أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احمد كانون - فصام المعرفة: جدلية التعلم: في استقلال التعلم عن الطبيعة:














المزيد.....

فصام المعرفة: جدلية التعلم: في استقلال التعلم عن الطبيعة:


احمد كانون
كاتب عقلاني حر

(Ahmed Kanoun)


الحوار المتمدن-العدد: 8844 - 2026 / 9 / 30 - 12:44
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


​لم يكن التعلم البشري في مستهله سوى عملية محاكاة وانعكاس شرطي للبيئة المحيطة. في بداية الإدراك الأول، وقف الإنسان أمام الطبيعة موقف التلميذ الشغوف والمستسلم لقوانينها؛ يستوحي منها حلوله المعمارية، ويتتبع أسرار بقائه من ملاحظة سلوك حيواناتها وتغيرات فصولها. كانت الطبيعة هي المرجع المعياري الأول والأخير! : منها اشتق البشر شرارة النار الأولى، ومن صراع الضواري تعلموا ميكانيكا القوة والتكيف البدني، ومن حركة المياه والرياح أدركوا مفهوم الحركة والديناميكا.
​ثم أخذت المعرفة مساراً جديداً مع الانتقال إلى عصر الحداثة والانفجار الفلسفي والعلمي. لم يعد العقل يكتفي بالترجمة الأمينة للملاحظة العيانية، بل دمج بين استقراء الواقع وبين الابتكار الذهني الخالص. تجلى ذلك في اختراعات ومفاهيم لا وجود لمقابل مادي مباشر لها في الطبيعة،، من المحرك البخاري والموجات الكهرومغناطيسية إلى الرياضيات التجريدية والنظرية النسبية. لقد أضحى العقل شريكاً للطبيعة في التأسيس، يُعيد صياغة مفرداتها وفق رؤاه الخاصة.
​اليوم، ونحن نلج أفق عصر ما بعد بعد الحداثة (Post-Postmodernism)، نجد أنفسنا أمام قطيعة معرفية (Epistemological Break) غير مسبوقة. يتجه منحنى التعلم نحو التجريد التام، حيث بات معظم ما نتعلمه ونبتكره وليد شبكات افتراضية، خوارزميات ذكاء اصطناعي، وهندسة جينية وتوليدية، منقطعة الصلة كلياً عن "وحي الطبيعة". إننا ننتقل من "محاكاة الطبيعة" (Biomimicry) إلى "تخليق الواقع" (Synthetic Reality)، وهو ما يفتح الباب أمام عالم مختلف، ذي طابع فصامي، يتحرك فيه منحنى التعلم بسرعة أسية فائقة.
​إن هذا التحول المعرفي الجذر يحمل في طياته إمكانيات غير محدودة بقدر ما يفرض مخاطر وجودية.
​
تتطور الطبيعة عبر آليات الانتخاب الطبيعي والمحاولة والخطأ على مدى ملايين السنين. أما التعلم الابتكاري الخالص فيمنح العقل البشري قدرة على اختزال الزمن. على سبيل المثال، استطاعت خوارزميات الذكاء الاصطناعي (مثل AlphaFold) التنبؤ بطي مئات الملايين من البنيات البروتينية في أشهر معدودة، وهو إنجاز كان يتطلب عقوداً من الملاحظة التجريبية البيولوجية.
​حل مشكلات المركبات غير الطبيعية
الطبيعة لم تُصمم لمعالجة أزمات التعقيد التكنولوجي الحديث؛ فالأزمات مثل تنظيم الترددات الكهرومغناطيسية، وإدارة الشبكات السحابية، وضبط الأسواق المالية المعقدة، وتشفير البيانات، تتطلب أدوات معرفية تجريدية لا تتوافر لها أي نماذج استرشادية في المحيط البيولوجي.
​
عندما تحاكي الطبيعة، فإنك تبقى محكوماً بما هو قائم وملموس. لكن عندما تتأسس المعرفة على المفاهيم والرموز والتجريد، تصبح الابتكارات الجديدة منطلقة من ابتكارات تجريدية سابقة؛ فالكود البرمجي يُبنى على كود أسبق، والنموذج الرياضي يُولد نموذجاً أكثر تعقيداً، مما يدفع بمنحنى التعلم إلى مستويات فائقة التسارع.
​
يتطرق الفيلسوف الفرنسي جان بودريار (Jean Baudrillard) في طرحه لمفهوم "السيبيولاكرا" (Simulacra) إلى حالة يصبح فيها الزيف أو المحاكاة التجريدية أكثر واقعية من الواقع نفسه. إن انقطاع التعلم عن جذوره الطبيعية يخلق "فصاماً إدراكياً" بين بنية الإنسان البيولوجية التي تطورت للتفاعل مع العالم المادي الحسي، وبين بيئة سيميائية ورقمية شديدة التجريد، مما يولد حالة عميقة من الاغتراب الضبابي والإجهاد الذهني.
يرى المفكر نسيم طالب (Nassim Taleb) في كتابه "الصلابة ضد الكسر" (Antifragile) أن الأنظمة الطبيعية والبيولوجية تتميز بقدرتها على التعافي والتكيف بفضل تطورها العضوي عبر الزمن. في المقابل، فإن التصاميم والمعارف التجريدية الخالصة قد تكون عالية الكفاءة في ظروفها المثالية، لكنها شديدة الهشاشة؛ أي خطأ غير متوقع في النمذجة أو كود الخوارزمية قد يؤدي إلى انهيار منظومي شامل يفتقر إلى صمامات الأمان العضوية.
كان حكماء الماضي يعودون دائماً إلى الطبيعة لاختبار أفكارهم. أما التعلم المغلق داخل المحاكاة الرقمية والنماذج التجريدية فقد يسقط العقل في غرف صدى رياضية، حيث تتأكد صحة الفرضيات داخل النموذج نفسه، بينما تنفصل كلياً عن الديناميكيات الفيزيائية والاجتماعية الفعلية.
​
في رؤيته القاتمة للتكنولوجيا الحديثة، حذر الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر (Martin Heidegger) من التعامل مع العالم باعتباره مجرد "مورد تقني جاهز للتسخير"، مقطوع الصلة بجوهره الطبيعي. الابتكار بعيداً عن اتزان الطبيعة يولد آثاراً جانبية غير محسوبة (Second-Order Effects)،، مثل تخليق مواد كيميائية لا تسعها الدورة البيولوجية، أو إطلاق أنظمة ذكاء استقلالية تتفاعل بطرق غير متوقعة تتجاوز قدرة السيطرة البشرية.
​إن التحدي الأكبر لمجتمعات المعرفة في هذا العصر لا يكمن في كبح جماح التجريد والابتكار الخالص، بل في إعادة التوازن البنيوي بين قوة التجريد الابتكاري وبين الحكمة العميقة المكتسبة من القراءة المستمرة لقوانين الطبيعة. فالعقل الذي ينفصل تماماً عن جذوره البيولوجية والمادية يغامر بالتحول إلى كيان فائق الذكاء، لكنه منبتّ الصلة بالحقيقة.



