أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عمر حمش - طريق النمل














المزيد.....

طريق النمل


عمر حمش

الحوار المتمدن-العدد: 8843 - 2026 / 9 / 29 - 12:58
المحور: الادب والفن
    


الطريق إلى الجنوب راح. صار حُفرًا، حفرة تتلوها حفرة، وممرًّا يضيق داخل تلال الركام، يلتفّ ويعود، وأنت لا تعرف إن كنت تتقدّم أم تدور.
قرب السرايا المهدّمة انتظرت عربة. وقفت هناك، وتذكّرت السجن الذي كان. جاءني ممرّ وجدار، وغرفة جلاد بلا نافذة. طردت السجن ولبثت أهزّ رأسي، إلى أن جاءت عربة صعدتها.
انغلقت علينا.

رجل إلى جواري، امرأة خلفه ملتصقة به، وخلفها آخر. كنّا أجسادًا فوق أجساد. العربة تجرّ عربة كانت ملكًا لحصان، فصرنا قافلة تهتزّ: قاطر يتبعه مقطور.
السائق يدوس ويراوغ الحفر. نقفز ونهبط، نتدافع ونتصادم، تتراطم رؤوسنا، وتتداخل الصيحات حتى نستقرّ، وتصمت القافلة.
وكان السائق كلما رأى أحدًا توقّف، وحشره بيننا. حسبته آخر واحد، فظهر آخر.
وإذا سأل سائل: وين يقف؟
جاء جواب السائق: دبّروه.

صار الهواء شيئًا نتقاسمه، والحفر تقذفنا ثم تعيدنا. نشتم الطريق، ونشتم العربة، ونشتم السائق، وهو يصرخ: من لا يعجبه ينزل.
في لحظة انفلتت من المقطور ضحكة، ثم سرت إلى القاطر، فضحكوا، ووصلت إلى السائق، فقهقه.
راقبت السائق، فجاء السجّان.
ضحكت، فظنّ مجاوري أنني أضحك منه. ابتسمت له وأخبرته أنني أشاجر نفسي.

بين الخيام لم أعد أعرف أين نحن. الركام متشابه، والمخيمات تتشابه، والممرات تتبدّل. العربة تتقدّم ثم تنحرف، والسائق يلعن.
في البداية ظهرت خيمة بعيدة، وحيدة. ثم فوق ركام ظهرت أخرى، ثم امتدّت الخيام وراء الخيام، حبال وبطانيات وأغطية معلّقة، ودخلنا مدينة بلا جدران.
توقفت العربة. اندفعت الأجساد إلى الأمام، وارتفعت شتيمة، وقال السائق شيئًا لم أسمعه.

نزل الناس، أو تدافعوا، ووجدت نفسي أخيرًا على الرمل أمضي.
كنت أحفظ طريق خيمتي. دخلت ممرّها. علامتي بطانية ملوّنة، وهذا هو الحبل. توقفت.
الحبل ليس الحبل. والبطانية ليست هي. والممر الذي حسبته ممرّي انفتح على عشر خيام أخرى.
مشيت، ثم عدت. سألت رجلًا يحمل جالونًا عن خيمتي، فأشار بيده. مشيت وراء إشارته، فوجدت صفًا من الخيام لا أعرف أوله من آخره.
عدت إلى الرجل فلم أجده.
سألت امرأة تقف في مدخل خيمتها، فأشارت إلى الجهة التي جئت منها. عدت. كل شيء يشبه كل شيء: خيمة، ثم خيمة، ثم ممر ضيق، ثم خيام. حبال مشدودة بين أوتاد، بطانيات تتدلّى، أطفال يركضون، نساء ينادين. ومن ممر إلى آخر، وكل ممرّ يخرجني ثم يعيدني.
رأيت شابًا. سألته، فهزّ رأسه كأنه يعرف، ومشى أمامي خطوات. توقف عند خيمة وقال:
من هنا.
نظرت طويلًا. تركته ومضيت.
بعد قليل وجدت نفسي أمام الخيمة نفسها التي بدأت منها.
قلت: الخيام تدور.

جلست على الرمل لحظة، ثم نهضت.
واصلت السير، أزيح حبلًا، وأتفادى حفرة، وأتعثر بوعاء، وأعبر ممرًا ينفتح على ممر. وحين تعبت من السؤال، بدأت أبحث وحدي، كأن خيمتي ستعرفني.

رأيتها.
دخلت وارتميت على رمل بابها.
لكن رأسي راح إلى العربة. عاد التدافع، وصراخ السائق، وتأرجحت عربة الحصان في طريق يلتفّ.
أغمضت عيني وفتحتهما.
خرجت نملة، ثم ثانية، ثم ثالثة. كان النمل يشقّ الرمل ويمضي وهو يحمل فتاتًا.
تابعت نملة. تختفي، ثم تظهر. تمضي عنيدة بحملها، يسقط، فتنتشله.
ظهرت أخرى. لم أعد أعرف أيّتهما أتابع.
توقفت إحداهما أمام أخرى. لامستها بقرنيها، تراجعت، ثم عادت فدفعتها. فردّت الأخرى الدفعة. وجاءت ثالثة، فتدافعت مع الاثنتين واستولت على الفتاتة.
ضحكت.
خرجت نملة من تحتي، مشت قليلًا، توقفت، عادت، ثم غيّرت ممرّها.
كان النمل يتحرّك، وفي رأسي رؤوس تصدم رؤوسًا، رجل يطلب مكانًا ويصرخ في امرأة وهي تضحك، وحفر ترفعنا ثم ترمينا، وسائق يشتم ويلتفّّ ولا يشرح.
ثم وقفت نملة أمام حفنة رمل. صعدتها، سقطت، عادت صعدتها، ثم انحدرت. أضاعت طريقها، فقاربتني وصعدت ساقي. ثم هبطت، ومشت تجاورني. وقفت لأوسّع لها. ومكثت أراقبها، ويراودني خاطر أن أتتبعها.



#عمر_حمش (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- في الزنزانة
- صاحبي والعدس
- لا متسع للحب
- المفتاح
- اسمها في الكشف
- الطابور
- الاسم الذي مات.
- الكرسي
- زفاف
- ساعات موتي الأولى
- هل أنا مجنون؟
- وعاء
- حفرة
- قبر جديد
- مكعبات صفراء
- أنا بائع بطيخ
- أمر الإخلاء
- استرخاء
- خيطُ القمر
- ثَمِل


المزيد.....




- -خيوط مصر-.. القاهرة توطد العلاقات مع موسكو
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يبحث تعزيز الت ...
- التعليم العالى: مجلس جامعة بنها الأهلية يوافق على دراسة جدوى ...
- كيف انتهى المطاف ببوابة مصرية في ضاحية من ضواحي بطرسبورغ؟
- دال في ذكراه الـ225.. كيف صار الدنماركي دال حارسَ اللغة الر ...
- إيليا ريبين.. الفنان الذي لم يتوقف عن الرسم حتى آخر أيامه
- بعد التخدير الطبي.. لماذا تختفي إحدى لغات ثنائيي اللغة مؤقتا ...
- مناقشة أطروحة دكتوراة في جامعة علي جراه الهنديّة عن أدب الأط ...
- إيشان والمركز الثقافي البغدادي يحتفيان بذكرى الشاعرة فدعة ال ...
- قمر خلف تعود إلى الحارة الدمشقية لمواجهة الظلم بـ-التوأم الش ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عمر حمش - طريق النمل