حسين علي الحمداني
الحوار المتمدن-العدد: 8835 - 2026 / 9 / 21 - 11:37
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
يحتفل العالم بالسلام، بينما يعجز عن تحقيقه.
هذه هي المفارقة التي تختصر عصرنا كله. نرفع الأعلام البيضاء، ونلقي الخطب، ونعقد المؤتمرات تحت عنوان السلام، ثم نعود إلى نشرات الأخبار التي لا تحمل إلا أصوات الحرب. في غزة حرب، وفي السودان حرب، وفي اليمن حرب، وفي أوكرانيا حرب، وفي قلوب الناس حروب صغيرة لا يراها أحد.
لقد صار السلام فكرة جميلة نحب أن نتحدث عنها، لا فعلًا شجاعًا نمارسه. نريده بعيدًا، في الأمم المتحدة والكتب والتاريخ، ولا نريده قريبًا، في بيتنا وشارعنا ولغتنا اليومية.
والحقيقة أن السلام ليس غياب الحرب فقط. فغياب الحرب قد يكون خوفًا، وقد يكون قهرًا، وقد يكون هدنة يلتقط فيها المقاتلون أنفاسهم. أما السلام الحقيقي فهو حضور العدالة. لا سلام من دون عدالة، ولا عدالة من دون أن يشعر الإنسان أن كرامته مصونة، وأن خبزه ليس منّة، وأن صوته مسموع، وأن دمه ليس رخيصًا.
نحن في منطقتنا نعرف ثمن غياب السلام جيدًا. نعرفه في وجوه الأمهات اللواتي انتظرن طويلًا، وفي عيون الأطفال الذين كبروا قبل أوانهم، وفي المدن التي تعلمت أن تبني وتنهض رغم كل شيء. لذلك فإن كلمة السلام عندنا ليست رفاهية لغوية، بل حاجة إلى البقاء.
السلام يبدأ من الداخل؛ من أن نرفض الكراهية التي تُزرع فينا باسم الطائفة والقومية والحزب، ومن أن نرفض تحويل المختلف عنا إلى عدو. أن نتعلم أن القوة ليست في إسكات الآخر، بل في القدرة على العيش معه. فالعالم لا تتكاثر فيه الأسلحة فقط، بل تتكاثر فيه الكراهية المجانية، وهي الوقود الحقيقي لكل الحروب.
اليوم، في يوم السلام العالمي، لا نحتاج إلى مزيد من الشعارات. نحتاج إلى ضمير. نحتاج أن نسأل أنفسنا: ماذا فعلت أنا لأكون جزءًا من السلام، لا جزءًا من الحرب؟ هل سامحت؟ هل أنصفت؟ هل قلت كلمة حق عندما كان الصمت أسهل؟
السلام ليس حمامة بيضاء نرسمها على جدار. السلام قرار يومي، صعب ومكلف، لكنه القرار الوحيد الذي يجعل الحياة تستحق أن تُعاش.
#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