أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - رسائل الى حنان في الزمن (49)














المزيد.....

رسائل الى حنان في الزمن (49)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8824 - 2026 / 9 / 10 - 10:26
المحور: الادب والفن
    


مساء الخير يا حنان..
سألتِني: «هل تحب أغاني أم كلثوم؟»
فضحكتُ وأنا أعود بذاكرتي إلى أول لقاء بيني وبين صوتها.
كان ذلك في الجيش. والمذياع يومها لم يكن مجرد جهاز للتسلية، بل كان رفيقاً للمقاتلين في ليالي الحراسة الطويلة. الليل طويل، والصمت ثقيل، والبرد يتسلل من أطراف المعطف، وفجأة يخرج من المذياع صوت موسيقى عذبة، تأخذك بعيداً عن المكان، ثم يبدأ الغناء.
كانت «الأطلال».
قصيدة حزينة، عميقة الوجع. لم أحبها يومها، بل شعرت بشيء من اليأس يتسلل إلى قلبي. كنت أشعر وكأنها تذكّرنا بكل ما خسرناه، وبكل شيء مضى ولن يعود.
وكان معنا جندي من البصرة، عاشق لصوت أم كلثوم. حدثته بما شعرت به وقلت له:
«إن هذه الأغنية كأنها تحذرنا من الحب ومن عواقبه».
ابتسم وقال:
«أتفق معك تماماً».
ثم فتح حقيبته القديمة وأخرج شريط كاسيت مهترئ الأطراف، وقال:
«أحتفظ به».
سألته بدهشة:
«ألهذه الدرجة تحب هذه الأغنية؟»
أجابني بجملة لم أنسها إلى اليوم:
«كل من انهزم في الحب يجد نفسه في هذه القصيدة».
ضحكت وقلت له:
«وأنت منهم إذن؟»
نظر إليّ طويلاً، ثم قال بهدوء:
«نعم».
كانت تلك بدايتي مع أم كلثوم.. بداية وجع.
لكنني، بعد أن خرجت من الجيش، بدأت أستمع إليها بقلب آخر، فاكتشفت لها وجهاً آخر. خذي مثلاً «أغداً ألقاك».. فيها لهفة وانتظار ورجاء، وفيها ذلك اليقين الجميل بأن اللقاء قادم، مهما طال الانتظار.
وهنا شعرت أن الحب ليس وجعاً فقط. ربما كان الوجع أحد وجوهه، أما الوجه الآخر فهو أن يبقى في القلب شيء ننتظره.
وأعرف أن كثيراً من فتيات جيلكِ كنّ يعشقن عبد الحليم حافظ. كنتنّ ترددن «قارئة الفنجان» و«رسالة من تحت الماء»، وكأن كل واحدة منكن تجد في أغانيه شيئاً من حكايتها.
أما اليوم، فأسمع أن الجيل الجديد يميل كثيراً إلى كاظم الساهر.
ونحن الرجال أيضاً لسنا سواء. منا من يحب صوت أم كلثوم القوي، ومنا من يميل إلى الصوت الهادئ، وأنا من هؤلاء.
أحب نجاة الصغيرة.
أحب ذلك الصوت الذي لا يحتاج إلى أن يرتفع كثيراً حتى يصل إلى القلب. صوتها هادئ، حزين أحياناً، لكنه يترك في النفس شيئاً لا أعرف كيف أصفه.
ولا أحتفظ في الحقيقة بأشرطة كثيرة لأي مطرب أو مطربة، إلا تلك التي أرسلتِها إليّ من أغاني ماجدة الرومي ونجاة. ولعل قيمة هذه الأشرطة عندي ليست في الأغاني وحدها، وإنما في أنها جاءت منكِ.
نحن في العراق اعتدنا المذياع حتى أصبح جزءاً من حياتنا اليومية. الأخبار في رأس كل ساعة، ثم التعليق السياسي، ثم أغنية قصيرة بين نشرة وأخرى. وهكذا نمضي يومنا بين الأخبار والأغاني، بين ما يثقل القلب وما يمنحه لحظة من الراحة.
المذياع عندنا ليس جهازاً فقط. إنه نافذتنا الصغيرة على العالم.
أجلس أحياناً وحدي، والمذياع إلى جانبي، فأشعر أن هناك عالماً آخر خلف هذه الجدران، عالماً فيه أصوات وموسيقى وأخبار وناس لا نعرفهم، لكنه يصل إلينا عبر موجات صغيرة لا نراها.
وأكتب إليكِ الآن والمذياع بجانبي.
انتهت قبل قليل نشرة الأخبار، وبدأت مقدمة موسيقية أعرفها جيداً.. توقفت عن الكتابة للحظات لأستمع.
ترى ماذا ستسمعين أنتِ الآن ؟
ربما أغنية من شريطكِ، وربما يكون المذياع إلى جانبكِ أيضاً.
غداً ألقاكِ في رسالة جديدة، صغيرتي الجميلة.
دمتِ لي..
المخلص

حسوني
الأحد 4 سبتمبر 1994



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (48)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (47)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (46)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (45)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب(44)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (43)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (42)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (41)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (40)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (39)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (38)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (37)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (36)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (35)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (34)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (33)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (32)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (31)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (30)
- رسائل الى حنان في الزمن الصعب (29)


المزيد.....




- زاخاروفا: موسكو وواشنطن لديهما ما يتحدثان عنه والأهم ترجمة ا ...
- بينيلوبي كروز وخافيير بارديم يدافعان عن مواقفهما السياسية في ...
- -القتل بدوام كامل- تفوز بجائزة خيري شلبي للعمل الروائي الأول ...
- بصمة -التبريزي- في الأناضول: كشف أثري يعيد رسم خريطة الفن ال ...
- البحث عن رسول.. إرث الشاعر رسول حمزاتوف
- مي التي تغيب فيحضر كل شيء: قراءة سيميائية سردية في عوالم روا ...
- -روّحي على بيت أبوكي-.. انطلاق عروض فيلم -ريد فلاج-
- بعد توحيد المناهج.. مطالب باستمرار تدريس اللغة التركية في سو ...
- بن شيلتون يسقط ألكاراز في ماراثون تاريخي.. واحتفال كوميدي بع ...
- من السجن إلى الذاكرة.. هل تصبح حكايات الأقبية أساسا لسوريا ا ...


المزيد.....

- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - رسائل الى حنان في الزمن (49)