حسين علي الحمداني
الحوار المتمدن-العدد: 8833 - 2026 / 9 / 19 - 12:04
المحور:
الادب والفن
بهذه الكلمات تبدأ بعض الليالي العراقية:
"دللول يا الولد يبني دللول، عليل وعدوك ساكن الجول.."
ليست التهويدة هنا أغنية بريئة لإسكات طفل. هي أول وصية يتلقاها، وأول درس في الحياة.
الطفل العراقي لا يرضع الحليب وحده؛ يرضع معه شيئاً من الشجن. يرضع غياباً لم يفهمه بعد، وخوفاً لم يعش تفاصيله، ووجعاً تناقلته الأجيال حتى استقر في نبرة الصوت.
وربما يعود هذا الشجن إلى زمن بعيد، إلى الإنسان السومري على ضفاف الرافدين. هناك، في حكاية تموز وعشتار، يصبح الفقد جزءاً من دورة الحياة، والبكاء طقساً، والحزن لغة للحب. نزلت عشتار إلى العالم السفلي بحثاً عن تموز، وتعلمت الأم العراقية، عبر قرون من الحروب والجفاف والفقد، أن تهدهد طفلها بأغنية تحمل خوفها عليه وخوفها على المستقبل.
لهذا لم تكن "دللول" مجرد كلمات للنوم. فـ "العليل" و "العدو" و "الجول" ليست مفردات وردية لطفل، بل ظلال تاريخ طويل مرّ على هذه الأرض.
الأم لا تقول لطفلها إن العالم آمن دائماً؛ هي تهيئه، دون أن تقصد، لحياة تحتاج إلى الصبر. في العراق، يبدو أن الفرح يحتاج إلى حراسة، بينما يأتي الحزن وحده، بلا استئذان. لذلك تسلل الشجن إلى اللهجة والموسيقى، حتى صار جزءاً من الذاكرة أكثر مما هو إحساس عابر.
"دللول" ليست مجرد كلمة. إنها جسر غامض يمتد بين زمنين: بين عشتار التي تبكي تموز، وأم تهز مهد طفلها في بغداد أو الناصرية أو الخالص في منتصف الليل. جسر بين أسطورة قديمة وواقع يتجدد.
هكذا يولد العراقي أحياناً: وفي قلبه لحن قديم، وفي أذنه حكاية لم تبدأ معه، وفي عينيه دمعة لم تنزل بعد.
ولعل ما يختصر الحكاية أن أول ما يتعلمه الطفل هنا، ليس كيف يضحك، بل كيف ينام على أغنية تعرف جيداً أن الحياة، في هذه البلاد، لا تخلو من الحزن.
إنه حليب موشوم بالحزن... لكنه، رغم ذلك، يحمل وعداً بالحياة.
#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