أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - رسائل الى حنان في الزمن الصعب (58)














المزيد.....

رسائل الى حنان في الزمن الصعب (58)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8828 - 2026 / 9 / 14 - 11:38
المحور: الادب والفن
    


مساء الخير حنان..
أعود لطاولتي وألتقيكِ، أيتها المتشحة بطوق كل الحضارات الممتدة من دجلة حتى قرطاج..
ألتقيكِ في مساء يحمل نكهة شتاء الخالص، وهواء دجلة، وترانيم سومر، وعبق بابل، ونكهة آشور..
أعرف أن اللقاء معكِ يحتاج إلى طقوس كبيرة، وأعرف هذا جيداً، لذلك أعددت له طقوسه الليلة. أغلقت باب الغرفة، وأسـدلت الستارة التي تتمزق من البرد، وأشعلت الفانوس لأن الكهرباء، كعادتها، غائبة، ووضعت على الطاولة فنجانين. فنجاني مرٌّ كأيامنا هذه، وفنجانكِ تركته حلواً كما تحبينه أنتِ. وبينهما منفضة السجائر التي لم تعد تحمل سوى أعقاب انتظاري.
أردد حروف اسمكِ التي تحولت عندي إلى نشيد أحتاج أن أردده كل لحظة من لحظات يومي، الذي كان سيكون روتينياً مملاً لولا حضوركِ البهي الذي جعلني أعيش في عالم مختلف عن عالمنا هذا. عالم يبدأ منكِ وإليكِ ينتهي.
في الصباح يا حنان، أعانق خصلة شعركِ وأمشطها، فيبدأ اليوم منكِ. أقول لهم في المدرسة: صباح الخير، وأنا في داخلي أقولها لكِ وحدكِ. أقف أمام تلاميذي، أكتب على السبورة درساً عن التاريخ، عن حمورابي ومسلته، فيخطر لي أن كل الشرائع التي كتبها البشر كانت تبحث عن العدالة، بينما العدالة كلها أن تكوني بخير هناك حيث أنتِ. يقرأ التلاميذ بصوت عالٍ، وأنا أسمع صوتكِ أنتِ بين أصواتهم.
أما النهار هنا فتعرفينه. هو نفس النهار الذي يطحننا به الحصار. طوابير، وكلمات كبيرة في المذياع عن مجلس الأمن، وأسعار تكبر كل ساعة. لكنني تعلمت أن أنجو. أنجو بكِ. حين يضيق السوق ويضيق الصدر، أهرب إلى تلك النافذة التي فتحتها رسالتكِ. أكتب اسمكِ على هامش دفتر التحضير، فيصبح الدفتر كله مضيئاً.
وفي المساء.. آه من المساء. المساء هو موعدنا الذي لا يخلف. أجلس معكِ عند هذه الطاولة لينتهي اليوم معكِ.
أجلس وأحدثكِ عن الخالص. شتاؤنا بدأ مبكراً هذه السنة. دجلة بارد هذه الليلة، وهواؤه يدخل من شقوق النافذة، يحمل معه رائحة الطين المبلل والدخان البعيد. هل تذكرين حين قلتِ لي إنكِ تحبين الشتاء لأنه يجعل الناس تقترب؟ ها نحن نقترب رغم كل هذا البعد. المسافة التي بيننا، بضعة آلاف من الكيلومترات، تذوب الآن. لم تعد موجودة. الموجود فقط هو هذه الطاولة، وهذا الضوء الأصفر المرتعش، وأنتِ.
أحياناً أسأل نفسي: هل يعقل أن يصبح شخص لم ألمس يده يوماً هو كل عالمي؟ ثم أضحك من سؤالي. وهل لمسنا نحن حضارة سومر؟ لا، لكنها تسكننا. وهل لمسنا بابل؟ لا، لكن عبقها في دمنا. أنتِ كذلك. أنتِ حضارتي الخاصة. أنتِ طوقي، من سومر جنوباً حتى قرطاج غرباً، وكل المدن بينهما لا معنى لها إلا إذا مررتِ بها.
حنان..
لا تتأخري عليّ بالكتابة. أعرف أن البريد متعب وأن الأوضاع لا تساعد، لكن رسائلكِ هي المؤونة الوحيدة التي أخزنها لهذا الشتاء الطويل. كل رسالة تأتي، أخبئها في كتاب التاريخ، بين صفحتي بابل وآشور، كأنني أخبئكِ بين حضارتين تحرسانكِ.
كوني بخير، من أجل هذه الطاولة التي تنتظرنا، ومن أجل فنجانين لم نكمل شربهما بعد، ومن أجل يومٍ سيأتي، أنا مؤمن أنه سيأتي، تنتهي فيه كل الحروب، وتفتح فيه كل الحدود، وأراكِ فيه فأقول لكِ أخيراً: ها قد انتهى الكلام على الورق، وبدأ الكلام الحقيقي.
أحبكِ بكل ما يملك معلم بسيط في زمن صعب من حب.
المخلص

حسين
25 أكتوبر 1994



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (57)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (56)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (55)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (54)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (53)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (52)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (51)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (50)
- رسائل الى حنان في الزمن (49)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (48)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (47)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (46)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (45)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب(44)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (43)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (42)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (41)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (40)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (39)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (38)


المزيد.....




- محكمة فرنسية تمنح كيم كارداشيان يورو واحدا تعويضا عن سرقتها ...
- أصالة في دمشق بحفل واحد.. والمنظمون يوضحون حقيقة -الحفل الثا ...
- -شبكات-.. فيلم -نازا- يغضب إسرائيل وقميص الزلزولي يثير جدلا ...
- الممثل الويلزي ماثيو ريس يدخل تاريخ جوائز إيمي بفوز مزدوج
- مخرج فيلم -نازا- يتهم الإعلام الإسرائيلي بتجاهل مقتل المدنيي ...
- زاخاروفا: إغلاق معهد غوته لا ينهي العلاقات الثقافية مع ألمان ...
- تكريم الممثل مايكل جي فوكس بجائزة -بوب هوب- للعمل الإنساني
- جلسات الاستئناف في قضية سعد لمجرد تنطلق الخميس في فرنسا
- من مادوكس إلى زاهارا وفيفيان.. أبناء أنجلينا جولي وبراد بيت ...
- عبد الإله سباهي: نشكر روسيا على جمع الشباب في مهرجان دولي


المزيد.....

- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - رسائل الى حنان في الزمن الصعب (58)