أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عمر حمش - صاحبي والعدس














المزيد.....

صاحبي والعدس


عمر حمش

الحوار المتمدن-العدد: 8836 - 2026 / 9 / 22 - 19:59
المحور: الادب والفن
    


هذا، يا سيدي، لي صاحبٌ لم يكن يعجبه العجب، ولا الصيام في رجب. ظلّ طوال عمره معلّمًا مرتّبًا، نظيفًا، شديد الاعتناء بنفسه، يرى أنّه مظلوم في هذا البلد ومن طريقة عيش أهله، وكان، فوق ذلك كلّه، لا ينسى أنّه أستاذ. حتى إذا جلس معك في مقهى، تصرّف كأنّه في غرفة معلّمين، وإذا اختلف معك في رأي، أعاد عليك الكلام بنبرة من يصحّح ورقة امتحان.
ثم جاءت الحرب، ولم تترك له لا مقهى ولا غرفة ولا حتى كرسيًّا يحتفظ به لنفسه. وجد صاحبي نفسه مرميًّا في مواصي خان يونس، في خيمة لا تستقيم من شدّة الريح، وبين رمل يدخل إلى الفراش والثياب والطعام، ودخانٍ لا يعرف إن كان آتيًا من بيت احترق أم من موقد أحد النازحين. وصار الصباح عنده هو الوقت الذي يتأكّد فيه أنّه ما زال حيًّا، والمساء انتظارًا طويلًا لشيء يؤكل أو لماء يكفي. ومع ذلك ظلّ في داخله صوت صغير، عنيد، يقول له: تذكّر، أنّك أستاذ.
في ذلك اليوم رنّ لي رنّة واحدة، ثم أغلق الهاتف مسرعا، كأنّه يخشى أن أفتح الباب وأراه. وأنا، طبعًا، لم أفتح، بل عدت واتصلت به. وبصراحة، وعلى رأي فايزة أحمد، أنا أحبّ هذا الرجل؛ لأنّي أضحك معه، وهو في هذه الأيام لا يملك إلا أن يجعلني أضحك.
راح يحكي، وقال إنّ عنده جار غبيّ، وإنّه أيضا كان أغبى؛ لأنّه ردّ عليه. حين لم يره إلا مقبلًا نحوه، ومعه طنجرة، يقول له:
هيا، أحضر طنجرة!
سأله: إلى أين؟
قال: إلى التكية، يا رجل.
قال: حسنًا.
دخل صاحبي خيمته، وأخرج الطنجرة. ووقف لحظة ينظر إليها، ثم قال لنفسه: هذه آخرتها؟ أنا، الأستاذ، أحمل طنجرة وأمشي وراء مجنون. لكنه حملها في النهاية وقال: لا بأس، المهم العدس.
ومشى الرجل، ومشى صاحبي وراءه.
في البداية كان الطريق بين خيام متراصّة على الرمل، كأنّها نبتت في ليلة واحدة، والناس عند مداخلها يجلسون بصمت، بعضهم يحمل جالون ماء، وبعضهم ينتظر دوره في شيء لا يعرف متى يأتي.
وصاحبي الأستاذ يمشي والطنجرة في يده، ويحاول أن يتجاهل الرمل الذي أخذ يدخل حذاءه من كل ناحية.
بعد قليل سأله: إلى أين يا رجل؟
قال: وصلنا.
نظر حوله. لم يرَ تكية ولا شيئًا يشبهها.
قال: أين وصلنا؟
قال: امشِ.
فتبعه، وبعد قليل سأل ثانية: إلى أين؟
قال الرجل: وصلنا.
وظلّا يمشيان، يصعدان تلّة وينزلان منها، ليصعدا أختها وينزلا عنها، وقدما الأستاذ تغوصان في الرمل، ويشرع في تخليصهما. أمّا الطنجرة فدخلها الرمل شيئًا فشيئًا، حتى صار قاعها مغطّى بطبقة رقيقة منه.
قال له: يا رجل، هذه تكية أم صحراء؟
لم يجبه.
واصل السير.
وكان الهواء يحمل رائحة البحر من جهة، ورائحة دخان قديم من جهة أخرى، وبينهما رائحة طبخ تأتي ثم تختفي.
عاد قال: إلى أين؟
قال الرجل: وصلنا.
فقال صاحبي وهو يبرطم:
وصلنا!
وصلنا إلى أين يا أخي؟ إلى الصين؟
لكن الرجل واصل المشي.
وأنا الآن أضحك من كلام صديقي حتى إنّ الجيران سمعوا ضحكي، ولعلّهم قالوا: جُنّ الحاج. والأستاذ محمد يحكي، حتى وصل إلى النهاية وقال: وصلنا، يا سيدي، إلى التكيّة.
وقالها كأنّه فتح له باب الدنيا.
وكان الذي يوزّع الطعام واقفًا خلف قدر عدس كبير. نظر إلى الأستاذ، ثم إلى الطنجرة، ثم إلى ثيابه المغبّرة، ثم إلى وجهه الذي أنهكه الرمل والمشي. لم يقل شيئًا. أخذ المغرفة وغرف له.
مغرفة واحدة.
ثم نظر إليه ثانية، فعاد وغرف ربع مغرفة أخرى، وهزّ المغرفة قليلًا قبل أن يعيدها إلى القدر، كأنّه يقول:
ها أنا قد زدت لك.
يقول الأستاذ محمد إنّه في تلك اللحظة شعر أنّه حصل على منحة، لا على ربع مغرفة عدس.
أخذ الطنجرة وقال:
الله يعطيك العافية.
ثم ابتعد، وهو يحاول أن يمشي مشية تحفظ له شيئًا من هيبة الأستاذ.
لكنّه، بعد خطوات قليلة، نظر في الطنجرة، وقال:
يا لطيف.
كان العدس قليلًا، ومختلطًا برمل كثير.
وعاد مع جاره يصعدان التلال من جديد، والطنجرة تهتزّ في يده، والعدس في قاعها يتحرّك. وكلّما صعد تلّة انزلقت قدمه إلى الخلف. ثم بدأ يتنفّس بصعوبة، واختلط عرق وجهه بالغبار.
قال: يا رجل، تمهّل.
قال الآخر: ليش؟
قال: الطنجرة.
قال: شو فيها؟
قال: العدس.
نظر الرجل إليها وقال: موجود.
ظلّ ساكتًا قليلًا، ثم قال: يا أخي، خرجنا من بيوتنا لأنّ البيوت سقطت، وتركنا أغراضنا لأنّها صارت تحت الركام، وتركنا مطابخنا لأنّنا صرنا نطبخ على الحطب، والآن أمشي كلّ هذه المسافة لأرجع بمغرفة عدس ورمل.
ثم نظر إلى الرجل وقال: وأنت، من قال لك إنّي فاضي؟
وأكمل:
أنا عندي مهنة، على فكرة.
قال الرجل: شو مِهنتك؟
قال: أستاذ.
قال الرجل: آه.
ولم يزد.
كانت كلمة آه وحدها كافية لتزيد غيظه.
قال الأستاذ محمد: آه شو؟
قال الرجل: ولا شيء.
ومضى.
هنا بدأ يفقد أعصابه. ولم يعد يعرف إن كان يضحك أم يلعن أم يبكي. نظر إلى الطنجرة وقال لنفسه:
كنتَ معلّمًا، يا رجل. كنت تدخل الصفّ نظيفًا، تمسح حذاءك قبل أن تدخل، وتكتب على السبورة بخطّ مستقيم. انظر إليك الآن! تمشي وراء مجنون، تحمل طنجرة فيها عدس ورمل، وتجادل واحدًا لا يعرف حتى أنّك أستاذ.
ثم سكت قليلًا، ثم عاد يبرطم:
أستاذ! أستاذ! شو يعني أستاذ؟ هل سيعطونني بسببها مغرفتين؟
هل سيتركون لي كرسيًّا؟ أم يجعلون الرمل أقلّ سخونة؟
وكانت الطنجرة في يده أثقل من هذه الأسئلة.
وحين وصل إلى آخر التلّة، توقّف. نظر إلى العدس القليل، فرأى الرمل قد التصق به حتى لم يعد يعرف أين ينتهي العدس وأين يبدأ الرمل.
بصق من القهر، ثم قلب الطنجرة.
وقف جاره ينظر إليه.
قال: ما لك يا رجل؟ كببت العدس؟
وصاحبي نظر إليه طويلًا، ثم إلى الطنجرة الفارغة، ثم إلى الرمل.
قال:
لأنّي أستاذ.
قال الرجل: وما علاقة الأستاذ بالعدس؟
ظلّ محمد ساكتًا.
ثم قال:
لا علاقة له. هذه هي المصيبة.



