أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - حسين علي الحمداني - ظاهرة الانتحار في العراق














المزيد.....

ظاهرة الانتحار في العراق


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8843 - 2026 / 9 / 29 - 11:56
المحور: الصحة والسلامة الجسدية والنفسية
    


لم يعد الانتحار في العراق مجرد حالات فردية معزولة يمكن التعامل معها باعتبارها أحداثاً استثنائية، بل أصبح ظاهرة اجتماعية ونفسية تستحق التوقف عند أسبابها ودوافعها، خصوصاً مع ارتفاع معدلاتها بين فئات عمرية شابة.
وتشير الإحصاءات الرسمية إلى تسجيل مئات حالات الانتحار سنوياً، وتتركز نسبة مهمة منها بين الشباب، وهي أرقام لا ينبغي التعامل معها بوصفها مجرد إحصاءات، لأن وراء كل رقم إنساناً وصل إلى مرحلة شعر فيها أن الحياة لم تعد تمنحه ما يكفي من أسباب للاستمرار.
ولا يمكن اختزال الظاهرة بسبب واحد. فهناك مجموعة عوامل نفسية واجتماعية واقتصادية تراكمت خلال سنوات طويلة، وأنتجت بيئة أصبح فيها اليأس أكثر حضوراً لدى بعض الشباب.
فجيل كامل عاش الحروب والحصار والاحتلال والعنف الطائفي والنزوح والإرهاب، وهي تجارب لا تنتهي آثارها بانتهاء الحدث نفسه. فالصدمة النفسية يمكن أن تستمر سنوات، خصوصاً عندما لا يجد الإنسان فرصة للعلاج أو الحديث عما عاشه، وقد تتحول إلى اكتئاب وقلق وعزلة وشعور دائم بعدم الأمان.
ويأتي العامل الاقتصادي في مقدمة الضغوط التي تواجه الشباب. البطالة، وتأخر فرص العمل، والديون، وارتفاع تكاليف المعيشة والسكن، وفشل المشاريع الصغيرة، كلها عوامل تضغط على الإنسان وتجعله يشعر بأنه عاجز عن بناء حياته. وفي مجتمع ما زال يربط قيمة الرجل بقدرته على تحمل مسؤوليات الأسرة والإنفاق عليها، يمكن أن يتحول العجز الاقتصادي إلى شعور قاسٍ بالفشل الاجتماعي.
أما داخل الأسرة، فإن المشكلة لا تقل خطورة. ضعف الحوار بين الآباء والأبناء يجعل كثيراً من الشباب يحتفظون بمشكلاتهم لأنفسهم. وقد يُنظر إلى الاكتئاب أو القلق أحياناً باعتبارهما ضعفاً أو دلالاً، بدلاً من التعامل معهما بوصفهما مشكلات تحتاج إلى مساعدة وعلاج.
وتتعرض الفتيات أيضاً لضغوط مختلفة، من بينها العنف الأسري، والطلاق المبكر، والابتزاز الإلكتروني، والوصمة الاجتماعية. ومع اتساع استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت بعض المشكلات الخاصة تتحول بسرعة إلى أزمات اجتماعية ونفسية، خصوصاً عندما تشعر الفتاة بأنها محاصرة ولا تجد جهة آمنة تلجأ إليها.
وهناك عامل آخر لا يمكن تجاهله، وهو الفراغ وفقدان الأمل بالمستقبل. خريج جامعي ينتظر سنوات للحصول على فرصة عمل، وشاب يرى أقرانه يحققون ما يريدون بينما يشعر هو بأنه واقف في المكان نفسه، قد يصل تدريجياً إلى قناعة بأن تعبه لم يحقق له شيئاً. وتزداد المشكلة عندما تتحول المقارنة عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى مقياس لقيمة الإنسان ونجاحه.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة هو أن بعض الشباب لا يجدون منظومة دعم حقيقية عندما يمرون بأزمة نفسية. ما زالت خدمات الصحة النفسية محدودة قياساً بحجم الحاجة، كما أن الوصمة الاجتماعية تجعل البعض يتردد في مراجعة الطبيب أو المختص النفسي خوفاً من نظرة الآخرين.
ولا يمكن تجاهل مشكلة المخدرات التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة جزءاً من المشهد الاجتماعي العراقي. فالإدمان لا يصنع المشكلة من الصفر، لكنه يزيد من حدتها، ويضعف قدرة الإنسان على التعامل السليم مع الأزمات، ويجعل التدخل المبكر أكثر أهمية.
إن مواجهة الانتحار لا تكون فقط بعد وقوع المأساة، وإنما تبدأ قبل ذلك بكثير. تبدأ من الأسرة التي تستمع إلى أبنائها، ومن المدرسة التي تلاحظ التغيرات النفسية لدى الطلبة، ومن الجامعة التي لا تترك الطالب يواجه مشكلاته وحده، ومن مؤسسات الدولة التي توفر خدمات صحة نفسية متاحة للجميع، ومن مجتمع يتوقف عن السخرية من الشخص الذي يطلب المساعدة.
نحن بحاجة إلى تغيير نظرتنا إلى الصحة النفسية. مراجعة الطبيب النفسي ليست عيباً، وطلب المساعدة ليس ضعفاً، والحديث عن الألم ليس دليلاً على الفشل. الإنسان الذي يمر بأزمة يحتاج إلى من يسمعه قبل أن يحتاج إلى من يحكم عليه.
إن الأرقام، مهما كانت كبيرة أو صغيرة، لا تقول كل شيء. فهناك محاولات وأزمات نفسية لا تصل إلى الإحصاءات الرسمية، وهناك أسر تخفي ما حدث خوفاً من الوصمة الاجتماعية. ولهذا فإن مواجهة الظاهرة تحتاج إلى بيانات أكثر دقة، ودراسات اجتماعية ونفسية أوسع، وبرامج وقاية حقيقية، لا إلى الاكتفاء بإعلان الأرقام بعد وقوع الحوادث.
العراق الذي عانى طويلاً من الحروب والعنف لا يحتاج إلى أن يرث أبناؤه اليأس أيضاً. نحن بحاجة إلى أن نعيد للإنسان شعوره بأن له مكاناً في هذه الحياة، وأن أمامه فرصة، وأن مشكلته مهما كانت صعبة يمكن أن تجد من يسمعها ويساعد في حلها.
فالانتحار ليس قضية فرد وحده، وإنما إنذار للمجتمع كله بأن هناك شيئاً يحتاج إلى الإصلاح.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وزير التسوق
- أربيل بعد الانسحاب الأمريكي.. ماذا بقي من المظلة؟
- موت المؤلف الثاني
- بناء ثقافة الطفل
- دجلة رحلة الموت البطيء
- ماذا تريد أنقرة من قواعدها في العراق؟
- كفاءة المعلم العراقي
- الابنية المدرسية
- ما تبقى من الفاسدين
- حرب الممرات البحرية
- هل نحتاج سياسي ام رجل دولة؟
- الانتخابات النصفيَّة وتكلفة الحرب
- هل انتفت الحاجة للجامعة العربية؟
- ماذا بقى من الجامعة العربية؟
- لماذا قطعت الجزائر علاقاتها بالإمارات؟
- السلام في يومه العالمي
- انقرة وتل ابيب صراع النفوذ في سوريا
- هل تورطت أمريكا في حرب بلا اهداف؟
- هل نخاف من الذكاء الاصطناعي ام من أنفسنا؟
- حليب موشوم بالحزن


