أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عمر حمش - ساعات موتي الأولى














المزيد.....

ساعات موتي الأولى


عمر حمش

الحوار المتمدن-العدد: 8802 - 2026 / 8 / 19 - 15:18
المحور: الادب والفن
    


حين جاء الانفجار لم أفهم شيئًا.
كنت في مخيَّم جباليا، في بيتي. بعدها رأيت كلَّ شيء من أعلى.
كان البيت كومةً، وذراعي وحدها خارجةً من تحت الحجارة، وكفّي التي كنت أمسك بها كوب الشاي ما زالت تحمل الخاتم. ثمَّ اخترق بصري الركام، فرأيت جسدي كلَّه. وصحت:
من هذا؟
مددتُ يدي إلى كتفي، فدخلتْ فيه.
ورأيتُ ابني والناس، وسمعته يقول:
أبي! أبي!
قالها مرَّة، ثمَّ مرَّة أخرى.
جلست أمُّه. لم تبكِ. كانت تحدِّق في الحجارة.
قلت لها:
أنا هنا.
لكنَّ الطائرة عادت.
رفع الجميع رؤوسهم، وأنا رأيت القاتل داخلها: وجهه، وعينيه، ويده التي تحرَّكت قبل أن يهتزَّ المكان من جديد.
ركض الناس. سقط آخرون. أمَّا أنا فلم أسقط. أنا لم يعد لي جسدٌ يسقط، لكنّي تبعت الطائرة وهي تبتعد، ثمَّ وجدت نفسي معها.
لم أطِر. كنت فقط هناك.



هبط، ورأيته يخلع خوذته ويمسح عرقه، ثمَّ يركب سيَّارة. جلست خلفه. كان يقود، وأنا أراقب يده على المقوَد.
قلت:
هذه اليد التي كانت قبل قليل فوق غزَّة.
مررنا بشوارع بدأت أعرفها:
بيوت، أشجار، سوق، وفوقه سماء.
ثمَّ رأيت النخلة.
إنَّها المجدل.
عادت أنفاسي، ثمَّ انقطعت.
توقَّفت السيَّارة أمام بيت. نزل وفتح الباب ودخل.
وفي اللحظة نفسها سمعت صوتًا:
وصلت يا بني؟
التفتُّ. كانت أمّي.
وقفتْ في المطبخ بثوبها المطرَّز القديم، بوجهِها نفسه، وبخصلة الشعر التي كانت دومًا تتغافل عن غطاء رأسها.
كيف لا أعرف أمّي؟
نظرت إليها طويلًا، ثمَّ إلى البيت.
في البدء لم أعرفه، لكنَّ شيئًا قديمًا تحرَّك داخلي. تذكَّرت كلام أمّي في المخيَّم عنه، وحديث أبي عن الباب والنخلة. ثمَّ تذكَّرت واقعة هروبه بأمّي، وهو يلتفت خلفه.
أمّي؟
لم تجب.
كان أبي قرب النافذة، أصغر ممَّا أتذكَّر. رفع عينيه، وكأنَّه يقول:
تأخَّرتَ.
مددت يدي إليه، فلم يستجب.
وفي الجهة الأخرى كان أبو الطيَّار يقول لابنه:
تأخَّرت.
جلست إلى المائدة.
أبي أمامي.
وأبو الطيَّار جواري.
أمّي وأمُّه تضعان الطعام.
قال أبي:
كُل.
وقال أبوه:
كُل.
نظرت إلى الرجل الذي قتلني. كان يأكل بنهم، ويضحك وهو يقطع الخبز، ثمَّ يشرب الماء.
قال لأبيه:
اشتقت لكم.
كان أبي صامتًا، وجواره أمّي صامتة.
قلت:
اشتقت لكم.
ورأيت ابني في غزَّة، عند الركام، يعود طفلًا ثمَّ يركض نحوي.
مددت يدي، فمرَّ من خلالها واختفى.