#عمر_حمش (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)

الكاتب-ة لايسمح بالتعليق على هذا الموضوع


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- لا متسع للحب
- المفتاح
- اسمها في الكشف
- الطابور
- الاسم الذي مات.
- الكرسي
- زفاف
- ساعات موتي الأولى
- هل أنا مجنون؟
- وعاء
- حفرة
- قبر جديد
- مكعبات صفراء
- أنا بائع بطيخ
- أمر الإخلاء
- استرخاء
- خيطُ القمر
- ثَمِل
- هناك أحدٌ حي؟
- ظل ..


المزيد.....




- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يترأس اجتماع م ...
- لقاءات بجاية السينمائية: سينما الأمس لإضاءة سينما اليوم
- فنانة مصرية قديرة تعتزل الفن وتطالب الفنانين بعدم الاتصال به ...
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يتفقد فرع جامع ...
- كيف تُبنى بيئة فنية متجددة في الشرق الأوسط؟
- بين الفن والبرلمان وذكرى رامز.. روزينا لاذقاني تروي حكاية مر ...
- داخل منزل يتحول إلى متحف حي للثقافة والإبداع في قلب أبوظبي
- كيف يبرز -كونغرس العربية والصناعات الإبداعية- مستقبل اللغة ا ...
- الموسيقى تتصدر نقاشات منتدى الثقافات المتحدة في بطرسبورغ
- معرض -سلالة- يوثق إرث عائلة ارتبطت بمسرح موسكو للفنون


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عمر حمش - صاحبي والعدس