المزيد.....




- حقائب تحمل ذاكرة بلد.. مصممة تحتفي بلبنان في أصعب لحظاته
- من جبال القمر إلى منبع نهر النيل المزعوم..عجائب تنتظرك في أو ...
- البنتاغون تكشف كيف سيحمي الجيش الانتخابات النصفية الأمريكية ...
- حادث على متن حاملة -أيزنهاور-: طياران يقفزان بالمظلة وإصابة ...
- شبكة NBC: مقتل رئيس قسم الألعاب في -نيويورك تايمز- برصاص وال ...
- خبير مصري: رسالة -الزلزال القادم- من السنوار وصلت إلى تل أبي ...
- الحرس الثوري للأمريكيين: قواعدكم دُمرت فلماذا هذا الإنفاق؟
- كييف تقترح على الاتحاد الأوروبي وألمانيا استخدام أوكرانيا من ...
- وزيرة الإسكان: بدء تسليم قطع الأراضي السكنية «إسكان مميز» بأ ...
- في زمن الخوارزميات.. من يوجه وعي الشباب المسلم؟


المزيد.....

- عملية تنفيذ اللامركزية في الخدمات الصحية: منظور نوعي من السو ... / بندر نوري
- الجِنْس خَارج الزَّواج (2/2) / عبد الرحمان النوضة
- الجِنْس خَارج الزَّواج (1/2) / عبد الرحمان النوضة
- دفتر النشاط الخاص بمتلازمة داون / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (مقدمة) مقدمة الكتاب / محمد عبد الكريم يوسف
- الحكمة اليهودية لنجاح الأعمال (3) ، الطريق المتواضع و إخراج ... / محمد عبد الكريم يوسف
- ثمانون عاما بلا دواءٍ أو علاج / توفيق أبو شومر
- كأس من عصير الأيام ، الجزء الثالث / محمد عبد الكريم يوسف
- كأس من عصير الأيام الجزء الثاني / محمد عبد الكريم يوسف
- ثلاث مقاربات حول الرأسمالية والصحة النفسية / سعيد العليمى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الصحة والسلامة الجسدية والنفسية - حسين علي الحمداني - ظاهرة الانتحار في العراق