#احمد_كانون (هاشتاغ)       Ahmed_Kanoun#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين عقدة الذنب و ارادة القوة: حين اختلفت بوصلة الإنسان بين ف ...
- كيف تصنع السلطة و يصنع المجتمع نبوءات ذاتية التحقق!:
- مصيدة (ثوكيديدس):في الصراع بين واشنطن وبكين:
- بين أورويل و هكسلي: سيكولوجية استعباد الجماهير في العصر الحد ...
- فن الرحمة و القوة: جدلية سيادة الدولة و ارتقاء الفرد
- جدلية الشكل و الوظيفة في العمارة و الملابس:
- عقول صممت للغابة: نغامر بها في العصر الرقمي!:
- تأديب العقل!: سلطة العائلة والقبيلة وتاريخ وصم المخالف بالجن ...
- تأديب العقل: كيف تصنع السلطة الواقع و متى تصم المعارضين لها ...
- فقه اللحظة: قوة -الآن- بين تمرد أوشو وتأملات الفلاسفة؛
- ​رحيل السند: عن مرارة الفقد وحكمة البقاء:
- السلطة و ثالوث الفقر و الجهل و المرض:
- عندما يؤكل رأس الزوج
- الزوج والزوجة: رقصة الصراع الأبدي:
- تطور عكسي! : من الغابة إلى منصات إطلاق الصواريخ!:
- اللغة الأم: الإدراك و السيادة في العلم والأدب:
- السيادة الإبستمولوجية وتفكيك عقدة التبعية: الدرس المسكوت عنه ...
- تأملات في النميمة؟.
- بين المعرفة الادبية و العلمية: هل تحفظ اللغة ما تضيعه الكوار ...
- الوهم والواقع: الهندسة العكسية للقدر البشري عبر النبوءة ذاتي ...


المزيد.....




- هل تملك الحكومة المقبلة الجرأة لقيادة الإصلاحات الهيكلية؟
- سبعة شروط إيرانية لإنهاء الحرب.. ماذا عن الرد الأميركي؟
- -حزب الله- يصدر بيانا بشأن خلية أعلنت دمشق عن توقيفها في حوض ...
- 23 عاما من التدخل الأمريكي في العراق.. من الغزو إلى الانسحاب ...
- دمشق تنفي ترحيل 700 ألف لاجئ سوري من ألمانيا وتوضح مسار المب ...
- شاكيرا ترفع الأسعار في مصر
- الأمن الفيدرالي الروسي يعتقل مزوراً لوثائق -اللجوء السياسي- ...
- الجلطة الدماغية لا تعرف العمر.. طبيب يكشف خطرها على الأطفال ...
- خطوة نحو -إكسير الشباب-.. عقار واعد لمكافحة الشيخوخة يطيل ال ...
- مشاهد متادولة من طائرة -فلاي دبي- لحظة هبوطها في تبوك بسلام ...


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احمد كانون - فصام المعرفة: جدلية التعلم: في استقلال التعلم عن الطبيعة: