أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - موت المؤلف الثاني














المزيد.....

موت المؤلف الثاني


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8841 - 2026 / 9 / 27 - 11:42
المحور: الادب والفن
    


لم يمت المؤلف مرة واحدة. مات مرتين.
المرة الأولى كانت نظرية. في عام 1967 كتب رولان بارت مقاله الشهير «موت المؤلف»، وقال فيه إن النص لا يكتمل عند لحظة كتابته، وإن القارئ هو الذي يمنحه معناه النهائي. كانت موتة فلسفية أنيقة، احتفى بها النقاد طويلاً.
أما الموتة الثانية فتحدث الآن أمام أعيننا. موتة تقنية، فجة ومربكة، في باريس، بعد أن تحولت رواية «كان ذلك أو الموت» للكاتب الكندي-الهايتي ثيليسون أوريليان، خلال أيام، من ظاهرة أدبية إلى واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل في عالم النشر.
الرواية، التي صدرت عن دار غراسيه، حققت انتشاراً سريعاً، وباعت عشرات الآلاف من النسخ، وفازت بجائزة رواية «فناك»، كما دخلت القائمة الأولى لجائزة غونكور.
ثم جاء حساب مجهول على منصة «إكس»، باسم «Balance ton Claude»، لم يكن يتابعه سوى 92 شخصاً، ليقلب المشهد كله. الحساب اتهم أوريليان بأن روايته كُتبت تقريباً بالكامل بالذكاء الاصطناعي، مستنداً إلى نتائج برنامج Pangram الذي حلل مقاطع من الرواية، وظهرت نتائج مرتفعة جداً لصالح احتمال استخدام الذكاء الاصطناعي.
هنا لم نعد أمام خلاف أدبي أو اتهام عابر. نحن أمام سؤال أكبر بكثير: من يملك حق القول إن هذا النص كتبه إنسان؟
الكاتب نفى الاتهام، وقال إنه لا يرى سبباً يدفعه إلى الاستعانة بآلة لكتابة روايته، وأعلن أنه يعمل مع ناشريه على إعداد ملف يثبت أنه كتب العمل بنفسه.
لكن السؤال يبقى: كيف يثبت الكاتب ذلك؟
هذه هي المفارقة الجديدة. أدوات كشف النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي لا تقدم حكماً قضائياً، بل نتيجة إحصائية. وقد تكون النتيجة مؤشراً مهماً، لكنها لا تستطيع وحدها أن تثبت من كتب النص.
المسودات قد تكون دليلاً، وملفات الحاسوب قد تكون دليلاً، وتاريخ الكتابة والمراسلات مع الناشر والمحررين قد تقدم قرائن أخرى. لكن لا توجد حتى الآن أداة تقنية قاطعة تستطيع أن تنظر إلى رواية مكتملة وتقول بيقين: هذا كتبه إنسان، وهذا كتبته آلة.
والأخطر أن القضية لم تتوقف عند الذكاء الاصطناعي. فقد ظهرت اتهامات أخرى تتعلق بانتحال نصوص قديمة، الأمر الذي زاد الضغط على الكاتب والناشر، قبل أن تعلن أكاديمية غونكور في 25 سبتمبر سحب الرواية من قائمتها الأولى، معللة قرارها بالحفاظ على نزاهة الجائزة، وبأن دورها هو تتويج الأدب الذي كتبته النساء والرجال.
تخيل المفارقة: جائزة أدبية عريقة تجد نفسها مضطرة إلى التذكير بأن الأدب الذي تتوجّه يجب أن يكون مكتوباً من البشر.
لكن القضية الأعمق ليست قضية أوريليان وحده، ولا قضية رواية واحدة. إنها لحظة اختبار لفكرة المؤلف نفسها.
رولان بارت أعلن موت المؤلف لكي يتحرر النص من سلطة صاحبه، ويصبح للقارئ دور أساسي في صناعة المعنى.
أما الذكاء الاصطناعي فيطرح موتاً مختلفاً تماماً: ماذا لو أصبح النص قادراً على الاستمرار من دون أن نعرف من كتبه أصلاً؟
وماذا لو كتبت الآلة رواية عن المنفى والنجاة والاقتلاع، وأبكت القراء، وأقنعت النقاد، وباع منها عشرات الآلاف؟
هل تصبح أقل أدبية لأنها لم تولد من يد بشرية؟
أم أن الأدب هو ما يفعله النص فينا، بغض النظر عمن أمسك بالقلم؟
هنا تكمن المفارقة الأكثر قسوة: نحن لا نعرف بعد كيف نثبت أن النص بشري، لكننا بدأنا نحتاج إلى هذا الإثبات.
لقد كان المؤلف في زمن بارت يريد أن يموت لكي يعيش النص.
أما اليوم، فقد يجد المؤلف نفسه مطالباً بإثبات أنه حي لكي يعيش النص.
وهذه هي «موتة المؤلف الثانية».
الأولى حررت النص من سلطة الكاتب.
أما الثانية فقد تحرر النص، للمرة الأولى، من الإنسان نفسه.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بناء ثقافة الطفل
- دجلة رحلة الموت البطيء
- ماذا تريد أنقرة من قواعدها في العراق؟
- كفاءة المعلم العراقي
- الابنية المدرسية
- ما تبقى من الفاسدين
- حرب الممرات البحرية
- هل نحتاج سياسي ام رجل دولة؟
- الانتخابات النصفيَّة وتكلفة الحرب
- هل انتفت الحاجة للجامعة العربية؟
- ماذا بقى من الجامعة العربية؟
- لماذا قطعت الجزائر علاقاتها بالإمارات؟
- السلام في يومه العالمي
- انقرة وتل ابيب صراع النفوذ في سوريا
- هل تورطت أمريكا في حرب بلا اهداف؟
- هل نخاف من الذكاء الاصطناعي ام من أنفسنا؟
- حليب موشوم بالحزن
- هرمز وباب المندب.. حين تصبح الجغرافية سلاحا
- رسائل إلى حنان في الزمن الصعب 65
- رسائل إلى حنان في الزمن الصعب 64


المزيد.....




- عنصرية الحجب الفلسطيني عن التمثيل البرلماني
- فلسطين وروسيا تتفقان على أسابيع ثقافية متبادلة وترجمة الأعما ...
- معركة شطب أمام المحكمة العليا.. التمثيل العربي في انتخابات ا ...
- الأمن المصري يكشف تفاصيل مقتل عم الفنان حمدي الميرغني بالرصا ...
- الصندوق الأسود للحرب العظمى.. من عهد السلطان عبد الحميد الثا ...
- من البرج إلى الجبل.. هل نجا فيلم -سقوط 2- من فخ التكرار؟
- من يصنع الأدب اليوم.. الكاتب أم الذكاء الاصطناعي؟
- -قصر العظم- يتصدر جوائز الإعلام السوري في المهرجان العربي بت ...
- وزير التعليم العالي والقائم بعمل وزير الثقافة يترأس اجتماع ا ...
- قابلوا -الليمور المغنّي-.. كيف يستخدم تقنيات الأوبرا لصنع ال ...


المزيد.....

- شرنقة الاحتضار الأخير / رائد الجحافي
- دور الفن فى مواجهة المشكلات والأزمات / د/ سامح سعيد عبد العزيز
- رواية محاولة بقاء / الحسين افقير
- رواية محلبة عم ابراهيم / الحسين افقير
- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - موت المؤلف الثاني