أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احمد كانون - بين عقدة الذنب و ارادة القوة: حين اختلفت بوصلة الإنسان بين فرويد وأدلر:














المزيد.....

بين عقدة الذنب و ارادة القوة: حين اختلفت بوصلة الإنسان بين فرويد وأدلر:


احمد كانون
كاتب عقلاني حر

(Ahmed Kanoun)


الحوار المتمدن-العدد: 8842 - 2026 / 9 / 28 - 12:02
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
    


​في بداية القرن العشرين، وتحديداً في فيينا التي كانت تموج بالتحولات الفكرية، لم يكن الخلاف بين سيغموند فرويد وألفريد أدلر مجرد انقسام بين أستاذ وتلميذه، عام 1911؛ بل كان صراعاً فلسفياً حول الإجابة عن السؤال: ما الذي يحرك الإنسان؟.
​بينما كان فرويد يغوص في اللاشعور، كان أدلر ينظر إلى السماء، متسائلاً عن الاتجاه الذي تقصد السفينة الإبحار إليه. هذا التحول من "تاريخ السفينة" إلى "وجهتها" هو ما شكل جوهر الخلاف بين المدرستين في ثلاثة محاور رئيسية: الدافع، عقدة النقص، والحلول النفسية.

​يقف فرويد عند حدود البيولوجيا، مشدداً على أن الإنسان كائن تحركه غرائز حاسمة ومكبوتة، وفي مقدمتها "الليبيو" أو الطاقة الجنسية، إلى جانب غريزة الموت. بالنسبة لفرويد، فإن كل منجز حضاري، وكل إبداع فني أو عمل فكري، ليس سوى زحزحة (Sublimation) لهذه الرغبات البدائية التي يصطدم بها الفرد مع قيود المجتمع. الإنسان عند فرويد مدفوع من الخلف، محكوم بماضيه ورغباته المكبوتة.
​على الضفة الأخرى، رفض أدلر هذه الرؤية الاختزالية، مؤكداً أن الإنسان ليس عبداً لغرائزه البيولوجية، بل هو كائن غائي (Teleological) مدفوع بالمستقبل وبأهدافه. لم يكن المحرك عند أدلر دافعاً جنسياً، بل هو "السعي نحو التفوق" (Striving for Superiority) وتجاوز الذات. إن إرادة القوة والبحث عن المكانة والكمال هي التي تدفع عجلة الإنسان للأمام، فالإنسان عند أدلر لا يهرب من ماضيه، بل يركض نحو غايته.
​
​في أدبيات فرويد، يُفهم الشعور بالعجز كعَرَض ناتج عن صدمات الطفولة المبكرة، وخاصة أثناء مواجهة الطفل لسلطة الأب (عقدة أوديب). النقص عند فرويد هو جرح في "الأنا" ينجم عن صراع ثنائي بين رغبات "الهو" وقمع "الأنا الأعلى"، مما يولد مشاعر ذنب وكبت تظهر في صورة أعصاب أو مخاوف مرضية.
​أما أدلر، فقد أحدث انقلاباً مفهومياً حين جعل "الشعور بالنقص" (Inferiority Feeling) حالة إنسانية عالمية وطبيعية تماماً. تبدأ القصة،، حسب أدلر،، من ضعفنا الجسدي البيولوجي كأطفال محاطين بعالم من الكبار الأقوياء. هذا الشعور بالنقص ليس مرضاً في حد ذاته، بل هو الوقود الذي يدفع البشرية للتعلم، والابتكار، والبناء.
​غير أن الخلل يحدث،، وفق أدلر،، عندما يتحول هذا الشعور الطبيعي إلى "عقدة نقص" (Inferiority Complex) يستسلم لها الفرد، أو يتعامل معها بـ "تعويض زائد" غير صحي عبر الغرور والتسلط فيما يعرف بـ "عقدة التفوق" (Superiority Complex)، وهي مجرد قناع زائف لتغطية هشاشة داخلية عميقة.
​
​تنعكس هذه الفروق الجذرية على النهج العلاجي والحلول التي يقدمها كل منهما:

يقوم العلاج النفسي الفرويدي على غوص المعالج في اللاشعور عبر التداعي الحر وتفسير الأحلام، لإعادة الرغبات المكبوتة إلى الساحة الواعية. الحل هو "استبصار" الماضي؛ فبمجرد أن يفهم المريض الصدمة الأولى التي كبتها في طفولته، يحل الصراع النفسي. المعالج هنا بمثابة المُنقّب عن الآثار الذي يكشف ما حُفر في القاع.
​
بينما يرى أدلر أن العلاج لا يكتمل بمجرد فهم الماضي، بل بـ "إعادة تشكيل أسلوب الحياة" (Style of Life). الحل عنده يكمن في دمج الفرد مجدداً في نسيجه الإنساني عبر تنمية "الاهتمام الاجتماعي" (Social Interest). فالتعافي الحقيقي من عقدة النقص لا يكون بالانعزال أو السيطرة على الآخرين، بل بالتعاون معهم والمساهمة في المصلحة المشتركة. المعالج لدى أدلر ليس منقباً، بل هو شريك ومربٍّ يعيد توجيه اهداف الفرد نحو غايات صحية وواقعية.
​
​إن المفاضلة بين فرويد وأدلر ليست مفاضلة بين الخطأ والصواب، بل بين منظارين لرؤية النفس البشرية. لقد أهدانا فرويد جراحة تشريحية عميقة لأغوار اللاشعور ومكامن الصدمة، بينما منحنا أدلر بوصلة إنسانية تراهن على إرادة الإنسان، وعقله الواعي، وقدرته على إعادة اختراع نفسه.
​قد نكون جميعاً محملين بآثار من ماضينا كما أراد فرويد، لكننا دون أدنى شك نمتلك الشجاعة،، كما أراد أدلر،، لنقرر من سنكون غداً، متجاوزين نقاط ضعفنا لنبني منها مواطن قوتنا.



#احمد_كانون (هاشتاغ)       Ahmed_Kanoun#          


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- كيف تصنع السلطة و يصنع المجتمع نبوءات ذاتية التحقق!:
- مصيدة (ثوكيديدس):في الصراع بين واشنطن وبكين:
- بين أورويل و هكسلي: سيكولوجية استعباد الجماهير في العصر الحد ...
- فن الرحمة و القوة: جدلية سيادة الدولة و ارتقاء الفرد
- جدلية الشكل و الوظيفة في العمارة و الملابس:
- عقول صممت للغابة: نغامر بها في العصر الرقمي!:
- تأديب العقل!: سلطة العائلة والقبيلة وتاريخ وصم المخالف بالجن ...
- تأديب العقل: كيف تصنع السلطة الواقع و متى تصم المعارضين لها ...
- فقه اللحظة: قوة -الآن- بين تمرد أوشو وتأملات الفلاسفة؛
- ​رحيل السند: عن مرارة الفقد وحكمة البقاء:
- السلطة و ثالوث الفقر و الجهل و المرض:
- عندما يؤكل رأس الزوج
- الزوج والزوجة: رقصة الصراع الأبدي:
- تطور عكسي! : من الغابة إلى منصات إطلاق الصواريخ!:
- اللغة الأم: الإدراك و السيادة في العلم والأدب:
- السيادة الإبستمولوجية وتفكيك عقدة التبعية: الدرس المسكوت عنه ...
- تأملات في النميمة؟.
- بين المعرفة الادبية و العلمية: هل تحفظ اللغة ما تضيعه الكوار ...
- الوهم والواقع: الهندسة العكسية للقدر البشري عبر النبوءة ذاتي ...
- الفساد المُدار: الضرورة الهيكلية لاستقرار الهرم المجتمعي! :


المزيد.....




- بمناسبة عيد ميلادها.. الملك عبدالله الثاني يصطحب ابنته الأمي ...
- ترامب يظهر في إعلانات ممولة من أموال دافعي الضرائب.. وانتقاد ...
- عملاق وبعيد.. كوكب غريب يكشف سره للأرض!
- الوحدة والعزلة الاجتماعية قد تسرقان سنوات من الحياة الصحية
- أثر جانبي مقلق يهدد صحة ا?طفال بعد استخدام حقن التخسيس الشهي ...
- غارات وقصف مدفعي إسرائيلي مكثف على بلدات جنوب لبنان
- ماكرون يحضر قداس البابا ليون الرابع عشر بمدينة ميتز في آخر ي ...
- مستوطنون يقتحمون باحات الأقصى والاحتلال يغلق الحرم الإبراهيم ...
- تضامن أمام البيت الأبيض وشكوك في استقلالية -سي إن إن-
- رغم صعوده الأخير.. -البديل من أجل ألمانيا- يخسر جولة الإعادة ...


المزيد.....

- من هيجل إلى ماركس - جدلية الفكر ومستقبل الماركسية / غازي الصوراني
- التطوع الرقمى / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- العمل التطوعى نماذج وتطبيقات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- الطبيعة والتقليد / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- علم الاجتماع الوصفي لأفلاطون / عبد المجيد إسماعيل الشهاوي
- بنيةُ الظهور بوصفها شرط إمكانه وتوليده / علي مجيد
- البساطة / عبدالجليل الكناني
- أحمد رباص / كتاب هيغل :قراءة جماعية جديدة في "فينومينولوجيا الروح"
- الوعي كمشكلة في علم نفس السلوك .تأليف: S.L. فيجوتسكي .الاتحا ... / عبدالرؤوف بطيخ
- الفينومينولوجيا الهوسرلية النظرية والمنهاج / احسان طالب


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع - احمد كانون - بين عقدة الذنب و ارادة القوة: حين اختلفت بوصلة الإنسان بين فرويد وأدلر: