)


داود السلمان

الحوار المتمدن-العدد: 8844 - 2026 / 9 / 30 - 19:28
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


في يوم من الأيام، قبل خمسة عشر عامًا، قررت أن أصبَّ جهدي على قراءة الفلسفة، وأن أتعمق فيها وأسبر غورها، فطفقت أقرأ تاريخ الفلسفة، والمدارس الفلسفية، وسِيَر الفلاسفة الأوائل الذين سبقوا سقراط، وصولًا إلى الفلسفة الحديثة، ومن ثم الفلسفة المعاصرة. قرأت الكثير جدًا، حتى عشقت الفلسفة، فهي التي فتحت في ذهني قنواتٍ كانت مشفَّرة، وأعادت ترتيب كثير من الأسئلة التي كنت أظن أنني أملك أجوبتها.

وخلال هذه الرحلة الطويلة، اكتشفت قضايا كثيرة جدًا كنت أعدّها حقائق ساطعة لا تحتاج إلى نقاش، ثم اكتشفت، بعد القراءة والتأمل، أن بعضها لم يكن حقائق تاريخية أو معرفية راسخة كما كنت أتصور، وإنما كان أقرب إلى الأساطير والأفكار التي تكررت طويلًا حتى اكتسبت في أذهاننا قوة الحقيقة. وهنا أدركت شيئًا مهمًا: إن أعظم ما يمكن أن تمنحه لنا الفلسفة ليس مجموعة من الأجوبة الجاهزة، وإنما القدرة على إعادة النظر في الأشياء التي اعتدنا أن نراها واضحة، والسؤال عن الأسس التي قامت عليها قناعاتنا.

وفي أثناء هذه الرحلة، كنت أرى كثيرًا من الفلاسفة والكتّاب والباحثين يشيدون بالفيلسوف الألماني إيمانويل كانت، ويصفونه بأنه واحد من أعظم الفلاسفة الذين أنجبتهم الإنسانية، ومفكرًا لا يشق له غبار، وأن قراءة الفلسفة لا تكتمل دون المرور بتجربته الفكرية. وكان اسم كانت يتكرر أمامي كلما تعمقت في تاريخ الفلسفة الحديثة، وكأن هناك منعطفًا لا يمكن للقارئ أن يتجاوزه إذا أراد أن يفهم التحول الكبير الذي عرفته الفلسفة الأوروبية.

فقرأت له كثيرًا، وطالعت كذلك ما كُتب عنه من مؤلفات وبحوث ودراسات، وحاولت أن أقترب من مشروعه الفلسفي لا من خلال ما يقوله عنه الآخرون فحسب، بل من خلال نصوصه وأفكاره والأسئلة التي حاول الإجابة عنها. ومع القراءة المتأنية، وجدتني أنجذب إلى هذا الفيلسوف بصورة خاصة، لا لأنني أتعامل مع فلسفته بوصفها مجموعة من الحقائق النهائية، ولا لأنني أرى أن كانت معصوم من الخطأ، وإنما لأن مشروعه الفلسفي يضع القارئ أمام سؤال بالغ الأهمية: كيف نعرف ما نعرفه؟.

وهذا السؤال، في تقديري، هو أحد أكثر الأسئلة الفلسفية إثارة للقلق والدهشة في الوقت نفسه.

لقد كان "كانت" يعيش في مرحلة فكرية كانت فيها الفلسفة الأوروبية قد قطعت شوطًا طويلًا في الصراع بين العقل والتجربة. فمن جهة، كان هناك فلاسفة منحوا العقل دورًا مركزيًا في بناء المعرفة، ومن جهة أخرى، ظهر التجريبيون الذين أكدوا أهمية الخبرة الحسية والتجربة في تكوين أفكارنا ومعارفنا. وجاء كانت ليعيد النظر في طبيعة هذا الصراع، لا ليختار أحد طرفيه ببساطة، وإنما ليطرح تصورًا أكثر تعقيدًا للعلاقة بين ما يأتي إلينا من العالم الخارجي، وبين ما يقوم به العقل في تنظيم هذه المعطيات وفهمها.

ومن هنا بدأت أفهم لماذا يحتل كانت هذه المكانة الكبيرة في تاريخ الفلسفة.

لم يكن السؤال عنده مجرد: ماذا نعرف؟ بل أصبح أيضًا: ما الشروط التي تجعل المعرفة ممكنة أصلًا؟ وما الذي يستطيع العقل أن يعرفه؟ وما الذي يتجاوز قدرته؟ وأين تنتهي حدود المعرفة الإنسانية ويبدأ عالم الاعتقاد أو الافتراض أو الميتافيزيقا؟

هذه الأسئلة هي التي جعلتني أجد في فلسفة "كانت" شيئًا يتجاوز مجرد دراسة فيلسوف من فلاسفة القرن الثامن عشر. لقد شعرت أن الرجل لا يناقش قضايا بعيدة عنا، بل يضع يده على واحدة من أكثر المشكلات التصاقًا بالإنسان: حدود العقل البشري.

فنحن نعيش حياتنا اليومية وكأن العالم واضح أمامنا، وكأن الأشياء التي نراها ونفكر فيها ونتحدث عنها موجودة بالطريقة نفسها التي تظهر بها في وعينا. لكن "كانت" يدفعنا إلى التمهل. إنه يقول لنا، بصورة عامة، إن معرفتنا بالعالم ليست مجرد نسخة فوتوغرافية لما هو موجود خارجنا، وإن العقل ليس وعاءً سلبيًا يستقبل المعلومات كما هي، بل له دور في تنظيم الخبرة التي نعيشها وفي الطريقة التي يظهر بها العالم لنا.

وهنا تكمن إحدى الأفكار التي وجدتها شديدة الأهمية في فلسفته: الإنسان لا يقف أمام العالم بوصفه متفرجًا محايدًا تمامًا، بل يشارك عقله في تشكيل الطريقة التي يفهم بها ما يختبره.

ولذلك فإن قراءة "كانت" ليست دائمًا سهلة. بل إن الصعوبة التي تواجه القارئ في كتبه ليست بسبب غموض الأفكار وحده، وإنما لأن الرجل يحاول أن يعيد بناء الطريقة التي نفكر بها في المعرفة نفسها. إنه لا يقدم لك فكرة ثم ينتقل إلى فكرة أخرى، بل يأخذك إلى مستوى أعمق، حيث تبدأ في مساءلة الأدوات التي تستخدمها أنت أصلًا في التفكير.

وهذا تحديدًا هو ما جعلني أحب فلسفته.

لكنني، في الوقت نفسه، أدركت أن كثيرًا من الأفكار الفلسفية العميقة تبقى حبيسة الكتب الأكاديمية، وأن اللغة التي كُتبت بها بعض الأعمال الفلسفية تجعل القارئ العادي يشعر بأن الفلسفة عالم مغلق لا يستطيع الدخول إليه إلا المتخصصون. وربما كان هذا أحد الأسباب التي دفعتني إلى محاولة تقديم بعض أفكار "كانت" في فيديوهات قصيرة، لا تتجاوز العشر دقائق.

لم يكن هدفي أن أختصر كانت اختصارًا يخل بفلسفته، ولا أن أحوّل فلسفة معقدة إلى عبارات سهلة تفقد معناها، وإنما أردت أن أفتح نافذة صغيرة يستطيع من خلالها القارئ أو المشاهد أن يطل على هذا العالم.

كنت أريد أن أقول للناس: لا تخافوا من الفلسفة.

ليست الفلسفة حكرًا على الأكاديميين، ولا تحتاج دائمًا إلى لغة متعالية أو مصطلحات معقدة حتى تكون عميقة. يمكن للفكرة الفلسفية أن تكون عميقة، وفي الوقت نفسه، قابلة للشرح بلغة يفهمها الإنسان العادي. بل ربما كان تبسيط الفكرة، مع الحفاظ على دقتها، أحد أصعب أشكال الكتابة والتفسير.

ولهذا آليت على نفسي أن أحاول شرح أفكار كانت بلغة سهلة وبسيطة، وأن أقترب من أسئلته الكبرى بطريقة تجعل القارئ يشعر أن هذه الأسئلة تخصه هو أيضًا.

ما المعرفة؟.

هل نستطيع أن نعرف الأشياء كما هي في ذاتها؟.

ما حدود العقل؟.

هل كل ما نفكر فيه يمكن أن يكون موضوعًا للمعرفة؟.

ما الفرق بين ما يمكن إثباته بالعقل، وما يمكن الإيمان به دون أن يكون موضوعًا للمعرفة العلمية؟.

وهل يستطيع العقل أن يجيب عن كل الأسئلة التي يطرحها على نفسه؟.

هذه الأسئلة لا تخص كانت وحده. إنها أسئلة تخص الإنسان منذ بدأ يسأل عن نفسه وعن العالم وعن الحقيقة. ولذلك فإن العودة إلى كانت ليست مجرد عودة إلى فيلسوف ألماني عاش في القرن الثامن عشر، وإنما هي عودة إلى أسئلة ما تزال حاضرة في حياتنا الفكرية حتى اليوم.

ومع ذلك، فإن الإعجاب بفيلسوف لا يعني التسليم له.

هذه نقطة تعلمتها من الفلسفة نفسها. فالقراءة الجادة لا تعني أن تتحول إلى تابع لمن تقرأه، ولا أن تنبهر باسم الفيلسوف فتتوقف عن مساءلته. إن كنت أقرأ "كانت" بإعجاب، فهذا لا يعني أنني أضع أفكاره فوق النقد، كما أن تقدير عبقريته لا يعني أن كل ما قاله صحيح أو نهائي. الفيلسوف العظيم، في رأيي، ليس بالضرورة هو الفيلسوف الذي نوافقه في كل شيء، بل قد يكون هو الذي يجبرنا على التفكير بصورة أكثر عمقًا، حتى عندما نختلف معه.

وهذا، ربما، هو الدرس الأهم الذي خرجت به من رحلتي الطويلة مع الفلسفة.

لقد بدأت القراءة وأنا أبحث عن المعرفة، ثم اكتشفت أنني كلما قرأت أكثر، ازددت إدراكًا لحجم ما لا أعرفه. بدأت وأنا أظن أن بعض الأفكار حقائق لا تقبل النقاش، ثم وجدت نفسي أسأل عن تاريخها ومصادرها والأسس التي قامت عليها. وكلما ظننت أنني اقتربت من الإجابة، ظهر سؤال جديد خلفها.

وهكذا أصبحت الفلسفة بالنسبة إليَّ ليست مخزنًا للأجوبة، وإنما تمرينًا دائمًا على السؤال.

أما "كانت"، فقد كان له في هذه الرحلة مكان خاص؛ لأنه علّمني أن السؤال عن المعرفة قد يكون أعمق من المعرفة نفسها، وأن العقل الذي نستخدمه لفهم العالم يحتاج هو أيضًا إلى أن يكون موضوعًا للفحص والنقد.

ومن هنا جاءت رغبتي في أن أشرح بعض أفكاره للآخرين وبحسب معرفتي البسيطة، لعلي أوفيه حقه.

فإذا استطعت، من خلال فيديو قصير أو مقال بسيط، أن أجعل شخصًا واحدًا يتوقف للحظة ويسأل نفسه: «هل ما أعتقد أنني أعرفه هو فعلًا ما أعرفه؟»، فسأكون قد حققت شيئًا أراه مهمًا.

لأن الفلسفة، في النهاية، لا تبدأ عندما نمتلك الأجوبة، وإنما عندما نمتلك الشجاعة الكافية لنسأل من جديد.



#داود_السلمان (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هؤلاء علموني: دوستويفسكي(5)
- هؤلاء علموني: علي الوردي(4)
- هؤلاء علموني: طه حسين(3)
- هؤلاء علموني: غوستاف لوبون(2)
- (هؤلاء علموني) سلامة موسى(1)
- فلاسفة الألمان (1)
- رحيل مُشرّح اللاوعي العربي
- كانط: حين يسأل العقل عن حدوده
- المثقف في عصر الذكاء الاصطناعي
- هواء مجلجل
- فوق هشة الأوهام
- قراءة في كتاب (سِفر من الملكوت إلى الملكوت)
- وها أنا الآن
- شروط الرواية الناجحة
- علي الوردي وطبيعة الوعظ
- ماذا قال تولستوي في أعترافاته؟
- مها الغرابي تكتب عن (دعابل) لرياض داخل
- الغجر والقرج في العراق
- هل وصلت رسالة الحُسين؟
- قلقنا المزمن


المزيد.....




- ترامب عن الذكاء الاصطناعي: -أرى رقابة ذاتية هائلة-
- شاهد.. سمكة قرش تجذب مئات الآلاف من الزوار بعد احتجازها في ق ...
- راكب ملطخ بالدماء على متن رحلة -فلاي دبي- ينشر فيديو أثناء ا ...
- بيان سعودي جديد بشأن مسافري رحلة -فلاي دبي-
- بعد أكثر من عقدين في العراق، كيف بدأ الوجود العسكري الأمريكي ...
- مصر ـ التحقيق مع رئيسة تحرير موقع مستقل بتهمة -نشر أخبار كاذ ...
- تضامن واستنكار.. ترحيل الصحفي السوري سامر مختار قسرا من مصر ...
- مصر توقف أسرة التحرير .. ماذا نعرف عن منصة -متصدقش-؟
- مقاولون مصريون يدخلون فلسطين لبدء إنشاء -رفح الخضراء-
- رحلة نهرية عبر الزمن: كيف حوّلت السفن الكهربائية موسكو إلى م ...


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - داود السلمان - هؤلاء علموني: إيمانويل كانت(6)