لم يعد أيُّ مكان ثابتًا.
المجدل أمامي، وغزَّة خلفي، أو لعلَّ الأمر كان بالعكس.
أبي في بيته الأوَّل، يختفي ويعود.
أمّي تفتح النافذة وتغلقها.
الطيَّار يدخل ويخرج، وابني مع أمّه هناك، ينتظران خروجي من الركام.
كلُّ الأزمنة صارت لحظةً واحدة.
أبي نفسه صار طفلًا تحت النخلة.
وأبو الطيَّار رأيته طفلًا في بيت بعيد في بولندا، وأبوه يناديه:
تعال.
ثمَّ جاء صوت ابني من غزَّة:
أبي!
وكنت أرى الطيَّار، قاتلي.
لم أكن أريد منه شيئًا.
كنت أراه يعود إلى بيته، بيتي، يقبِّل رأس أبيه، يأكل، ويسأل أمَّه، ويضحك.
وأنا أدقِّق في يده.
هذه اليد التي تمسك كوب الماء.
هذه اليد التي تمسح رأس أبيه.
هذه اليد التي تداعب أمَّه.
هذه اليد هي التي ضغطت لتقتلني.



عدتُ إلى غزَّة.
كان ابني نائمًا قرب الرّكام، جوار أمّه، وأنا جالس.
رفع ابني رأسه، وفتح عينيه وحدَّق في المكان.
قلت:
أنا هنا.
أغمض عينيه، ولم يقل:
أبي.



مع الفجر عدت إلى المجدل.
كان أبي تحت النخلة.
أين كنت؟
كنت مع ابني.
أيُّ ابن؟
لم أجب.
جاءت أمّي تضع الطعام أمامي.
اجلس.
جلست.
وفي اللحظة نفسها دخل الطيَّار.
ناداه أبوه:
اجلس.
جلس، وكانت أمُّه تضع أمامه الطعام.



رفع أبي رأسه.
أغلقت أمّي النافذة.
تحرَّك الطيَّار يريد الذهاب إلى غزَّة.
تحرَّكت السعفة.
نظرت إليها.
قلت:
أمّي.
أبي.
لم يجب أحد.
نظرت إلى الطيَّار وهو يخرج. لم أطلب شيئًا.
فقط رأيته.
ورأيت أباه يلاحقه، يضع يده على رأسه ويباركه.
وكانت السعفة تتحرَّك.
ولا أعرف لمن تتحرَّك، ولا من يحرِّكها.
الرِّيح؟
أمّي؟
أبي؟
أم يدٌ أخرى؟
لكنّي كنت فقط أرى.
أنا فقط أرى.



#عمر_حمش (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- هل أنا مجنون؟
- وعاء
- حفرة
- قبر جديد
- مكعبات صفراء
- أنا بائع بطيخ
- أمر الإخلاء
- استرخاء
- خيطُ القمر
- ثَمِل
- هناك أحدٌ حي؟
- ظل ..
- عشر دقائق فقط ..
- الذي لم يره أحد
- مع خيمتي
- اللؤلؤة المغادرة
- مع خيمتي
- لا أحد
- قد يكون هو
- ليالٍ لا ركن فيها


المزيد.....




- ثلاث بيضات فابرجيه طلبها نيقولاي الثاني ضمن أغلى خمس بيضات ف ...
- سوبيانين: ترميم أكثر من 30 موقعا للتراث الثقافي في موسكو خلا ...
- من قلعة بني حماد إلى بجاية.. كيف غيّر البحر مصير الدولة الحم ...
- -على طريقة الأفلام-.. كاميرات توثق اغتيال زعيم مافيا القوقاز ...
- -الحياة بعد الموت- يحصد الجائزة الكبرى في مهرجان -كوروتشي- ا ...
- بدل الأجراس.. يوم المعرفة في روسيا يبدأ بأغان شهيرة من الحقب ...
- مرشحة للرئاسة الأمريكية تدعو إلى تعزيز التبادل الثقافي مع رو ...
- نجم الكوميديا اللبناني صلاح تيزاني يرد على المغرضين: -أنا هن ...
- كيف بدأت فكرة موسوعة غينيس؟
- بمناسبة المولد النبوي الشريف.. الفنان طارق فؤاد في ضيافة صوت ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عمر حمش - ساعات موتي الأولى